علوّ الهمّة (1)

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “إنّ الله يحبّ معالي الأمور وأشرافَها، ويكره سَفَاسِفَهَا”1.

إنّ الهمّة العالية تعني أن يحمل الإنسان العامل بين جنبيه إرادةً قويةً وباعثاً ومحرّكاً عاليين لإنجاز الأعمال، متحدّياً كافّة العقبات والعراقيل، رافضاً للإستسلام والخنوع، فصاحب الهمّة العالية لا يعرف تقديم التسويغات وشرح الأعذار ولا يُلقي اللوم هنا ويحتجّ بعطلٍ هناك ويعتذر بانشغالات أكثر أهمية محاولاً إعفاء نفسه والتنصّل من عمله.

وصاحب الهمّة العلية يحمل أهدافاً بعيدة وطموحاً عالياً وأحلاماً وفكراً خلّاقاً وإبداعاً في عمله وحركته وسلوكه، فالهمّة العالية هي جناحا الإنسان اللذان يطير بهما وينشد الآفاق البعيدة، ومن دونهما فهو إنسانٌ متثاقل إلى الأرض، راضٍ بواقعه مستسلم لظروفه، لا تتوسّم فيه خيراً، وقد ورد في الدعاء: “يا محوّل الحول والأحوال حوّل حالنا إلى أحسن حال”2. فالمؤمن لا يغنيه مطلق التحسن ولو كان بسيطاً، بل يطمح إلى أن يتحسّن حاله إلى أفضل حال.

ورد في دعاء كميل بن زياد عن لسان أمير المؤمنين عليه السلام: “واجعلني من أحسن عبيدك نصيباً عندك وأخصّهم زلفى لديك”3. فطموح المؤمن بأعلى المقامات عند الله وأقرب المنازل إلى الله وليس مطلق الفوز ولو بأيّ حال، مع أنّ مجرّد أن يُزحزح الإنسان عن النار فقد فاز ونجا بنفسه في الآخرة.

فالهمّة العالية في الدنيا وطلب المعالي والسهر عليها منشأه في الواقع والحقيقة أنّ الإنسان لم يرضَ لنفسه أيّ مقام في الآخرة، بل أنّ طمعه بما عند الله حرّكه نحو ركوب الأهوال والمخاطر وصولاً إلى مكارم الأخلاق ورفضاً للبقاء في الحضيض.

الشهوات نقيض الهمّة العالية

فإذا كانت همّة المرء هي جناحيه اللذَيْن يطير بهما، فإنّ شهوته وخلوده إلى الشهوات والغرائز هي التي تضع المرء وتحطّ من قدره، فعن عليّ عليه السلام قال: “ما رفع امرأً كهمَّته ولا وضعه كشهوته”4.

فالمؤمن الرساليّ لا سيّما العامل المتصدّي لإدارة الشأن العامّ ينبغي أن يصرف همته فيما بين يديه من أعمال وأن لا تكون ساحة العمل ساحة لشهوات التسلية وتمضية الوقت والزيارات العبثية واللهو والمشاركة في جلسات النيل من هذا وغيبة ذاك والسخرية من آخر.

وعليه فعلوُّ الهمَّة سيف ذو حدّين، فكما يمكن استغلالها في الطاعة والعبادة وإتقان الأعمال فإنه يمكن استغلالها في المعصية والبعد عن الله، ولذلك اهتمّت النصوص الشريفة ببيان ما ينبغي طلبه بعلوّ الهمّة.

أ- التقرّب إلى الله: فعن عليّ عليه السلام: “واصرفوا همتكم بالتقرّب إلى الله”5.

وفي دعاء للإمام السجّاد عليه السلام: “فقد انقطعت إليك همتي. وفي دعاء آخر وهَبْ لي…….همةً متصلة بك”6.

ب- بناء الآخرة: فعن الإمام الباقر عليه السلام: “ولتكن همّتك لما بعد الموت”7.

ج- تزكية النفس وإصلاح الناس: فعن عليّ عليه السلام: “إن سمَتْ همتّك لإصلاح الناس فابدأ بنفسك، وإنّ تعاطيك إصلاح غيرك وأنت فاسد أكبر عيب”8.

نعم فلا يمكن أن يكون المرء جزءاً من المشكلة ويقدّم نفسه على أنه جزءٌ من الحلّ، فالإنسان الفاسد لا يمكنه أن يكون جزءاً من إصلاح الناس، فالعالم الفاسد أو الحاكم الظالم أو الأستاذ الفاشل أو المربي السيِّئ أو أصحاب المقامات العليا في السلطة، فإنّكلّ هؤلاء لا يمكن أن يرقوا بالمجتمع في معارج الكمال ما لم يصلحوا أنفسهم أوّلاً.

بناء الهمة العالية

والهمّة العالية ليست أمراً، بل يعمل المرء على اكتسابه وتحصيله عبر عوامل عديدة أهمها:

أ- أن يعي الإنسان الدور الذي أناطه الله به وأنه خليفة الله في أرضه، وأنّ التقصير في هذا الأمر هو خيانة للرسالة.

ب- تعويد النفس على الفضائل ومكارم الأخلاق من الشجاعة والإقدام والصبر والثبات والجدّ والاجتهاد والتواضع و….

ج- صحبة أولي الهمم العالية وعدم مجالسة الأفراد المتثاقلين ومثبطي العزائم، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “إنّ من الناس ناساً مفاتيح للخير مغاليق للشرّ”.

ومن أهمّ الساحات التي ينبغي أن يتجلّى فيها علوّ الهمّة هي المشاركة الفعّالة في التغيير السياسي والإجتماعي من إعلاء الصوت والإستنكار الميداني ومواجهة الظلم ورفع الفساد بكافّة الوسائل المتاحة.

وعلوّ الهمّة يتطلّب من الإنسان السعي والمثابرة والجدّ والسهر وعدم الإستسلام للخطأ والإيمان القوي بما يقوم به، ولعلّ من أبرز الأمثلة والمصاديق اليوم ما استطاعت المقاومة أن تحقّقه من إنجازات وانتصارات بفضل ثبات مجاهديها وعلوّ همّتهم وإصرارهم على إلحاق الهزيمة بالعدوّ رغم كلّ التفاوت في العدّة والعتاد.

  • كتاب وتزودوا في شهر الله، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

المصادر والمراجع

1- ميزان الحكمة، ج4، ص3468.
2- شرح الأسماء الحسنى، ج1 ، ص70 .
3- نهج السعادة، ج6 ، ص160 .
4- عيون الحكم والمواعظ، ص484.
5- ميزان الحكمة، ج4، ص3469.
6- الصحيفة السجادية (ابطحي)، الإمام زين العابدين عليه السلام، ص412.
7- حاشية مجمع الفائدة والبرهان، الوحيد البهبهاني، ص24.
8- ميزان الحكمة، ج3، ص2206.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى