يزيد في كلام علماء الإسلام

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد وعلى آله الميامين، واللعن الدائم المؤبد على أعدائهم إلى يوم الدين.

الحب والبغض في الله دليل الإيمان، قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}(1)، ونحن هنا نتعرض لشخصية استلمت أعلى منصب في الدولة الإسلامية وهو الحكم والملك، بل كانت تعتبر نفسها الامتداد الشرعي لخلافة الرسول(صلّى الله عليه وآله)، وهي شخصية يزيد بن معاوية(لعنه الله). ورأي الشيعة الإمامية في هذه الشخصية واضح لا لبس فيه، ويكفينا قول الحسين الشهيد(عليه السلام): «ويزيد رجل فاسق شارب الخمر، قاتل النفس المحرمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله»(2)، ولكن أردنا أن ننقل كلمات العلماء من المذاهب الأخرى حتى نعرف آراءهم في هذه الشخصية، وهل هناك خلاف بيننا وبينهم حول هذه الشخصية أم لا؟ وسوف ننقل ما يتيسر لنا نقله، وإلا لا يمكن استيعاب كل الآراء والكلمات خصوصا مع قلة المصادر التي بحوزتنا.

 هل يزيد أهلٌ للخلافة؟

في عقيدة الإمامية لا يستحق الخلافة إلا المعصوم الذي ينصبه الله تعالى، وأما عند غيرهم فلا تشترط العصمة، وللناس أن يختاروا خليفتهم، وهنا نريد أن نعرف آرائهم في خلافة يزيد، وأول من ننقل رأيه هو أحد الصحابة وهو عبد الله بن حنظلة: يقول عبدالله بن حنظلة (زعيم شهداء واقعة الحرة 63ه) -وقد رجع من الشام إلى المدينة مع مجموعة من أهل المدينة-: «يا قوم اتقوا الله وحده لا شريك له، فو الله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء، إن رجلا ينكح الأمهات والبنات والأخوات ويشرب الخمر ويدع الصلاة، والله لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت لله فيه بلاء حسنا، فتواثب الناس يومئذ يبايعون من كل النواحي»(3)، وكلام ابن حنظلة ليس عن طريق الحدس بل هو معاينة ليزيد وسيرته، لذلك لم يتردد أهل المدينة من مبايعته وخلع بيعة يزيد، إذ كان الخلفاء الذين سبقوا يزيد ملتزمين بالأحكام الظاهرية للدين حتى مثل معاوية، إذن رأي ابن حنظلة وأهل المدينة (وهم جمع كبير من الصحابة وأبنائهم) هو عدم أهلية يزيد للخلافة ووجوب خلع بيعته. وكذلك رأي عبد الله بن الزبير الذي لم يبايع من الأساس ليزيد وكان يرى نفسه أحق بالخلافة منه، وإن كان امتناعه عن بيعة يزيد إنما لطلب السلطة والملك، ولذلك لم يتحرز من أن يكون سبباً في رمي الكعبة المعظمة بالمنجنيق من قبل أعوان يزيد.

رأي الحسن البصري(م110): قال السبط ابن الجوزي: «ذكر علماء السير عن الحسن البصري أنه قال: “قد كان في معاوية هنات لو لقى أهلُ الأرض اللهَ ببعضها لكفاهم: وثوبه على هذا الأمر، واقتطاعه من أهله، وادعاه زيادا، وقتله حجر بن عدي صاحب رسول الله وصحبه، وسمه الحسن(عليه السلام) بن فاطمة، ومحاربته عليا ثمانية عشر شهرا، وتوليته يزيد على الناس مع علمه أنَّه شريب خمير، يلبس الحرير، ويلعب بالطنابير”»(4)، والهنات أي خصال الشر، فالحسن البصري يعتبر تنصيب يزيد للخلافة هي من خصال الشر العظيمة التي ارتكبها معاوية.

رأي معاوية والد يزيد ومعاوية بن يزيد: وحتى معاوية وهو أبو يزيد فإنه لم يكن يرى ابنه صالحا للخلافة، يقول ابن الجوزي: «وقد كان معاوية يقول: “لولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي” فدلَّ على أنَّه أقام يزيد لغلبته هواه ومحبته له لا للاستحقاق فيه»(5). وأوضح من ذلك رأي معاوية بن يزيد، فقد خطب في الناس عندما أراد أن يخلع نفسه من الخلافة وقال فيما قال: «ثم تقلد أبي أمركم بهوى أبيه الذي كان فيه، فلقد كان بسوء فعله وإسرافه على نفسه غير خليق بالخلافة على أمة محمد، ولا جدير بها، فركب هواه واستحسن خطاه وأقدم على ما أقدم عليه، جرأة على الله وبغيا على ما استحل حرمته، فقلَّت مدتُه وانقطع أثره وضاجع عمله، وحصل على ما قدم؟ وأنسانا الحزنَ عليه الحزنُ له بما قدمه، فليت شعري ما قال وما قيل له»(6).

وقيل بأن بني أمية قالوا لمؤدبه عمر المقصوص: أنت علمته هذا ولقنته إياه، وصددته من الخلافة، وزينت له حبَّ علي وأولاده، وحملته على ما وُسمنا به من الظلم، وحسَّنْت له البدع، حتى نطق بما نطق، وقال بما قال، فقال: والله ما فعلته، ولكنه مجبول ومطبوع على حب علي رضي الله عنه، فلم يقبلوا منه ذلك، وأخذوه ودفنوه حيا حتى مات»(7).

رأي عمر بن عبد العزيز: روي عن نوفل بن أبي الفرات أنه قال: «كنت عند عمر بن عبد العزيز فقال رجل: أمير المؤمنين يزيد بن معاوية. فقال عمر: تقول أمير المؤمنين، وأمر به فضربه عشرين سوطا»(8).

رأي ابن الجوزي(م597): نقل عن ابن الجوزي في كتابه السر المصون قوله: «من الاعتقادات العامة التي غلبت على جماعة منتسبين إلى السنة أن يقولوا: إن يزيد كان على الصواب، وأن الحسين رضي الله تعالى عنه أخطأ في الخروج عليه، ولو نظروا في السير لعلموا كيف عقدت له البيعة وألزم الناس بها، ولقد فعل في ذلك كل قبيح، ثم لو قدرنا صحة عقد البيعة فقد بدت منه بواد كلها توجب فسخ العقد ولا يميل إلى ذلك إلا كل جاهل عامي المذهب يظن أنه يغيظ بذلك الرافضة»(9)، فقول ابن الجوزي هذا يدل على وجود مجموعة تصوِّب فعل يزيد، وهذا يدل على اعتقادهم بصحة خلافته وعدم جواز الخروج عليه، ولكن يرى ابن الجوزي أن هذا التصويب لفعل يزيد ليس ناشئاً من اعتقادهم بصلاحية يزيد للخلافة، وإنما هو إغاظة للشيعة.

رأي الذهبي(م748): ويقول الذهبي: «وإنما عظم الخطب لكونه(يزيد) ولي بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) بتسع وأربعين سنة، والعهد قريب، والصحابة موجودون، كابن عمر الذي كان أولى بالأمر منه ومن أبيه وجده»(10)، ورأى أن خروج أهل المدينة على يزيد هو خروج لله فقال: «وخرج عليه غير واحد بعد الحسين، كأهل المدينة قاموا لله».

رأي الآلوسي(م1270): ويرى الآلوسي أن من يُخَطِّأ الحسينَ في خروجه على يزيد يكون جاهلاً، فيقول: «وأبو بكر بن العربي المالكي عليه من الله تعالى ما يستحق أعظمَ الفريةَ فزعمَ أنَّ الحسين قُتِلَ بسيف جده (صلّى الله عليه وآله) وله من الجهلة موافقون على ذلك، {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} الكهف:5»(11).

رأي الشيخ محمد عبده: «قال الشيخ محمد عبده: إذا وجد في الدنيا حكومة عادلة تقيم الشرع، وحكومة جائرة تعطله، وجب على كل مسلم نصر الأولى… ومن هذا الباب خروج الإمام الحسين سبط الرسول صلى الله عليه وآله على إمام الجور والبغي، الذي ولي أمر المسلمين بالقوة والمكر (يزيد بن معاوية) خذله الله وخذل من انتصر له من الكرامية والنواصب»(12).

موقف عبد الله بن عمر: ولابن عمر موقف خاص، حيث أنه بايع يزيد (مع أنه امتنع عن بيعة أمير المؤمنين(عليه السلام))، ولم يكتف بذلك بل اعتبر أن خلع بيعة يزيد هو غدر، روى البخاري عن نافع قال: «لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه وولده فقال: إني سمعت النبي (صلّى الله عليه وآله) يقول: “ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة”، وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني لا أعلم غدرا أعظم من أن يُبَايَعُ رجلٌ على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال، وإني لا أعلم أحدا منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه»(13)، ويبدوا هنا أن ابن عمر قد أثرت فيه المائة ألف(14) التي أخذها من معاوية، لذلك نراه متحمساً كثيراً في الدفاع عن يزيد.

 هل مات يزيد مؤمناً؟

هناك أدلة تاريخية كثيرة تدل على أن الإيمان لم يدخل قلب يزيد بن معاوية أصلاً، منها تمثله بشعر ابن الزبعرى:

ليت أشياخي ببدر شهدوا

                        وقعة الخزرج من وقع الأسل

لأهلوا واستهلوا فرحا

                        ثم قالوا يا يزيد لا تشل

قد قتلنا القرم من ساداتهم

                        وعدلناه ببدر فاعتدل

لست من خندف إن لم أنتقم

                        من بني أحمد ما كان فعل

يقول القندوزي(م1293): «إن صاحب الصواعق ذكر أول الأبيات ولم يذكر بواقيها، فإني قد وجدت تمامها، وبيتين مشتملتين على صريح كفره، والأبيات هذه»(15)، ثم ذكر الأبيات المتقدمة.

 وهناك خلاف بين علماء المسلمين حول إيمان يزيد، وذكر الآلوسي أنه: «قد جزم بكفره وصرح بلعنه جماعةٌ من العلماء منهم الحافظ ناصر السنة ابن الجوزي وسبقه القاضي أبو يعلى، وقال العلامة التفتازاني: لا نتوقف في شأنه بل في إيمانه لعنة الله تعالى عليه وعلى أنصاره وأعوانه».

وقال الآلوسي(م1270) بعد نقله شعر يزيد:

لما بدت تلك الحمول وأشرفت

                        تلك الرؤس على شفا جيرون

نعب الغراب فقلت قل أو لا تقل

                        فقد اقتضيت من الرسول ديوني

«يعني أنه قتل بمن قتله رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوم بدر كجده عتبة وخاله ولد عتبة وغيرهما وهذا كفر صريح، فإذا صح عنه فقد كفر به، ومثله تمثله بقول عبد الله بن الزبعرى قبل إسلامه: ليت أشياخي الأبيات»، وقال أيضا: «وأنا أقول: الذي يغلب على ظني أن الخبيث لم يكن مصدقا برسالة النبي (صلّى الله عليه وآله) وأن مجموع ما فعل مع أهل حرم الله تعالى وأهل حرم نبيه عليه الصلاة والسلام وعترته الطيبين الطاهرين في الحياة وبعد الممات وما صدر منه من المخازي ليس بأضعف دلالة على عدم تصديقه من إلقاء ورقة من المصحف الشريف في قذر»(16).

قال المناوي: «قال المولى ابن الكمال: والحق أن لعن يزيد على اشتهار كفره وتواتر فظاعته وشره على ما عرف بتفاصيله جائز، وإلا فلعن المعين ولو فاسقا لا يجوز بخلاف الجنس»(17).

 هل يجوز لعن يزيد؟

لعن قتلة الحسين(عليه السلام):

نقل العلماء الإجماع على جواز لعن من قتل الحسين(عليه السلام) أو شارك أو رضي بذلك، قال العلامة التفتازاني من علماء الحنفية في شرح العقائد النسفية بعد نقل الخلاف بينهم في جواز لعنه: «واتفقوا على جواز اللعن على من قتله(عليه السلام)، أو أمر به، أو أجازه، أو رضي به»(18).

وقال الآلوسي: «ومن كان يخشى القال والقيل من التصريح بلعن ذلك الضليل فليقل: لعن الله(عزّ وجلّ) من رضي بقتل الحسين ومن آذى عترة النبي (صلّى الله عليه وآله) بغير حق ومن غصبهم حقهم، فإنه يكون لاعنا له لدخوله تحت العموم دخولا أوليا في نفس الأمر، ولا يخالف أحد في جواز اللعن بهذه الألفاظ ونحوها سوى ابن العربي المار ذكرُه وموافقيه فإنهم على ظاهر ما نقل عنهم لا يجوزون لعن من رضي بقتل الحسين رضي الله تعالى عنه، وذلك لعمري هو الضلال البعيد الذي يكاد يزيد على ضلال يزيد»(19).

التصريح بلعن يزيد:

وأما التصريح بلعن يزيد فهو موضع خلاف بينهم، فأما من ذهب إلى كفر يزيد فهو بالملازمة يجوز لعنه، وأما من لم يحكم بكفره، فمنهم من جوز لعنه ومنهم من منع: «قال المناوي: «قد أطلق جمعٌ محققون حلَّ لعن يزيد»(20)، وقال القندوزي: «وبعد اتفاقهم على فسقه اختلفوا في جواز لعنه بخصوص اسمه فأجازه قوم منهم ابن الجوزي، ونقله عن أحمد بن حنبل وغيره، فان ابن الجوزي قال في كتابه المسمى ب‍ “الرد على المتعصب العنيد المانع من لعن يزيد(21)”: سألني سائل عن يزيد بن معاوية. فقلت (له): يكفيه ما به. فقال: أيجوز لعنه؟ قلت: قد أجازه العلماء الورعون، منهم أحمد بن حنبل، فإنه ذكر في حق يزيد (عليه اللعنة) ما يزيد على اللعنة. ثم روى ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى (الفراء) أنه روى كتابه المعتمد في الأصول بإسناده إلى صالح بن أحمد بن حنبل رحمهما الله قال: قلت لأبي: إن قوما ينسبوننا إلى تولي يزيد! فقال: يا بني (و) هل يتولى يزيد أحد يؤمن بالله، ولم لا يلعن من لعنه الله تعالى في كتابه. فقلت: في أي آية؟ قال: في قوله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ  أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} فهل يكون فساد أعظم من (هذا) القتل؟…»(22).

وقول صالح هنا لأبيه أحمد «إن قوما ينسبوننا إلى تولي يزيد!»، بصيغة الإنكار يدل على أن تولي يزيد في ذلك الوقت كان يعد جريمة عظيمة نفاها أحمد عن نفسه، وإن نقل بعضهم عن أحمد خلاف ذلك(23).

وقال الآلوسي: «وعلى هذا القول(أي جواز لعن الفاسق المعين) لا توقف في لعن يزيد؛ لكثرة أوصافه الخبيثة، وارتكابه الكبائر في جميع أيام تكليفه، ويكفي ما فعله أيام استيلائه بأهل المدينة ومكة» وقال: «وأنا أذهب إلى جواز لعن مثله على التعيين، ولو لم يتصور أن يكون له مثل من الفاسقين، والظاهر أنه لم يتب، واحتمال توبته أضعف من إيمانه، ويلحق به ابن زياد. وابن سعد. وجماعة فلعنة الله عز وجل عليهم أجمعين، وعلى أنصارهم وأعوانهم وشيعتهم ومن مال إليهم إلى يوم الدين ما دمعت عين على أبي عبد الله الحسين».

وقال ابن الدمشقي: «وسئل الكيا الهراسي(م504) وهو من كبار الأئمة عن لعنة(24) يزيد بن معاوية؟ فقال: لم يك (يزيد من) الصحابة، ولد في زمان عمر بن الخطاب، وركب العظائم المشهورة، (ثم) قال: وأما قول السلف ففيه لأحمد قولان: تلويح وتصريح، ولمالك أيضا قولان تصريح وتلويح، ولنا قول واحد وهو التصريح دون التلويح، قال: وكيف لا وهو اللاعب بالنرد، المتصيد بالفهد، والتارك للصلوات، والمدمن للخمر، والقاتل لأهل بيت النبي(ص)، والمصرح في شعره بالكفر الصريح»(25)، ونُقِلَ قولان كذلك لأبي حنيفة، تلويح وتصريح.

«وقال عبد العزيز النخشبي: أبو القاسم الحافظ الشيرازي كان يحفظ الغرائب، حسن الفهم حسن المعرفة، غير أنه يلعن يزيد بن معاوية، وعبد الملك بن مروان وبني أمية كلهم، وجرت بيني وبينه مناظرة في ذلك»(26).

وقال ابن الدمشقي الشافعي (م871): «ثم أذكر على طريق الاختصار قتل سيدنا الحسين وتجريعهم له كؤوس الحين وما عامله آل أبي سفيان، لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من القتل والأسر والهوان مما تقشقر منه الأبدان وما لا يستحله من تدين بدين من الأديان وما قال به يزيد بن معاوية عليه اللعنة عند وضع رأسه الشريف بين يديه حين قدم به عليه وهذا قوله: 

ليت أشياخي ببدر شهدوا

                        وقعة الخزرج من وقع الأسل

وقال أيضا:

نعب الغراب فقلت قل أو لا تقل

                        فقد اقتضيت من الرسول ديوني

فقال له رجل من الصحابة: ارتددت عن الإسلام يا أمير المؤمنين!!!»(27).

وأما الذهبي(م748ه) فقال: «ويزيد ممن لا نسبه ولا نحبه، وله نظراء من خلفاء الدولتين، وكذلك في ملوك النواحي، بل فيهم من هو شر منه، وإنما عظم الخطب لكونه ولي بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) بتسع وأربعين سنة، والعهد قريب، والصحابة موجودون، كابن عمر الذي كان أولى بالأمر منه ومن أبيه وجده»(28).

ولنا أن نسأل الذهبي لماذا لا تحب يزيد، أليس للجرائم التي ارتكبها في حق الإسلام والمسلمين؟ فكيف لا يستحق اللعن؟ وهل وجود أمثاله من الخلفاء يعفيه مما ارتكبه وجناه؟؟ مع أن الذهبي قد وصف يزيد بأنه كان ناصبياً، وهل الناصبي لا يجوز لعنه؟!

وأكثر من قول الذهبي ما ذهب إليه الغزالي(م505) حيث أفتى بحرمة لعن يزيد، «فإنه سئل عمن صرح بلعن يزيد: هل يحكم بفسقه؟ فأجاب: لا يجوز لعن المسلم أصلا، ومن لعن مسلما فهو المعلون، وقد قال رسول الله: المسلم ليس بلعان، وكيف يجوز لعن المسلم ولا يجوز لعن البهائم، وقد ورد النهي عن ذلك، وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة بنص النبي، ويزيد صح إسلامه، وما صح قتله الحسين (صلّى الله عليه وآله) ولا أمره ولا رضاه بذلك، ومهما لم يصح ذلك منه لا يجوز أن يظن ذلك به، فإن إساءة الظن بالمسلم حرام، وقد قال الله تعالى: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} الحجرات: 12، وقال النبي: “أن الله حرم من المسلم دمه وماله وعرضه وأن يظن به ظن السوء”. ومن زعم أن يزيد أمر بقتل الحسين أو رضي به فينبغي أن يعلم غاية حمقه،… وأضاف: فإذن لا يجوز لعن أحد ممن مات من المسلمين، ومن لعنه كان فاسقا عاصيا لله عز وجل ولو جاز لعنه فسكت لم يكن عاصيا بالإجماع، بل لو لم يعلن إبليس طول عمره لا يقال له في القيامة: ِلمَ لمْ تلعن إبليس، ويقال للاعن: لم لعنت؟ ومن أين عرفت أنه ملعون مطرود؟ والملعون هو المبعد من الله(عزّ وجلّ)، وذلك غيب ولا يعرف فيمن من مات كافرا، فإن ذلك علم بالشرع، وأما الترحم عليه فهو جائز، بل هو مستحب، بل هو داخل في قولنا كل صلاة: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، فإنه كان مؤمنا، والله أعلم»(29).

وهذا عين التعصب الأعمى الذي جعل من المجرم المستحق للعن بريئاً يستحب الترحم عليه، وحاول الغزالي هنا بحديث «أن المسلم ليس بلعان» دغدغة العواطف كما نراه عند كثير الحاقدين، وقد كفانا الرد على هذه الشبهة أحد علمائهم وهو القاضي أبو يعلى حيث يوجد عنده كتابٌ ذكر فيه بيان مَن يستحقّ اللعن، وذكر منهم يزيد وقال في الكتاب المذكور: «الممتنع من جواز لعن يزيد؛ إمَّا أنْ يكون غير عالم بذلك، أو منافقاً يُريد أنْ يُوهم بذلك، وربما استفزّ –استغر- الجهّال بقوله(صلّى الله عليه وآله): المؤمن لا يكون لعَّانا، وهذا محمول على مَن لا يستحقّ اللعن»(30).

وقد قال الآلوسي في تفسيره عند الحديث عن اختلاف الناس في أمر يزيد: «فمنهم من يقول: هو مسلم عاص بما صدر منه مع العترة الطاهرة لكن لا يجوز لعنه، ومنهم من يقول: هو كذلك ويجوز لعنه مع الكراهة أو بدونها ومنهم من يقول: هو كافر ملعون، ومنهم من يقول: إنه لم يعص بذلك ولا يجوز لعنه وقائل هذا ينبغي أن ينظم في سلسلة أنصار يزيد»(31).

أسباب التوقف في لعن يزيد:

هناك أسباب عدة لمن توقف في أمر يزيد مع عدم خفائه على أحد من العلماء.

منها: أغراض سياسية وأهواء نفسية، بل وحقدا على سيد الشهداء وأبيه(عليهما السلام)، وهذا ما نلمسه من دفاع أمثال عبد الله بن عمر، والغزالي، والقاضي ابن العربي(م542)(32).

ومنها ما قاله التفتازاني: «فإن قيل: من علماء المذهب من لا يجوز اللعن على يزيد مع علمهم بأنه يستحق ما يربو على ذلك ويزيد. قلنا: تحاميا عن أن يرتقى إلى الأعلى فالأعلى، كما هو شعار الروافض على ما يروى في أدعيتهم، ويجري في أنديتهم، فرأى المعتنون بأمر الدين إلجام العوام بالكلية طريقا إلى الاقتصاد في الاعتقاد، وبحيث لا تزل الأقدام عن السواء، ولا تضل الأفهام بالأهواء، وإلا فمن يخفى عليه الجواز والاستحقاق؟ وكيف لا يقع عليهما الاتفاق؟»(33).

ومنها: الخوف من السلطان: قال الآلوسي: «ولا أظن أن أمره(يزيد) كان خافيا على أجلة المسلمين إذ ذاك، ولكن كانوا مغلوبين مقهورين لم يسعهم إلا الصبر ليقضي الله أمرا كان مفعولا، ولو سلم أن الخبيث كان مسلما فهو مسلم جمع من الكبائر ما لا يحيط به نطاق البيان»، ولذلك نرى أن لبعض العلماء أكثر من رأي، وبعضهم له تلويح وتصريح كما تقدم.

 أوصاف يزيد:

مما مرَّ من كلمات تتبين بعض أوصاف يزيد حيث وصف بالملعون، ووصفه الآلوسي بالخبيث، ومنعاً للتكرار نكتفي بقول الذهبي فيه: «وكان ناصبيا، فظا، غليظا، جلفا. يتناول المسكر، ويفعل المنكر. افتتح دولته بمقتل الشهيد الحسين، واختتمها بواقعة الحرة، فمقته الناس. ولم يبارك في عمره»(34).

الخاتمة:

ثم إننا نسمع هنا وهناك أصوات شاذة تحاول الدفاع عن يزيد وما فعله يزيد، وترى البعض منهم في المنتديات الإلكترونية يبالغون في يزيد حتى وصفوه بالمظلوم، بينما لا نجد هذه الأصوات تتكلم عن مظلومية من بكت له السماوات والأرض دماً عبيطاً، وهو من قال في حقه جدُّه النبي(صلّى الله عليه وآله): «حسين مني وأنا من حسين» رغم ظهور مظلوميته وعظم مصيبته.

قال العلامة التفتازاني في شرح المقاصد: «إن ما جرى من الظلم على أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله) من الظهور بحيث لا مجال فيه للإخفاء، ومن الشناعة بحيث لا اشتباه على الآراء، إذ يكاد يشهد به الجماد والعجماء، ويبكي له الأرض والسماء، وتنهدم منه الجبال، وتنشق منه الصخور، ويبقى سوء عمله على كر الشهور ومر الدهور، فلعنة الله على من باشر، أو رضي، أو سعى، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى»(35).

ونقول هنا بأن شأن يزيد يجب أن يتفِّقَ عليه جميعُ المسلمين، لأن أمره بيِّنٌ ظاهر لا لبس فيه، فمن دواعي الوحدة الإسلامية أن نجتمع على قول واحد في شخصيةٍ كاد حالُها أن يكون أبين من الشمس في رابعة النهار، وأما من يعتبر أن ذمَّ يزيد يثير الفتن فهو لم يعرف من التاريخ شيئا، ولم يقرأ كلمات العلماء من كافة المذاهب في شأن يزيد.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المصادر والهوامش

  • (1) سورة الممتحنة 4.
  • (2) بحار الأنوار ج44، ص325.
  • (3) طبقات ابن سعد ج5، ص66، وتاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج27، ص429.(4) تذكرة الخواص للسبط ابن الجوزي ص204.
  • (5) تذكرة الخواص للسبط ابن الجوزي ص204.
  • (6) جواهر المطالب لابن الدمشقي ج2،ص261، وراجع البحار ج46، ص119، وتاريخ اليعقوبي ج2،ص254.
  • (7) كتاب الأربعون ص503 لمحمد طاهر الشيرازي، وقريب منه ما نقله علي محمد فتح الدين الحنفي في فلك النجاة في الإمامة والصلاة ص95 عن الدميري في حياة الحيوان.
  • (8) ينابيع المودة ج3، ص32.
  • (9) نقلا عنه في تفسير الآلوسي ج26، ص72-74.
  • (10) سير أعلام النبلاء، ج4، ص36.
  • (11) تفسير الآلوسي ج26، ص73.
  • (12) الأخلاق الحسينية لجعفر البياتي ص162.
  • (13) البخاري8، ص99، وراجع مسند أحمد ج2، ص48 وص96.
  • (14) روى ابن حجر في فتح الباري، ج13، ص60 عن نافع: «أن معاوية أراد ابن عمر على أن يبايع ليزيد فأبى وقال: لا أبايع لأميرين، فأرسل إليه معاوية بمائة ألف درهم فأخذها، فدس إليه رجلا فقال له: ما يمنعك أن تبايع؟ فقال: إن ذاك لذاك يعني عطاء ذلك المال لأجل وقوع المبايعة، إن ديني عندي إذاً لرخيص، فلما مات معاوية كتب ابن عمر إلى يزيد ببيعته».
  • (15) ينابيع المودة للقندوزي ج3، ص32.
  • (16) تفسير الآلوسي ج26، ص72-73.
  • (17) فيض القدير شرح الجامع الصغير، ج1، ص265.
  • (18) كتاب الأربعين للشيخ الماحوزي ص374.
  • (19) تفسير الآلوسي ج26، ص72-74.
  • (20) فيض القدير للمناوي ج3، 109.
  • (21) ألف ابن الجوزي هذا الكتاب رداً على عبد المغيث بن زهير الحنبلي، حيث صنف كتابا في فضائل يزيد بن معاوية، وجاء في مجلة تراثنا ج10، ص39 أن عبد المغيث عندما لقيه الناصر عند قبر أحمد فقال له: أنت عبد المغيث الذي صنف في مناقب يزيد!! فقال: معاذ الله أن أقول إن له مناقب، ولكن من مذهبي أن الذي هو خليفة المسلمين إذا طرأ عليه فسق لا يوجب خلعه!!
  • (22) ينابيع المودة ج3، ص33-34.
  • (23) تفسير الآلوسي ج26، ص73.
  • (24) كذا في المصدر.
  • (25) جواهر المطالب لابن الدمشقي ج2، ص302، وانظر فوات الوفيات للكتبي، ج2، ص641.
  • (26) الأنساب للسمعاني، ج3، ص493.
  • (27) جواهر المطالب في مناقب الإمام علي(عليه السلام)، ج1، ص15.
  • (28) سير أعلام النبلاء، ج4، ص36.
  • (29) فوات الوفيات للكتبي، ج2، ص642-643.
  • (30) شرح إحقاق الحق للسيد المرعشي (قدّس سرّه)، ج33، ص606.
  • (31) تفسير الآلوسي، ج26، ص73.
  • (32) قال المناوي في فيض القدير ج1، ص265: «وقد غلب على ابن العربي الغض من أهل البيت حتى قال: قتله بسيف جده» أي قتل الحسين(عليه السلام) بسيف جده(صلّى الله عليه وآله). وقد تقدم ذلك أيضا في كلام الآلوسي.
  • (33) كتاب الأربعين للماحوزي، ص375.
  • (34) سير أعلام النبلاء، ج4، ص37 – 38.
  • (35) كتاب الأربعين للماحوزي، ص375.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى