لا يخافون لومة لائم

يقول الله تعالى في محكم كتابه:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾1.

رضا الله تعالى
إنّ المؤمن إذا كان هدفه وما يرمي إليه في حياته الدنيا هو كسب مرضاة الله تعالى، فإنّه من الضروريّ أن يتعارض هذا الهدف السامي مع نيل رضا الناس في بعض الحالات، فالله تعالى يريد أن يطهِّرَنا بالتوبة والرجوع إلى القيم والمبادئ والأخلاق، ويريد كثير من الناس لنا أن نتّبع الشهوات وأن نميل ميلاً عظيماً: ﴿وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا﴾2.

وإذا أراد المؤمن أن يتطهّر ويصل إلى نيل رضا الله تعالى لا بدّ أن يطبّق أحكامه تعالى من غير اجتزاء.

والمداهنة للخلق ستؤدّي إلى الاجتزاء في إجراء أحكام الله تعالى وعدم نيل المراد وهو رضا الله تعالى، ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُون﴾3.

فبعضهم ممّن ضعف إيمانه يترك تطبيق حكم الله تعالى خوفاً من ملامة الناس له، فيقدِّم مرادَ الخلق على مراد الخالق مداهنة ً، فيكون ممن أرضى الناس بسخط الله تعالى، وأرضى المخلوق بسخط الخالق!!

وهذا بالطبع لا يتطابق مع موقف المؤمن الصادق بحال من الأحوال، فالمؤمن من حزب الله من يقدّم رضا الخالق على رضا المخلوق عند التعارض بينهما..

أوّلاً: لأنه ينظر إلى العاقبة، وإلى واقع الدنيا وأنّها لا تستحقّ أيّ اعتبار لزوالها وزوال كلّ اعتباراتها فهي ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾4 ، فاعتباراتها وهميّة سرابيّة، ومنها الإحساس برضا الناس وميلهم ومحبّتهم له، فما ينفعه هذا إذا كان قد اسخط ربه عند معاينة ملك الموت، والنزول في القبر، والوقوف بين يدي الله تعالى؟!

وثانياً: لأنّه يعلم أنّه من طلب رضا الناس بسخط الله تعالى استوجب سخط الله دون أن يصل إلى مرضاة الناس، لأنّ رضا الناس غاية لا تدرك، كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام: “رضا الناس غاية لا تدرك، فتحرَّ الخير بجهدك، ولا تبالِ بسخط من يرضيه الباطل5.

ويقول الشاعر:

وما أحد من ألسن الناس سالماً
                            ولو أنّه ذات النبيّّ المطهّر
فإن كان مقداماً يقولون أهوجٌ
                            وإن كان مفضالاً يقولون مبذرُ
وإن كان سكّيتاً يقولون أبكمٌ
                          وإن كان منطيقاً يقولون مهذرُ
وإن كان صوّاماً وبالليل قائماً
                         يقولون زوّار يرائي ويمكر
فلا تكترث بالناس في المدح والثنا
                        ولا تخشَ إلّا الله والله أكبر
6.

وروي أنّ النبيّ موسى عليه السلام قال: “يا ربّ احبس عنّي ألسنة بني آدم، فإنّهم يذمّوني، وقد آذوني – وقد أشار تبارك تعالى إلى ذلك في محكم الكتاب العزيز بقوله: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾7 قيل: فأوحى الله جلّ جلاله إليه: يا موسى هذا شيء ما فعلته مع نفسي، أفتريد أن أعمله معك؟! فقال: قد رضيت أن يكون لي أسوة بك8.

فإذا كان أمر الناس هكذا كيف إذاً يطلب المؤمن العاقل رضاهم، تاركاً رضا خالقه تعالى؟! بل إنّه والحالة هذه سيشتغل بما يُرضِي ربَّه وإن تعارض مع هوى الخلق واستوجب سخطهم، فليس ذلك ممّا يهمّه:

فليتك تحلو والحـياة مريرة
                     وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الّذي بيني وبينك عامر
                      وبـيني وبين العالمـين خراب
إذا صحّ منك الودّ فالكلّ هيّن
                     وكلّ الّذي فوق التراب تراب


طلب رضا الله يكفي أمور الناس
وبالعكس من اعتقاد المداهنين المُرائين، فإنّ طالب رضا الله تعالى سيلمَس تأييد الله له عندما يؤثِر مرادَ خالقه على مراد الناس.
فعن أبي عبد الله الصادق عليه السلام، عن أبيه، عن جدّه عليه السلام قال: كَتَبَ رجل إلى الحسين بن عليّ عليه السلام: يا سيّدي أخبرني بخير الدنيا والآخرة، فكَتب إليه عليه السلام:”بسم الله الرحمن الرحيم أمّا بعد فإنّه مَن طلب رضا الله بسخط الناس كفاه الله أمور الناس، ومن طلب رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس والسلام9.

رضا الناس غاية لا تدرك
واعلم أنّ رضا الناس غاية لا تدرك، فإنّ أردت راحة الدنيا قبل الآخرة فانظر إلى رضا الله تعالى ولا تأخذ بالاً لكلام الناس، فالناس أمزجة مختلفة كلٌّ يريد ما يناسبه.

روي أنّ لقمان الحكيم قال لولده في وصيّته: “لا تعلّق قلبك برضا الناس ومدحهم وذمّهم، فإنّ ذلك لا يحصل ولو بالغ الإنسان في تحصيله بغاية قدرته، فقال ولده ما معناه: أحبّ أن أرى لذلك مثالاً أو فعالاً أو مقالاً، فقال له: أخرج أنا وأنت، فخرجا ومعهما بهيم فركبه لقمان وترك ولده يمشي وراءه فاجتازوا على قوم فقالوا: هذا شيخ قاسي القلب، قليل الرحمة، يركب هو الدابّة وهو أقوى من هذا الصبيّ، ويترك هذا الصبيّ يمشي وراءه، وإنّ هذا بئس التدبير، فقال لولده: سمعت قولهم وإنكارهم لركوبي ومشيك؟ فقال: نعم فقال: اركب أنت يا ولدي حتّى أمشي أنا، فركب ولده ومشى لقمان فاجتازوا على جماعة أخرى فقالوا: هذا بئس الوالد، وهذا بئس الولد. أما أبوه فإنّه ما أدّب هذا الصبيّ حتّى يركب الدابّة ويترك والده يمشي وراءه، والوالد أحقّ بالاحترام والركوب، وأمّا الولد فلأنّه عقّ والده بهذه الحال فكلاهما أساءا في الفعال، فقال لقمان لولده: سمعت؟ فقال: نعم، فقال: نركب معاً الدابّة فركبا معاً فاجتازوا على جماعة فقالوا: ما في قلب هذين الراكبين رحمة، ولا عندهم من الله خبر، يركبان معاً الدابّة يقطعان ظهرها، ويحملانها مالا تطيق، لو كان قد ركب واحد ومشى واحد كان أصلح وأجود، فقال: سمعت؟ فقال: نعم، فقال: هات حتّى نترك الدابّة تمشي خالية من ركوبنا، فساقا الدابّة بين أيديهما وهما يمشيان فاجتازوا على جماعة فقالوا: هذا عجيب من هذين الشخصين يتركان دابّة فارغة تمشي بغير راكب ويمشيان، وذمّوهما على ذلك كما ذمّوهما على كلّ ما كان فقال لولده: ترى في تحصيل رضاهم حيلة لمحتال، فلا تلتفت إليهم واشتغل برضا الله جلّ جلاله، ففيه شغل شاغل، وسعادة وإقبال في الدنيا ويوم الحساب والسؤال10.

مثال من يطلب رضا الناس بسخط الله
ومثال من يطلب رضا الناس بسخط الله تعالى كرجل مسجون ينتظر حكم السلطان عليه دون أن يدري ماذا سيصدر بشأنه هل الإعدام أم العفو، وكان حكم السلطان مرهوناً بتصرّفاته وأقواله في السجن. وقد وكَّل السلطان به رجلين يراقبان تصرّفاته وحركاته وسكناته وكل ما يتفوه به من منطق وكلام ويحصيانه عليه، فحياتُه رهينة لما يُنقل للسلطان من قبل المراقبين، وهو مع ذلك مشغول بتحصيل رضا من معه في السجن من المساجين وكسب مدحهم، مهموم لذمّهم وعدم ميلهم إليه، غافل، أو غير مكترث لما يصدر عنه، من أفعال، وأقوال تسخط السلطان، سينقلها إليه الحارسان قطع، وستكون محدِّدَة لما سيؤول إليه أمره، من موت أو حياة!

ماذا يحكم العقل على مثل هكذا شخص؟
هل يعتبره عاقلاً؟! بالطبع لا.

هكذا حال الإنسان في الدنيا حيث يتوق لمدح الناس، وينفر، ويتألّم، ويهتمّ، ويغتمّ من مذمّتهم، مشغولاً بذلك عمّا يُنقَل إلى سيّده ومولاه، ممّا يحدّد مصيره في دار البقاء والخلود، بل الأمر أشقّ وأدقّ من ذلك بكثير، حيث إنّ الله تعالى لم يجعل عليه فقط حافظين ما يلفظ من قول إلّا كتباه عليه، بل جعل جوارحه شاهدة عليه، بل حتّى ما يخفيه في نفسه سيعلمه الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُور﴾11.

﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّه﴾12.

فهل يبقى له أن يشتغل بغير ما يحقّق مراد خالقه، ورضاه، وإن باين مراد الخلق أجمعين؟!

فالمؤمن الموقن إذاً هو الّذي يعمل بالحقّ إذا ظفر به، وإن كثر المختلف معه والطاعن عليه، ويشتغل بشكر الله جلّ جلاله على ما هداه إليه، فإنّ الله تعالى قد مدح قوماً على هذا المقام وجلّلهم بوسام عظيم وهو نسبتهم إلى حزبه، فقال عزّ وجلّ: ﴿وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ … أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾.

أعظم مصداق لمن لا يخاف في الله لومة اللائم
انظر إلى إمامك أمير المؤمنين عليه السلام وهو أبرز مصداق لمن لا يخاف في الله لومة لائم، من قريب أو بعيد، ومن عدوّ أو صديق، انظر إليه كيف لا يراعي أحداً في إنفاذ حكم الله، ولا يخاف في إجراء حدّه لومة لائم:

روي في البحار أنّه عليه السلام أخذ رجلاً من بني أسد في حدّ، فاجتمع قومه ليكلّموه فيه، وطلبوا إلى الحسن عليه السلام أن يصحبهم. فقال الحسن عليه السلام: ائتوه (أي أمير المؤمنين) فهو أعلى بكم عين، فدخلوا على الإمام عليه السلام وسألوه. فقال عليه السلام: لا تسألوني شيئاً أملكه إلّا أعطيتكم، فخرجوا يرون أنّهم قد أنجحو، فسألهم الحسن عليه السلام فقالوا: أتينا خير مأتي، وحكوا له قوله. فقال: ما كنتم فاعلين إذا جلد صاحبكم؟ فأصغوه (أي نقصوه)، فأخرجه عليّ عليه السلام فحدَّه (أي أقام عليه الحدّ)، ثمّ قال: هذا والله لست أملكه13.

فهو عليه السلام قال لا تسألوني شيئاً أملكه إلّا أعطيتكم، ومسألة الحدّ هي بيد الله تعالى هو غير مفوَّض فيها ولا يملكه، فلو كانت له يملكها ومفوَّض فيها لأعطاهم إيّاها وأسقط الحدّ عن صاحبهم!!.

فالخلاصة: إنّ المؤمن من حزب الله القرآنيّ لا يخاف في تطبيق حكم الله تعالى ملامة اللائمين، وعذل العاذلين، فأمير المؤمنين لم يعطِّل حدّاً من حدود الله تعالى وإن خاطبه بعض محبّيه وأنصاره بما خاطبه كما مرّ وذكرن، فلا مداهنة في أمر الدِّين وإجراء أحكامه وحدوده، وبالمقابل في الأمور الّتي لا يكون فيها كذب ولا تزوير بمدح ظالم أو إعانة متعدٍّ، وليس فيها تساهل في أحكام الله تعالى، ولا تضييع لشيء من أمر الدِّين، فإنّه يكون مدارياً مجاملاً فيها.

فعن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “مداراة الناس نصف الإيمان والرفق بهم نصف العيش14.

  • اولئك حزب الله ، سلسلة الدروس الثقافية ، نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

المصادر والمراجع

1- سورة المائدة، الآية: 54.
2- سورة النساء، الآية: 27.
3- سورة القلم، الآية: 9.
4- سورة النور، الآية: 39.
5- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 2، ص 305.
6- نهج السعادة، الشيخ المحمودي، ج 8، ص 45.
7- سورة الأحزاب، الآية: 69.
8- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 68، ص 362.
9- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 68، ص 208.
10- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 68، ص 361.
11- سورة غافر، الآية: 19.
12- سورة البقرة، الآية: 284.
13- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 14، ص 9.
14- م. ن، ج 2، ص 864.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى