تاريخ شيعة البحرين

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم، اللهمَّ صل على محمد وآل محمد.

لدراسة التاريخ أهمية كبيرة خصوصاً إذا كان مضمونه يحمل قيماً ومضامين عالية، ويروي تجارب نافعة، وقصصاً فيها العبرة والدروس. وتشتدّ الأهمية إذا كان ذلك التاريخ مرتبطاً بالعقيدة والدين.

وعندما يأتي الحديث عن تاريخ التشيع والشيعة في البحرين، فلأنّه تاريخ مشرق ولكنه مهمل بعض الشيء، وتزداد أهمية بحث هذا التاريخ بسبب وجود محاولات كثيرة جادّة ومستمرة وبأشكال مختلفة لتغيـير هذه الحقيقة الناصعة وإنكار تاريخ التشيع في البحرين وجذوره الضـاربة في الأرض، ولهـذه المحـاولات أهـداف مخـتلفـة كلها تصـبّ فـي جهات معينة لا تريد الخير لهذا الوطن الإسلامي المهم.

وقبل سنوات قصيرة ما كان أحدٌ يجرؤ على إنكار تاريخ الشيعة في البحرين، وأنّهم هم الأصل، بل كان الأمر من المسلمات، ولكن برزت في الآونة الأخيرة أصوات نشاز تنكر هذه الحقيقة، وبإيماء من السلطة الرسمية، بل بعض هذه الكلمات صدرت من رؤوس السلطة والحكم.

ونريد هنا أن نسلِّط الضوء على هذا التاريخ الذي يفخر به أهله الطيبون، ونثبت أصالة التشيع في هذه الأرض، مع الاحترام الكبير لأصحاب المذاهب الأخرى.

وتجدر الإشارة إلى أنَّ الكلام أعمُّ من البحرين الحالية (جزيرة أوال)، بل يشمل البحرين الكبرى التي تمتدّ من حدود البصرة إلى عمان، ولا يضرّ ذلك حيث إن ما يثبت للبحرين الكبرى يشمل جميع المناطق خصوصا أنّ المركز في ذلك الوقت كما يفهم من بعض المصادر هو لهجر الواقعة في الإحساء وهي تشترك مع البحرين الحاليّة في المذهب والتاريخ.

وسيتركز البحث على تاريخ الشيعة في عهد الرسالة المحمدية المباركة، إلى عهد أمير المؤمنين (عليه السلام)، مع شيء يسير من تاريخهم بعد عهد الأمير (عليه السلام) على أمل أن تكون هناك فرصة أخرى نستكمل فيها البحث في تفصيلات أخرى وأزمان مختلفة.

ثمّ إنه قد ذكر الحاكم النيسابوري في المستدرك “عن جرير أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إن الله عزَّ وجلَّ أوحى إليَّ: أي هؤلاء البلاد الثلاث نزلت فهي دار هجرتك؛ المدينة أو البحرين أو قنسرين»، هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه”(1).

دخول أهل البحرين في الإسلام

من المتسالم عليه عند المؤرخين أنَّ أهل البحرين دخلوا الإسلام بدون قتال ولا حرب، بل دخلوا طوعاً لقناعة راسخة بأحقيّة هذا الدين العظيم، وإليك بعض الشواهد على ذلك وبعض ما جرى في زمن النبي (صلَّى الله عليه وآله):

روى ابن سعد في الطبقات: بسند إلى عبد الحميد بن جعفر عن أبيه قالا: كتب رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى أهل البحرين أن يقدم عليه عشرون رجلاً منهم، فقدم عليه عشرون رجلاً رأسهم عبد الله بن عوف الأشجّ وفيهم الجارود ومنقذ بن حيان وهو ابن أخت الأشج، وكان قدومهم عام الفتح، فقيل: يا رسول الله، هؤلاء وفد عبد القيس، قال: «مرحبا بهم، نعم القوم عبد القيس»، قال: ونظر رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى الأفق صبيحة ليلة قدموا وقال: «ليأتينّ ركبٌ من المشركين لم يكرهوا على الإسلام، قد أنضوا الركاب وأفنوا الزاد، بصاحبهم علامة، اللهم اغفر لعبد القيس أتوني لا يسألوني مالاً، هم خير أهل المشرق»، قال: فجاؤوا في ثيابهم ورسول الله صلّى الله عليه وسلم في المسجد، فسلموا عليه، وسألهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم أيُّكم عبد الله الأشج؟ قال: أنا يا رسول الله، وكان رجلاً دميماً، فنظر إليه رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: «إنّه لا يستسقى في مسوك الرجال، إنما يحتاج من الرجل إلى أصغريه لسانه وقلبه»، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «فيك خصلتان يحبهما الله»، فقال عبد الله: وما هما، قال: «الحلم والأناة» قال: أشيء حدث أم جبلت عليه، قال: «بل جبلت عليه»، وكان الجارود نصرانياً فدعاه رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى الإسلام فأسلم فحسن إسلامه، وأنزل وفد عبد القيس في دار رملة بنت الحارث، وأجرى عليهم ضيافة، وأقاموا عشرة أيام، وكان عبد الله الأشج يسائل رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن الفقه والقرآن، وأمر لهم بجوائز وفضّل عليهم عبد الله؛ فأعطاه اثنتي عشرة أوقية ونشأ، ومسح رسول الله صلّى الله عليه وسلم وجه منقذ بن حيان.(2)

ويجدر الالتفات في هذه الرواية إلى تفضيل الأشج من قبل النبي (صلَّى الله عليه وآله)، ولعله لوجود تلك الخصلتين اللتين يحبّهما الله تعالى، وربما لكون الأشج كما تقول الرواية يسائل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) عن الفقه والقرآن، يعني كونه طالب علم.

وينقل ابن حجر في الإصابة رواية أخرى تتعلق بالأشج ولكن باسم المنذر فيقول: “وروى ابن شاهين من طريق حسين بن محمد حدثنا أبي حدثنا جعفر بن الحكم العبدي عن صحار بن العباس ومزيدة بن مالك بن نفر من عبد القيس قالوا: كان الأشج أشج عبد القيس -واسمه المنذر بن عائذ بن الحارث بن المنذر بن النعمان العصري- صديقاً لراهب ينـزل بدارين فكان يلقاه في كلِّ عام فلقيه عاماً بالزارة، فأخبر الأشج أنّ نبياً يخرج بمكة يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة بين كتفيه علامة يظهر على الأديان، ثمّ مات الراهب فبعث الأشج ابنَ أختٍ له من بني عامر بن عصر يقال له عمرو بن عبد القيس وهو على ابنته أمامة بنت الأشج، وبعث معه تمراً ليبيعه وملاحف، وضمّ إليه دليلاً يقال له الأريقط، فأتى مكة عام الهجرة، – فذكر القصة في لقياه النبي صلّى الله عليه وسلم وصحة العلامات وإسلامه وأنّه علمه الحمد واقرأ باسم ربك، وقال له: «ادعُ خالك إلى الإسلام»، فرجع وأقام دليله بمكة، فدخل عمرو منـزله، فسلم فخرجت امرأته إلى أبيها، فقالت له: إنّ زوجي صبأ فانتهرها، وجاء الأشج فأخبره الخبر فأسلم الأشج وكتم الإسلام حيناً، ثمّ خرج في ستة عشر رجلاً من أهل هجر، منهم من بني عصر عمرو بن المرجوم بن عمرو…. فقدموا المدينة، فخرج النبي صلّى الله عليه وسلم في الليلة التي قدموا في صبحها، فقال: «ليأتيَنَّ ركب من قبل المشرق ولم يكرهوا على الإسلام لصاحبهم علامة» فقدموا فقال: «اللهم اغفر لعبد القيس»، وكان قدومهم عام الفتح وشخص النبي صلّى الله عليه وسلم إلى مكة ففتحها ثم رجع إلى المدينة فكتب عهداً للعلاء بن الحضرمي واستعمله على البحرين وكتب معه إلى المنذر بن ساوى فقدموا فبنوا البيعة (أي الكنيسة) مسجدا”.(3)

وهذه الرواية فيها بعض الأمور المهمة:

منها: قضية الراهب الذي كان عنده علم بصفات النبي (صلَّى الله عليه وآله) وأحواله وأنه يبعث في مكة، ويفهم أنه مات قبل بعثة النبي (صلَّى الله عليه وآله)، وربما يكون هذا الراهب هو نفس القسّ بن ساعدة الآتي ذكره.

ومنها: أنَّ الأشج بعث ابن أخته عام الهجرة، وأسلم حينها، ولما رجع واستنكرت زوجته ووصفته بالصابئ انتهرها أبوها الأشج، وكأنه مصدق بالنبي (صلَّى الله عليه وآله) قبل أن يسمع الخبر من ابن أخته، ولذلك بمجرد إخباره أسلم، وهذا الحدث بدايات الهجرة، نعم دخول الأكثر في الإسلام لعله كان عام الفتح.

معجزة النبي (صلَّى الله عليه وآله) معهم:

في كتاب قرب الإسناد: “أنه أتاه وفد عبد القيس فدخلوا عليه، فلما أدركوا حاجتهم عنده قال: «ائتوني بتمر أهلكم مما معكم»، فأتاه كل رجل منهم بنوع منه، فقال النبي (صلَّى الله عليه وآله): «هذا يسمى كذا، وهذا يسمى كذا»، فقالوا: أنت أعلم بتمر أرضنا، فوصف لهم أرضهم، فقالوا: أدخلتها؟ قال: «لا، ولكن فصح لي فنظرت إليها». فقام رجل منهم فقال: يا رسول الله، هذا خالي وبه خبل، فأخذ بردائه ثم قال: «اخرج عدو الله» – ثلاثاً – ثم أرسله، فبرأ. وأتوه بشاة هرمة، فأخذ أحد أذنيها بين أصابعه، فصار ميسماً، ثم قال: «خذوها فإن هذا السمة في آذان ما تلد إلى يوم القيامة». فهي توالد وتلك في آذانها معروفة غير مجهولة”.(4)

ومبادرتهم -وهم للتو دخلوا في الإسلام- إلى طلب الشفاء من النبي (صلَّى الله عليه وآله) عن طريق المعجزة يدلّ على صدق إيمانهم بالنبي (صلَّى الله عليه وآله).

تقبيل يد النبي (صلَّى الله عليه وآله) ورجله:

وفي حادثة أخرى في سنن ابن داود “حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع ثنا مطر بن عبد الرحمن الأعنق، حدثتني أم أبان بنت الوازع بن زارع، عن جدها زارع وكان في وفد عبد القيس، قال: لما قدمنا المدينة فجعلنا نتبادر من رواحلنا، فنقبل يد النبي صلّى الله عليه وسلم ورجله، قال: وانتظر المنذر الأشج حتى أتى عيبته فلبس ثوبيه، ثم أتى النبي صلّى الله عليه وسلم فقال له: «إن فيك خلتين يحبهما الله الحلم والأناة» قال: يا رسول الله أنا أتخلق بهما أم الله جبلني عليهما؟ قال: «بل الله جبلك عليهما» قال: الحمد لله الذي جبلني على خلتين يحبهما الله ورسوله.(5)

وفي لفظ آخر: “بينما النبي صلّى الله عليه وسلم يحدث أصحابه إذ قال لهم: «سيطلع عليكم من ههنا ركب هم خير أهل المشرق»،… حتى أتوا النبي صلّى الله عليه وسلم فرموا بأنفسهم عن ركائبهم فأخذوا يده فقبلوها”.(6)

الملفت في هذه الرواية هو دلالتها على عمق شوقهم إلى رؤية النبي (صلَّى الله عليه وآله)، والظاهر أنها المرة الأولى التي يرون فيها وجهه المقدس، فقد ألقوا بأنفسهم من رواحلهم ولم ينزلوا هوناً، ثم تقبيلهم ليد النبي ورجله (صلَّى الله عليه وآله).

التشيع زمن النبي (صلَّى الله عليه وآله) وقصة القس بن ساعدة:

قصة القس بن ساعدة رواها مجموعة من المؤرخين من الفريقين، مع تفاوت في تفاصيلها، بين موجِّز ومفصِّل، ونحن ننقل بعض أجزاء الرواية المفصِّلة وهي طويلة ثم نشير إلى من نقل بعضها، والهدف من نقلها (رغم طولها) بيان أنّ جذور التشيع الذي هو محل البحث كان موجوداً حتى قبل الإسلام بناءً على صحة هذه الرواية المفصّلة، فإليك الرواية:

في مقتضب الأثر لأحمد بن عياش الجوهري(م401) وهو ينقلها عن طريق العامة كما يصرح قال: “ومن أتقن الأخبار المأثورة وغريبها وعجيبها ومن المصون المكنون في أعداد الأئمة وأسمائهم من طريق العامة مرفوعاً وهو خبر الجارود بن المنذر، وأخباره عن قس بن ساعدة: ما حدثنا به أبو جعفر محمد بن لاحق بن سابق بن قرين الأنباري، قال: حدثني جدي أبو النصر سابق بن قرين، في سنة ثمان وسبعين ومأتين بالأنبار في دارنا، قال: حدثني أبو المنذر هشام بن محمد بن السايب الكلبي، قال: حدثني أبي عن الشرقي بن القطامي، عن تميم بن وهلة المري قال: حدثني الجارود بن المنذر العبدي وكان نصرانياً فأسلم عام الحديبية وحسن إسلامه وكان قارياً للكتب عالماً بتأويلها على وجه الدهر وسالف العصر بصيراً بالفلسفة والطب ذا رأي أصيل ووجه جميل، أنشأ يحدثنا في إمارة عمر بن الخطاب قال: وفدت على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وسلم في رجال من عبد القيس ذوي أحلام وأسنان، وفصاحة وبيان، وحجة وبرهان، فلمّا بصروا به (صلَّى الله عليه وآله) راعهم منظره ومحضره، وأفحموا عن بيانهم واعتراهم العرواء في أبدانهم! فقال زعيم القوم لي: دونك من أقمت(أممت) بنا أممه فما نستطيع أن نكلّمه فاستقدمت دونهم إليه فوقفت بين يديه (صلَّى الله عليه وآله) وقلت: السلام عليك يا نبي الله، بأبى أنت وأمي ثم أنشأت أقول:

يا نبي الهدى أتتك رجال

  قطعت قردداً وآلا فآلا

إلى أن يقول:

ثم لما رأتك أسن مرأى

  أفحمت عنك هيبة وجلالا

تتقى شر بأس يوم عصيب

  هائل أو جل القلوب وهالا

ونداء بمحشر الناس طراً

  وحساباً لمن تمادى ضلالا

نحو نور من الإله وبرهان

  وبرّ ونعمة لن تنالا

وأمان منه لدى الحشر والنشر

  إذ الخلق لا يطيق السؤالا

فلك الحوض والشفاعة والكوثر

  والفضل إذ ينصّ السؤالا

خصك الله يا ابن آمنة الخير

  إذا ما تلت سجال سجالا

أنبأ الأولون بإسمك فينا

  وبأسماء بعده تتلالا

قال: فأقبل عليَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بصفحة وجهه المبارك شمت منه ضياء لامعاً ساطعاً كوميض البرق فقال: «يا جارود لقد تأّخر بك وبقومك الموعد»، وقد كنت وعدته قبل عامي ذلك أن أفد إليه بقومي، فلم آته وأتيته في عام الحديبية… قال( (صلَّى الله عليه وآله)): «فدِن الآن بالوحدانية ودع عنك النصرانية»، قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك عبده ورسوله، ولقد أسلمت على علم بك وبناء فيك علمته من قبل، فتبسم (صلَّى الله عليه وآله) كأنَّه علم ما أردته من الإنباء فيه، فأقبل عليَّ وعلى قومي فقال: «أفيكم من يعرف قس بن ساعدة الأيادي؟» قلت: يا رسول الله كلنا نعرفه غير أني من بينهم عارف بخبره واقف على أثره، كان قس بن ساعدة يا رسول الله سبطاً من أسباط العرب عمّر خمسمائة عام تقفر منها في البراري خمسة أعمار يضج بالتسبيح على منهاج المسيح، لا يقرّه قرار ولا يكنه جدار، ولا يستمتع منه جار، لا يفتر من الرهبانية ويدين الله بالوحدانية يلبس المسوح، ويتحسى في سياحته بيض النعام، ويعتبر بالنور والظلام يبصر ويتفكر فيختبر، تضرب بحكمته الأمثال، أدرك رأس الحواريين شمعون وأدرك لوقا ويوحنا وأمثالهم ففقه كلامهم ونقل منهم…

ثمّ أقبلت على أصحابه فقلت: على علم به آمنتم به قبل مبعثه ما آمنت به أنا، فنصت إليّ رجل منهم وأشارت(7) إليه وقالوا: هذا صاحبه وطالبه على وجه الدهر وسالف العصر، وليس فينا خير منه ولا أفضل، فبصرت به أغر أبلج، قد وفدته الحكمة أعرف ذلك في أسارير وجهه، وإن لم أحظ علماً بكنهه قلت: ومن هو؟ قالوا: هذا سلمان الفارسي ذو البرهان العظيم، والشأن القديم، قال سلمان: عرفته يا أخا عبد القيس من قبل إتيانه، فأقبلتُ على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وهو يتلألأ ويشرق وجهه نوراً و سروراً، فقلت: يا رسول الله إنّ قساً كان ينتظر زمانك ويتوكف إبانك، ويهتف باسمك واسم أبيك وأمك، وبأسماء لست أصيبها معك ولا أراها فيمن اتبعك، قال سلمان: فأخبرنا فأنشأت أحدثهم ورسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يسمع والقوم سامعون واعون، قلت: يا رسول الله لقد شهدت قساً خرج من ناد من أندية أيد، إلى صحصح ذي قتاد وصمرة وعتاد، وهو مشتمل بنجاد، فوقف في أضحيان ليل كالشمس، رافعاً إلى السماء وجهه وإصبعه، فدنوت منه وسمعته يقول: اللهم ربّ هذه السبعة الأرقعة، والأرضين الممرعة، وبمحمد والثلاثة المحامدة معه، والعليين الأربعة، وسبطيه النبعة، والأرفعة الفرعة، والسري اللامعة، وسمي الكليم الضرعة، والحسن ذي الرفعة، أولئك النقباء الشفعة، والطريق المهيعة، درسة الإنجيل وحفظة التنزيل، على عدد النقباء من بني إسرائيل، محاة الأضاليل ونفاة الأباطيل، الصادقوا القيل، عليهم تقوم الساعة وبهم تنال الشفاعة، ولهم من الله تعالى فرض الطاعة، ثم قال: اللهم ليتني مدركهم ولو بعد لأيٍ من عمري ومحياي، ثم أنشأ يقول… ثم آب يكفكف دمعه ويرن رنين البكرة، وقد برئت ببراة وهو يقول:

أقسم قسٌ قسما

  ليس به مكتتما

لو عاش ألفي عمر

  لم يلق منها سأما

حتى يلاقي أحمد

  والنقباء الحكما

هم أوصياء أحمد

  أكرم من تحت السما

يعمى العباد عنهم

  وهم جلاء للعمى

لست بناس ذكرهم

  حتى أحل الرجما

ثم قلت: يا رسول الله أنبئني أنبأك الله بخبر عن هذه الأسماء التي لم نشهدها وأشهدنا قس ذكرها؟ فقال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): «يا جارود ليلة أسري بي إلى السماء أوحى الله (عزَّ وجلَّ) إليّ أن سل من أرسلنا من قبلك من رسلنا على ما بعثوا؟ فقلت: على ما بعثتم؟ فقالوا: على نبوتك وولاية علي بن أبي طالب والأئمة منكما، ثم أوحي إليَّ أن التفت عن يمين العرش، فالتفت فإذا علي والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، والمهدي في ضحضاح من نور يصلون، فقال لي الرب تعالى: هؤلاء الحجج لأوليائي وهذا المنتقم من أعدائي»، قال الجارود: فقال لي سلمان: يا جارود هؤلاء المذكورون في التوراة والإنجيل والزبور كذلك، فانصرفت بقومي وقلت في وجهتي إلى قومي:

أتيتك يا ابن آمنة الرسولا

  لكي بك اهتدى النهج السبيلا

فقلت وكان قولك قول حق

  وصدق ما بدا لك أن تقولا

وبصّرت العمى من عبد قيس

  وكل كان من عمه ضليلا

وأنبئناك عن قس الأيادي

  مقالاً فيك ظلت به جديلا

وأسماء عمت عنا فآلت

  إلى علم وكنت به جهولا”(8)

ملاحظات مهمة على هذه الرواية التي تعتبر من الكنوز الثمينة:

أولا: المنذر نقل هذه الحادثة التي تحتوي على إمامة المعصومين (عليهم السلام) في زمن عمر بن الخطاب، وهذا له دلالاته.

ثانياً: عظمة النبي (صلَّى الله عليه وآله) في أعين وفد عبد القيس حيث أنه: “لمّا بصروا به (صلَّى الله عليه وآله) راعهم منظره ومحضره، وأفحموا عن بيانهم واعتراهم العرواء في أبدانهم”، وهذا تقدم في الرواية السابقة، وتكرار قول المنذر “بأبي أنت وأمي”.

ثالثاً: في شعر المنذر في بداية لقائه هذا بالنبي (صلَّى الله عليه وآله) وقبل الحوار والحديث ما يدل على اعتقاده بالشفاعة والكوثر والحوض وهي تفاصيل تحتاج إلى سؤال، فيقول:

فلك الحوض والشفاعة والكوثر

  والفضل إذ ينص السؤالا

ولا عجب من علم المنذر بذلك، وقد أخذ ذلك من قس بن ساعدة، فهو يقول في نفس الأبيات:

أنبأ الأولون باسمك فينا

  وبأسماء بعده تتلالا

ويقول أيضاً: “ولقد أسلمت على علم بك وبناء فيك علمته من قبل”، وخطابه لأصحاب النبي (صلَّى الله عليه وآله): “على علم به آمنتم به قبل مبعثه ما آمنت به أنا؟”.

رابعاً: يفهم من أكثر من مورد في الرواية أن الهدف من هذا اللقاء بالنبي (صلَّى الله عليه وآله) بمحضر الأصحاب، وكذلك نقل المنذر للرواية في زمن عمر بيان حقيقة الإمامة، فتارة يقول المنذر: “فتبسم (صلَّى الله عليه وآله) وسلم كأنَّه علم ما أردته من الإنباء فيه، فأقبل عليَّ وعلى قومي فقال: «أفيكم من يعرف قس بن ساعدة الأيادي؟»، وقول سلمان(وهو العالم بحقائق الأمور) للمنذر: “عرفته (أي عرفت النبي صلَّى الله عليه وآله) يا أخا عبد القيس من قبل إتيانه”، وكان وجه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) حينها يتلألأ ويشرق نوراً أو سرورا، وقول المنذر: “يا رسول الله إن قساً كان ينتظر زمانك ويتوكف إبانك، ويهتف بإسمك واسم أبيك وأمك، وبأسماء لست أصيبها معك ولا أراها فيمن اتبعك”، قال سلمان: فأخبرنا. وربما منذ ذلك اليوم أو قبل ذلك نشأت علاقة بين سلمان والمنذر.

ولنترك القارئ ليتأمل أكثر في هذه الرواية المليئة بالحقائق المهمة.

والمهم أن هذه الرواية نقلها كثير من العامة وبطرق مختلفة، نعم لم ينقلوا المقاطع التي تتعلق بذكر الأئمة (عليهم السلام)، وبعضهم أشار إلى القصة مختصِراً جداً، وبعضهم نقل كثيراً من الأبيات التي نقلناها عن الجوهري بل بعض الألفاظ، وبعضهم زاد فيها أموراً غير مذكورة في هذا النقل، وقد ذكر ابن كثير هذه القصة بطرق متعددة، ومضامين مختلفة، وفي بعضها كثير مما نقلناه ثم قال: “وأصله مشهور وهذه الطرق على ضعفها كالمتعاضدة على إثبات أصل القصة”.(9)

بذور التشيع لأهل البحرين:

ومما يتعلق بتشيع أهل البحرين زمن النبي (صلَّى الله عليه وآله)، أو ما يذكره البعض من أسباب ترسخ التشيع عند أهل البحرين، هو تولي أبان سعيد بن العاص أمارة البحرين في عهد النبي (صلَّى الله عليه وآله) وهو من المحبين لأمير المؤمنين (عليه السلام)، وقد نقل ابن سعد في طبقاته أنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): “قد كتب إلى العلاء بن الحضرمي أن يقدم عليه بعشرين رجلاً من عبد القيس فقدم عليهم منهم بعشرين رجلاً رأسهم عبد الله بن عوف الأشج واستخلف العلاءُ على البحرين المنذرَ بن ساوى، فشكا الوفدُ العلاءَ بن الحضرمي فعزله رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وولّى أبان بن سعيد بن العاص، وقال له: «استوص بعبد القيس خيراً، وأكرم سراتهم، قال: فلم يزل أبان بن سعيد عاملاً على البحرين حتى قبض رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وارتدّ ربيعة بالبحرين، فأقبل أبان بن سعيد إلى المدينة وترك عمله، فأراد أبو بكر أنْ يردّه إلى البحرين فأبى، وقال: لا أعمل لأحد بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلم فأجمع أبو بكر بعثة العلاء بن الحضرمي»”.(10)

ونجد في هذا النص أن أهل البحرين شكوا العلاء ولم يقبلوه، وقبلوا بأبان، وهو بدوره لم يقبل أن يكون والياً لأبي بكر. وأرجع العلاء، وبقي العلاء والياً على البحرين حتى خلافة عمر وتوفي فيها.(11)

التشيع بعد رحيل النبي (صلَّى الله عليه وآله)

هناك خطبة لصعصعة بن صوحان المعروف بتشيعه وحبه لعلي (عليه السلام)، يشير فيها إلى موقف أهل البحرين مما وقع بعد رحيل النبي الأعظم (صلَّى الله عليه وآله)، وهي خطبة خطبها في قومه عبد القيس عام ثلاث وأربعين للهجرة في الكوفة في فتنة للخوارج ضد حكم معاوية، وهذا يعني أن صعصعة لم يستشهد في معركة الجمل بل جرح وبقي حياً.

يقول صعصعة في هذه الخطبة: “يا معشر عباد الله، إن الله وله الحمد كثيراً لما قسم الفضل بين المسلمين خصّكم منه بأحسن القسم، فأجبتم إلى دين الله الذي اختاره الله لنفسه وارتضاه لملائكته ورسله، ثمّ أقمتم عليه حتى قبض الله رسوله صلّى الله عليه وسلم، ثمَّ اختلف الناس بعده فثبتت طائفة، وارتدت طائفة، وأدهنت طائفة، وتربصت طائفة، فلزمتم دين الله إيماناً به وبرسوله، وقاتلتم المرتدين حتى قام الدين، وأهلك اللهُ الظالمين، فلم يزل الله يزيدكم بذلك خيراً في كلّ شيء وعلى كلّ حال، حتى اختلفت الأمّة بينها، فقالت طائفة نريد طلحة والزبير وعائشة، وقالت طائفة نريد أهل المغرب، وقالت طائفة نريد عبد الله بن وهب الراسبي راسب الأزد، وقلتم أنتم لا نريد إلا أهل البيت الذين ابتدأنا الله من قبلهم بالكرامة تسديداً من الله لكم وتوفيقاً فلم تزالوا على الحق لازمين له آخذين به، حتى أهلك اللهُ بكم وبمن كان على مثل هداكم ورأيكم الناكثين يوم الجمل، والمارقين يوم النهر…..”(12).

وهذه الخطبة تدلّ على ثبات أهل البحرين على الحق، وعدم مفارقتهم أهل البيت (عليهم السلام)، ومن الأحاديث المبهمة ما ذكره البيهقي عن قتادة في تفسير آية الارتداد أنه “قد علم الله أنه سيرتد مرتدون من الناس، فلمّا قبض الله رسول الله صلّى الله عليه وسلم ارتدّ الناس عن الإسلام إلا ثلاثة مساجد؛ أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل جواثا من أهل البحرين من عبد القيس، وقالت العرب: أما الصلاة فنصلي وأما الزكاة فوالله لا نغصب أموالنا”(13) وهذه الرواية تحتاج إلى تفسير فما هو المقصود من عدم ارتدادهم، هل هو تسليمهم الأمر لأبي بكر أم أمر آخر. وقد تقدم في خطبة صعصعة ما يدل على أنهم حاربوا المرتدين بعد رحيل النبي (صلَّى الله عليه وآله)، وليس المقام هنا بحث هذا الأمر وإن كان مهماً.

موقف الجارود من قدامة زمن عمر

للجارود العبدي الصحابي الجليل موقف مهم زمن خلافة الثاني يدل على صلابته في الدين، حيث شرب قدامة بن مظعون الخمر في البحرين وهو أخو زوجة عمر فجلده أبو هريرة حيث كان والياً على البحرين آنذاك، “فقدم قدامة على عمر فشكا إليه أبا هريرة فبعث إليه عمر فأشخصه فقدم أبو هريرة معه بالشهود الذين شهدوا على شرب قدامة الخمر، وكان ممن قدم معه الجارود العبدي، فلما قدم عليه أبو هريرة سأله عن أمر قدامة فأخبره أنه جلده في الخمر فسأله عمر البينة فجاء بشهوده فالتقى عبد الله بن عمر والجارود العبدي، فقال له عبد الله بن عمر بن الخطاب: أنت الذي شهدت على خالي أنه شرب الخمر؟ قال: نعم، قال إذاً لا تجوز شهادتك عليه، فغضب الجارود وقال: أما والله لأجلدن خالك أو لأكفرن أباك، فدخلوا على عمر فشهدوا أنه ضربه في الخمر”.(14)

وفي رواية أخرى أنّه “ركب الجارود العبدلي…. في نفر من أهل البحرين حتى قدموا على عمر، فذكروا له أمر قدامة، وشهدوا عليه بشرب الخمر، فسبّهم وغضب عليهم غضباً شديداً، وأبى أن ينزلهم، ومنع الناس أن ينزلوهم، ومرَّ الجارود بمنزل عمر وابنة له تطلع، وهي ابنة أخت قدامة، فقالت: والله لأرجو أن يخزيك الله، فقال: إنما يخزي الله العينين اللتين تشبهان عينيك، أو يأثم أبوك، ورجا عمر أن ينزعوا عن شهادتهم، وأعظم ما قالوا، وأرسل إلى الجاورد: لقد هممت أن أقتلك أو أحبسك بالمدينة فلا تخرج منها أبداً، أو أمحوك من العطاء فلا تأخذ مع المسلمين عطاءً أبداً، فأرسل إليه الجارود: إن قتلتني فأنت أشقى بذاك، وإن حبستني بالمدينة فما بلد أحبُّ إلي من بلد فيه قبر رسول الله صلّى الله عليه وسلم ومنبره ومهاجره، وإنْ محوتني من العطاء ففي مالي سعة، ويكون عليك مأثم ذاك وتباعته، فلمّا رأى عمر أنّهم لا ينزعون ولا يزدادون إلا شدّة أرسل إليهم وسمع منهم وقال: والله ما استعملت عاملاً قط لهوى لي فيه إلا قدامة، ثمَّ والله ما بارك الله لي فيه، ثمَّ كتب إلى أبي هريرة: إنْ كان ما شهدوا حقاً فاجلد قدامة الحد وأعدل، فلمّا جاء كتابُ عمر أبا هريرة جلد قدامة الحد”(15).

فنرى هنا إصرار عبد القيس في إقامة الحدِّ على قدامة رغم التهديد والوعيد من صاحب الدرَّة.

تشيع أهل البحرين زمن الأمير (عليه السلام)

وكان من ولاة البحرين زمن علي (عليه السلام) عمر بن أبي سلمة(16) وهو ابن أم سلمة زوجة النبي (صلَّى الله عليه وآله) المخلصة، وكان ابنها من الموالين لأمير المؤمنين (عليه السلام)، “وشهد مع علي الجمل”.(17)

ولأهل البحرين زمن الأمير (عليه السلام) مواقف كثيرة جداً تدلُّ على صلابة إيمانهم، وثباتهم على ولاية الأمير (عليه السلام)، وبذلك نالوا منزلة خاصة في قلب علي (عليه السلام) كما يأتي، ويمكن للباحث أن يكتب مقالاً مستقلاً عن علاقتهم بعلي (عليه السلام) ومواقفهم الكثيرة معه.

وكانت خلافة الأمير (عليه السلام) مشحونة بالأحداث المهمّة، وقد شغلته الحروب الثلاثة في الخمس سنين التي حكم فيها، وقد كان لأهل البحرين الدور الفاعل بل والمتميز، وقد ذكرت عدة من الروايات أن أغلب عبد القيس كانوا مع علي (عليه السلام)، فقد نقل الشيخ المفيد (رحمه الله) عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) في حرب الجمل أنه قد “خرجت إليه ربيعة كلها إلا مالك بن مسمع منها، وجاءته عبد القيس بأجمعها سوى رجل واحد تخلف عنها، وجاءته بنو بكر يرأسهم شقيق بن ثور السدوسي ورأس عبد القيس عمر ابن جرموز العبدي”.(18) ونُقِل أنَّه “كانت ربيعة مع علي يوم الجمل ثلث أهل الكوفة، ونصف الناس يوم الوقعة”(19).

سرعة إجابة الدعوة:

وكان أهل البحرين من المسارعين إلى إجابة الأمير (عليه السلام)، فإنه (عليه السلام) لما بعث زياد بن خصفة بن بكر بن وائل جاءهم زياد وقال لهم: “أمّا بعد يا معشر بكر بن وائل، فإنّ أمير المؤمنين ندبني لأمر من أموره مهم له، وأمرني بالانكماش فيه بالعشيرة حتى آتي أمره، وأنتم شيعته وأنصاره، وأوثق حيّ من أحياء العرب في نفسه، فانتدبوا معي في هذه الساعة وعجلوا”، قال: فوالله ما كان إلا ساعة حتى اجتمع إليه منهم مائة رجل ونيف وعشرون أو ثلاثون، فقال: اكتفينا، ولا نريد أكثر من هؤلاء، قال: فخرج زياد حتى قطع الجسر، ثمّ أتى دير أبي موسى فنزله، فأقام به بقية يومه ذلك ينتظر أمر أمير المؤمنين (عليه السلام)”(20).

معركة الجمل الصغرى:

وقائد هذه المعركة هو الحكيم بن جبلة العبدي، وسميَّت بمعركة الجمل الصغرى لكونها مع صاحبة الجمل، وقبل وقعة الجمل مع الأمير (عليه السلام)، وقد جاء أن حكيم العبدي قال لعثمان بن حنيف والي البصرة من قبل الأمير (عليه السلام): أن يبدأ الحرب ضد طلحة والزبير قبل وصولهم البصرة، فرفض عثمان فقال حكيم: “فأذن لي حتى أسير إليهم بالناس، فإن دخلوا في طاعة أمير المؤمنين وإلا نابذتهم على سواء، فقال عثمان: لو كان ذلك رأيي لسرت إليهم بنفسي، قال حكيم: والله لو دخلوا عليك هذا المصر لينتقلن قلوب كثير من الناس إليهم وليزيلنك عن مجلسك هذا، وأنت أعلم فأبى عليه عثمان، قال: وكتب علي إلى عثمان لما بلغه مشارفة القوم البصرة: «من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عثمان بن حنيف، أما بعد: فإن البغاة عاهدوا الله، ثم نكثوا، وتوجهوا إلى مصرك، وساقهم الشيطان لطلب مالا يرضى الله به، والله أشدّ بأساً وأشد تنكيلاً، فإذا قدموا عليك فادعهم إلى الطاعة والرجوع إلى الوفاء بالعهد، والميثاق الذي فارقونا عليه، فإن أجابوا فأحسن جوارهم ما داموا عندك، وإن أبوا إلا التمسك بحبل النكث والخلاف، فناجزهم القتال حتى يحكم الله بينك وبينهم، وهو خير الحاكمين. وكتبت كتابي هذا إليك من الربذة وأنا معجل المسير إليك إن شاء الله»(21).

ولما وصل طلحة والزبير بجيشهما البصرة قتلوا السبابجة وهم حراس بيت المال، وضربوا والي البصرة عثمان بن حنيف وطردوه، “فلمّا بلغ حكيم بن جبلة ما صنع القوم بعثمان بن حنيف، خرج في ثلاثمائة من عبد القيس مخالفاً لهم ومنابذاً، فخرجوا إليه، وحملوا عائشة على جمل، فسمي ذلك اليوم يوم الجمل الأصغر، ويوم علي يوم الجمل الأكبر، وتجالد الفريقان بالسيوف، فشدّ رجلٌ من الأزد من عسكر عائشة على حكيم بن جبلة فضرب رجله فقطعها، ووقع الأزدي عن فرسه، فجثا حكيم، فأخذ رجله فرمى بها الأزدي فصرعه، ثم دبَّ إليه فقتله متكئاً عليه خانقاً له حتى زهقت نفسه فمرّ بحكيم إنسان وهو يجود بنفسه، فقال: من فعل بك؟ قال: وسادي، فنظر فإذا الأزدي تحته، وكان حكيم شجاعاً مذكوراً، قال: وقتل مع حكيم إخوة له ثلاثة، وقتل أصحابه كلهم، وهم ثلاثمائة من عبد القيس والقليل منهم من بكر بن وائل”(22).

ولمّا بلغ الأمر أمير المؤمنين (عليه السلام) تأثر كثيراً ووصف حكيم بالعبد الصالح(23)، وخطب في أصحابه فقال (عليه السلام): «إنه أتاني خبر متفظع ونبأ جليل: أن طلحة والزبير وردا البصرة فوثبا على عاملي فضرباه ضرباً مبرحاً وتُرك لا يدرى أحي هو أم ميت، وقتلا العبد الصالح حكيم بن جبلة في عدة من رجال المسلمين الصالحين لقوا الله موفون ببيعتهم ماضين على حقهم، وقتلا السبابجة خزان بيت المال الذي للمسلمين، قتلوهم صبراً، وقُتلوا غدراً»، فبكى الناس بكاءً شديداً ورفع أمير المؤمنين (عليه السلام) يديه يدعو ويقول: «اللهمَّ اجز طلحة والزبير جزاء الظالم الفاجر والخفور الغادر»(24).

وفي نص آخر أنّه لمّا: “أتاه الخبر بما لقيت ربيعة وخروج عبد القيس ونزولهم بالطريق، فقال: «عبد القيس خير ربيعة، في كل ربيعة خير»، وقال:

يا لهف نفسي على ربيعة

  ربيعة السامعة المطيعة

قد سبقتني فيهم الوقيعة

  دعا علي دعوة سميعة

حلوا بها المنزلة الرفيعة”.(25)

وفي أنساب الأشراف:    

دعا حكيم دعوة سميعة       

  نال بها المنزلة الرفيعة”(26)

ومما يدلّ على مكانة حكيم عند أمير المؤمنين (عليه السلام) اعتراض طلحة والزبير على الأمير (عليه السلام) لما لم يولهما البصرة والكوفة حيث قالا: “وملّكتَ أمرَك الأشتر وحكيم بن جبلة وغيرهما من الأعراب”(27).

بل إنَّ الأمير (عليه السلام) جعل أحد مسوغات مقاتلته أصحاب الجمل هو قتل حكيم وأصحابه، فقد روى الشيخ المفيد أنَّ أبا بردة بن عوف الأزدي -وكان عثمانياً تخلف عن علي (عليه السلام) يوم الجمل وحضر معه صفين على ضعف نية في نصرته- قال لعلي (عليه السلام): “يا أمير المؤمنين، أرأيت القتلى حول عائشة وطلحة والزبير بم قتلوا؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «بما قتلوا شيعتي وعمّالي، وبقتلهم أخا ربيعة العبدي في عصابة من المسلمين قالوا: لا ننكث البيعة كما نكثتم، ولا نغدر كما غدرتم، فوثبوا عليهم فقتلوهم ظلماً وعدواناً، فسألتهم أن يدفعوا إليّ قتلة إخواني منهم أقتلهم بهم، ثمَّ كتاب الله حكم بيني وبينهم، فأبوا عليَّ وقاتلوني وفي أعناقهم بيعتي ودماء نحو ألف من شيعتي فقتلتهم بذلك»(28).

لجوء الأمير إلى ربيعة حيث تفرّق الناس:

كانت ربيعة كما تقدم مشاركة بأجمعها مع علي (عليه السلام) في حرب الجمل، وهناك مواقف عدة تدلّ على قربها من الأمير (عليه السلام) وثقة الأمير (عليه السلام) بها، فمثلاً ذكر أن علياً (عليه السلام) كان قد التجأ إلى ربيعة لما تفرّق الناس، قال الطبري: “أنّ علياً حيث انتهى إلى ربيعة تبارت ربيعة بينها فقالوا: إن أصيب علي فيكم، وقد لجأ إلى رايتكم افتضحتم، وقال لهم شقيق بن ثور: يا معشر ربيعة لا عذر لكم في العرب إن وصل إلى علي فيكم وفيكم رجل حي، وإن منعتموه فمجد الحياة اكتسبتموه، فقاتلوا قتالاً شديداً حين جاءهم علي لم يكونوا قاتلوا مثله، ففي ذلك قال علي:

لمن راية سوداء يخفق ظلها

  إذا قيل قدمها حضين تقدما

يقدمها في الموت حتى يزيرها

  حياض المنايا تقطر الموت والدما

أذقنا ابن حرب طعننا وضرابنا

  بأسيافنا حتى تولى وأحجما

جزى الله قوماً صابروا في لقائهم

  لدى الموت قوماً ما أعف وأكرما

وأطيب أحباراً وأكرم شيمة

  إذا كان أصوات الرجال تغمغما

ربيعة أعني أنهم أهل نجدة

  وبأس إذا لاقوا جشيماً عرمرما”(29).

وفي نص آخر يشرح بدقة حرص ربيعة على حماية الأمير (عليه السلام) وخوف معاوية منهم ما ذكره ابن أبي الحديد المعتزلي أنّ معاوية قال لعمرو بن العاص: “أما ترى يا أبا عبد الله إلى ما قد دفعنا، كيف ترى أهل العراق غداً صانعين! إنا لبمعرض خطر عظيم، فقال له: إن أصبحت غداً ربيعة وهم متعطفون حول علي (عليه السلام) تعطف الإبل حول فحلها، لقيت منهم جلاداً صادقاً وبأساً شديداً، وكانت التي لا يتعزى لها. فقال معاوية: أيجوز أنك تخوفنا يا أبا عبد الله؟ قال: إنك سألتني فأجبتك، فلما أصبحوا في اليوم العاشر أصبحوا وربيعة محدقة بعلي (عليه السلام) إحداق بياض العين بسوادها، قال نصر: فحدثني عمرو قال: لما أصبح علي (عليه السلام)، هذا اليوم، جاء فوقف بين رايات ربيعة، فقال عتاب بن لقيط البكري، من بنى قيس بن ثعلبة: يا معشر ربيعة، حاموا عن علي منذ اليوم، فإن أصيب فيكم افتضحتم، ألا ترونه قائماً تحت راياتكم! وقال لهم شقيق بن ثور: يا معشر ربيعة، ليس لكم عذر عند العرب إن وصل إلى علي وفيكم رجل حي. فامنعوه اليوم، واصدقوا عدوكم اللقاء، فإنه حمد الحياة تكسبونه، فتعاهدت ربيعة وتحالفت بالأيمان العظيمة منها، تبايع سبعة آلاف على ألا ينظر رجل منهم خلفه، حتى يَردُوا سرادق معاوية، فقاتلوا ذلك اليوم قتالاً شديداً لم يكن قبله مثله، وأقبلوا نحو سرادق معاوية، فلما نظر إليهم قد أقبلوا قال: إذا قلت قد ولت ربيعة أقبلت كتائب منها كالجبال تجالد، ثم قال لعمرو: يا عمرو، ما ترى؟ قال: أرى ألا تحنث أخوالي اليوم، فقام معاوية وخلّى لهم سرادقه ورحله وخرج فاراً عنه، لائذاً ببعض مضارب العسكر في أخريات النّاس، فدخله وانتهبت ربيعة سرادقه ورحله، وبعث إلى خالد بن المعمر: إنّك قد ظفرت، ولك إمرة خراسان إن لم تتم، فقطع خالد القتال ولم يتمه، وقال لربيعة: قد برّت أيمانكم فحسبكم، فلما كان عام الجماعة، وبايع الناس معاوية، أمّره معاوية على خراسان، وبعثه إليها، فمات قبل أن يبلغها”(30).

وكان علي (عليه السلام) كما تقدم عند الشدائد يلتجئ بربيعة فنقل أنّه “صاح علي بالأشتر فحمل في أهل الكوفة، وصاح بعبد الله بن عباس فحمل في أهل البصرة، وحمل علي في أهل الحجاز، فما بقي لأهل الشام صف إلا انتقض. قال: وجعل أهل الشام ينظر بعضهم إلى بعض، ولا يقدرون على الكلام لما هم فيه من الدهش والهموم، قال: وترك الناس راياتهم، وتفرَّق أصحابُ علي، فصار عليٌّ إلى رايات ربيعة فوقف معهم، وجعل أصحابه يطلبونه فلا يقدرون عليه”(31).

غيرة مضر من ربيعة:

وهذه المكانة لربيعة في قلب علي (عليه السلام) سببت الغيرة لبعض القبائل الأخرى فقد كان (عليه السلام): “لا يعدل بربيعة أحداً من الناس، فشقَّ ذلك على مضر وأظهروا لهم القبيح وأبدوا ذات أنفسهم، فقام أبو الطفيل عامر بن واثلة وعمير بن عطارد وقبيصة بن جابر وعبد الله بن الطفيل في وجوه قبائلهم فأتوا علياً فتكلّم أبو الطفيل فقال: إنا والله يا أمير المؤمنين ما نحسد قوماً خصّهم الله منك بخير، وإنّ هذا الحي من ربيعة قد ظنّوا أنّهم أولى بك منا فاعفهم عن القتال أياماً واجعل لكلِّ امرئ منا يوماً نقاتل فيه، فإنّا إذا اجتمعنا اشتبه عليك بلاؤنا، فقال (عليه السلام): «نعم أعطيكم ما طلبتم»، وأمر ربيعة أن تكفّ عن القتال”(32).

رايات الله وراية رسول الله (صلَّى الله عليه وآله):

في كتاب وقعة صفين وتاريخ الطبري وغيرهما: “فلما كان يوم الخميس انهزم الناس من الميمنة فجاءنا علي (عليه السلام) حتى انتهى إلينا ومعه بنوه، فنادى بصوت عال جهير كغير المكترث لما فيه الناس، وقال: «لمن هذه الرايات؟» قلنا: رايات ربيعة. قال: «بل هي رايات الله، عصم الله أهلها وصبرهم وثبت أقدامهم» (33).

وفي البحار: قال نصر: وحدثني عمرو بن الزبير: [قال:] لقد سمعت الخصين بن المنذر يقول: أعطاني علي (عليه السلام) ذلك اليوم راية ربيعة ومضر وقال: «بسم الله سر يا حضين، واعلم أنه لا تخفق على رأسك براية مثلها أبداً هذه راية رسول الله»(34).

أنتم درعي ورمحي:

الطبري في تاريخه: “وقد ذكر أنّ عماراً لما قتل قال علي لربيعة وهمدان: «أنتم درعي ورمحي»”.(35)

وفي كتاب وقعة صفين لابن مزاحم قال: “وأقبل علي (عليه السلام) على ربيعة فقال: «أنتم درعي ورمحي» [قال: فربيعة تفخر بهذا الكلام إلى اليوم] فقال عدي بن حاتم: يا أمير المؤمنين، إنَّ قوماً أنست [بهم] وكنت فيهم في هذه الجولة، لعظيم حقهم علينا، والله إنهم لصبر عند الموت، أشداء عند القتال”.(36)

وفي كتاب الفتوح: “فقال عدي بن حاتم الطائي: يا أمير المؤمنين.. إنّ قوماً أنست بهم وكنت فيهم عند هذه الجولة في هذه الحرب الشديدة لعظم حقهم عليك، والله إنهم لصبروا عند الموت وعند اللقاء، فقال علي (عليه السلام): «وإنهم لدرعي وسيفي ورمحي». قال: وأنشأ رجل من ربيعة يقول:

أتانا أمير المؤمنين فحسبنا

  على الناس طراً أجمعين بها فضلا

على حين أن زلت بنا النعل زلة

  ولم تترك الحرب العوان لنا نجلا

وقد أكلت منهم ومن فوارسا

  كما تأكل النيران في الحطب الجزلا

فكنا له في ذلك الوقت جنة

  وكنا له من دون أنفسنا نصلا

فأبنا بفضل لم ير الناس مثله

  على قومنا طرا وكنا له أهلا

وقال لنا: أنتم ربيعة جنتي

  ودرعي التي ألقي بأعراضها النبلا.

وقال علي (عليه السلام) لربيعة «يا معشر ربيعة، أنتم أنصاري ومجيبوا دعوتي، ومن أوثق أحياء العرب في نفسي».(37)

قوم نجباء أهل حب ووفاء:

روي أنّه امتدح أبو أسماء العبدي علياً (عليه السلام) بصفين بأبيات من الشعر، فلمّا أنشدها قال علي (عليه السلام): «رحمك الله يا أبا أسماء وأسمعك خيراً [إني] وإن أكن [كذلك]، فإنك من قوم نجباء أهل حب ووفاء»”.(38)

ثبات ربيعة في المعركة:

وفي شرح نهج البلاغة: “قال نصر: وحدثنا عمرو بن شمر، قال: أقبل الحضين بن المنذر يومئذ وهو غلام يزحف براية ربيعة، وكانت حمراء، فأعجب عليا (عليه السلام) زحفه وثباته، فقال:

لمن راية حمراء يخفق ظلها

  إذا قيل قدمها حضين تقدما

ويدنو بها في الصف حتى يزيرها 

  حمام المنايا تقطر الموت والدما

تراه إذا ما كان يوم عظيمة

  أبى فيه إلا عزة وتكرما

جزى الله قوماً صابروا في لقائهم

  لدى الناس حراً ما أعف وأكرما

وأحزم صبراً يوم يدعى إلى الوغى

  إذا كان أصوات الكماة تغمغما

ربيعة أعني، إنهم أهل نجدة

  وبأس إذا لاقوا خميساً عرمرما

قال نصر: وأقبل ذو الكلاع في حمير ومن لفَّ لفها، ومعهم عبيد الله بن عمر بن الخطاب في أربعة آلاف من قراء أهل الشام، وذو الكلاع في حمير في الميمنة، وعبيد الله في القراء في الميسرة، فحملوا على ربيعة وهم في ميسرة أهل العراق، وفيهم عبيد الله بن العباس حملة شديدة، فتضعضعت رايات ربيعة، ثمّ إنّ أهل الشام انصرفوا فلم يمكثوا إلا قليلاً، حتى كرّوا ثانية، وعبيد الله بن عمر في أوائلهم، يقول: يا أهل الشام، هذا الحي من العراق قتلة عثمان بن عفان وأنصار علي ابن أبي طالب، ولئن هزمتم هذه القبيلة أدركتم ثأركم من عثمان، وهلك علي وأهل العراق، فشدّوا على الناس شدة عظيمة، فثبتت لهم ربيعة، وصبرت صبراً حسناً إلا قليلاً من الضعفاء، فأمّا أهل الرايات وذوو البصائر منهم والحفاظ، فثبتوا وقاتلوا قتالاً شديداً”(39)، وليتأمل القارئ في كلام عبيد الله بن عمر.

جهاد نساء أهل البحرين:

ومما يذكر في حقَّ نساء ربيعة وعبد القيس: أنّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه دخل على عائشة لما أبت الخروج فقال لها: «يا شعيراء ارتحلي وإلا تكلمت بما تعلمينه»، فقالت: نعم أرتحل، فجهزها وأرسلها ومعها أربعين امرأة من عبد القيس”.(40) وفي تاريخ اليعقوبي: “فقال: «إيها يا حميراء، ألم تنتهي عن هذا المسير؟» فقالت: يا ابن أبي طالب! قدرت فأسجح. فقال: «اخرجي إلى المدينة، وارجعي إلى بيتك الذي أمرك رسول الله أن تقرّي فيه»، قالت: أفعل، فوجه معها سبعين امرأة من عبد القيس في ثياب الرجال، حتى وافوا بها المدينة(41).

وأيضاً: “قال أبو مخنف وذكر أبو المخارق الراسبي قال: اجتمع ناس من الشيعة بالبصرة في منـزل امرأة من عبد القيس يقال لها مارية ابنة سعد أو منقذ أياماً، وكانت تتشيع وكان منـزلها لهم مألفاً يتحدثون فيه، وقد بلغ ابن زياد إقبال الحسين، فكتب إلى عامله بالبصرة أن يضع المناظر ويأخذ بالطريق، قال: فأجمع يزيد بن نبيط الخروج وهو من عبد القيس إلى الحسين وكان له بنون عشرة، فقال: أيُّكم يخرج معي فانتدب معه ابنان له عبد الله وعبيد الله، فقال لأصحابه في بيت تلك المرأة: إني قد أزمعت على الخروج، وأنا خارج، فقالوا له: إنا نخاف عليك أصحاب ابن زياد، فقال: إني والله لو قد استوت أخفافهما بالجدد لهان عليّ طلب من طلبني، قال: ثمّ خرج فقوى في الطريق حتى انتهى إلى الحسين (عليه السلام) فدخل في رحله بالأبطح، وبلغ الحسين (عليه السلام) مجيئه فجعل يطلبه، وجاء الرجل إلى رحل الحسين (عليه السلام) فقيل له: قد خرج إلى منـزلك، فأقبل في أثره ولما لم يجده الحسين (عليه السلام) جلس في رحله ينتظره، وجاء البصري فوجده في رحله جالساً، فقال: بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا، قال: فسلم عليه وجلس إليه، فخبره الذي جاء له فدعا له بخير، ثم أقبل معه حتى أتى فقاتل معه فقتل معه هو وابناه”(42).

هذا مختصر مما يدل على تشيع أهل البحرين في زمن خلافة علي (عليه السلام).

بعد استشهاد الأمير (عليه السلام)

ذكر ابن عساكر نصاً مهماً في الدلالة على كون أهل البحرين من السبَّاقين لمعارضة أي حكم غير حكم أهل البيت (عليهم السلام)، فقد روي: “عن أبي عبيدة قال: لمّا قتل علي بن أبي طالب (عليه السلام) أراد معاوية الناس على بيعة يزيد، فتثاقلت ربيعة ولحقت بعبد القيس بالبحرين، واجتمعت بكر بن وائل إلى خالد بن المعمر، فلمّا تثاقلت ربيعة تثاقلت العرب أيضاً، فضاق معاوية بذلك ذرعاً فبعث إلى خالد فقدم عليه، فلمّا دخل عليه رحّب به، وقال: كيف ما نحن فيه، قال أرى ملكاً طريفاً وبغضاً تليداً، فقال معاوية: قل ما بدا لك فقد عفونا عنك، ولكن ما بال ربيعة أوّل الناس في حربنا، وآخرهم في سلمنا، قال له خالد: إنما أتيتك مستأمناً ولم آتك مخاصماً، ولست للقوم بحري في حجتهم، وإنّ ربيعة إن تدخل في طاعتك تنفعك، وإن تدخل كرهاً تكن قلوبها عليك وأبدانها لك، فأعط الأمان عامتهم شاهدهم وغائبهم، وأن ينـزلوا حيث شاءوا، فقال: أفعل، فانصرف خالد إلى قومه بذلك، ثمّ إنّ معاوية بدا له، فبعث إلى خالد فدعاه، فلمّا دخل إليه قال: كيف حبك لعلي، قال: اعفني يا أمير المؤمنين مما أكره، فأبى أن يعفيه، فقال: أحبّه والله على حلمه إذا غضب، ووفائه إذا عقد، وصدقه إذا أكد، وعدله إذا حكم”(43). وفي هذا النص صراحة في كون ربيعة موالية لعلي (عليه السلام)، وأنها مؤثرة في عامة الناس، وإن كان خالد بن معمّر هذا قد وردت روايات تذمّه، وفي نص أنّه كان يكاتب معاوية في معركة صفين، وتقدم أنه أوقف القتال لما وصلت ربيعة لسرادق معاوية.

ما يدل على تشيع أهل البحرين عامة

ذكر مجموعة من المؤرخين -خلال ترجمة صحار بن العباس العبدي- كلمات مهمة تدلّ على كون أغلب عبد القيس من الشيعة، فقال ابن النديم: “صحار العبدي وكان خارجياً، وهو صحار بن العباس، أحد النسابين والخطباء في أيام معاوية بن أبي سفيان. وله مع دغفل أخبار، وكان صحّار عثمانياً من عبد القيس”(44)، وفي طبقات ابن سعد: “وكان صحار فيمن طلب بدم عثمان”(45)، ويظهر من هذا الكلام أنَّ صحار مخالف لعقيدة قومه من عبد القيس. وفي كتاب الغارات باسم ابن عياش: “وفي الإشتقاق لابن دريد تحت عنوان (أسماء بني ربيعة وقبائلهم): (ومنهم صحار بن عياش كان ممن وفد على النبي (صلَّى الله عليه وآله) وكان عثماني الرأي مخالفاً لقومه”(46)

وأصرح من كل ذلك ما ذكره ابن قتيبة حيث قال: “صحار بن العباس العبدي…. وكان عثمانياً وكانت عبد القيس تتشيع فخالفها”(47).

نسبة الشيعة في البحرين:

قال الحموي في معجم البلدان(م626) عن عُمَان: “وأكثر أهلها في أيامنا خوارج إباضية ليس بها من غير هذا المذهب إلا طارئ غريب وهم لا يخفون ذلك، وأهل البحرين بالقرب منهم بضدهم كلهم روافض سبائيون، لا يكتمونه ولا يتحاشون، وليس عندهم من يخالف هذا المذهب إلا أن يكون غريباً”(48)، فتمعن في آخر كلامه وأنه لا يوجد غير الشيعة إلا أن يكون غريباً، والحموي متوفى سنة ستمائة وستة وعشرون للهجرة، يعني قبل ما يقارب ثمانية قرون. 

وفي أعيان الشيعة عن القطيف: “وفي رحلة ابن بطوطة التي كانت سنة 725: القطيف مدينة كبيرة حسنة ذات نخل كثير يسكنها طوائف العرب وهم رافضية غلاة يظهرون الرفض جهراً لا يتقون أحداً”.(49)

النسب إلى البحرين:

ومن الأمور الواضحة والدلائل المهمة على تشيع أهل البحرين، هو اقتران المنتسب إلى البحرين بالتشيع، وهذا الكلام ليس عن الزمن الماضي، بل إلى يومنا هذا، فإنَّهم إذا أرادوا أن يشيروا إلى كون شخص ما شيعياً فإنهم يقولون عنه بحراني، وأما الآخرون فلا يقال لهم ذلك، بل يستنكرونه، وإنما يقال لغير الشيعي بحريني أو من أهل البحرين، والنسبة الصحيحة إلى البحرين هو (بحراني) وليس (بحريني) كما حصل وغيّرته السلطة من مدة ليست طويلة، فأصبحت النسبة إلى البحرين رسمياً هو بحريني.

ولكن إذا رجعنا إلى القواميس وكتب اللغة فإنّك ستجد الجميع يقرّ بأنّ النسبة للبحرين هو بحراني، وإليك بعض كلمات أهل اللغة، يقول الفراهيدي(م170): “ورجل بحراني: منسوب إلى البحرين، وهو موضع بين البصرة وعمان، يقال: انتهينا إلى البحرين”.(50) ويقول الجوهري(م393): “والبحرين: بلد، والنسبة إليه بحراني. قال اليزيدي: كرهوا أنْ يقولوا بحري، فيشبه النسبة إلى البحر”(51)، وقال أبو الحسين أحمد بن فارس زكريا(م395): “وقال الخليل رجل بحراني منسوب إلى البحرين، وقالوا بحراني فرقاً بينه وبين المنسوب إلى البحر”.(52) وفي شرح الشافية للاسترآبادي(م686): “وقالوا: بحراني، في النسبة إلى البحرين”(53)، وقال ابن منظور(م711) في لسان العرب: “ابن سيده: وأبحر الماء صار ملحاً، قال: والنسب إلى البحر بحراني على غير قياس. قال سيبويه: قال الخليل: كأنهم بنوا الاسم على فعلان. قال عبدا محمد بن المكرم: شرطي في هذا الكتاب أن أذكر ما قاله مصنفو الكتب الخمسة الذين عينتهم في خطبته، لكن هذه نكتة لم يسعني إهمالها. قال السهيلي (رحمه الله): زعم ابن سيده في كتاب المحكم أن العرب تنسب إلى البحر بحراني، على غير قياس، وإنه من شواذ النسب، ونسب هذا القول إلى سيبويه والخليل، رحمهما الله تعالى، وما قاله سيبويه قط، وإنما قال في شواذ النسب: تقول في بهراء بهراني وفي صنعاء صنعاني، كما تقول بحراني في النسب إلى البحرين التي هي مدينة، قال: وعلى هذا تلقاه جميع النحاة وتأولوه من كلام سيبويه، قال: وإنما اشتبه على ابن سيده لقول الخليل في هذه المسألة أعني مسألة النسب إلى البحرين، كأنهم بنوا البحر على بحران، وإنما أراد لفظ البحرين، ألا تراه يقول في كتاب العين: تقول بحراني في النسب إلى البحرين، ولم يذكر النسب إلى البحر أصلا، للعلم به وأنه على قياس جار. قال: وفي الغريب المصنف عن الزيدي أنه قال: إنما قالوا بحراني في النسب إلى البحرين، ولم يقولوا بحري ليفرقوا بينه وبين النسب إلى البحر”(54)

وقال أيضا: “وروي عن أبي محمد اليزيدي قال: سألني المهدي وسأل الكسائي عن النسبة إلى البحرين وإلى حصنين: لم قالوا حصني وبحراني؟ فقال الكسائي: كرهوا أن يقولوا حصنائي لاجتماع النونين، قال وقلت أنا: كرهوا أن يقولوا بحري فتشبه النسبة إلى البحر، قال الأزهري: وإنما ثنوا البحر لأن في ناحية قراها بحيرة على باب الأحساء وقرى هجر، بينها وبين البحر الأخضر عشرة فراسخ، وقدرت البحيرة ثلاثة أميال في مثلها ولا يغيض ماؤها، وماؤها راكد زعاق”.(55)

وإنمّا أكثرت من ذكر هذه المصادر وكلمات اللغويين مع تفاوت أزمانهم حتى لا يبقى شك عند أحد بأنَّ النسبة إلى البحرين هي بحراني، وأن النسبة الحالية وهي (بحريني) على خلاف الثابت لغة، ولذلك ندعو المحبين والموالين للاحتفاظ بهذه النسبة والإصرار عليها، والافتخار بها.

ولا أظن أنَّ هناك دولة أخرى اقترنت النسبة إليها بمذهب أصحابها كما هو حاصل في البحرين، فالبحراني يساوي الشيعي في نظر الجميع، وكفى بذلك فخراً، ثبتنا الله على ولاية أهل بيت نبيه (صلَّى الله عليه وآله).

ونكتفي بهذا القدر من الحديث عن تشيع أهل البحرين، وربما نوفق في مناسبة أخرى لإكمال الحديث عن ذلك، وبتفصيل أكثر، والحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.

المصادر والهوامش

  • (1) المستدرك للنيسابوري، ج3، ص3.
  • (2) طبقات ابن سعد، ج1، ص314-315.
  • (3) الإصابة لابن حجر، ج3، ص331.
  • (4) قرب الإسناد، ص323.
  • (5) سنن أبي داوود، ج2، ص425.
  • (6) فتح الباري لابن حجر، ج8، ص67.
  • (7) هكذا في المصدر.
  • (8) مقتضب الأثر لأحمد بن عياش الجوهري(م401)، ص31-39، ونقلها عنه في كنز الفوائد لأبي الفتح الكراكجي(م449)ل، ص265-258، مع اختلاف في بعض الألفاظ، وكذلك في البحار، ج15، ص241.  
  • (9) البداية والنهاية لابن كثير، ج2، ص295، وراجع المعجم الكبير للطبراني، ج12، ص69، وذكر أخبار إصبهان للحافظ الأصفهاني، ج2، ص51، والسيرة الحلبية، ج1، ص321.
  • (10) الطبقات الكبرى، ج4، ص361.
  • (11) تاريخ المدينة، لابن شبة النميري، ج3، ص846،
  • (12) تاريخ الطبري، ج4، ص142.
  • (13) السنن الكبرى للبيهقي، ج8، ص178.
  • (14) الأحكام ليحي بن الحسين، ج4، ص265.
  • (15) تاريخ المدينة، لابن شبة النميري، ج3، ص846-847.
  • (16) تهذيب الكمال للمزي، ج21، ص374.
  • (17) تهذيب التهذيب لابن حجر، ج7، ص401.
  • (18) الجمل للشيخ المفيد، ص158.
  • (19) الفتنة وقعة الجمل، لسيف بن عمر الضبي(م200)، ص167.
  • (20) الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي، ج1، ص338.
  • (21) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحيد، ج9، ص312.
  • (22) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج9، ص322، والنص والاجتهاد، ص445.
  • (23) وفي الاستيعاب لابن عبد البر، ج1، ص366، في ترجمة حكيم أنه: “أدرك النبي صلّى الله عليه وسلم”.
  • (24) الكافئة للشيخ المفيد، ص17-18.
  • (25) تاريخ الطبري، ج3، ص496.
  • (26) أنساب الأشراف للبلاذري، ص234.
  • (27) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج11، ص17.
  • (28) أمالي الشيخ المفيد، ص129.
  • (29) تاريخ الطبري، ج4، ص26.
  • (30) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج5، ص241-242، والبحار، ج32، ص483.
  • (31) الفتوح، لأحمد بن أعثم الكوفي، ج3، ص136.
  • (32) البحار، ج32، ص485.
  • (33) وقعة صفين لابن مزاحم المنقري، ص288، وتاريخ الطبري، ج4، ص23، والمناقب للموفق الخوارزمي، ص229، وشرح نهج البلاغة، ج5، ص226.
  • (34) البحار، ج32، ص481.
  • (35) تاريخ الطبري، ج4، ص29.
  • (36) وقعة صفين، لابن مزاحم المنقري، ص402.
  • (37) شرح نهج البلاغة، ج5، ص225.
  • (38) مناقب الإمام علي (عليه السلام) لمحمد بن سليمان الكوفي، ج2، ص85.
  • (39) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج5، ص226-228.
  • (40) الكافئة للشيخ المفيد، ص31.
  • (41) تاريخ اليعقوبي، ج2، ص183.
  • (42) تاريخ الطبري، ج4، ص263.
  • (43) تاريخ مدينة دمشق، ج16، ص208.
  • (44) فهرست ابن النديم، ص102.
  • (45) الطبقات لابن سعد، ج5، ص562.
  • (46) الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي، ج2، ص786-787.
  • (47) المعارف لابن قتيبة، ص339.
  • (48) معجم البلدان للحموي(م626)، ج4، ص150.
  • (49) أعيان الشيعة، ج1، ص206.
  • (50) العين: ج3، ص220.
  • (51) الصحاح للجوهري: ج2، ص585.
  • (52) معجم مقاييس اللغة: ج1، ص203.
  • (53) شرح شافية ابن الحاجب: ج2، ص83.
  • (54) لسان العرب: ج4، ص42.
  • (55) لسان العرب: ج4، ص46.
المصدر
مجلة رسالة القلم

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى