الحبّ في الله والبغض في الله

يقول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُون1

أفضل الأعمال
ورد عن النبيّّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: “أوثق عرى الإيمان الحبّ في الله والبغض في الله2.
وعن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنّه قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم لأصحابه: أخبروني بأوثق عرى الإسلام، فبعضهم قال: الصلاة، وبعضهم قال الزكاة، وبعضهم قال الجهاد.. فقالوا: يا رسول الله، فأخبرن، قال صلى الله عليه وآله وسلم: “الحبّ في الله والبغض في الله”3.

نقل جعفر بن أحمد القمّيّ في كتاب الغايات: عن النبيّّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: أيّ الأعمال أفضل؟ قالوا: الصلاة. فقال: “إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وما هي بالصلاة”. قالوا: الزكاة. قال: “إنّ الزكاة تمحيص، وما هي بالزكاة”. قالوا: الحجّ. قال: “إنّ الحجّ كفارة، وما هو بالحجّ“.

قالوا: الجهاد. قال: “إنّ الجهاد جُنَّة، وما هو بالجهاد“. قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: “الحبّ في الله والبغض في الله4.

هل الدِّين إلّا الحبّ؟!
عن بريد بن معاوية العجليّ قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام، إذ دخل عليه قادم من خراسان ماشي، فأخرج رجليه وقد تفلقتا (تشقّقتا) وقال: أما والله ما جاءني من حيث جئت إلّا حبّكم أهل البيت، فقال أبو جعفر عليه السلام: “والله لو أحبّنا حجرٌ حشره الله معن، وهل الدِّين إلّا الحبّ!؟ إنّ الله يقول: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ5 وقال: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ6 وهل الدِّين إلّا الحبّ!7.

وعن ربعيّ بن عبد الله قال: قيل لأبي عبد الله عليه السلام: إنَّا نسمِّي بأسمائكم وأسماء آبائكم، فينفعنا ذلك؟ فقال عليه السلام: “إي والله، وهل الدِّين إلّا الحبّ؟ ” قال الله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ8.

وروي: “أنّ الله تعالى قال لنبيّه موسى عليه السلام: هل عملت لي عملاً قطّ؟ قال: صلّيت لك وصمت وتصدّقت. قال الله تبارك وتعالى له: أمّا الصلاة فلك برهان، والصوم جنّة، والصدقة ظلّ، والزكاة نور، فأيّ عمل عملت لي؟ قال موسى عليه السلام: دلّني على العمل الّذي هو لك. قال: يا موسى، هل واليت لي ولياً؟ فعلم موسى أنّ أفضل الأعمال الحبّ في الله والبغض في الله9.

الدرجة العظيمة في الآخرة للمتحابّين في الله
عن النبيّّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: “إنّ من عباد الله لأُناساً ما هم بأنبياء ولا شهداء لمكانهم من الله، فقيل: من هم يا رسول الله؟ قال: الّذين يتحابّون بروح الله من غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطون بينهم، وإنّ على وجوههم لنور، وإنّهم لعلى منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزنو، ثمّ تلا هذه الآية: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ10

غاية الإيمان
قال أمير المؤمنين عليه السلام: “غاية الإيمان الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والتباذل في الله..11.
وقال عليه السلام: “من أعطى في الله، ومنع في الله، وأحبّ في الله، وأبغض في الله، فقد استكمل الإيمان12.

المؤمن من حزب الله يحبّ في الله، ويوالي في الله
فالقرآن الكريم يصف المؤمنين الّذين هم حزبه وأنصاره بقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.أي لا يوالون من خالف الله ورسوله وإن قربت لحمتهم، لأنّ ولايتهم ومحبّتهم لله وفي الله تعالى، فلا تجتمع مع موالاة الكفّار ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُم﴾ أي حتّى وإن كانوا أقرب الناس، فإنّهم لا يوالونهم إذا خالفوهم في الدِّين وكانوا محادّين لله ورسوله. فعن إمامنا الباقر عليه السلام:”من كان لله مطيعاً فهو لنا وليّ، ومن كان لله عاصياً فهو لنا عدوّ، وما تُنال ولايتنا إلّا بالعمل والورع13.

فالمقياس لدى المؤمن من حزب الله في حبّه وبغضه، وولايته وعداوته، هو رضا الله تعالى وطاعته، وليس القرابة والنسب، ولا القبيلة والعائلة، ولا العنصر والعرق.

فمهما كانت الظروف لا يوالي أعداء الله، ولا الفاسقين الفجّار، بخلاف ما روي عمّا حصل مع حاطب بن بلتعة، حيث ورد أنّ الآية المذكورة14 نزلت فيه، فرويَ أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمّا أراد أن يصير إلى مكّة، قال: “اللّهمّ أخفِ العيون والأخبار على قريش، حتّى نبغتها في دارها“. وكان عيال حاطب بمكّة، فبلّغ قريشاً ذلك فخافوا خوفاً شديداً، فقالوا لعيال حاطب اكتبوا إلى حاطب ليعلمنا خبر محمّد صلى الله عليه وآله وسلم فإنّ أرادنا لنحذره، فكتب حاطب إليهم أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يريدكم، ودفع الكتاب إلى امرأة فوضعته في قرونها. فنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأعلمه الله ذلك، فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أميرَ المؤمنين عليه السلام والزبير بن العوّام، فلحقاها بعسفان ففتّشاها فلم يجدا معها شيئ، فقال الزبير: ما نجد معها شيئاً فقال أمير المؤمنين عليه السلام: “والله ما كذبني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا كذب جبرئيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لتظهرنّ الكتاب“.

وفي رواية:”قال عليّ عليه السلام: والله ما كذبنا ولا كذّبن، وسلّ سيفه وقال: أخرجي الكتاب وإلّا والله لأضربنّ عنقك، فأخرجته من عقيصتها فردّه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم”. فقال رسول الله لحاطب: “ما هذا؟” فقال: يا رسول الله، والله ما غيّرت ولا بدّلت، ولا نافقت، ولكن عيالي كتبوا إليّ فأحببت أن أداري قريشاً ليحسنوا معاش عيالي ويرفقوا بهم15.

وفي رواية: “أحببت أن أتّخذ عندهم بكتابي إليهم مودّة، ليدفعوا عن أهلي بذلك” فنزلت الآية.

حقيقة الحبّ في الله
لا بدّ من تسليط الضوء على معنى الحبّ في الله كي يتّضح هذا المفهوم بما لا شبهة فيه ولا إجمال، ويتّضح بالمقابل معنى البغض في الله.

فالحبّ في الله يتحقّق في عدّة صور ولعدّة أسباب
الأوّل: أن تحبّ شخصاً في الله لكونه قريباً من الله تعالى ومنسوباً إليه، ففي الدعاء: “اللّهم ارزقني حبّك وحبّ من يحبّك“.
وكلّما كان تدرّجُهُ في القرب من الله وترقّيه في طاعته أكثر كان حبُّك له في الله أعظم، إلى أن يصل الأمر إلى حبِّ الأنبياء والأئمّة عليهم السلام، والأولياء، فإنّه حبٌّ عظيم قد لا تستوعبه بعض النفوس والعقول، فإنّه حبّ أكبر من حبّ النفس والذرّية والولد!!

ففي الرواية عن النبيّّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “لا يؤمن عبدٌ حتّى أكون أحبَّ إليه من نفسه، وأهلي أحبّ إليه من أهله، وعترتي أحبّ إليه من عترته، وذاتي أحبّ إليه من ذاته16.

الثاني: أن تُحبّ من يكون معيناً لك على قربك من ربّك، فإذا أحببت المؤمن لأنّه يساعدك في إنفاذ الأعمال الخيرية مثلاً الّتي فيها لله رض، كتوزيع المعروف على الفقراء، أو في إحياء الشعائر الإلهية، وإقامة المراسم لترويج الدِّين والشريعة المقدّسة بتهيئة مقدّماتها من مال أو تجهيز، ويسعى في إنجاحها وقوّة تأثيرها في المؤمنين وإيصالها إلى أهدافها. فحبّك لهذا الشخص حبّ في الله لأنّه يساعدك ويعينك على القرب من الله تعالى.

الثالث: كلّ من يعينك في رفع حوائجك الدنيوية الّتي لا بدّ منه، كالمسكن والغذاء والملبس إذا كان يفرِّغُكَ بذلك لطاعة الله تعالى من عبادة، وعلم، وعمل بحيث يكون قد قطع عن نفسك تلك العلائق والاهتمام به، فإنّها تؤدّي إلى صرف الهمّة عن ذلك كلّه، وخاصّة فيما يتعلّق بتحصيل العلم، حيث يحتاج إلى خلوّ الذهن من الشواغل:”اللّهم.. واكفني ما يشغلني الاهتمام به، واستعملني بما تسألني غداً عنه، واستفرغ أيّامي فيما خلقتني له“.

حبّ الزوجة قد يكون في الله، إذا كانت النيّة أنّها عنصر مساعد للقرب من الله تعالى، حيث إنّها تكون أنس، وسكن، ومستراحاً يأنس بها الزوج، وترجع نفسُه من خلالها إلى الراحة والدّعة، بعد الخوض في شؤون الحياة وضغوطاته، لتستجمّ بعد ذلك مجدّدة نشاطها عائدة من جديد إلى ميدان الجدّ، وحقل النتاج والعمل.

وهي سبب للقرب من الله أيض، لأنّه بوسيلتها يعفّ نفسه وبصره عن الحرام، ويدفع الخيالات والأوهام عن داخله، الّتي هي بمثابة الحجب المانعة له من العروج في سماء المعرفة، وصفاء الروح، أضف إلى ذلك ما تقوم به الزوجة من قضاء حوائج الزوج، وتهيئة أموره، من مطعم وملبس وغيره، فإنّه أدعى للتفرّغ للطاعة، والعبادة، وطلب العلم.

وقس على ذلك كلّ الأمور المماثلة، فإنّ الحبّ في موردها سيكون حبّاً في الله تعالى، لأنّه حبّ لمن يرفع عوائق طيّ طريق التكامل من أمامك، لتصل إلى شاطئ محبّة الله تعالى ورضاه.

البغض في الله
أمّا البغض في الله، فهو أن يبغضَ المؤمنُ إنساناً لأجل عصيانه لله ومخالفته لإرادته تعالى، فإنّ من يحبّ في الله لا بدّ وأن يبغض في الله، فإنّك إن أحببت إنساناً لأنّه مطيع لله ومحبوب عنده، لا بدّ في المقابل أنّك ستُبغِضُ من يعصيه ويكون ممقوتاً عنده، ومبغوضاً لديه، ورد عن النبيّ عيسى عليه السلام: “تحبّبوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، وتقرّبوا إلى الله بالتباعد منهم، والتمسوا رضاه بسخطهم17.

روي أنّ الله أوحى إلى بعض عبّاد بني إسرائيل وقد دخل قلبه شيء: “أمّا عبادتك لي فقد تعزّزت بي، وأمّا زهدك في الدنيا فقد تعجّلت الراحة، فهل واليت لي وليّاً أو عاديت لي عدوّاً؟18.

ثمّ للمعصية درجات مختلفة، فإنّها قد تكون بالاعتقاد، كالكفر والشرك والبدعة، وقد تكون بالقول والفعل. ولأنّ الكفر والشرك هما الظلم العظيم ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ19 فإنّ البغضَ في الله للكافر المشرك أعظمُ بُغض.

وأما المَعاصي في القول والفعل من المسلم فإنّ منها الكبير، ومنها الأكبر، ومنها الصغير، وقد يكون العبد مبتلىً بشيء واحد منه، وقد يكون مصرّاً على أكثر من ذنب، وقد يكون مستتراً وقد يكون متجاهراً..

فإنّ البغض في الله تعالى لمن يقيم على معاصيه يكون بحسب تلك المعاصي الّتي يصرّ عليها، ويجاهر فيها، ويبارز الله به، كمّاً وكيفاً.

  • اولئك حزب الله ، سلسلة الدروس الثقافية ، نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

المصادر والمراجع

1- سورة المجادلة،الآية22
2- مستدرك الوسائل، الميرزا النوري، ج 12، ص 219.
3- م. ن، ج 12، ص 221.
4- م. ن، ج 12، ص 221.
5- سورة آل عمران، الآية: 31.
6- سورة الحشر، الآية: 9.
7- مستدرك الوسائل، الميرزا النوري، ج 12، ص 219.
8- م. ن، ج 12، ص 219.
9- م.ن، ج 12، ص 220.
10- مستدرك الوسائل، الميرزا النوري، ج12، ص224.
11- غرر الحكم، الآمدي، ج 2، ص 505.
12- م.ن، ج 2، ص 706.
13- الكافي، الشيخ الكليني، ج 2، ص 75.
14- ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَاالْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾سورة المجادلة، الآية: 22.
15- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 98، ص 69.
16- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 72، ص 76.
17- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج14،ص330.
18- م. ن، ج27، ص57.
19- سورة لقمان، الآية: 13.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى