فضائل فاطمة الزّهراء (ع)

المقدمة

إنّ البشريّة لم تشهد ولن تشهد إلى يوم القيامة امرأة ذات مقام رفيع عالٍ مثل فاطمة الزّهراء (عليها السلام)، على صغر سنّها؛ فإذا جئت إليها (عليها السلام) مِن جهة النّسب فأبوها سيّد الأنبياء وخاتمهم محمد (صلّى الله عليه وآله)، وأمّها سيّدة نساء زمانها خديجة -سلام الله عليها-، التي بذلت كلّ ما تملك من أجل الرّسالة الغرّاء التي جاء بها زوجها، ومنحته مكانتها الاجتماعية وأموالها في سبـيل تحقـيق هـدفه وهو نشر الدين الإسلامي،

وإذا جئنا إلى زوج السيّدة الزّهراء (عليها السلام) فهو سيّد الوصيّين أمير المؤمنين (عليه السلام)، وإذا جئنا إلى ابنيها فهما سيّدا شباب أهل الجنّة الحسن والحسن (صلّى الله عليه وآله)، وإذا جئنا إلى مقامها فإنّ أقلام الدّنيا كلّها تجفّ إذا ما سعت إلى إحصاء فضائلها (عليها السلام)، كيف لا! وقد قال فيها أبوها (صلّى الله عليه وآله): «فاطمة بضعة منّي من آذاها فقد آذاني، يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها، وهي سيّدة نساء العالمين» (1).

من هي تلك المرأة التي لو أوذيت لتأذّى لأذاها سيّد المرسلين وأشرف النّبيّين، بل أعظم من ذلك هو أنّ الله يرضى لرضاها ويغضب لغضبها؟؟ يا الله! إنّها كلمات جدّاً عظيمة، فإذا أردت معرفة رضا الله من غضبه عمّن كان في زمن فاطمة (عليها السلام) فانظر إلى رضاها عنه أو غضبها عليه تعرفه أفي الجنّة هو أو في النار.

لقد أصبحت الصدّيقة (عليها السلام) هي المعيار والميزان لرضا الله وغضبه وسخطه، وإذا تساءلنا هل أنّ إعطاءها هذه المنزلة اعتباط أم ماذا؟ يأتيك الجواب: كلا، وألف كلا؛ لأنّ فاطمة الزّهراء (عليها السلام) لم تكن إنسانة عاديّة بل هي حوراء إنسيّة كانت نوراً قبل بعثة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) أودع الله ذلك النّور في شجرة من أشجار الجنّة، وحينما عرج بالرّسول (صلّى الله عليه وآله) إلى السماء أكل من تلك الشجرة فصارت النطفة في صلبه، وحينما أُنزل إلى الأرض واقَع خديجة (عليها السلام)، فتكونت فاطمة (عليها السلام) من تلك النطفة التي أصلها من الجنّة، ومن جانب آخر أنّها (عليها السلام) قِمّة في الإيمان والإخلاص والرضا والتسليم.

ومن الابتكارات الجميلة ما قدّمته مؤسسة جليل للتحقيقات الفكريّة، ومؤسسة صائب للنشر الفكري، في الجمهورية الإسلامية، تحت عنوان: أربعون حديثاً في فضل فاطمة (عليها السلام) على لسان عائشة، منها: عرض الإقرار ببعض فضائل سيّدتنا فاطمة (عليها السلام) على لسان مخالفيها، وفي أسانيدهم ومؤلّفاتهم وصحاحهم ومسلّماتهم، نذكر بعض هذه الروايات مع توثيق مصاردها:

الرّواية الأولى: قالت عائشة: كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) إذا قدِم من سفرٍ قبَّل نحر فاطمة وقال: «منها أشمّ رائحة الجنّة» (2).

الرّواية الثانية: قالت عائشة: كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كثيراً ما يقبّل عُرْف فاطمة (عليها السلام)(3).

الرّواية الثالثة: رُوي عن عائشة أنّ فاطمة (عليها السلام) إذا دخلت على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قام مِن مجلسه، وقبّل رأسها، وأجلسَها مجلسه، وإذا جاء إليها لقيتُه وقبَّل كلٌّ الآخر، وجلسا معاً(4).

الرّواية الرابعة: وروت عائشة أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال لها: «يا عائشة، إنّي لمّا أسريَ بي إلى السماء أدخلني جبرئيل الجنّة، فناولني منها تفاحةً فأكلتها فصارت نطفة في صلبي، فلما نزلتُ واقَعتُ خديجة، ففاطمة من تلك النّطفة، وهي حوراء إنسيّة، كلّما اشتقت إلى الجنّة قبّلتها»(5).

الرّواية الخامسة: كذلك روت أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) أجابها على اعتراضها على تقبيله ابنته فاطمة (عليها السلام)، فكان من ذلك قوله: «فتناولت ثمرة من ثمارها -أي من ثمار الجنّة-، فأكلتها فصارت نطفة في صلبي فلما هبطت إلى الأرض واقَعتُ خديجة فحملت بفاطمة، فإذا اشتقت إلى رائحة الجنّة شممت رائحة فاطمة. يا حميراء! إنّ فاطمة ليست كنساء الآدميّين، ولا تعتلّ كما يعتلِلن»(6).

الرّواية السادسة: عن عائشة بنت طلحة عن عائشة قالت: ما رأيتُ أحداً كان أشبه كلاماً وحديثاً من فاطمة برسول الله، وكانت إذا دخلت عليه رحّب بها وقام إليها فأخذ بيدها وقبّلها، وأجلسها في مجلسه(7).

الرّواية السابعة: عن صفية بنت شيبة قالت: قالت عائشة: خرج النبي (صلّى الله عليه وآله) ذات غداة وعليه مِرْطٌ(8) مرجّل من شعر أسود، فجاءه الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثمّ جاء عليّ فأدخله، ثم قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}»(9).

الرّواية الثامنة: روت عائشة أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قال: «يا فاطمة أبشري، فإنّ الله اصطفاكِ على نساء العالمين، وعلى نساء الإسلام وهو خير دين»(10).

الرّواية التاسعة: وعنها كذلك أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) دعا فاطمة ابنته فسارّها فبكت، ثمّ سارّها فضحكت.

قالت عائشة: فقلت لفاطمة: ما هذا الذي سارّك به رسول الله فبكيتِ، ثم سارّكِ فضحكتِ؟ قالت:«سارّني فأخبرني بموته فبكيت، ثمّ سارّني فأخبرني أنّي أوّل من يتبعه من أهله فضحكت» (11).

الرّواية العاشرة: عن عائشة أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال لفاطمة (عليها السلام):«إنّ جبرئيل أخبرني أنّه ليس إمرأة من نساء العالمين أعظم رزيّة منك» (12).

الرّواية الحادية عشرة: وعنها قالت: «ما رأيت قط أحداً أفضل من فاطمة غير أبيها» (13).

الرّواية الثانية عشرة: عن يحيى بن عبادة عن أبيه، عن عائشة: ما رأيت أحداً كان أصدق لهجة من فاطمة، إلا أن يكون الذي ولدها -أي أنجبها، وهو أبوها (صلّى الله عليه وآله)-(14).

الرّواية الثالثة عشرة: عن جميع بن عمير أنّ عائشة تضجّرت من عمّته لمّا سألتها: لله أنتِ، مسيرك إلى عليّ ما كان؟ (أي يوم الجمعة)، فأجابتها: دعينا منكِ، إنّه ما كان من الرّجال أحبّ إلى رسول الله من عليّ، ولا من النّساء أحبّ إليه من فاطمة(15).

الرّواية الرابعة عشرة: قالت عائشة: كنت عند رسول الله فذكرتُ عليّاً، فقال: «يا عائشة، لم يكن قط في الدنيا أحبّ إلى الله منه ومن زوجته فاطمة ابنتي، ومن ولديه الحسن والحسين. تعلمين يا عائشة أيّ شيء رأيت لابنتي فاطمة ولبعلها؟ قالت: قلت: فأخبرني يا رسول الله، قال: يا عائشة إنّ ابنتي سيّدة نساء أهل الجنّة، وإنّ بعلها لا يُقاس بأحد من الناس، وإنّ ولديه الحسن والحسين هما ريحانتاي في الدنيا والآخرة، يا عائشة أنا وفاطمة والحسن والحسين، وابن عمي عليّ، في غرفة بيضاء أساسها رحمة الله تعالى، وأطرافها رضوان الله وهي تحت عرش الله»(16).

الرّواية الخامسة عشرة: قالت (يعني عائشة): إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: «فاطمة بضعة منّي، من آذاها فقد آذاني» (17).

الرّواية السادسة عشرة: عن عائشة أنّ فاطمة بنت النّبي أرسلتْ إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله ممّا أفاء الله عليه بالمدينة وفدك، وما بقي من خمس خيبر شيء، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت (18) على أبي بكر في ذلك، فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت، فلمّا توفيت دفنها زوجها عليّ ليلاً ولم يؤْذِن بها(19) أبا بكر(20).

الرّواية السابعة عشرة: عنها كذلك: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: يا معشر الخلائق، طأطؤوا رؤوسكم حتى تجوز بنت محمّد» (21).

الرّواية الثامنة عشرة: عن عثمان بن بشير قال: استأذن أبو بكر على رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فسمع صوت عائشة عالياً وهي تقول: والله لقد عرفتُ أنّ عليّاً وفاطمة أحبّ إليك من أبي ومنّي! مرتين أو ثلاثاً. فاستأذن أبو بكر -وكأنّه أُحرج من أخلاق ابنته مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله)- فأهوى إلى عائشة قائلاً: يا بنت فلانة! ألا أسمعك ترفعين صوتك على رسول الله (22).

وهذه الروايات -حسب ما ذكرت- معظمها، بل كلّها على لسان عائشة بنت أبي بكر، ومن مصادر العامّة، وهي تبيّن مكانة فاطمة (عليها السلام) وأنّها حوراء إنسيّة، فليس من السهل أن يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها، إلا لأنّها جسّدت كمال الخلافة في الأرض المجعولة من قبل الله -تبارك وتعالى- حيث قال: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} (23)، كيف لا وهي ابنة أشرف الخلق على وجه الأرض من الأوّلين والآخرين، وخرّيجة مدرسة الذي قال الله -تعالى- في صفاته: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}(24)، وهذا الوصف صادر من الله الذي خلقه: {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ}(25)، وعليه فهو تمام الوصف، فالزّهراء (عليها السلام) نتاج تربيته ورعايته وتأديبه، وأبوها نتاج تأديب الله -جلّ وعزّ-، حيث يقول الرّسول (صلّى الله عليه وآله): «أدّبني ربّي، فأحسن تأديبي»(26)، فنفهم من ذلك أنّ أدب فاطمة الزّهراء (عليها السلام) من أدب الله.

وإذا نظرنا في الروايات التي مرّت عن عائشة -وبالأخصّ الأولى، والثانية، والثالثة، والسادسة، والثامنة- وحبّ أبيها إليها، واحترامه إليها، ومبادلتها إيّاه الحبّ، نجدها تحترم أباها وتجلّه تمام الإجلال، ولا تجد في خطابها مع أبيها إلا الأدب والاحترام والإجلال، وفي هذا المجال ننقل ما أفاده سماحة الشيخ محمد رضا النعماني، حيث يقول: «ومع ذلك بقيت محتفظة بقدسيّة النبوّة وآدابها، تنظر إلى أبيها كنبيّ، قبل أن تنظر إليه كأب، فلم تقل له: يا أبه، وإنّما: يا رسول الله، مما دعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى أن يقول لها: «قولي: يا أبه؛ فإنّها أحيى للقلب»، فقد روى القاضي أبو محمد الكرخي في كتابه عن الصادق (عليه السلام)، قال: «قالت فاطمة: لما نزلت  {لا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضاً}(27)، هِبتُ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن أقول له: يا أبه، فكنتُ أقول: يا رسول الله، فأعرض عنّي مرّة أو اثنتين أو ثلاثاً، ثمّ أقبل عليّ فقال: يا فاطمة إنّها لم تنزل فيكِ، ولا في أهلك، ولا في نسلك، أنتِ منّي وأنا منكِ، إنّما نزلت في أهل الجفاء والغِلظة من قريش من أصحاب البذخ والكبر، قولي: يا أبه؛ فإنّها أحيى للقلوب، وأرضى للرب»(28)، وبهذا تعطي الزّهراء (عليها السلام) درساً بليغاً في مستواه وطبيعة العلاقة بين القائد وأبنائه، فهي كما شهدنا لم تغلّب عاطفتها كبنت، على ما لمقام النبوة من جلال واحترام، وقدّمت إيمانها بأبيها كرسول لربّ العالمين على كونها بنتاً له خوفاً من أن يكون نداؤها له بيا أبتي مشمول بقوله تعالى: {لا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضاً}، وجاء الرّسول ليؤكد حقيقةً تحمل الكثير من المعاني، وتدلّل على ما للزهراء من مكانة سامية عند الله ورسوله، فيقول لها: يا فاطمة إنّها لم تنزل فيكِ، ولا في أهلكِ، ولا في نسلكِ؛ لأنّكِ جزء من الشخصيّة النّبويّة (أنتِ منّي وأنا منكِ)، فلا يشملكِ الخطاب (فقولي: يا أبه؛ فإنّها أحيى للقلب، وأرضى للرب)» (29). 

أخلاقها مع زوجها:

نراها (عليها السلام) الزوجة المثالية، من احترامها لزوجها، وقيامها بواجباتها اتجاهه، فلو تبحث في سيرتها مع زوجها في كتب السير تجد أنّها ضرب من الخيال لما تسمع أو تقرأ من علوّ تلك السمات الأخلاقية بين الزوجين، كيف لا وقد تربّت في منبع الأخلاق، حيث قال أبوها (صلّى الله عليه وآله): «إنّما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (30).

كانت (عليها السلام) -وهي بنت النبوة الخاتمة- تقوم بكلّ شؤون بيتها، حتّى قال عليّ (عليه السلام) لرجل من بني سعد: «ألا أحدّثك عنّي وعن فاطمة، إنّها كانت عندي وكانت من أحبّ أهله إليه -إلى النّبي (صلّى الله عليه وآله)-، وأنّها استقت بالقربة حتّى أثّر في صدرها، وطحنت بالرّحى حتى مجَلَت يداها (31)، وكَسَحت البيت حتّى اغبرّت ثيابها، وأوقدت النّار تحت القدر حتّى دَكَنت ثيابها، فأصابها من ذلك ضرر شديد» (32).

واستمرّت وحيدة في إدارة شؤون بيتها فترة طويلة من الزمن، يُرهقها الاستقاء بالقربة، والطّحن بالرحى، وغير ذلك من شؤون البيت، وفي يوم من الأيام رأى النبي (صلّى الله عليه وآله) فاطمة (عليها السلام) وعليها كساء من جلد الإبل وهي تطحن بيديها وترضع ولدها، فدمعت عينا رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فقال: «يا بنتاه تعجّلي مرارة الدّنيا بحلاوة الآخرة، قالت: يا رسول الله، الحمد لله على نعمائه، والشكر على آلائه، فأنزل الله  {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}. وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد علّم عليّاً وفاطمة ما على كلّ واحد منهما من واجبات تجاه الآخر: فقضى على فاطمة بخدمة البيت ما دون الباب، وقضى على عليّ بما خلفه»(33).

وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إنَّ فَاطِمَةَ (عليها السلام) ضَمِنَتْ لِعَلِيٍّ (عليه السلام) عَمَلَ الْبَيْتِ وَالْعَجِينَ وَالْخُبْزَ وَ قَمَّ الْبَيْتِ‏، وَضَمِنَ لَهَا عَلِيٌّ (عليه السلام) مَا كَانَ خَلْفَ الْبَابِ نَقْلَ الْحَطَبِ‏ وَأَنْ يَجِي‏ءَ بِالطَّعَامِ، فَقَالَ لَهَا يَوْماً يَا فَاطِمَةُ هَلْ عِنْدَكِ شَيْ‏ءٌ؟ قَالَتْ: وَالَّذِي عَظَّمَ حَقَّكَ مَا كَانَ عِنْدَنَا مُنْذُ ثَلاثٍ إِلا شَيْ‏ءٌ آثَرْتُكَ بِهِ‏، قَالَ أَفَلا أَخْبَرْتِنِي؟ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى الله عليه وآله) نَهَانِي أَنْ أَسْأَلَكَ شَيْئاً، فَقَالَ: لا تَسْأَلِي ابْنَ عَمِّكِ شَيْئاً إِنْ جَاءَكِ بِشَيْ‏ءٍ عَفْواً وَإلا فَلا تَسْأَلِيه»(34).‏

وعاشت مع علي (عليه السلام) الذي عاش معها روحه وعاش معها جهاده، ولم يكن البيت تقليديّاً في روحيّته وحيويّته، وإن كان تقليديّاً في أقلّ مراتب التقليد في أثاثه ومساحته، لقد جعلت من بيتها حضناً ومهداً للرسالة، ومنزلاً إسلاميّاً يفيض بالخشوع والرحمة، وتتألق فيه القيم الإسلاميّة، جعلته بيتاً لله، وللطهارة، وللحقّ، وللعدل، والرحمة، والمحبّة، من خلال: روحانيّتها، وعبادتها، وزهدها، وفكرها، وعقلها، واستقامتها التي منحتها لهذا البيت، فصار جوّه جوّاً إسلاميّاً متكاملاً، بحيث استطاع عليّ (عليه السلام) أن يجد فيه الراحة والسعادة والانطلاقة والانفتاح (35).

تربية أولادها:

لقد كانت فاطمة الزّهراء (عليها السلام) الأم المثاليّة لأبنائها فقد ربّتهم أحسن تربية على الأخلاق الإسلاميّة السمحاء من العطاء والتضحية والكرم والتسامح والإيثار، فكانت تؤثر على نفسها حتّى في الدّعاء، فقد نقل الشيخ جعفر كاشف الغطاء في كتابه: “وكانت الزّهراء (عليها السلام) لا تدعو لنفسها، فقال لها الحسن (عليه السلام): «يا أمّاه! لم لا تدعين لنفسك؟ فقالت: الجار ثمّ الدّار»” (36)، فكانت لا تنسى حتّى جيرانها، إذ كانت تؤثرهم على نفسها، وهناك رواية عظيمة الفائدة نقلها الشيخ أيضاً في نفس الكتاب، قال: “وفي رواية من دعى لأخيه بظهر الغيب نودي من العرش ولك مائة ألف ضعف، وإنّ من دعى لأخيه المؤمن بظهر الغيب نودي من عنان السماء، ولك بكلّ واحد مائة ألف، وفي رواية أنّه ينادى في السماء الأولى بمائة ألف، وفي الثانية بمائتي ألف، وفي الثالثة بثلاثمائة ألف، وفي الرابعة بأربعمائة ألف، وفي الخامسة بخمسمائة ألف، وفي السادسة بستمائة ألف، وفي السابعة بسبعمائة ألف ضعف»(37).

فالزّهراء (عليها السلام) تعلّمهم الأخلاق الفاضلة كما تعلّمهم الصبر والإيثار، وقد نزلت فيهم الآيات الكريمة من سورة الإنسان: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُوراً  * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً}، بسبب إيثارهم بإفطارهم ثلاثة أيّام لمسكين ليلة، وليتيم أخرى، ولأسير ثالثة، فآثرت فاطمة الزّهراء وأبناؤها وبعلها كلّ بقرصه على من جاءهم، وأفطروا على شربة ماء، والآية تصف إيثارهم بأنّه لوجه الله، وأنّ خوفهم كان من الله من يوم كان على الكافرين عبوساً قمطريراً، فهم (عليهم السلام) يطيرون بأرواحهم إلى ملكوت السماء والقرب إلى الله بجناح الرّجاء {نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ}، وجناح الخوف {إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا}؛ فجاء منها الحسن (عليه السلام) وهو كريم أهل البيت (عليهم السلام)، وهو يكظم غيظه عن ذلك المسافر الذي أتى من الشام، فقال الشاميّ: أنت ابن عليّ بن أبي طالب؟، فقال الإمام (عليه السلام): «نعم، وكان جالساً بين أصحابه والشاميّ فوق دابته فشتم الإمام عليّ (عليه السلام)، فقال الإمام (عليه السلام) بما معناه: «يا هذا، أظنّك قد جئت من سفر متعب فانزل عندنا، فإن كنت جائعاً أطعمناك، وإن كنت تحتاج إلى مأوى آويناك»، فهذا ابنها الحسن (عليه السلام)، ولا أنسى ابنها الحسين (عليه السلام) الذي يبكي من أجل أعدائه؛ لأنّهم سيّدخلون النّار بسببه، انظر إلى الرحمة والعطف إلى أيّ درجة قد وصل، وأختهم (عليها السلام) حينما تسلّم تمام التسليم لربّها راضية بقضاء الله وقدره باستشهاد أخوتها وأبنائها وأهلها، فتأتي إلى أخيها مضرّجاً بدمائه فترفع جثمانه قليلاً متوجهة به إلى السماء قائلة: «اللهم تقبّل منّا هذا القربان»، وأيّ قربان هذا؟!، إنّه الإمام، حجّة الله على الأرض، ناهيك عن مواقفها (عليها السلام) في مجلس ابن زياد ويزيد بن معاوية -لعنة الله عليهم أجمعين- من شجاعتها وصلابتها أمام أعتى طاغية في زمانها واقفة شامخة صُلبة لا تهزّها العواصف رضاً بقضاء الله، بل تقول حينما سألها يزيد قائلاً: أرأيت صُنع الله بأخيك، قالت: لم أرَ إلا جميلاً، فانظر إلى ذلك الإيمان وتلك الصّلابة! نعم إنّها تلك الشبلة من تلك اللبؤة أمّها فاطمة الزّهراء (عليها السلام) حينما وقفت أمام من ادّعى كونه خليفةً لأبيها الأعظم (صلّى الله عليه وآله) سالباً إرثها مغتصباً حقّها، فوقفت له أمام النّاس تتكلم بلسان أبيها يتفجر العلم من جوانبها، ولكنّهم {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ}(38)، فهذا ما ربّت وعلّمت الزّهراء (عليها السلام) أبناءها؛ إنّها مدرسة الإيمان، والصبر، وكظم الغيظ، والشجاعة، والإيثار، والفصاحة، ونِعمّا هي من مدرسة.

الصّابرة الرّاضية:

من الأمور المهمة والتي تكون ذات أهمية كبيرة في معرفة درجة إيمان الفرد المسلم مسألة الرضا، فمقام الرّضا يحتاج إلى معرفة ويقين حتّى يصل إليه الإنسان ويكون من الرّاضين بما قَسَم الله تعالى، حتّى يصل في النهاية إلى مرحلة إيمانية عالية جدّاً، وكما ورد في دعاء كميل: «وتجعلني بقِسْمِك راضياً قانعاً»، أي أنّ الإنسان المؤمن يطلب من الله تعالى أن يوصله إلى مقام الرّضا منه -جلّ وعلا- في كلّ ما يقسمه له سواء من خير أم بلاء أم غير ذلك، ومع هذا كلّه فلقد ورد في عدد من الأحاديث المرويّة عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام) أنّ رأس طاعة الله الصبر والرضا عن الله -تبارك وتعالى-.

فلقد جاء في الحديث الشريف عن عليّ بن الحسين (عليه السلام) أنّه قال: «الصّبر والرّضا عن الله رأس طاعة الله، ومن صبر ورضي عن الله فيما قضى عليه فيما أحبّ أو كره، لم يقضِ الله (عزّ وجلّ) له فيما أحبّ أو كره إلا ما هو خير له» (39)، كما ورد في بعض الأخبار أنّ الله عند حسن ظنّ عبده المؤمن به، إضافة إلى أنّ الله -سبحانه- لا يختار لعبده إلا ما فيه خيره ومصلحته، وإن خفيت تلك المصلحة على العبد لمحدوديّته وقصوره عن الإحاطة بمصالحه ومفاسده، وجاء في حديث آخر عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إنّ أعلم النّاس بالله أرضاهم بقضاء الله (عزّ وجلّ)» (40).

ولقد عاشت الزّهراء (عليها السلام) الحقبة الزمنيّة القاسية من تاريخ الإسلام، حقبة الفقر والعسر والمعاناة والشّدة، ولم تكن هذه الحالة خاصة بأحد، بل عمّت جميع المسلمين، فلم يكن من اليسير أن يتوفر لكل بيت أو فرد طعام يوم من زاد بسيط يسدّ رمقهم، وسجّل التاريح صوراً لا تكاد توصف لما كان يعانيه المسلمون من ضنك العيش وقلّة ما في اليد، والذي يظهر من النصوص المختلفة أنّ معاناة البيت النبويّ كانت مضاعفة؛ بسبب الوضع الاقتصادي العام الذي كان يعيشه المسلمون وهم جزء منه، والموقع القياديّ الذي كان يمثله، فالنبيّ القدوة (صلّى الله عليه وآله) كان يؤثر غيره حتى بلقمة العيش البسيطة {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} (41)، ويشهد إلى ذلك أيضاً ما روي عن سبب نزول سورة الدّهر، والتي عكست صورة عن الوضع الاقتصادي الصّعب، والمعاناة الشّديدة لأهل بيت النبوة الطاهر، وقد نالت الزّهراء (عليها السلام) قسطاً وافراً من تلك المعاناة. يروي جابر بن عبد الله الأنصاريّ قال: خرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يريد فاطمة (عليها السلام) وأنا معه، فلما انتهينا إلى الباب وضع يده فدفعه، ثمّ قال: «السلام عليكم، فقالت فاطمة: عليك السلام يا رسول الله، قال: أدخل؟، قالت: ادخل يا رسول، قال: أدخل أنا ومن معي؟، فقالت: يا رسول الله ليس عليّ قناع، فقال: يا فاطمة خذي فضل ملحفتك فقنّعي به رأسك، ففعَلتْ، ثمّ قال: السلام عليكم، فقالت: وعليك السلام يا رسول الله، قال: أدخل؟ قالت: نعم ادخل يا رسول الله، قال: أنا ومن معي؟ فقالت: أنت ومن معك. قال جابر: فدخل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ودخلتُ أنا وإذا وجه فاطمة أصفر كأنّه بطن جرادة، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): ما لي أرى وجهك أصفر؟، قالت: يا رسول الله الجوع» (42).

لقد ربّى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ابنته الطاهرة على أبسط ألوان العيش، والاقتصار على الحدّ الأدنى من ضروريّات الحياة، والابتعاد عن كلّ ألوان التّرف، ومواساة الطّبقة الفقيرة من المسلمين، يروي ابن شاهين في مناقب فاطمة، وأحمد في مسند الأنصار بإسنادهما عن أبي هريرة وثوبان أنّهما قالا: كان النّبي (صلّى الله عليه وآله) يبدأ في سفره بفاطمة ويختم بها، فجعلت وقتاً ستراً من كساء خيبريّة لقدوم أبيها وزوجها، فلمّا رآه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) تجاوز عنها وقد عرف الغضب في وجهه حتّى جلس على المنبر، فنزعت قلادتها وقرطيها ومسكتيها ونزعت السّتر فبعثت به إلى أبيها وقالت: «اجعل هذا في سبيل الله، فلمّا أتاه، قال (صلّى الله عليه وآله): قد فعلت، فداها أبوها -ثلاث مرات- ما لآل محمد وللدّنيا فإنّهم خلقوا للآخرة وخلقت الدنيا لهم» (43).

وإذا جئنا إليها (عليها السلام) وما لاقت من أذى في عهد أبي بكر وما كان من هجومهم عليها في دارها، وتسقيط جنينها، وسلب ميراثها-فدك- من أبيها، وسحب زوجها الإمام علي (عليه السلام)، فصبرت على ذلك بعد أن واجهتهم بالحجج الدّامغة، والبراهين القاطعة، فرأت أنّ كلامها لا يُسمع، وحججها وبراهينها لا تقبل رجعت إلى بيتها كامدة واجدة في نفسها عليهم، بسبب ما لاقت من أذى وسلب حق مفوّضةً إلى الله -تعالى- أمرها، راجعة إليه في حكمه، راضية بما قدّر عليها، حتّى فارقت روحها الحياة ساخطة على من ظلمها.

نعم، إنّها الزّهراء (عليها السلام) تعطينا أكبر وأفضل الدروس في الأخلاق والإيمان، تعطينا أنّ كلّ المشاكل التي تطرأ على الإنسان يجب عليه مواجهتها ومقاومتها، ومحاولة إزالتها وحلّها بما يرضي الله (عزّ وجلّ) ويتوافق مع حكمه وتشريعه، لا ييأس من حلّها إذا رآها كبيرة وعظيمة، وإنّما يسجّل موقفاً إيجابيّاً نحوها، هذا أوّلاً، وثانياً: إنّ مواجهة المشاكل والمصائب بما يرضي الله لا يُشكّل خروجاً عن التّسليم والرّضا بقضاء الله، فلنكن قد أخذنا هذا الدرس من الزّهراء (عليها السلام).

علمها (عليها السلام):

الزّهراء (عليها السلام) عالمة، ومصدر علمها هو منبع الرّسالة أبوها (صلّى الله عليه وآله)، وإنّ علم أبيها هو مِن ذات العلم والمعرفة الذي لا ينفذ علمه {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}(44)، وقال تعالى في سورة النجم {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى}(45)، فإذا كان علم أبيها مِن علم الله الذي لا ينفذ، وهي ابنته التي قال فيها: فداها أبوها -كما مرّ سابقاً- فهل يبخل عليها بعلمه؟، وهي التي قال فيها: «يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها»، ولا يبلغ إنسان هذه المرتبة الرَّفيعة بأن يرضى الله لرضاه ويغضب لغضبه وهو جاهل، بل حتَّى لو حمل شيئاً بسيطاً من العلم، وإلا فإنَّ سائر النَّاس غير فاطمة (عليها السلام) عندهم علم، فما الفرق بينها وبينهم لكي تُفضَّل بهذه المرتبة؟، هذا ليس إلا لأنَّها (عليها السلام) حازت مرتبة من العلم لا يعلمه إلا الله ورسوله وبعلها (عليهم السلام)، ناهيك أنّها تفوق النَّاس من جوانب أخرى من القرب الإلهيِّ، ويذكر لنا الشيخ محمد رضا النعماني في كتابه (فاطمة والخلافة)، فيقول:”ويبدوا أنَّها تلقَّت المعرفة عن أكثر من طريق، نذكر منها: الطريق الأوّل: عرفت الزّهراء (عليها السلام) بأنّها (المحدَّثة)؛ إذ كانت الملائكة تحدِّثها، ولم تذكر النصوص حدود ذلك، وأنواع العلوم التي تصلها عن هذا الطريق، ولعلَّ السَّبب هو عدم قدرة النَّاس على استيعاب وفهم هذا الأسلوب من التَّلقِّي المعرفيِّ المستند إلى الغيب. الطَّريق الثَّاني: التَّلقِّي العام فيما تسمعه من أبيها (صلّى الله عليه وآله) أو بعلها (عليه السلام)، وهي تشترك في ذلك مع بقيِّة المسلمين، وتختلف عنهم في قدرتها على الاستيعاب الشَّامل الدَّقيق لما يقولون ويقصدون. الطَّريق الثَّالث: وهو التَّلقِّي الخاصُّ المرويُّ عن أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، فعن الإمام الصَّادق (عليه السلام) كما في كتاب بصائر الدَّرجات، قال (عليه السلام): «وخلَّفت فاطمة مصحفاً، ما هو من قرآن، ولكنَّه من كلام الله أنزله عليها، إملاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخطُّ عليٍّ (عليه السلام)». وعن أبي بصير قال: «دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَسْأَلُكَ -جُعِلْتُ فِدَاكَ- عَنْ مَسْأَلَةٍ لَيْسَ هَاهُنَا أَحَدٌ يَسْمَعُ كَلامِي، فَرَفَعَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) سِتْراً بَيْنِي وَبَيْنَ بَيْتٍ آخَرَ فَاطَّلَعَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ قَالَ: قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّ الشِّيعَةِ يَتَحَدَّثُونَ‏ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى الله عليه وآله) عَلَّمَ عَلِيّاً (عليه السلام) بَاباً يُفْتَحُ مِنْهُ أَلْفُ بَابٍ، قَالَ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): يَا أَبَا مُحَمَّدٍ عَلَّمَ وَاللَّهِ رَسُولُ اللَّهِ عَلِيّاً أَلْفَ بَابٍ يُفْتَحُ لَهُ مِنْ كُلِّ بَابٍ أَلْفُ بَابٍ، قَالَ، قُلْتُ لَهُ: وَاللَّهِ هَذَا لَعِلْمٌ! فَنَكَتَ سَاعَةً فِي الأَرْضِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُ لَعِلْمٌ وَمَا هُوَ بِذَلِك، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ وَإِنَّ عِنْدَنَا الْجَامِعَةَ، وَمَا يُدْرِيهِمْ مَا الْجَامِعَةُ، قَالَ، قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ! وَمَا الْجَامِعَةُ؟، قَالَ: صَحِيفَةٌ طُولُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً بِذِرَاعِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى الله عليه وآله) وَإِمْلاءٍ مِنْ فَلْقِ فِيهِ وَخَطَّ عَلِيٌّ بِيَمِينِهِ، فِيهَا كُلُّ حَلالٍ وَحَرَامٍ وَكُلُّ شَيْ‏ءٍ يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْهِ، حَتَّى الأَرْشُ فِي الْخَدْشِ، وَضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَيَّ، فَقَالَ: تَأْذَنُ لِي يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، قَالَ، قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّمَا أَنَا لَكَ اصْنَعْ مَا شِئْتَ، قَالَ، فَغَمَزَنِي بِيَدِهِ!، فَقَالَ، حَتَّى أَرْشُ هَذَا -كَأَنَّهُ مُغْضَبٌ-، قَالَ، قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ! هَذَا وَاللَّهِ الْعِلْمُ، قَالَ: إِنَّهُ لَعِلْمٌ وَلَيْسَ بِذَلِكَ، ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ عِنْدَنَا الْجَفْرَ، وَمَا يُدْرِيهِمْ مَا الْجَفْرُ، مِسْكُ شَاةٍ أَوْ جِلْدُ بَعِيرٍ، قَالَ، قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ! مَا الْجَفْرُ؟، قَالَ: وِعَاءٌ أَحْمَرُ أَوْ أدم -أَدِيمٌ‏- أَحْمَرُ فِيهِ عِلْمُ النَّبِيِّينَ وَالْوَصِيِّينَ، قُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ هُوَ الْعِلْمُ، قَالَ: إِنَّهُ لَعِلْمٌ وَمَا هُوَ بِذَلِكَ، ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ، قَالَ: وَإِنَّ عِنْدَنَا لَمُصْحَفَ فَاطِمَةَ (عليها السلام)، وَمَا يُدْرِيهِمْ مَا مُصْحَفُ فَاطِمَةَ، قَالَ: مُصْحَفٌ فِيهِ مِثْلُ قُرْآنِكُمْ هَذَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَاللَّهِ مَا فِيهِ مِنْ قُرْآنِكُمْ حَرْفٌ وَاحِدٌ إِنَّمَا هُوَ شَيْ‏ءٌ أَمْلاهَا اللَّهُ وَأَوْحَى إِلَيْهَا، قَالَ، قُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ هُوَ الْعِلْمُ، قَالَ: إِنَّهُ لَعِلْمٌ وَلَيْسَ بِذَاكَ، قَالَ، ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ، قَالَ: إِنَّ عِنْدَنَا لَعِلْمُ مَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ، إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، قَالَ، قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ! هَذَا وَاللَّهِ هُوَ الْعِلْمُ، قَالَ: إِنَّهُ لَعِلْمٌ وَ مَا هُوَ بِذَاكَ، قَالَ، قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ! فَأَيُّ شَيْ‏ءٍ هُوَ الْعِلْمُ؟، قَالَ: مَا يَحْدُثُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ الأَمْرُ بَعْدَ الأَمْرِ وَالشَّيْ‏ءُ بَعْدَ الشَّيْ‏ءِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»»(46).

فإذا كان عند أهل البيت (عليهم السلام) الجامعة، والجفر، والمصحف، ونعلم أنّ فاطمة أرقى درجة من أبنائها، فإذاً ما مقدار علمها (عليها السلام)!.

عبادتها (عليها السلام):

إذا عرفنا مكانة الزّهراء (عليها السلام) العلميِّة وما لها من مقام رفيع من العلم -كما سلف ومرَّ-، فعلى قدر علمها تكون عبادتها وإخلاصها وتفانيها في جنب الله -تعالى-، وقد قال (سبحانه وتعالى): {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}(47)، فنجد في عبادتها (عليها السلام) (القوَّة والجهد والانفتاح على الله (سبحانه وتعالى)، فقد كانت تعي معنى القرب من الله وقيمة التضرُّع بين يديه، والبكاء من خشيته، وهذا ما جعلها تعيش الرَّوحانيَّة كأصفى ما تكون؛ لأنَّ العبادة عند الزّهراء (عليها السلام) لم تكن مجرَّد حالة تقليديِّة وطقوس باردة يمارس من خلالها الإنسان حركات جوفاء فارغة، وإنَّما هي حالة يعيش فيها الإنسان عمق الإخلاص والمحبّة لله -سبحانه-، وهذا يعني أنَّه كلَّما عبد الإنسان ربَّه أكثر كلَّما اقترب منه أكثر، وكلَّما أحسَّ بعظمة الله أكثر استحضر نعمته أكثر وعاش معه وانفتح على الحياة وعلى عباده أكثر فأكثر. وإنَّ مشكلة النَّاس أنَّهم بين من لا يعبد الله لأنَّه لا يعيش الله في قلبه وعقله إشراقةً تمكِّنه من الانفتاح عليه بالعبادة وعلى المجتمع بالمسؤوليِّة، وبين من يعبد الله عبادة مغلقة لا وعي فيها ولا روح لها، وإنَّما هي عادة اعتادها لا يشعر معها بالرَّوحانيِّة ولا الحبِّ لله، وبالتالي فإنَّه لن يتعلَّم أن يحبَّ النَّاس جيَّداً؛ لأنَّ من لا يحبّ الله لن يفلح في حبِّ النَّاس، وأمَّا من أحبَّ الله فلا يُمكن أن يبغض عيال الله، والخلق كلُّهم عيال الله.

عبادتها كمَّاً وكيفاً:

1- يروى عن الحسن البصري أنَّه قال: ما كان في هذه الأمَّة أعبد من فاطمة، كانت تقوم حتَّى تتورّم قدماها(48). 

2- وتمتدُّ القضيَّة إلى ما هو أبعد من ذلك، فهذا ابنها الإمام الحسن (عليه السلام) يحدِّثنا قائلاً: «رأيت أمِّي فاطمة (عليها السلام) قامت في محرابها ليلة جمعتها، فلم تزل راكعة ساجدة حتَّى اتَّضح عمود الصُّبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين وتسمِّيهم وتكثر الدُّعاء لهم ولا تدعو لنفسها بشيء، فقلت لها: يا أمَّاه لِم لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك، فقالت: يا بنيَّ الجار ثمَّ الدَّار»(49).

فاطمة مثقلة بهموم البيت والحمل والأولاد، ومثقلة بمسؤوليِّاتها الإسلاميِّة في الواقع الاجتماعيِّ، وهي مع ذلك كلِّه ومع ضعف جسدها نراها تعبد الله حتَّى تتورَّم قدماها وتجد لنفسها الوقت لتقوم الليل وتحييه بذكر الله وعبادته، وهي تختار الليل لمناجاتها؛ لأنَّه من أعظم الأوقات التي تنطلق فيها روح الإنسان من ذاته، وتحلِّق في أجواء المعبود المعشوق، وهل كانت تدعو لنفسها وتطلب لذاتها شيئاً كما يفعل الكثيرون منَّا عندما يقومون بالليل أو النَّهار ليعبدوا الله؟ كلا، فالمسألة كانت عندها تسير في اتّجاه آخر، فهي تستغلُّ أجواء الليل وهدوءه وروحيِّته من خلال ما يفتحه أمام العبد من آفاق تسمو بروحه، تستغلُّ ذلك لتدعو للمؤمنين والمؤمنات، ولا تدعو لنفسها بشيء. تفكّر بالمؤمنين والمؤمنات، هذا إنسان مريض وتلك إنسانة مريضة، وهذا إنسان ابتلاه الله بالفقر، وذلك ابتلاه ببعض المصائب أو المعاصي… تستحضر كلَّ ذلك وتدعو الله لهؤلاء ليقضي حوائجهم، ويغفر لهم ذنوبهم، ويشفي مرضاهم، ويفكَّ أسراهم، ويسدَّ جوعتهم… وكان ذلك يشغلها عن الدُّعاء لنفسها، ولذلك يقول ابنها الحسن (عليه السلام) وهو يتحسَّس آلامها: «يا أمَّاه لِم لا تدعين لنفسك؟، ويكون الجواب الرَّائع: يا بنيَّ الجار ثمَّ الدَّار»(50).  

الخاتمة:

إنَّ العقول الجبَّارة وأصحاب الأفكار الواسعة والعلوم الجمَّة، والعلماء الرَّبَّانيِّون والأولياء المكرَّمون ليقفون إجلالاً وتعظيماً أمام شخصيِّة سيّدتنا ومولاتنا فاطمة الزّهراء (عليها السلام)؛ لما لها من المقام العالي والمنزلة الرَّفيعة، ويعجزون عن إدراك حقيقة مقامها (عليها السلام)، وإن كان مقامها –من جهة أخرى- أوضح وأجلُّ وأسطع من شعاع الشَّمس، وطبيعة الحال فقلد أبهرني وأعشى عيني هذا النُّور؛ فذكرت بعض ما وصلني، ولعلّي لم أصف ذلك البعض بوضوح لما له من إحاطة بي، فكيف يصف المُحاط ما هو أوسع منه ويحيط به.

المصادر والهوامش

  • (1) إرشاد القلوب-الحسن بن محمد الديلمي، ج2، ص231.
  • (2) ينابيع المودّة لذوي القربى، للشيخ سليمان القندوزي الحنفي، ج2، ص60، وص322، ح934.
  • (3) الجامع الصغير للحافظ السيوطي الشّافعيّ، ج2، ص294- الفتح الكبير للنّبهاني، ج2، ص368، والعُرف: أعلى الرأس.
  • (4) مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب، ج3، ص113.
  • (5) تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي، ج5، ص87.
  • (6) مقتل الحسين (عليه السلام)، للخوارزمي الحنفيّ، ج1، ص63-64.
  • (7) المستدرك على الصحيحين، للحاكم النيسابوري الشّافعيّ، ج3، ص154.
  • (8) المرْط: كساء من خزٍّ أو صوف أو كتّان يؤتزر به، وتتلفع به المرأة.«المعجم الوسيط، مادة:مرط».
  • (9) صحيح مسلم، كتاب فضائل الصّحابة. ورواه الحاكم في المستدرك، ج3، ص147.
  • (10) مناقب آل أبي طالب، ج3، ص104-105، وعنه بحار الأنوار، ج43، ص36، ح39
  • (11) صحيح مسلم، ج4، ص1904، ح97.
  • (12) فتح الباري للعسقلاني، ج8، ص111.
  • (13) الإصابة، ج4، ص378-مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثميّ الشّافعيّ، ج9، ص201-السيرة النبويّة لابن هشام، ج2، ص107.
  • (14) الاستيعاب في معرفة الأصحاب ليوسف بن عبد الله المعروف بابن عبد البرّ، ج4، ص377، من حاشية الإصابة.
  • (15) أمالي الطوسي، ص383، ح31، الباب التاسع.
  • (16) الفضائل، لابن شاذان، ص969-الكافي للكليني، ج8، ص156.
  • (17) مودة القربى للهمدانيّ، ص103.
  • (18) أي:غضبت.
  • (19) أي: لم يخبر.
  • (20) صحيح البخاري، ج5، ص177-وذكره الطبري، ج3، ص208- والبيهقي في السنن الكبرى، ج6، ص300-والسيّد المرتضى في الشّافيّ، ج131، جميعهم باختلاف يسير عن صحيح البخاري.
  • (21) مودة القربى للهمدانيّ، ص103.
  • (22) مسند فاطمة (عليها السلام) للحافظ السيوطي الشّافعيّ، ص51، ح109.
  • (23) سورة البقرة:30.
  • (24) سورة القلم:4.
  • (25) سورة السجدة:6-7.
  • (26) سنن النبيّ، للسيّد الطباطبائي، ص11، نقلاً عن البحار، ج16،ص210.
  • (27) سورة النّور:63.
  • (28) فاطمة والخلافة، ص20.
  • (29) بحار الأنوار، ج16، ص210.
  • (30) بحار الأنوار، ج43، ص32.
  • (31) أي: ثخن جلدها في العمل بالأشياء الصّلبة.
  • (32) بحار الأنوار، ج43، ص82-صحيح أبي داود، ج33، في باب التّسبيح عند النوم، طبع المطبعة الكسلتية.
  • (33) بحار الأنوار، ج43، ص86-كنز العمّال، ج6، ص295.
  • (34) بحار الأنوار، ج43، ص134. فاطمة والخلافة، للشيخ محمد رضا النعماني، ص26-27.
  • (35) الزّهراء القدوة، للسيّد محمد حسين فضل الله، إعداد أحمد الخشن، دار الملاك، ص88.
  • (36) كشف الغطاء عن مبهمات الشّريعة الغراء، ص309.
  • (37) كشف الغطاء، ص309.
  • (38) نفس المصدر.
  • (39) أصول الكافي، ج2، ص66.
  • (40) أصول الكافي، ج2، ص66.
  • (41) سورة الحشر:9
  • (42) بحار الأنوار، ج43، ص62-وقريب منه في حلية الأولياء، ج2، ص42
  • (43) بحار الأنوار، ج43، ص86.
  • (44) سورة الأنعام:59.
  • (45) سورة النّجم:3-5
  • (46) بيت الأحزان للقمّي، ص17. «فاطمة والخلافة، للشيخ محمد رضا النّعماني، ص40-42».
  • (47) سورة فاطر 28.
  • (48) بحار الأنوار، ج43، ص84-وعوالم الزّهراء (عليها السلام)، ص224..
  • (49) بحار الأنوار، ج43، 253-وعوالم الزّهراء، ص225 نقلاً عن علل الشرائع.
  • (50) كتاب الزّهراء القدوة، للسيّد محمد حسين فضل الله، إعداد أحمد الخشن، ص175-177.
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى