خمسة لا تصاحبهم

بسم الله الرحمن الرحيم

عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن أبيه، قال: قال أبي علي بن الحسين(عليهما السلام): “يا بُنَيَّ، انظُرْ خمسةً فلا تُصاحِبهُمْ ولا تُحادِثهُمْ ولا تُرافِقهُمْ في طريقٍ”.فقلتُ: “يا أبَه، مَـن هُـم عَرِّفْنيِهِمْ؟”

قال:“إِيَّاكَ وَمُصَاحَبَةِ الكذَّابِ، فَإنَّه بِمَنزِلَة السَّرَاب، يُقرِّبُ لَكَ البَعيدَ، وَيبعِّد لَكَ القَريبَ، وَإيَّاكَ ومُصَاحَبَةِ الفاسِقِ، فإنَّه بَايَعَكَ بِأكلِةٍ، أو أقَلّ مِن ذَلِك. وَإيَّاكَ وَمُصاحَبَةِ البَخيلِ، فَإنَّه يَخذُلُك في مَالِه أحْوج مَا تَكُونُ إِلَيهِ، وَإيَّاكَ وَمُصاحَبَةِ الأحْمَقِ، فَإنَّه يُريدُ أنْ يَنْفعَكَ فَيَضُرَّك، وَإيَّاكَ وَمُصاحَبَةِ القَاطِعِ لِرَحِمِهِ، فَإنِّي وَجَدتُه مَلعُوناً فِي كِتَابِ اللهِ عز وجل…”1
 
الحاجة إلى الصديق:

خلق الله تعالى الإنسان وأودع فيه الحاجة إلى أمور كثيرة، فجعله مديناً بطبعه، لا يعيش في عزلة، ولا يستطيع الإنفراد عن الناس حتى لا يستشعر الغربة والوحدة والوحشة.

من أجل ذلك كان بطبعه يسعى إلى إتخاذ الأصدقاء، ليكونوا له سنداً وعوناً وسلواناً، يشاطرهم الأحزان والأفراح.

وقد حثّ الإسلام على اكتساب الأصدقاء لما في ذلك من فضل ولما للصديق من منافع على مستوى الدنيا والآخرة.

يقول الإمام الصادق(عليه السلام): ” لقد عظُمت منزلة الصَديق حتى أنّ أهل النار يستغيثون به، ويدعون به في النار قبل القريب الحميم، قال الله تعالى مخبراً عنهم: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ* وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾”2.3

وقيل لأحد الحكماء: أيّما أحبّ إليك، أخوك أم صديقك؟ فقال:إنّما أحبّ أخي إذا كان صديقاً لي.4.
 
خمسة لا تصاحبهم

في الوقت الذي حرص فيه الإسلام على ضرورة إتخاذ الأصدقاء، إلاّ أنه في الوقت ذاته ومن أجل حماية الإنسان من بعض الناس ممن يحملون مواصفات خبيثة ورذيلة قد تضرّ بمن يصاحبهم حذّر من صحبة هؤلاء وأمثالهم.

وفي الحديث المتقدم يبين لنا الإمام علي بن الحسين(عليهما السلام) صفات من لا ينبغي مصاحبتهم، ويبيّن أيضاً الأسباب الموجبة لعدم صحبتهم:
فالكذاب: بمنزلة السراب يقرّب البعيد ويّبعد القريب، وما ذلك إلا خداع للآخرين.
والفاسق: يبيع الآخرين عند أدنى مشكلة، ولا يكسب منه الإنسان الإّ الصفات الرذيلة.
والبخيل: يخذل عند الحاجة إليه، وبالتالي لا ينفع بشيء على الإطلاق.
والأحمق: ضرر صحبتهم أعظم من نفعها.
والقاطع لرحمه: ملعون في كتاب الله تعالى، فكيف لنا مصاحبة من استوجب اللعنة والعذاب.

وعلى هذا الأساس كان للصداقة والمحبّة مقاييس في الشريعة الإسلامية، وعلى الإنسان الالتفات إلى هذه المقاييس والموازين حتى لا يقع في الخطر والضرر.

كيف تختار الأصدقاء

على ضوء ما تقدّم يكون الإسلام قد حدّد لنا معايير الصداقة وحدودها وكيفية إختيار الأصدقاء، وحذّرنا من اتخاذ فئة من الناس أصدقاء، وفي مقابل ذلك وضع لنا المعايير التي على أساسها تكون الصداقة.

عن الإمام الصادق(عليه السلام) قال: ” لَا تَكُونُ الصَّدَاقَةُ إِلَّا بِحُدُودِهَا، فَمَنْ كَانَتْ فِيهِ هَذِهِ الْحُدُودُ أَوْ شَيْ‏ءٌ مِنْهَا فَانْسُبْهُ إِلَى الصَّدَاقَةِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْ‏ءٌ مِنْهَا فَلَا تَنْسُبْهُ إِلَى شَيْ‏ءٍ مِنَ الصَّدَاقَةِ.
فَأَوَّلُهَا: أَنْ تَكُونَ سَرِيرَتُهُ وَ عَلَانِيَتُهُ لَكَ وَاحِدَةً.
وَالثَّانِي: أَنْ يَرَى زَيْنَكَ زَيْنَهُ، وَ شَيْنَكَ شَيْنَهُ.
وَالثَّالِثَةُ: أَنْ لَا تُغَيِّرَهُ عَلَيْكَ وِلَايَةٌ وَ لَا مَالٌ.
وَالرَّابِعَةُ: أَنْ لَا يَمْنَعَكَ شَيْئاً تَنَالُهُ مَقْدُرَتُهُ.
وَالْخَامِسَةُ: وَهِيَ تَجْمَعُ هَذِهِ الْخِصَالَ أَنْ لَا يُسْلِمَكَ عِنْدَ النَّكَبَاتِ”
5.

ولكي تكون معايير الإختيار سليمة ومفيدة ينبغي للإنسان معاشرة الأصدقاء وفقاً لبعض الضوابط كتلك التي أوصى بها الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كما ورد عنه أنه لمّا احتضر(عليه السلام) جمع بنيه، حسناً وحسيناً وابن الحنفية والأصاغر من ولده، فوصاهم وكان في آخر وصيته: ” يا بني عاشروا الناس عشرة إن غبتم حنوا إليكم، وإن فُقدتم بكوا عليكم، يا بني إنّ القلوب جنود مجندة تتلاحظ بالمودة، وتتناجى بها، وكذلك هي في البغض..”6
 
رعاية الأصدقاء

تفرض الصداقة نوعاً من الحقوق والواجبات على الأصدقاء فيما بينهم، فقد يقع الصديق في ضائقة مادية،أو تعترضه مشاكل معنوية، وقد يحتاج إليك في بعض شؤونه…

ومن أولى بذلك من الأخ والصديق.

وأهل البيت (عليهم السلام) أشاروا إلى مثل هذه المسائل التي يمكن أن تحصل بين الأصدقاء وفرضوا قيماً يجدر بالأصدقاء الإلتفات إليها.

فعن أبي إسماعيل قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام): جعلت فداك، إنّ الشيعة عندنا الكثير، فقال(عليه السلام): “فهل يعطف الغني على الفقير؟ وهل يتجاوز المحسن عن المسيء؟ ويتواسون”. فقلت: لا. فقال(عليه السلام): “ليس هؤلاء شيعة، الشيعة من يفعل هذا”.7

والصداقة أيضاً تفرض الإيثار والمواساة.

قال الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام) لرجل من خاصته: ” يا عاصم كيف أنتم في التواصل والتواسي؟”.

فقال: على أفضل ما كان عليه أحد.

قال(عليه السلام): ” أن يأتي أحدكم إلى دكان أخيه أو منزله عند الضائقة فيستخرج كيسه ويأخذ ما يحتاج إليه فلا ينكر عليه؟”.

فقال: لا.

فقال(عليه السلام): “فلستم على ما أحب في التواصل”.8

هذه هي القيم والسلوكيات التي أرادها لنا أهل بيت العصمة(عليهم السلام) ليتحقق بيننا كل ما يحبه الله تعالى لعباده الصالحين.

والحمد لله رب العالمين


المصادر والمراجع

1- بحار الأنوار، المجلسي:71/196/ح29.
2- سورة الشعراء، الآيات:100-101.
3- المصدر نفسه:71/176/ح11.
4- مروية عن عبد الحميد بن يحيى مولى العلاء بن وهب القرشي، وخالد بن صفوان القناص.
5- الكافي: 2 / 639، للشيخ أبي جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكُليني، المُلَقَّب بثقة الإسلام، المتوفى سنة: 329 هجرية، طبعة دار الكتب الإسلامية، سنة: 1365 هجرية / شمسية، طهران / إيران
6- المصدر نفسه:71/163/ح26.
7- وسائل الشيعة، الحر العاملي:9/428/ح4.
8- البحار، كتاب العشرة، ص46 عن كتاب الحقوق للصوري.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى