تهديد للمرتد بحبط العمل

قوله تعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ تهديد للمرتد بحبط العمل وخلود النار.

كلام في الحبط

والحبط هو بطلان العمل وسقوط تأثيره، ولم ينسب في القرآن إلا إلى العمل كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾الزمر :65، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾محمد :32-33، وذيل الآية يدل بالمقابلة على أن الحبط بمعنى بطلان العمل كما هو ظاهر قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ هود :16، ويقرب منه قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورً﴾ الفرقان :23.

وبالجملة الحبط هو بطلان العمل وسقوطه عن التأثير، وقد قيل: إن أصله من الحبط بالتحريك وهو ان يكثر الحيوان من الاكل فينتفخ بطنه وربما ادى إلى هلاكه.

والذي ذكره تعالى من اثر الحبط بطلان الأعمال في الدنيا والآخرة معا، فللحبط تعلق بالاعمال من حيث اثرها في الحياة الآخرة، فإن الايمان يطيب الحياة الدنيا كما يطيب الحياة الآخرة، قال تعالى: ” من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم اجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ” النحل – 97، وخسران سعى الكافر، وخاصة من ارتد إلى الكفر بعد الايمان، وحبط عمله في الدنيا ظاهر لا غبار عليه، فإن قلبه غير متعلق بأمر ثابت، وهو الله سبحانه، يبتهج به عند النعمة، ويتسلى به عند المصيبة، ويرجع إليه عند الحاجة، قال تعالى: ” أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ” الانعام – 122، تبين الآية ان للمؤمن في الدنيا حياة ونورا في أفعاله، وليس للكافر، ومثله قوله تعالى، ” فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ” طه – 124، حيث يبين ان معيشة الكافر وحياته في الدنيا ضنك ضيقة متعبة، وبالمقابلة معيشة المؤمن وحياته سعيدة رحبة وسيعة.

وقد جمع الجميع ودل على سبب هذه السعادة والشقاوة قوله تعالى: ” ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وان الكافرين لا مولى لهم ” محمد – 11.
فظهر مما قربناه ان المراد بالاعمال مطلق الافعال التي يريد الانسان بها سعادة الحياة، لا خصوص الأعمال العبادية، والافعال القريبة التي كان المرتد عملها واتى بها حال الايمان، مضافا إلى أن الحبط وارد في مورد الذين لا عمل عبادي، ولا فعل قربي لهم كالكفار والمنافقين كقوله تعالى: ” يا أيها الذين آمنوا ان تنصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم ذلك بأنهم كرهوا ما انزل الله فاحبط أعمالهم ” محمد – 9، وقوله تعالى: ” ان الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب اليم أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين ” آل عمران – 22، إلى غير ذلك من الآيات.

فمحصل الآية كسائر آيات الحبط هو ان الكفر والارتداد يوجب بطلان العمل عن أن يؤثر في سعادة الحياة، كما أن الايمان يوجب حياة في الأعمال تؤثر بها اثرها في السعادة، فإن آمن الانسان بعد الكفر حييت أعماله في تأثير السعادة بعد كونها محبطة باطلة، وإن ارتد بعد الايمان ماتت أعماله جميعا وحبطت، فلا تأثير لها في سعادة دنيوية ولا أخروية، لكن يرجى له ذلك إن هو لم يمت على الردة وان مات على الردة حتم له الحبط وكتب عليه الشقاء.

ومن هنا يظهر بطلان النزاع في بقاء اعمال المرتد إلى حين الموت والحبط عنده أو عدمه. توضيح ذلك: انه ذهب بعضهم إلى أن أعمال المرتد السابقة على ردته باقية إلى حين الموت، فإن لم يرجع إلى الايمان بطلت بالحبط عند ذلك، واستدل عليه بقوله تعالى ” ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة الآية ” وربما أيده قوله تعالى: وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءا منثورا ” الفرقان – 23، فإن الآية تبين حال الكفار عند الموت، ويتفرع عليه انه لو رجع إلى الايمان تملك أعماله الصالحة السابقة على الارتداد.

وذهب آخرون إلى أن الردة تحبط الأعمال من أصلها فلا تعود إليه وان آمن من بعد الارتداد، نعم له ما عمله من الأعمال بعد الايمان ثانيا إلى حين الموت، واما الآية فإنما اخذت قيد الموت لكونها في مقام بيان جميع أعماله وافعاله التي عملها في الدنيا !

وأنت بالتدبر فيما ذكرناه تعرف، ان لا وجه لهذا النزاع أصلا، وان الآية بصدد بيان بطلان جميع أعماله وافعاله من حيث التأثير في سعادته !

وهنا مسألة أخرى كالمتفرعة على هذه المسألة وهي مسألة الاحباط والتكفير، وهي ان الأعمال هل تبطل بعضها بعضا أو لا تبطل بل للحسنة حكمها وللسيئة حكمها، نعم الحسنات ربما كفرت السيئات بنص القرآن.

ذهب بعضهم إلى التباطل والتحابط بين الأعمال وقد اختلف هؤلاء بينهم، فمن قائل بأن كل لاحق من السيئة تبطل الحسنة السابقة كالعكس، ولازمه ان لا يكون عند الانسان من عمله إلا حسنة فقط أو سيئة فقط، ومن قائل بالموازنة وهو ان ينقص من الأكثر بمقدار الأقل ويبقى الباقي سليما عن المنافي، ولازم القولين جميعا ان لا يكون عند الانسان من أعماله إلا نوع واحد حسنة أو سيئة لو كان عنده شئ منهما.

ويردهما أولا قوله تعالى: ” وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله ان يتوب عليهم والله غفور رحيم ” التوبة – 102، فإن الآية ظاهرة في اختلاف الأعمال وبقائها على حالها إلى أن تلحقها توبة من الله سبحانه، وهو ينافي التحابط بأي وجه تصوروه.

وثانيا: أنه تعالى جرى في مسألة تأثير الأعمال على ما جرى عليه العقلاء في الاجتماع الانساني من طريق المجازاة، وهو الجزاء على الحسنة على حدة وعلى السيئة على حدة إلا في بعض السيئات من المعاصي التي تقطع رابطة المولوية والعبودية من أصلها فهو مورد الاحباط، والآيات في هذه الطريقة كثيرة غنية عن الايراد.

وذهب آخرون إلى أن نوع الأعمال محفوظة، ولكل عمل أثره سواء في ذلك الحسنة والسيئة.

نعم الحسنة ربما كفرت السيئة كما قال تعالى: ” يا أيها آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ” الأنفال – 29، وقال تعالى: ” فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه الآية ” البقرة – 203، وقال تعالى: ” إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ” النساء – 31، بل بعض الأعمال يبدل السيئة حسنة كما قال تعالى: ” إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ” الفرقان – 70. 


  • تفسير الميزان – العلامة محمد حسين الطباطبائي / 2/167.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى