ما هي الطرق لقبُول الأعمال؟

العلم شرط لقبول الأعمال
لا يوجد دين أو معتقد أولى العلم والمعرفة اهتماماً كبيراً كما فعل الإسلام. فبالرّجوع إلى القرآن الكريم نجد سوَرَهُ مشحونةً بالآيات التي تبيّن أهمّيّة العلم، والّتي تدعو إلى التفكّر والتعقّل، وعدم الانجرار وراء التّقليد الأعمى الذي يوصل الإنسان إلى الهلاك. فمثلاً تأمّل في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُون﴾1، وفي قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾2 ، وقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم﴾3.

وبالرّجوع إلى الرّوايات يكفيك قول الرّسول الأكرم: “طلب العلم فريضة على كلّ مسلم. ألا إنّ الله يحبّ بغاة العلم”4.
وأهمّ الأسباب التي تجعل الإسلام يولي العلم هذا الاهتمام ويرفعه الى هذا المقام ارتباط العلم الوثيق بالإيمان. فالإيمان يُعتبر ثمرة من ثمرات العلم والمعرفة، ولذلك ورد عن رسول الله: “أفضلكم إيماناً أفضلكم معرفة”5. والسّؤال الذي يُطرح هنا: أيّ علم له هذه العلاقة الوثيقة بالإيمان؟

قال الإمام الكاظم: “قليل العمل من العاقل مقبول مضاعف، وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود”6.
والجواب: العلم بدين الله وبشريعته وأحكامه، وقبل ذلك العلم بالله وبصفاته وبرسوله وبالأوصياء من بعده والعلم بالمعاد والآخرة. هذا العلم هو الذي يمهّد الطريق نحو الاطمئنان والإيمان القلبي.

ومن هنا يجب أن يعي المكلّف أنّ التّقصير في تعلّم أحكام الدّين كأحكام الصّلاة والصّوم والزّكاة يستلزم نقصان الإيمان، لأنّ عدم ضبط هذه الأحكام يعني أداء صلاة ناقصة أو غير صحيحة، وكذا الحال في الصّيام وباقي فروع الدّين. ومن المعلوم أنّ الصّلاة والصّيام والزّكاة هي من أوائل ما يُسأل عنه الإنسان عند وضعه في قبره. ومن هنا نعلم كيف أنّ العلم طريق لقبول العمل. فالذي يعلم يستطيع أن يعمل ويؤدّي واجباته بشكل صحيح، وبالتالي تكون أعماله مقبولة عند الله عزّ وجلّ. ومن هنا أيضاً نفهم قول الامام الكاظم: “قليل العمل من العالم مقبول مضاعف، وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود”7.

إستنتاج

– هنالك ارتباط وثيق بين العلم والإيمان، لأنّ الإيمان ثمرة من ثمرات العلم والمعرفة.
– العلم الذي يُثمر الإيمان هو العلم بالله وبدين الله

الإخلاص شرط لقبول الأعمال

الإخلاص في العمل معناه تنقية هذا العمل من كلّ شائبة وجعله كلّه لله عزّ وجلّ. وعدم الإخلاص في العمل معناه أنّ الدّافع والمحرّك لهذا العمل أمر غير الله تعالى أو أمر شريك له تعالى. والإخلاص في العمل هو الطّريق إلى جعل الأعمال والعبادات مقبولة عند الله عزّ وجلّ. ولأهميّة الإخلاص لله عزّ وجلّ يأتي القرآن الكريم على ذكره في العبادة ويبيّن أنّه أمر واجب، وبالتالي لا قيمة لأيّ عبادة إذا لم تكن لله تعالى بشكل خالص. يقول تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾8. والإخلاص على مراتب، وعلى الإنسان المؤمن السّعي دائماً لتنقية أعماله من شوائب الشّرك مستعيناً بالله ومتوكّلاً عليه، حتّى يصل إلى تلك المرتبة التي يقول فيها النبّي: “وما بلغ عبد حقيقة الإخلاص حتّى لا يحبّ أن يُحمد على شيء من عمله لله”9.

عن الإمام الصّادق: “قال الله تعالى: أنا خير شريك، من أشرك بي في عمله لن أقبله إلّا ما كان لي خالصاً”10.

إستنتاج
– الإخلاص معناه تنقية العمل من كلّ الشوائب وجعله كاملاً لله عزّ وجلّ.
لا قيمة للعبادات والأعمال من دون الإخلاص.
– على الإنسان أن يسأل الله التوفيق للإخلاص دائماً خاصّة وأنّ الإخلاص على مراتب.

قال الإمام زين العابدين: “أربع من كنّ فيه كمل إسلامه، ومحّصت عنه ذنوبه، ولقي ربّه عزّ وجلّ وهو عنه راضٍ: من وفى لله عزّ وجلّ بما يجعل على نفسه للنّاس، وصدق لسانه مع النّاس، واستحيا من كلّ قبيح عند الله وعند النّاس، وحسن خلقه مع أهله”11.


الصـّدق والأمانة والوفاء بالعهود شروط ضروريـّة لقبول الأعمال

الصّدق رأس الإيمان وباب من أبواب الجنّة، وهو شعار الأنبياء والأوصياء ، ألا ترى كيف أنّ بعض الأنبياء كان الصّدق هو لقبهم الذي يُعرفون به، وسلاحهم في هداية أقوامهم؟ ألم يُعرف الرّسول الأكرم بلقب الصّادق الأمين؟ ألم يطلق القرآن لقب “الصدّيق” على نبيّ الله يوسف ؟
أليس من ألقاب أمير المؤمنين الصدّيق الأكبر؟ ولأهميّة الصّدق كانت عبادات الإنسان وأعماله لا قيمة لها إذا لم تكن مقرونة به. فقد ورد عن الرّسول الأكرم: “لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم وصومهم وكثرة الحجّ والمعروف وطنطنتهم بالليّل، ولكن انظروا إلى صدق الحديث وأداء الأمانة”12.

أمّا الأمانة والوفاء بالعهود فهما من الواجبات الأكيدة في الإسلام، حتّى كان التّشديد على أدائهما للبرّ والفاجر. فعن الحسين بن مصعب الهمدانيّ قال: سمعت أبا عبد الله يقول: “ثلاث لا عذر لأحد فيها: أداء الأمانة إلى البرّ والفاجر، والوفاء بالعهد للبرّ والفاجر، وبرّ الوالدين برّين كانا أو فاجرين”13. بل في روايات أخرى ما هو أعظم من ذلك، حيث يقول أمير المؤمنين: “أدّوا الأمانة ولو إلى قاتل ولد الأنبياء”14 ، ويقول النبيّ: “لا دين لمن لا عهد له”15. وتشير بعض الرّوايات إلى أن أداء الأمانة من موجبات الغنى وحلول البركة، والخيانة توجب عكس ذلك.

وفي النتيجة إذا أردت أن تتبيّن خطورة الخيانة وخلف الوعد والكذب تأمّل في الحديث التالي: عن أبي عبد الله الصّادق قال: “قال رسول الله: ثلاث من كنّ فيه كان منافقاً وإن صام وإن صلّى وزعم أنّه مسلم: من إذا ائتُمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف”16.

  • طريق المعارف، سلسلة المعارف الإسلامية ، نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

المصادر والمراجع

1- الزمر: 9.
2- الحج : 46.
3- العلق: 1 -5.
4-الكافي، الكليني، ج 1، ص 30، حديث 1.
5-ميزان الحكمة، الريشهري، ج 3، ص 1870.
6-تحف العقول، ص387
7-الكافي، الشيخ الكليني، ج1، ص17.
8- البيّنة: 5.
9-بحار الأنوار، ج67، ص243
10- ميزان الحكمة، محمّد الريشهري، ج 1، ص 757.
11-بحار الانوار،ج66،ص385
12- ميزان الحكمة، محمّد الريشهري ـ ج 2 ـ ص 1574.
13-وسائل الشيعة آل البيت، الحر العاملي، ج 19، ص 71.
114- م. ن، ص 73.
15-ميزان الحكمة، محمّد الريشهري، ج 3 ، ص 2147.
16-الكافي، الكليني، ج 2، ص 290.
17-م. ن، ج 1، ص 32.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى