عادات وتقاليد في ميزان الشرع

مقدمة:

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلَّى الله على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين.

هناك عادات وتقاليد اجتماعية كثيرة، بعضها له جذوره الدينية والشرعية وبعضها لا يُدرى ما هي جذوره وكيف تحوَّلت إلى عادات، ولا شكَّ في أنَّ العادات والتقاليد تحكي وتشير إلى الثقافة العامة التي يحملها المجتمع؛ فهي تؤثِّر في نظرة الآخرين سلباً أو إيجاباً، وهذا يعني أهميّة هذه المسألة ومعالجتها.

وكإسهام في تصحيح بعض هذه العادات الخاطئة والتقاليد غير المتوافقة مع القيم الدينية والأحكام الشرعية نحاول في هذا البحث المختصر إحصاء بعض هذه العادات ومناقشتها وتصحيح الخاطئ منها وتشجيع الصحيح منها، وكلامنا سيكون حول المجتمع الإسلامي بشكل عام.

وقبل البدء في ذكر هذه العادات لا بدَّ من الإشارة إلى بعض الأمور الممهدة:

الأمر الأول: معنى العادة والتقليد

العادة: بمعنى الدأْب على الشيء وملازمته والاعتياد والتعود عليه[1]، وقُسمت العادة إلى اختيارية واضطرارية، فالاختيارية “كتعود شرب النبيذ وما يجري مجراه مما يكثر الإنسان فعله فيعتاده ويصعب عليه مفارقته، والاضطرار مثل أكل الطعام وشرب الماء لإقامة الجسد وبقاء الروح وما شاكل ذلك”[2].

التقليد: وهو إلزام النفس بشيء معين، وجعله في عنقه[3]، ومنه القلادة حيث توضع على عنق المرأة، ومنه أيضاً التقليد في الدين[4]، هو الرجوع إلى الفقيه في المسألة الشرعية وإلزام النفس بفتواه.

فالعادات والتقاليد هي الأفعال والممارسات التي اعتاد عليها الناس وألزموا بها أنفسهم، فأصبحت جزءً من ممارساتهم الحياتية الطبيعية.

الأمر الثاني: قدسية العادات والتقاليد في الذهنية الاجتماعية

العاداتُ والتقاليدُ تختلف من مجتمع لآخر وتختلف من حيث التعلُّق والرسوخ والتمسُّك بها:

فمنها: العادات التي تصل إلى مستوى تكون كالعقيدة والدين الذي لا يمكن أنْ يتخلَّى عنه الإنسان بسبب توارثه جيلاً بعد جيل، {قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ}[5]، {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ}[6]، ولذلك ذكر أنَّ من معاني العادة الدين[7].

ومنها: العادات التي تكون أقلّ رسوخاً وتجذّراً.

ويرتبط الرسوخ والتعلُّق بحسب منشأ العادة، فهناك عادات لها علاقة بالدين؛ بمعنى نسبتها إلى الدين بغض النظر عن صحة النسبة، وهناك عادات لا علاقة لها بالدين، بل هي عادات قبلية أو عائلية أو قومية.

الأمر الثالث: كيف يمكن تصحيح العادات الخاطئة أو مواجهتها؟

رغم صعوبة تغيير العادات لما تحمل من قدسيّة في الذهنية العامة للناس، لكنْ لا يعني ذلك عدم القدرة على معالجتها، فقد استطاع الإسلامُ العظيم أنْ يغيِّر أمّةً بأكملها من خلال السعي الكبير الذي قام به رسولنا الكريم|، مع أنّ الأمَّة في ذلك الوقت تحمل من العادات والتقاليد المتجذِّرة ما يجعل من الصعب تغييرها بالشكل الذي حصل، وهو من معاجز النبي الأعظم|.

ومن العادات التي غيّرها النبي| بخطوة عملية، هي مسألة التبنّي، فقد كان العرب يتبنون بعض الأشخاص كأبناء، ثم يعطونهم كلّ حقوق البنوّة ويرتبون عليهم كلّ الآثار، وقد تبنَّى النبي| زيد بن الحارثة قبل البعثة حيث كان زيد قد أصيب في السبي وباعه أحدهم على خديجة فوهبته للنبي|، وجاء أبوه يطالبه فخيَّره النبي| في البقاء معه أو الذهاب مع أبيه فاختار رسول الله| فاعتقه وتبنّاه فكانوا يسمونه زيد بن محمد، وفي المدينة زوّجه بابنة عمته زينب بن جحش، ثم طلَّقها زيد فتزوجها رسول الله| وأراد بذلك أن يكسر الحاجز حيث إنَّها زوجة ابنه بالتبنّي، ولا يجوز الزواج بزوجة الابن عندهم ولو كان بالتبنّي، وأخذ المنافقون يتكلّمون في هذا الأمر، ونزل قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللهَ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ}[8]، وقوله تعالى: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا}[9].

نماذج من العادات والتقاليد:

نحاول هنا أن نذكر بعض العادات والتقاليد المترسّخة في المجتمع، ونرى مقدار توافقها مع الدين، ونعالج ما فيها من أخطاء، ونساهم في تعزيز الصحيح منها:

العادة الأولى: إحياء ليلتي النصف من شعبان ومن شهر رمضان

من العادات المنتشرة في البحرين ودول الخليج بالإضافة إلى العراق[10]، هو إحياء ليلة النصف من شهر شعبان وشهر رمضان، ليس بمجرّد الاحتفال -فإنَّ ذلك عام لكلّ المناسبات الدينية وعند جميع الشيعة-، بل بما يسمى بـ(الناصفة) وهو خروج الأطفال والشباب وبعض النساء ليلة النصف لأخذ ما يسمّى عند البعض بالبركة وما يوزِّعه الناس على أبواب بيوتهم من النقود والحلويات وما شاكل، والملفت أنَّ هذه الطريقة ليست خاصة بالشيعة بل حتى السنة يقومون بها ويسمونها (القرقاعون).

هذا المقدار من الإحياء لم يرد فيه شيء في الروايات الشريفة، ولا يُعلم المنشأ الأساس لهذه العادة المتجذِّرة عند الناس، ولكنّها في نفس الوقت لا يوجد فيها محذور شرعي إذا روعي فيها الشرع من عدم الاختلاط، وعدم الإسراف وما شاكل.

ويمكن أنْ يكون المنشأ هو المناسبتين الموجودين في هاتين الليلتين، ففي النصف من شعبان ولد الإمام الثاني عشر من أئمة المسلمين وهو الإمام المهدي المنتظر#، وفي النصف من شهر رمضان المبارك ولد الإمام الثاني من أئمة المسلمين وهو الإمام الحسن المجتبى×، خصوصاً أنَّ الإحياء يكون بشكل الفرح الذي يشبه العيد، وهو لا يكون إلا في المناسبات من هذا النوع.

فعلى فرض كون هذا هو المنشأ فيكون لها جذرها الديني، وهذا ما يحتم علينا الحذر أكثر من بعض الممارسات التي يمكن أنْ يكون فيها مخالفة للدين فمن الملاحظ في الآونة الأخيرة بعض المظاهر غير الجيدة ـ وهي لا تختص بهاتين المناسبتين- وهو المبالغة في إذاعة الأناشيد التي تسمى بالإسلامية مع ما فيها من الموسيقى الصاخبة والميوعة التي لا تناسب هاتين المناسبتين، بل قد يكون بعضها حراماً لمناسبته أهل اللهو واللعب، وجدير بالمؤمنين أنْ يراعوا حرمة هاتين الليلتين.

وقد ورد في أعمال ليلة النصف من شهر شعبان الإحياء بالعبادة لأنَّها أفضل ليلة بعد ليلة القدر، وفيها أعمال كثيرة[11]، وهي ليلة شريفة وليلة عبادة عند أهل السنة أيضاً كما ورد في رواياتهم[12] وإن لم نر خارجاً العمل بذلك، وليلة النصف من شهر رمضان كذلك فيها بعض الأعمال الخاصة حيث تقع في الشهر المبارك الذي هو شهر العبادة والتقوى[13].

العادة الثانية: قراءة القرآن في شهر رمضان

من العادات التي تشمل أغلب أو كلَّ الشعوب الإسلامية، هي فتح المجالس القرآنية العامة في المساجد والمنازل، حيث الأجواء الإيمانية لشهر الله الكريم، وفي الرواية: >لكلّ شيء ربيع وربيع القرآن شهر رمضان<[14].

ويُختم القرآن فيه مرّة واحدة على أقل التقادير، وورد في بعض رواياتنا ختمه في كلّ ليلة في شهر رمضان وفي بعضها كلّ ثلاث ليالي، وفي غير شهر رمضان كلّ ست ليالي حسب الفراغ[15].

إذاً هذه العادة من العادات التي لها جذرها الديني الواضح، نعم مسألة فتح المنازل والقراءة الجماعية ربما لم يرد فيها نص خاص ولكنّها مصداق من مصاديق إحياء الشهر الكريم بالعبادة، ولولا وجود هذه المجالس لغفل الكثير عن قراءة القرآن أو الاستماع إليه.

نعم هناك بعض الملاحظات في بعض هذه الأجواء الإيمانية على المؤمنين الالتفات إليها:

أولاً: عمليّة الإصغاء لقارئ القرآن، فالذهاب للمجلس القرآني وإنْ كان في حدِّ نفسه ترويجاً للدين ومطلوباً من المؤمنين، ولكنّ المطلوب الأهم هو المشاركة ولو بمجرَّد الاستماع والإصغاء، والإصغاء يستبطن التفكّر والتمعّن في كلام المتكلّم، وهو ما أمرنا به القرآن الكريم، بل وعاتب المشركين على عدمه {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}[16].

والأفضل من ذلك هو المتابعة لكلام الله تعالى بأنْ يقرأ مع القارئ ولو بصوت خفيف ليحصل على ثواب المستمع والقارئ، ففرقٌ بين الاستماع وبين المتابعة بالقراءة.

ثانياً: يلاحَظ في بعض المجالس اللغو والأحاديث الجانبية المنافية لقدسيّة القرآن الكريم، وقد ورد عن عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله قال: قلت له: “الرجل يقرأ القرآن أي جب على من سمعه الإنصات له والاستماع؟ قال: >نعم، إذا قرأ عندك القرآن وجب عليك الإنصات والاستماع<“[17].

ثالثاً: الملاحظ أنَّ فتح المجالس القرآنية خاصٌ بالفترة الليلة، وربما يكون المرء معذوراً حيث يكون منهكاً نهاراً -خصوصاً إذا كان يمارس عملاً أو وظيفةً ما أثناء النهار-، ولكنْ في مثل هذه السنوات حيث يكون النهار طويلاً لا ينبغي الغفلة عن النهار، وقراءة القرآن ليس خاصاً بالليل، وما رُوي من أنَّه يختم القرآن في شهر رمضان عشر مرات كلَّ ثلاثة أيام ختمة[18] يدلّ على ذلك، فمن المستبعد قراءة عشرة أجزاء في خصوص الليلة الواحدة، خصوصاً وأنّ الرواية عبّرت بـ (أيام) وليس ليالٍ، واليوم يطلق على النهار، أو مجموع الليل والنهار، فالنهار داخل في الفرضين.

رابعاً: يتصوَّر أكثرنا بأنّه إذا حضر بعض هذه المجالس القرآنية يكون قد أدّى ما عليه تجاه كتاب الله تعالى، مع أنَّه مجرَّد حاضر، وربما كان غافلاً طوال الوقت عن القارئ، ولم يتابعه في آية واحدة أو يتفكّر فيها ويتأمل! ويلهو بقيّة اليوم عن القرآن الكريم كأنَّه لم يمرَّ على سمعه خطبة الرسول الأعظم| في استقبال شهر رمضان: >فاسألوا اللهَ ربَّكم بنيات صادقة وقلوب طاهرة أن يوفِّقكم لصيامه وتلاوة كتابه، فإنَّ الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم،… ومن تلا فيه آية من القرآن كان له مثل أجر من ختم القرآن في غيره من الشهور<[19].

العادة الثالثة: عيادة المرضى

 من العادات الحسنة والمطلوبة هي زيارة المرضى، إمَّا في المستشفى أو في البيوت، وتندرج هذه في الواجبات الشرعية لو كان المريض من الأرحام حيث إنّها من أبرز مصاديق صلة الرحم، ومن المستحبَّات المؤكّدة في غيرهم، بل من حقوق المؤمن على المؤمن خصوصاً بين الأصدقاء والجيران، وللأسف هناك بعض الناس من لا يهتمُّ بهذا الأمر، وربما لو مرض هو ولم يزره أحد لحَزِن في نفسه وتمنّى لو يزوره الناس لما في ذلك من تأثير إيجابي على النفس، وما في ذلك من تقوية العلاقات الاجتماعية، والجدير بالذكر أنَّه لا ينبغي التفريق في ذلك بين الغني والفقير.

ومن الروايات اللطيفة في هذا الأمر ما روي عن رسول الله| أنّه قال: >يعيِّرُ الله عبداً من عباده يوم القيامة، فيقول: عبدي، ما منعك إذ مرضت أنْ تعودني؟ فيقول: سبحانك، أنت ربُّ العباد لا تألم ولا تمرض! فيقول: مرض أخوك المؤمن فلم تعده، وعزتي وجلالي لو عدته لوجدتني عنده، ثم لتكلفّت بحوائجك فقضيتها لك، وذلك من كرامة عبدي المؤمن، وأنا الرحمن الرحيم<[20].

ويمكن أنْ يفهم من هذه الرواية أنَّ زيارة المريض من حقوق المؤمن على أخيه.

العادة الرابعة: زيارة زوار مكّة والمراقد المقدّسة

من العادات المهمَّة والتي كانت في السابق أكثرُ جاذبية هي زيارة الراجعين من حجِّ بيت اللهِ الحرام أو من زيارة المراقد المقدّسة؛ حيث لم يكن الجميعُ يذهب إلى الحجّ والزيارة بهذه الكثرة الحاصلة حالياً، ولا زالت هذه العادة موجودة في بعض البلدان الإسلامية بقوة كما في الجمهورية الإسلامية، فنرى اللافتات المرحّبة على منزل الزائر للتهنئة.

الملاحظ في الفترة الأخيرة (لا أقل في بلدنا البحرين) ضعف هذه العادة، لأسباب عدة:

منها: كثرة السفر وكثرة المسافرين، فمثلا في زيارة الأربعين تذهب نسبة كبيرة من الناس إلى كربلاء، وربما تجد بعض العوائل الزائرون فيها أكثر من الباقين، وكذلك في العمرة الرجبية وعمرة عيد الفطر، وهذا يخلق نوعاً من الفتور والسأم في زيارة هذا العدد الكبير كلّ في منزله، بل نفس الزوار والحجاج قد لا يتهيأون لاستقبال أحد لعدم أهميته في نظرهم.

ومنها: وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت بديلاً عن التلاقي المباشر، فيكتفي الزائر والحاج بالكتابة في (الواتساب) أنّي قد رجعت من الحج أو الزيارة، وترى التعليقات من الآخرين بالدعاء والتحميد على السلامة، ويعتبر كلّ واحد منهم أنّه أدى الواجب الذي عليه.

وهذا الأمر يحتاج إلى نظر من قبل المؤمنين، فإنَّه يفوِّت عليهم بعض الأمور المهمَة التي تستهدفها هذه العادة:

فزيارة الحجاج وزوار المراقد المقدسة فرصة ثمينة وكبيرة لتقوية العلاقات الاجتماعية فلا تفوّتها على نفسك، وقد يقول قائل إنّا لا نستطيع زيارة كلّ الحجاج والزوار بل أكثرهم لا يجلسون لاستقبال أحد، والجواب أنّه لا يسقط الميسور بالمعسور، وليس المطلوب هو زيارة الكل خصوصاً إذا كانت زيارةً سريعةً ومتكرِّرةً كما فيمن يُكثرُ السفر، فلتكن الزيارة للأرحام والمقربين، وللجيران ممن يذهبون لأوَّل مرَّة أو كانت زيارتُهم طويلة.

وعلى الحجَّاج والزوار أنفسهم التهيؤ لاستقبال المؤمنين، وألا يبالغوا في طريقة الاستقبال ولتكن التهيئة لذلك بسيطة وعفوية، وعلى المؤمنين عدم المكوث كثيراً إذا كان ذلك يسبب الضيق والحرج.

ومن فوائد زيارة الحجاج والزوار الثواب العظيم الذي ذكرته الروايات الكثيرة، أذكر بعضها: عن النبي|: >إذا لَقيتَ الحاجَّ فَسَلِّم عَلَيهِ، وصافِحهُ، ومُرهُ أنْ يَستَغفِرَ لَكَ قَبلَ أنْ يَدخُلَ بَيتَهُ، فَإِنَّهُ مَغفورٌ لَهُ<. فهذه الرواية تحث على استقبال الحاج عند وصوله للبلد وقبل دخوله منزله.

وعن الأمير : >إذا قَدِمَ أخوكَ مِن مَكَّةَ فَقَبِّل بَينَ عَينَيهِ، وفاهُ الَّذي قَبَّلَ بِهِ الحَجَرَ الأَسوَدَ الَّذي قَبَّلَهُ رَسولُ اللهِ|، والعَينَ الَّتي نَظَرَ بِها إلى بَيتِ اللهِ ، وقَبِّل مَوضِعَ سُج ودِهِ ووَجهَهُ، وإذا هَنَّأتُموهُ فَقولوا لَهُ: قَبِلَ اللهُ نُسُكَكَ، ورَحِمَ سَعيَكَ، وأخلَفَ عَلَيكَ نَفَقَتَكَ، ولا جَعَلَهُ آخِرَ عَهدِكَ بِبَيتِهِ الحَرامِ<.

وعن الإمام زين العابدين : >بادِروا بِالسَّلامِ عَلَى الحاجِّ والمُعتَمِرِ ومُصافَحَتِهِم، مِن قَبلِ أنْ تُخالِطَهُمُ الذُّنوبُ<، وعنه أيضاً: >يا مَعشَرَ مَن لَم يَحُجَّ، استَبشِروا بِالحاجِّ وصافِحوهُم وعَظِّموهُم، فَإِنَّ ذلِكَ يَجِبُ عَلَيكُم، تُشارِكوهُم فِي الأَجرِ<. وعن الإمام الباقر : >وَقِّرُوا الحاجَّ والمُعتَمِرينَ، فَإِنَّ ذلِكَ واجِبٌ عَلَيكُم<. وعن الإمام الصادق×: >مَن لَقِيَ حاجًّا فَصافَحَهُ كانَ كَمَنِ استَلَمَ الحَجَرَ<. وعنه : >مَن عانَقَ حاجًّا بِغُبارِهِ كانَ كَأَنَّمَا استَلَمَ الحَجَرَ الأَسوَدَ<[21].

وهذه الروايات وإنْ لم تدلُّ على الزيارة في المنزل فيكفي لقاء الحاج في المسجد أو أيّ مكان آخر، لكنّ ذلك لا يعني عدم مطلوبية قصد المؤمن في منزله؛ خصوصاً إذا كان من الأرحام والمقربين، وقد يكون مصداقاً لصلة الرحم التي هي من الواجبات، والتي أصبح التقصير فيها مشهوداً ومتساهلاً فيه، فالأخ أو العم أو الخال أو أبناء العمومة والخؤولة ينتظرون من قريبهم زيارته لهم في المنزل، أي أنْ يكون هناك قصدٌ للزيارة، لا أنْ يكتفي بالحديث في وسائل التواصل الاجتماعي أو اللقاء العفوي والذي يقع صدفة، ولعلّ هذا هو أحد أسباب ضعف العلاقات الاجتماعية، وعلى المؤمنين التأمل والتفكير في ذلك جيداً.

العادة الخامسة: الاجتماعات العائلية

من العادات الموجودة عند أكثر المجتمعات هو التجمُّع العائلي الذي يحصل أسبوعياً أو شهرياً خصوصاً على وجبة الطعام، وهذا له جذوره الشرعية سواء كان الدافع للاجتماع هو الشرع أم لمجرّد العادة، فإنَّه من أجلى مصاديق صلة الأرحام والتي هي من الواجبات الشرعية خصوصاً بالنسبة إلى الأبوين والأخوة والأخوات، وعادةً بعد زواج الأبناء والبنات يقل الالتقاء خصوصاً إذا كان كلّ واحد يعيش في منطقة مختلفة، فهذا التجمع يكون فرصة مهمة.

وربما يتعذَّرُ الكثير عن حضور هذا التجمّع أو يتساهل في أهميته، مع أنّه من الأمور المهمة في تقوية الروابط والعلاقات الأسرية وبين الأرحام.

الاختلاط العائلي:

نعم يحاول البعض التملّص من هذه التجمعات لمحذور شرعي فيها وهو الاختلاط الموجود بين النساء والرجال، فيجلس الجميع على سفرة واحدة ويكون الشخص بجنبه زوجة أخيه أو ابنة عمه أو ابنة خاله، مع ما يصاحبه من الحديث المتبادل والضحكات كما هو طبيعة هذه التجمعات، وهذا قد يكون في بعض المجتمعات المنفتحة بشكل كبير، وهو قليلٌ في مجتمعنا البحراني حيث إنَّه من أكثر المجتمعات محافظة، وإذا وزنّا هذا في ميزان الشرع فسنجد مطلوبية الفصل بين النساء والرجال الأجانب حتى لو كانوا من الأرحام، فليس كلُّ رحم فهو من المحارم كما هو واضح، والمؤمن يبتعد عن مثل هذه المواطن التي يكون الشيطان حاضراً فيها.

والعادة لا تبِّرر للمؤمنين التساهل في الأمور الشرعية، والحرج ـ بسبب العادة الملزمة للحضور- إنّما يجب أنْ يكون في اقتراف المعصية، وعلى كلّ حال يجب حينها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول الشيخ محمد صنقور~ في بعض أجوبته على هذه المسألة(الاختلاط العائلي): “الظاهرة غير محمودة بل هي محرمة لو استلزمت ظهور بعض ما يجب ستره على المرأة كشيء من ذراعها أو شعرها أو ظاهر قدميها كما يكون هذا العمل محرّماً لو استلزم النظر إلى وجه الأجنبية بريبة، وأما المزاح والتضاحك فهو محرّم أيضاً مع المرأة الأجنبية، فقد ورد عن الرسول الكريم| أنّه قال: >ومن صافح امرأة حراماً جاء يوم القيامة مغلولا ثم يؤمر به إلى النار، ومن فاكه امرأة لا يملكها حبسه الله بكلّ كلمة في الدنيا ألف عام..<[22]، على أنّه لو لم يستلزم الاختلاط العائلي أيّ محذور شرعي فهو مع ذلك يكون مرجوحاً شرعاً لأنّه مظنّة للوقوع في المفسدة، فلا يأمن الرجل على نفسه من أن يقع نظره على جسد زوجة أخيه أو ابنة عمه فيكون نظر ريبة وكذلك العكس، فإنّ ذلك مقتضى طبيعة الرجل والمرأة…”[23].

العادة السادسة: التأخُّر في الزواج

قبل ذكر هذه العادة تجدر الإشارة إلى الفرق بين العادة وبين الظاهرة، فالعادة (ونقصد خصوص العادة الاجتماعية) هي الأمور المترسخة في المجتمع والتي تمارس بشكلها الطبيعي ودون حرج، بينما الظاهرة فهي عمل طارئ على سلوك المجتمع وفي الغالب يكون محدوداً في مجموعة من الناس، نعم هذه الظاهرة مع الوقت قد تتحول إلى عادة وتقليد، وحديثنا إنَّما هو عن العادات والتقاليد الموروثة جيلاً بعد جيل، وأمَّا الظواهر فلعلّنا نوفّق للحديث عنها في فرصة أخرى.

عادة الأجداد في الزواج:

لقد كانت عادةُ الآباء والأجداد في أمور الزواج تعتبر أفضل من زماننا في بعض الأمور، كالسهولة في الزواج وعدم التعقيد، وطريقة الزفاف الشعبية التي تنشر حالة من الفرح الكبير على نفس الزوجين بل وكلّ العائلة والمقرّبين وعموم المؤمنين، ومنها التبكير في الزواج الذي حثَّت عليه الرواياتُ الشريفةُ خصوصاً في الفتاة، ويمكن معرفة ذلك بسهولة من خلال النظر إلى أعمار الآباء والأمهات بالنسبة إلى الولد الأكبر، ففي الغالب يكون الفارق دون العشرين سنة مما يدل على الزواج المبكر للأب وبالأخص الأم.

سن الزواج:

وأمَّا في زماننا فأصبح السنُّ المتعارفُ للزواج هو فوق العشرين، ولعلَّ بعض البلدان يكون السن المتعارف فوق الثلاثين، وأدرجت هذا الأمر في العادات؛ لأنّه فعلاً أصبح أمراً راسخاً ومتجذّراً؛ بحيث لو أراد الأب والأم تزويج ابنتهما في سن الرابعة عشر أو الخامسة عشر فكأنّما جنيا جناية في حقها لا تغتفر، ولو أراد الشاب في سن السادسة عشر أو السابعة عشر الزواج لردَّ عليه باستهزاء بأنَّك لا زلت صغيراً وفي مرحلة الطفولة بالنسبة للزواج!!

والحديث عن هذه العادة مهم جداً ويحتاج إلى نقاش موسّع، ولكن نختصره قدر المستطاع في نقاط عدة:

النقطة الأولى: الروايات الواردة في التبكير في الزواج:

المهم للمؤمن هو النظر إلى رأي الدين في هذه المسألة التي لا يمكن للناس معرفة العلل والأسباب والآثار المتنوّعة المترتبة على تبكير الزواج أو تأخيره، بل الله تعالى الخالق لهذا الإنسان والجاعل فيه الغرائز والشهوات والحاجات، هو العالم بما يصلحه وما يفسده، ولذا علينا النظر إلى روايات أهل بيت العصمة والطهارة.

أما البنت: فورد عن النبي|أنه قال: >من سعادة الرجل ألا تحيض ابنتُه في بيته<[24]، وهذا يعني أنْ يزوجها في العاشرة والثانية عشر، حيث إنَّ الحيض يجيء عادة في هذا السن، والتعبير عن ذلك بأنَّه >من سعادة الرجل< لعلَّه يشير إلى اطمئنانه على ابنته من الانحراف والانزلاق حين تزوج في هذا السن المبكر، وقبل أنْ تشتد بها الشهوة وتنزلق في المعصية، ولذا ورد عن الإمام الصادق أنّه قال: >كان علي بن الحسين إذا أتاه ختنه على ابنته أو على أخته بسط له رداه ثم أجلسه ثم يقول: مرحباً بمن كفى المؤنة وستر العورة<[25]، وقد يعبَّر في العرف العامي لدينا أنّها بنت ستر الله عليها، فالزواج ستر، فليكن هذا الستر مبكّراً.

وكذلك يفهم من الروايات أنَّ المعيار في المتقدّم أنْ يكون متديّناً وخلوقاً، فمتى أتى لزم قبوله، ولا يلحظ سنَّه أو سن البنت، كما رُوي عن إبراهيم بن محمد الهمداني قال: “كتبت إلى أبي جعفر في التزويج، فأتاني كتابه بخطِّه: >قال رسول الله|: إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير<“[26]. وعن راوٍ آخر كتبت إلى أبي جعفر أسأله عن النكاح؟ فكتب إليَّ: >من خطب إليكم فرضيتم دينه وأمانته فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير<[27].

وتجدر الإشارة إلى أنَّ الإمام الجواد تزوَّج وهو حدث السن، وبنو العباس اعترضوا على ذلك ولكن ليس بسبب صغره بل خوفاً على ملكهم، مما يكشف عن أنَّ الزواج في تلك السن لم يكن شاذاً ونادراً.

وقلنا بأنّه حتى بالنسبة إلى الشاب لم تشترط الروايات سناً معيناً، وإنْ كان هناك سنٌ متعارفٌ بحيث يصدق عليه عند العرف أنّه سن الزواج، فبالتأكيد هو لا يزيد على سنِّ العشرين، وهذا ما كان عليه الآباء والأجداد فضلاً عن زمان النبي| والأئمة^.

عن علي قال: >قال رسول الله| إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوِّجوه، قلت: يا رسول الله وإنْ كان دنياً في نسبه، قال: إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير<[28].

النقطة الثانية: أهم أسباب التأخُر في الزواج:

هناك أسباب كثيرة لتأخّر الزواج في زماننا المعاصر، من أهمها:

1- الحالة المادية: حيث ترى الكثير يتعذّر بعدم الحصول على الوظيفة، فكيف يتزوّج ويصرف على أهله، وكيف يوفِّر تكاليف الزواج المبالغ فيها في أكثر بلداننا، فيتأخر إلى أنْ يحصل على العمل ويجمع مقداراً من المال وهذا ما يحتاج إلى وقت طويل.

2- الحالة الاجتماعية: والمقصود منها أنّ الحياة الاجتماعية تغيّرت فلا بدّ للمرأة من أنْ تدخل المدرسة ثم الجامعة ولا تتخرّج إلا فوق سن العشرين، وتمتنع من الزواج أيام الدراسة الجامعية فضلاً عن امتناعها أيام المدرسة، وكذلك الشاب فلا يوجد لدينا من يتزوّج قبل إتمام الثانوية على أقلّ التقادير[29].

ودخول الجميع للجامعات أولاداً وبناتاً يحتاج إلى نظر في جدوائيته، لا يصلح المقام لمناقشته.

3- العادة الاجتماعية والثقافية: وهو الأهم؛ حيث العادات والتقاليد تحكم على الجميع، فقد أصبح من المعيب أنْ تُزوج البنت وهي في المدرسة ويعتبر انتهاكاً لحق الطفولة! وتضييعاً لمستقبل البنت!

وأمّا الشاب فكان من واجب الأب تزويجه وأصبح اليوم من الواجب على الشاب أنْ يتعب ويعتمد على نفسه في التمهيد والتخطيط للزواج من خلال الدراسة والعمل وجمع المال، وكونه لم يدخل هذه التجربة فلا حلَّ له إلا التأخير.

وللشرع في هذه الأمور رأياً ينبغي للمؤمنين الالتفات إليه لعلاج هذه العادة التي استحكمت في المجتمع، ولها آثارها الخطيرة التي نتغافل عنها.

النقطة الثالثة: الآثار السلبية لتأخير الزواج

وحتى تكونَ هناكَ جدّية في العلاج لا بدَّ أولاً من الإشارة إلى الآثار الخطيرة من هذه العادة، وباختصار نقول: إنَّ من أهمِّ الآثار الخطيرة هي حالة الانحراف الأخلاقي الذي يسبب العار أولاً على الأب والأم والعائلة، وثانياً ينشر الرذيلة والفساد والانحطاط في المجتمع، والآثار الاجتماعية والنفسية للزنا واللواط والفواحش غير خفية.

خصوصاً ونحن نعيش في زمن لا يخلو مكان وزمان فيه من الإثارة، فمن البيت حيث التلفاز وقنواته المبتذلة، إلى الهواتف وشبكات التواصل التي سهّلت على الأطفال فضلاً عن الشباب الوصول إلى ما يشتهون بشتى الأشكال والألوان، وصولاً إلى الشوارع وبيئة العمل ومكان الدارسة المختلطة وبالأخص في الجامعات حيث يتزامل الشاب مع الشابة، فمع كلّ هذا الجو المشحون بالإثارات مصحوباً بقوّة الشهوة الجنسية في هذا السن، يقال بلزوم تأخير الزواج لتأمين المستقبل!؟

ومن الآثار السلبية للتأخير: قلّة الإنجاب، فقلّة السكان، وقلّة الروابط الاجتماعية، وصغر العائلة المكوَّنة من الأب والأم والأولاد ثم قلّة الأعمام والأخوال وبالتبع قلّة أبناء العمومة والخؤولة، والكثير لا يلتفت إلى هذا الأثر خصوصاً على المدى البعيد.

 النقطة الرابعة: علاج هذه المشكلة[30]

لعلاج هذه المشكلة يحتاج المجتمع إلى تعزيز ثقافته الدينية وارتباطه بالأوامر الإلهية ومعرفة المصالح والمفاسد في التشريعات القرآنية، والنظر بثقة كاملة فيما قاله المعصومون فيما يرتبط بكلّ الجوانب الحياتية، والعمل الجماعي لرفع هذه المشكلة برفع أسبابها:

وهنا نعرض بعض الروايات التي تمثل الحل إذا التزم بها المؤمنون بالنسبة إلى الجانب المالي والذي هو من أهم موانع زواج الشباب، وسببه نحن المؤمنون الذين نتجاوز المعقول في الطلبات والمهور العالية وما رافقها من فستان باهظ، ومكان فاخر.. الخ، بينما يقول رسول الله| فيما روي عنه: >أفضل نساء أمتي أصبحنّ وجهاً، وأقلهن مهراً<[31]، وعن زين العابدين : >فأمّا شؤم المرأة فكثرة مهرها، وعقم رحمها<[32]. إنّ من بركة المرأة قلّة مهرها، ومن شؤمها كثرة مهرها.

وهل هناك أعظم من الزهراء ؟ فكم كان مهرها؟ وما هو عفش بيتها؟ فهل أنزل ذلك من قدرها؟ كلا بل هي المبروكة الميمونة، عن الصادق : >إنَّ عليّاً تزوج فاطمة على جرد برد ودرع وفراش كان من أهاب كبش<. وعنه× أيضاً: زوَّج رسول الله| فاطمة على درع حطمية يسوي ثلاثين درهما<[33].

ويقول تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ}[34]، وهل فوق وعد الله وعد؟! يقول إمامنا الصادق في شأن هذه الآية: >من ترك التزويج مخافة العيلة فقد أساء الظن بالله§<[35]، وعلى أولياء الأمور عدم النظر إلى فقر الرجل المتقدم لابنتهم بل إلى دينه وخلقه[36].

وأما الجانب الاجتماعي: وتغيّر الحال بالنسبة إلى الدراسة فلا تنتهي الشابة من المدرسة والجامعة إلا بعد تجاوز العشرين، وكذلك الشاب فهنا حديث طويل ذو شجون، اختصاره أنَّ تقديم الدراسة على تحصين النفس من الانحراف هو قلّة مبالاة، ولا نعني بذلك ترك التعلّم رأساً بل يمكن الجمع، كما هو الحال عند المعلمات والطبيبات حيث لا مانع من الزواج وإنجاب الأولاد وبين عملهن، فكذلك التعلم في المدرسة أو الجامعة، وبخصوص الفتاة إذا لم يكن التخصص الجامعي له دخل فيما تحبّ أنْ تعمل فيه بعد ذلك فالرأي أنّ دخول الجامعة هو تضييع للوقت والعمر والدين أيضاً، ولا حرج في عدم دخولها الجامعة، بالإضافة إلى أنّ عمل المرأة في زماننا وبالشكل العشوائي الموجود ضرره أكثر من نفعه، فإذا تفرّغت للعمل -مع أنّه من وظائف ومسؤوليات الرجل دون المرأة إذا كان القصد هو الدخل المادي- فمن يقوم بالمهمة العظيمة والمسؤولية الجسيمة في تربية الأولاد؟! أليس ذلك عمل عظيم وفوائده تعم جميع المجتمع؟

وأمّا الشاب، فهو أعرف بنفسه، فإذا رأى بأنَّ نفسه تتوق للزواج، والأجواء الجامعية وغيرها تؤثر سلباً على تدينه فهو مسؤول في تعجيل الزواج، ويمكنه تأجيل الإنجاب قليلاً، وأمّا الجانب المادّي فتقدم الكلام فيه، وعليه أن يتوكّل على ربه.

وأمّا العادات الاجتماعية التي تنظر للبنت على أنّها طفلة على الزواج ما دامت دون الثامنة عشر، فهو من دسائس الغرب حيث تحديد الطفولة بذلك، وأنّ الزواج قبل هذا السن يعتبر جناية على البنت، حتى تجد بعض الدول الإسلامية تمنع زواج البنت رسميا قبل هذا السن!!

وباختصار أقول: الغرب يستعيض للبنت عن زواجها قبل هذا السن بالصداقة مع أحد الشبان، بل -كما نقل أحد الأخوة- إنّهم يجبرون الشباب والشابات على اختيار الصديق أو الصديقة في المدرسة!! والشاب الذي لا يصادق بنتاً يعتبر مريضاً نفسياً!! وما هذه النظرة إلا لكونهم يرون ضرورة إشباع هذه الغريزة ولكنّهم يختارون لها الطريق الخاطئ والمنهي عنه في الشريعة.

أمّا نحن المسلمون فعلينا ألا نضيع بناتنا وأبنائنا، وعلينا تعجيل الزواج لهم امتثالاً للروايات الشريفة، فكيف يجوز أنْ تترك البنت عشر سنوات أو أكثر بعد البلوغ واشتداد الحاجة الجنسية ومع هذا الجو بدون زواج ونبرر ذلك بأنَّ النظرة الاجتماعية تغيرت!؟ ألسنا جزء من المجتمع، بل نحن كل المجتمع، ويمكننا تغييره لو تعاونا في مثل هذه الأمور.

العادة السابعة: بعض مراسم الزواج   

الزواج أمر مقدَّس مبارك، وبالزواج يحرز المؤمن نصف دينه كما ورد في الروايات، وينبغي أنْ يعلم المؤمن والمؤمنة عظمة هذا الأمر وأنّه نوع من أنواع الطاعة والعبادة التي حثَّ عليها الشرع كثيراً، ويكفي ما روي عن الرسول الأعظم|: >من أحبّ أنْ يكون على فطرتي فليستنّ بسنتي وإنّ من سنتي النكاح<[37].

وهناك بعض ما يشوب هذه السنة المحمدية بالشوائب، فصحيح أنّها ليلة فرح وسرور، وأباح الشرع ذلك ولكن في حدود الشريعة والدين، وللأسف نحتاج علاج بعض العادات المصاحبة للزواج أذكر منها أمرين:

الأول: دخول الزوج على الزوجة وسط النساء الأجانب

وحيث إنَّ طبيعة المناسبة أنْ تتزين النساء وتظهر تلك الزينة على ووجوههن وثيابهن، فهنا يقع المحذور الشرعي من النظر والريبة المحرمة ومن الطرفين، وكما لا يجوز للمرأة أنْ تظهر زينتها للرجال كذلك لا يجوز لها النظر إلى الرجل بريبة، وقد يكون الزوج الحاضر وسيماً جميلاً وبطبيعة الحال سوف يتمُّ الإمعان في النظر إليه، وقد ورد عن الصديقة الزهراء÷: >ليس شيءٌ خيراً للمرأة [من] ألا يراها الرجل ولا تراه<[38].

وهذه العادة للأسف لا زالت موجودة بشكل وآخر، بل في بعض البلدان الإسلامية -كما رأينا في الصحف والتلفاز- في الزواجات الفردية والجماعية يحضر العرسان مع زوجاتهم وهنّ بفستان الزواج وسط الجموع!؟ ولا أدري من أين هذه العادات الدخيلة؟! وكيف يسمح هذا الشاب لنفسه أنْ تُعرض زوجته بفستان زواجها على عموم الناس!!

الثاني: مكياج الزوجة وكذلك أهلها وأصدقاؤها

من الطبيعي أنْ تتزيَّن المرأةُ ليلة زواجها وكذلك أهلها وأقربائها ومحبّوها، وهذا من حقها، وليس ممنوعاً شرعاً، ولكن الإشكالية من ناحيتين:

الأولى: الإسراف؛ حيث تبالِغ كثيرٌ من النساء من وضع المكياج سواء كانت المتزوّجة قريبة منها أم بعيدة، وتجبر زوجَها أو أباها على ذلك مع كراهتهما لذلك، ولكن دفعاً للثرثرة والإصرار المتكرِّر -مثلاً- يوافقان على ذلك، وعلى المرأة المؤمنة أنْ تتحرّز في ذلك دفعاً لهذا المحذور الشرعي.

الثانية: إظهار الزينة للأجنبي؛ والأجنبي بالنسبة للمرأة يشمل أخ الزوج، وأولاد العم والعمَّة، وأولاد الخال والخالة، فضلاً عن البعيدين نسبياً عنها، فكلّ رجل يجوز للمرأة أن تتزوج به (عند كونها غير متزوجة) فهو أجنبي عنها، ولا يجوز إظهار الزينة بمختلف أشكالها أمامه، حتى زينة اللباس والثياب فضلاً عن المكياج في الوجه واليدين.

أكتفي بهذا المقدار من ذكر العادات، وربما نوفّق في مقالة أخرى بذكر غيرها، والتفصيل فيها أكثر، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين..

المصادر والهوامش

  • [1] لسان العرب، ابن منظور، ج1، ص368-369، وج3، ص318.
  • [2] الفروق اللغوية، أبو الهلال العسكري، ص345-346.
  • [3] كتاب العين، ج5، ص117.
  • [4] الصحاح، الجوهري، ج2، ص527.
  • [5] سورة الشعراء: 74.
  • [6] سورة الأنبياء: 52-53.
  • [7] كتاب العين، الخليل الفراهيدي، ج8، ص73، ومعجم مقاييس اللغة، ابن فارس، ج2، ص319.
  • [8] سورة الأحزاب: 4.
  • [9] سورة الأحزاب: 37، راجع: بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج22، ص172-173.
  • [10] انظر: الموقع على الإنترنت (ويكيبيديا) تحت عنوان (قرقيعان).
  • [11] ذكرها الشيخ القمي في مفاتيح الجنان كالغسل ودعاء كميل وزيارة الإمام الحسين×، وكثير من الأدعية والأعمال الأخرى، راجع أعمال ليلة النصف من شعبان.
  • [12] راجع، سنن ابن ماجة، ج1، ص445، ومجمع الزوائد للهيثمي، ج8، ص65، والمصنف لعبد الرزاق الصنعاني، ج4، ص317.
  • [13] راجع مفاتيح الجنان، أعمال ليلة النصف من شهر رمضان.
  • [14] ثواب الأعمال، الشيخ الصدوق، ص103.
  • [15] جاء في الكافي، ج2، ص618-619: عن علي بن المغيرة، عن أبي الحسن× قال: قلت له: إنّ أبي سأل جدّك، عن ختم القرآن في كلّ ليلة، فقال له جدُّك: >كلّ ليلة<، فقال له: في شهر رمضان، فقال له جدُّك: >في شهر رمضان<، فقال له أبي: نعم ما استطعت. فكان أبي يختمه أربعين ختمة في شهر رمضان، ثم ختمته بعد أبي فربما زدت وربما نقصت على قدر فراغي وشغلي ونشاطي وكسلي فإذا كان في يوم الفطر جعلت لرسول الله| ختمة ولعلي× أخرى ولفاطمة÷ أخرى، ثمّ للأئمة^ حتى انتهيت إليك فصيرت لك واحدة منذ صرت في هذا الحال فأيّ شيء لي بذلك؟ قال: >لك بذلك أن تكون معهم يوم القيامة<، قلت: الله أكبر [ف‍] لي بذلك؟! قال: >نعم<، ثلاث مرات”. وعن علي بن أبي حمزة قال: سأل أبو بصير أبا عبد الله× وأنا حاضر فقال له: جعلت فداك أقرأ القرآن في ليلة؟ فقال: >لا<، فقال في ليلتين؟ فقال: >لا<، حتى بلغ ست ليال فأشار بيده فقال: >ها<، ثم قال أبو عبد الله×: >يا أبا محمد إنَّ مَن كان قبلكم من أصحاب محمد| كان يقرأ القرآن في شهر وأقل، إنَّ القرآن لا يقرأ هذرمة ولكن يرتّل ترتيلا؛ إذا مررت بآية فيها ذكر النار وقفت عندها وتعوّذت بالله من النار<، فقال أبو بصير: أقرأ القرآن في رمضان في ليلة؟ فقال: >لا<، فقال: في ليلتين؟ فقال: >لا<، فقال: في ثلاث؟ فقال: >ها<، وأومأ بيده >نعم؛ شهر رمضان لا يشبهه شيء من الشهور، له حقٌّ وحرمة، أكثر من الصلاة ما استطعت<.
  • [16] سورة محمّد: 24.
  • [17] وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج6، ص214.
  • [18] المقنعة، المفيد، ص311.
  • [19] الأمالي، الصدوق، ص154-155.
  • [20] أمالي الشيخ الطوسي، ص629.
  • [21] الحج والعمرة في الكتاب والسنة، الري شهري، ص269-270.
  • [22] ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، الصدوق، ص283.
  • [23] موقع حوزة الهدى. .alhodacenter.net المقالات الأخلاقية- الاختلاط العائلي.
  • [24] من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، ج3، ص472.
  • [25] وسائل الشيعة، للحر العاملي، ج20، ص65.
  • [26] نفس المصدر، ص77.
  • [27] نفس المصدر.
  • [28] وسائل الشيعة، للحر العاملي، ص78.
  • [29] يقول الشيخ السبحاني خلال حديثه عن زواج المتعة: “هذا وقد ضمّ بعض فلاسفة الغرب في العصور الأخيرة من الذين اشتهروا بالتحرر من القيود والحرية في الرأي، أصواتهم إلى صوت الإسلام في تشريعه الخالد للنكاح المؤقت. فهذا هو (راسل) يرى أنّ سنن الزواج قد تأخرت بغير اختيار وتدبير؛ فإنَّ الطالب كان يستوفي علومه قبل مائة سنة أو مائتي سنة في نحو الثامنة عشرة أو العشرين فيتأهب للزواج في سن الرجولة الناضجة، ولا يطول به عهد الانتظار إلَّا إذا آثر الانقطاع للعلم مدى الحياة، وقلّ من يؤثر ذلك بين المئات والألوف من الشبان. أمّا في العصر الحاضر فالطلاب يبدؤون التخصص في العلوم والصنائع بعد الثامنة عشرة أو العشرين، ويحتاجون بعد التخرج من الجامعات إلى زمن يستعدون فيه لكسب الرزق من طريق التجارة أو الأعمال الصناعية والاقتصادية. ولا يتسنّى لهم الزواج وتأسيس البيوت قبل الثلاثين، فهناك فترة طويلة يقضيها الشابّ بين سن البلوغ وبين سن الزواج لم يحسب لها حسابها في التربية القديمة. وهذه الفترة هي فترة النمو الجنسي، والرغبة الجامحة، وصعوبة المقاومة للمغريات، فهل من المستطاع أن نسقط حساب هذه الفترة من نظام المجتمع الإنساني، كما أسقطها الأقدمون وأبناء القرون الوسطى؟” الإنصاف في مسائل طال فيها الخلاف، الشيخ السبحاني، ج1، ص479، وهذا الكلام يشمل جميع البلدان الغنية والمتوسطة، وأما الفقيرة، فحيث الكثير لا يذهب للجامعات أو حتى المدارس يكون سن الزواج فيها أبكر.
  • [30] راجع الفتاوى الميسرة للسيد السيستاني، وكتاب حواريات فقهية للسيد محمد سعيد الحكيم. (زواج البنت)
  • [31] الكافي، الكليني، ج5، ص324.
  • [32] نفس المصدر، ص568.
  • [33] نفس المصدر، ص377.
  • [34] سورة النور: 32.
  • [35] الكافي، الكليني، ج5، ص331.
  • [36] راجع: الفتاوى الميسرة للسيد علي السيستاني، ص301-303، وكتاب حواريات فقهية للسيد محمد سعيد الحكيم، ص234-236.
  • [37] الكافي، الكليني، ج5، ص496. [38] مناقب أمير المؤمنين×، محمد بن سليمان الكوفي، ج2، ص211.
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى