الأمانة

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾1.

جعل الله تعالى أداء الأمانة على اختلاف أشكالها وتنوّعها وأطرافها معياراً من معايير الإيمان والالتزام وركناً من أركان الأخلاق والفضائل، وواحدةً من الأمور التي يستدلّ على الصالحين من خلالها، لأنها انعكاس لطهارة النفس وجلاء القلوب، حتى وردعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم وصومهم، وكثرة الحجّ، والمعروف، وطنطنتهم بالليل، ولكن انظروا إلى صدق الحديث وأداء الأمانة”2. وهي فضيلة أساسية من الفضائل التي يجب على العاملين التحلّي بها ومنقبة لا ينبغي الغفلةعنها، فعندما يشير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أنّ العبرة بالأمانة لا بكثرة الصلاة والصيام فهو يكشف أن بسقوطها من شخصية المسلم تُسقط إيمانه.

لا شكّ أنّ أداء الأمانة يسري إلى ميادين مختلفة في ساحات العمل والتقرّب إلى الله، ويواجه العامل تحديات مختلفة على هذا الصعيد نذكر أهمّها:

أ- أمانة المال: فالمال الذي بين أيدينا هو مال الله الذي جعلنا أمناء عليه ليمتحن قلوبنا وسرائرنا، وخيانته خيانة لله أوّلاً ولعباد الله ثانياً، والتفريط بحقوق الناس مهما كانت بسيطة هي عند الله كبيرة وموبقة، وممّا توعّد الله بها بورود النار، فقد ورد عنعليّ عليه السلام: “أقسم لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لي قبل وفاته بساعة مراراً ثلاثاً: يا أبا الحسن أداء الأمانة إلى البِرّ والفاجر فيما قلّ وجلّ، حتى في الخيط والمخيط”3.

ب- أمانة الحقوق: فممّا لا شكّ فيه أنّ العامل الذي يشغل منصباً ما ترتبط بموقعه الكثير من حقوق الناس المادية كالبدلات والحسومات والأمانات والمال العامّ والحقوق المعنوية التي لها علاقة بالترقيات والكفاءات والمنافسات العملانية، وكلّ ذلك من أكبرالأمور التي ينبغي أداؤها بمنتهى الأمانة، وأنّ التفريط بحقوق الناس مما لا يسقطه شيء ما لم يسقطه صاحب الحقّ، بل قد ورد أنّ الحقوق لا ترفع حتى عن الشهيد الذي يغفر الله له كافّة ذنوبه بمجرّد سقوط أول قطرة دم من جسده الطاهر إلى الأرض.

ج- أمانة الوقت: فالوقت الذي يمضيه العامل في عمله ليس ملكاً مباحاً له بكلّ ساعاته ودقائقه وثوانيه، بل هو ملك العمل، والتهاون به شكل من أشكال تضييع الأمانة، فكثيراً ما ترى بعض العاملين الذين يمضون أغلب أوقاتهم في القضايا الشخصية واللهو والعبث والزيارات اللامسؤولة وغير ذلك حتى حلول وقت الدوام دون انجاز حتى أبسط الأعمال ورفعها من أمامهم.

كما أنه من الضروري في الوقت ترتيب الأولويات، فكلّ إنسانٍ في الحياة ليس سوى حصيلة تنظيم أولوياته: فعن عليّ عليه السلام: “من شغل نفسه بما لا يجب ضيّع من أمره ما يجب”4.

فنجاة المرء رهنٌ بعد تضييعه لوقته واشتغاله بغير ما أوكل الله تعالى إليه، فكلٌّ منّا عليه أن ينجز أمانة الوقت التي سوف يُسأل عنها يوم القيامة، فعن عليّعليه السلام: “من أفنى عمره في غير ما ينجيه فقد أضاع مطلبه”5.

وعنه عليه السلام: “اشتغال النفس في غير ما يصحبها بعد الموت من أكبر الوهن”6.

كما أنّ هناك الكثير من الروايات التي تشير إلى ضرورة استغلال الوقت في السعي في حوائج الناس والسعي في طلب الحلال ومعاشرة الإخوان في الله.

د- أمانة القدوة: وأعني بها هنا أنّ أداء الأمانة لا يميز بها العامل بين من يحبّ ومن يكره، ومن له هوًى به أو سواه، ومن كان قريباً منه أو بعيداً، ومن كان ممن يمدحه أو يذمّه، فالأمانة واحدة إلى الجميع لتعلّق حقّ الآخرين بها، فقد ورد عن الإمام الباقرعليه السلام: “ثلاث لم يجعل الله عزّ وجلّ لأحد فيهنّ رخصة: أداء الأمانة إلى البِرّ والفاجر، والوفاء بالعهد للبرّ والفاجر، وبِرُّ الوالدين بَرَّيْن كانا أو فاجرين”7.

وعن الإمام الصادق عليه السلام: “اتقوا الله وعليكم بأداء الأمانة إلى من ائتمنكم، فلو أنّ قاتل أمير المؤمنين عليه السلام ائتمنني على أمانة لأديتها إليه”8.

وعنه عليه السلام: “اتقوا الله، وأدوا الأمانات إلى الأبيض والأسود، وإن كان حروريًّا أو كان شاميًّا”9.

وعنه عليه السلام: “أدوا الأمانة ولو إلى قتلة أولاد الأنبياء عليهم السلام”10.

وعنه عليه السلام: “لا تَخُن من ائتمنك وإن خانك، ولا تُذِع سرّه وإن أذاع سرّك”11.

عاقبة خيانة الأمانة

كما أنّ لأداء الأمانة آثاره الإيجابية والمباركة كما عن لقمان عليه السلام: “يا بني، أَدِّ الأمانة تسلم لك دنياك وآخرتك، وكن أميناً تكن غنيًّا”12. فإن خيانة الأمانة لها عاقبتها السيّئة على المستوى الدنيويّ والأخرويّ، فهي تسلخ عن صاحبها ثوب الإيمان فيالدنيا وتُلقي عليه غضب الله في الآخرة، وقد أشارت النصوص إلى بعض الآثار المهينة التي تجرّها خيانة الأمانه منها:

1- عدم الإيمان: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “لا إيمان لمن لا أمانة له”13.

2- الخروج من الملّة: عنه صلى الله عليه وآله وسلم: “من خان أمانة في الدنيا ولم يردها إلى أهلها ثم أدركه الموت مات على غير ملتي، ويلقى الله وهو عليه غضبان”14.

وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: “ليس منّا من يحقّر الأمانة حتى يستهلكها إذا استودعها”15.

3- الفقر في الدنيا: عن عليّ عليه السلام: “الأمانة تجرّ الرزق، والخيانة تجرّ الفقر”16.

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “الأمانة تجلب الغناء، والخيانة تجلب الفقر”17.

  • كتاب وتزودوا في شهر الله، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

1- سورة المؤمنون، الآية 8.
2- الأمالي، الشيخ الصدوق، ص 380.
3- تحف العقول، الحراني، ص 175.
4- عيون الحكم والمواعظ، ص 456.
5- عيون الحكم والمواعظ، ص450.
6- المصدر السابق، ص126.
7- الكافي، ج2، ص 162.
8- الأمالي، الشيخ الصدوق، ص 318.
9- ميزان الحكمة، ج1، ص215.
10- ميزان الحكمة، ج1، ص214.
11- المصدر نفسه.
12- معاني الاخبار، ص 253.
13- ميزان الحكمة، ج1، ص215.
14- المصدر نفسه.
15- المصدر نفسه.
16- المصدر نفسه.
17- المصدر نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى