نظرة حول سورة براءة – القسم الأول

المقدمة

هذا حديث موجز حول سورة براءة وما تضمنته آياتها من مواضيع مهمَّة، وتعتبر مرحلة مهمَّة من مراحل الإسلام العظيم، حيث إنّها احتوت على آيات كثيرة تتحدّث عن قتال المشركين، وعن نقض العهد الذي كان بينهم وبين النبي (صلّى الله عليه وآله)، وأنّه حان الوقت لتطهير الأرض الإسلامية من رجس المشركين، وهذا قد حصل في السنة التاسعة للهجرة وبعد عام واحد من فتح مكة المكرمة.

وكذلك تتحدث السورة في كثير من آياتها عن المنافقين، وقد أظهرت ما في صدورهم من نفاق ففضحتهم؛ ولذلك سميت بالفاضحة.

ونقسم الحديث إلى قسمين؛ نتحدث في القسم الأول عن ظروف نزول الآية وتبليغها إلى مشركي مكة لإعلان البراءة منهم، وعن الآيات التي نزلت حاثّة على قتالهم.

وسيأتي القسم الثاني -إن شاء الله تعالى- ونتحدّث فيه عن المنافقين، والآيات النازلة فيهم، وعن تقاعسهم عن القتال. فإليكم القسم الأول:

آخر ما نزل من القرآن الكريم:

ورد من طرقنا عن الإمام الجواد (عليه السلام) وكذلك من طرق العامة أنَّ آخر سورة نزلت هي سورة النصر(1). ومن المعروف عندنا أنَّ آخر آية نزلت هي آية إكمال الدين من سورة المائدة، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «كان القرآن ينسخ بعضه بعضا، وإنّما كان يؤخذ من أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بآخره، فكان من آخر ما نزل عليه سورة المائدة، فنسخت ما قبلها ولم ينسخها شيء»(2). وورد من طرق العامة أيضاً عن عائشة وابن عمر أنَّ سورة المائدة هي آخر سورة نزلت(3).

ولكن روي عن ابن عباس أنَّ المائدة نزلت قبل سورة براءة(4)، وفي البخاري عن البراء قال: “آخر سورة نزلت كاملة براءة، وآخر سورة نزلت خاتمة سورة النساء {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ}“(5)، ونقل العلامة الحلي عن أبي حنيفة ذلك أيضاً(6).

وقد يكون المقصود أنَّ سورة النصر آخر سورة نزلت دفعة واحدة، وأمّا المائدة وبراءة فقد يكون نزولهما في فترة متقاربة بحيث نزلت بعض الآيات من كليهما في عرض واحد، واكتملت براءة ثم تمّت المائدة، والله العالم.

زمن نزول السورة:

وعلى كلِّ حال، فإنَّ سورة براءة إنْ لم تكن آخر سورة نزلت، فلا شكَّ في أنَّها من آخر السور التي نزلت، فهي قبل سورتي المائدة والنصر، وقد نزلت بعد فتح مكة، فعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «كان الفتح في سنة ثمان، وبرائة في سنة تسع، وحجة الوداع في سنة عشر»(7).

وعنه (عليه السلام) أيضا: «نزلت هذه الآية بعد ما رجع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من غزوة تبوك في سنة تسع من الهجرة»(8)، إذاً فهذه السورة نزلت أواخر حياة النبي (صلّى الله عليه وآله) وبعدما قوي الإسلام وتمدّد في أطراف الجزيرة، والمهمّ في البحث كما سيأتي هو تأسيس مرحلة جديدة من خلال ما جاء في هذه السورة المباركة.

ترك البسملة

سورة براءة هي السورة الوحيدة التي خلت من البسملة، وروي أنّه سئل علي بن أبي طالب (عليه السلام): “لمَ لمْ تكتب في براءة بسم الله الرحمن الرحيم، قال: «لأنَّ بسم الله الرحمن الرحيم أمان، وبراءة نزلت بالسيف ليس فيها أمان»”(9)، وقال ابن حجر في سبب ترك البسملة: “واختلف في ترك البسملة أولها، فقيل: لأنَّها نزلت بالسيف والبسملة أمان، وقيل: لأنّهم لمّا جمعوا القرآن شكّوا هل هي والأنفال واحدة أو ثنتان ففصلوا بينهما بسطر لا كتابة فيه، ولم يكتبوا فيه البسملة، روى ذلك ابن عباس عن عثمان، وهو المعتمد وأخرجه أحمد والحاكم وبعض أصحاب السنن”(10).

ولعلّه لأجل ذلك اختلف في كونها سورة مستقلة أو أنّها والأنفال سورة واحدة، قال في الميزان: “وقد اختلفوا في كونها سورة مستقلة أو جزء من سورة الأنفال، واختلاف المفسرين في ذلك ينتهى إلى اختلاف الصحابة ثم التابعين فيه، وقد اختلف في ذلك الحديث عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، غير أنَّ الأرجح بحسب الصناعة ما يدلّ من حديثهم على أنَّها ملحقة بسورة الأنفال”(11). وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «الأنفال والبراءة واحد»(12)، ووردت روايات عديدة تقرن السورتين معاً في أثر القراءة والثواب، منها ما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه يقول: «من قرأ سورة الأنفال وسورة البراءة في كلِّ شهر لم يدخله نفاق أبداً، وكان من شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام«((13)، والله العالم.

أسمائها

ذكر في مجمع البيان أنَّ: «أسماؤها عشرة:

(براءة): سمّيت بذلك؛ لأنَّها مفتتحة بها، ونزلت بإظهار البراءة من الكفار.

(التوبة): سمّيت بذلك؛ لكثرة ما فيها من التوبة.

(الفاضحة): وسمّيت بذلك؛ لأنّها فضحت المنافقين بإظهار نفاقهم.

(المبعثرة): عن ابن عباس؛ لأنّها تبعثر عن أسرار المنافقين، أي تبحث عنها.

(المقشقشة): عن ابن عباس سماها بذلك؛ لأنّها تبرّئ من آمن بها من النفاق والشرك؛ لما فيها من الدعاء إلى الإخلاص.

(البحوث): عن أبي أيوب الأنصاري سماها بذلك؛ لأنّها تتضمَّن ذكر المنافقين، والبحث عن سرائرهم.

(المدمدمة): أي المهلكة.

(الحافرة). لأنَّها حفرت عن قلوب المنافقين ما كانوا يسترونه.

(المثيرة): عن قتادة؛ لأنّها أثارت مخازيهم ومقابحهم.

(سورة العذاب): عن حذيفة بن اليمان؛ لأنّها نزلت بعذاب الكفار.

وروى عاصم بن زر بن حبيش، عن حذيفة، قال: يسمونها سورة التوبة، وهي سورة العذاب، فهذه عشرة أسماء»(14)، ونلاحظ أنَّ أغلب الأسماء ناظرة إلى المنافقين وفضحهم، وهذا ما سيأتي إن شاء الله تعالى في القسم الثاني.

تبيلغ سورة براءة:

إنَّ قصة تبليغ هذه السورة تحتوي على معانٍ كثيرة مهمّة فيما نتكلم فيه من المرحلة الجديدة التي بدأت بعد نزولها، ومن المهمِّ جداً التمعّن في مضمون الرسالة التي أراد النبي (صلّى الله عليه وآله) أن يوصلها للمشركين، ولكون هذه الرسالة تؤسّس لمرحلة جديدة، ولكونها أيضاً امتداداً لهدف البعثة المحمدية المباركة من تثبيت التوحيد ونبذ عبادة الأوثان؛ حيث إنّها لا تختلف عما بدأ به النبي (صلّى الله عليه وآله) بداية البعثة من حيث الهدف، بل يمكن القول أنّ الهدف يتحقّق ويكتمل إلى حدِّ كبير بتبليغ هذه الرسالة، لأجل كلِّ ذلك كان الشخصُ الذي يقوم بوظيفة إيصال الرسالة لا بدّ من أن يمثِّل النبي (صلّى الله عليه وآله) تمثيلاً شخصياً وعلى نحو الحقيقة، وليس مجرّد واسطة رسمية لإيصالها كما يحصل للحكام والملوك الذين يبعثون الرسل لإيصال رسالاتهم من دون أن يكون الرسول ممثلاً شخصياً، ولا يبعثون الممثل الشخصي إلا إذا كانت المهمّة خطيرة ترتبط بأساس الدولة ومصيرها. ومن هنا كان اختيار هذا الشخص إنّما هو من قبل الله تعالى كما سنرى في النصوص والأخبار.

من بلّغ سورة براءة؟

اتفّق الجميعُ على أنَّ الذي بلّغ سورة براءة هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وورد أنَّ النبي (صلّى الله عليه وآله) أرسل في البداية أبا بكر فنزل الوحي أن يردّه ويبعث مكانه علياً (عليه السلام)، وأنَّ الأمر نزل من السماء، وتواترت الروايات في ذلك من الفريقين وإن اختلفت في بعض التفاصيل الجزئية، وننقل بعض هذه النصوص حتى تكون الصورة واضحة:

ففي تفسير القمي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «لمَّا نزلت الآيات من أوّل براءة دفعها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى أبي بكر وأمره أن يخرج إلى مكة ويقرأها على الناس بمنى يوم النحر، فلمّا خرج أبو بكر نزل جبرئيل على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: يا محمد لا يؤدّي عنك إلا رجل منك، فبعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أمير المؤمنين (عليه السلام) في طلبه فلحقه بالروحاء فأخذ منه الآيات، فرجع أبو بكر إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله أأنزل الله فيَّ شيء؟ قال: لا، إنَّ الله أمرني أن لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل منّي»(15).

وفي تفسير العياشي: “عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعث أبا بكر مع براءة إلى الموسم ليقرأها على النّاس، فنزل جبرئيل فقال: لا يبلّغ عنك إلا علي، فدعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) علياً فأمره أن يركب ناقته العضباء، وأمره أن يلحق أبا بكر فيأخذ منه براءة ويقرأه على الناس بمكة، فقال أبو بكر: أسخطة؟ فقال: لا، إلا أنّه أنزل عليه لا يبلّغ إلا رجل منك»”(16).

وفي تفسير نور الثقلين: “عن الحارث بن ثعلبة قال: قلت لسعد: أشهدت شيئاً من مناقب علي (عليه السلام)؟ قال: نعم شهدت له أربع مناقب، والخامسة شهدتها لَإنْ يكون لي منهن واحدة أحبّ إليّ من حمر النعم، بعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أبا بكر ببراءة ثمَّ أرسل علياً (عليه السلام) فأخذها منه، فرجع أبو بكر فقال: يا رسول الله أنزل فيَّ شيء؟ قال: «لا، إلا أنّه لا يبلغ عني إلا رجل مني»”(17)، وفي كلام سعد هذا ردّ على من أراد نفي كون هذه فضيلة لأمير المؤمنين (عليه السلام).

ومن طرق العامة: عن سعد بن أبي وقاص: “إنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعث أبا بكر بالبراءة، ثمَّ بعث علياً فأخذها منه، فرجع أبو بكر كابتا فقال: يا رسول الله فقال: «لا يؤدي عني إلا رجل مني»”(18).

وعن أنس قال: “بعث النبي (صلّى الله عليه وآله) ببراءة مع أبي بكر، ثم دعاه فقال: «لا ينبغي أن يبلّغ هذا عني إلا رجل من أهلي» فدعا علياً فأعطاه إياه”(19).

وقال ابن شهر آشوب في المناقب: «ولاّه (أي: علياً (عليه السلام)) رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله) في أداء سورة براءة وعزل به أبا بكر بإجماع المفسرين ونقلة الأخبار، رواه الطبري والبلاذري والترمذي والواقدي والشعبي والسدي والثعلبي والواحدي والقرطي والقشيري والسمعاني وأحمد بن حنبل وابن بطة ومحمد بن إسحاق وأبو يعلى الموصلي والأعمش وسماك بن حرب في كتبهم عن عروة بن الزبير وأبي هريرة وأنس وأبي رافع وزيد بن نقيع وابن عمر وابن عباس واللفظ له: أنَّه لما نزل براءة من الله ورسوله إلى تسع آيات أنفذ النبي أبا بكر إلى مكة لأدائها فنزل جبرئيل فقال: «أنه لا يؤديها إلا أنت أو رجل منك»، فقال النبي لأمير المؤمنين: «اركب ناقتي العضباء والحق أبا بكر وخذ براءة من يده»، قال: ولما رجع أبو بكر إلى النبي جزع، وقال: يا رسول الله إنّك أهلتني لأمر طالت الأعناق فيه فلمّا توجهت له رددتني عنه، فقال (صلّى الله عليه وآله): «الأمين هبط إليّ عن الله تعالى أنّه لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك، وعلي مني ولا يؤدي عني إلا علي»”(20). وغيرها من الروايات الكثيرة.

طائفة ثانية من الروايات

وفي مقابل هذه الروايات بعضُ الأخبار التي تنفي إرسال أبي بكر، منها ما عن إمامنا الباقر (عليه السلام) قال: «لا والله ما بعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أبا بكر ببراءة، أهو كان يبعث بها معه ثم يأخذها منه؟! ولكنَّه استعمله على الموسم، وبعث بها علياً بعدما فصل أبو بكر عن الموسم، فقال لعلي حين بعثه: إنِّه لا يؤدي عني إلا أنا وأنت»(21). ويؤيد ذلك ما نقله ابن حجر فقال: “وقد ذكر ابن إسحاق بإسناد مرسل قال: نزلت براءة وقد بعث النبي (صلّى الله عليه وآله) علياً على الحج، فقيل: لو بعثت بها إلى أبي بكر، فقال: «لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي» ثمَّ دعا علياً، فقال: «أخرج بصدر براءة وأذّن في النّاس يوم النحر بمنى إذا اجتمعوا» فذكر الحديث”(22)، وروى الهيثمي: “عن ابن عباس أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) استعمل أبا بكر على الحج، ثمَّ وجّه ببراءة مع علي”(23)، وذكر السيوطي في الدرِّ المنثور أنّه: “أخرج إسحاق بن راهويه والدارمي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن جابر›: أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) بعث أبا بكر على الحج، ثمَّ أرسل علياً› ببراءة فقرأها على النّاس في موقف الحجّ حتى ختمها”(24)، وذكر روايات أخرى بنفس المضمون فراجع.

طائفة ثالثة من الروايات

وهناك طائفة ثالثة شاذّة من طرق العامة تذكر أنَّ النبي (صلّى الله عليه وآله) بعث علياً (عليه السلام) مع أبي بكر، وبعضها لا تذكر إلا بعْث أبي بكر؟!! وهذه الروايات مخالفة لما تواترت عليه الروايات من إرسال علي (عليه السلام) وحده وإرجاع أبي بكر بأمر من السماء.

خشْيته من نزول شيء فيه

والنصوص المتقدمة وغيرها تذكر خوف أبي بكر من ذلك ووجله الشديد، وبألفاظ عديدة منها:

“فرجع أبو بكر إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله أأنزل الله فيَّ شيء؟”.

ومنها: “فقال أبو بكر: أسخطة؟”.

ومنها: “فرجع أبو بكر كابتا”.

ومنها: “ولما رجع أبو بكر إلى النبي جزع”.

ومنها: “فأتى أبو بكر النبيS وقد دخله من ذلك مخافة أن يكون قد أنزل فيه شيء”.

لا يبلّغ عنك إلا علي

وما ورد في الأحاديث المتقدمة وغيرها من تعليل إرسال علي (عليه السلام) بدل أبي بكر يدلّ على ما ذكرناه من كون المهمّة خطيرة ومرتبطة بالرسالة، فقد ورد تارة على لسان جبرائيل (عليه السلام)، وتارة ابتداء من النبي (صلّى الله عليه وآله)، فقد ورد أنَّه «نزل جبرئيل على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: يا محمد لا يؤدي عنك إلا رجل منك،» و«فنزل جبرئيل فقال: لا يبلغ عنك إلا علي».

و«إنَّ الله أمرني أن لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل منّي»، و«إلا أنه لا يبلغ عني إلا رجل مني»، و«لا يؤدي عني إلا رجل مني»، و«إنِّه لا يؤدي عني إلا أنا وأنت» و«أبى الله أن يبلّغ عن محمد إلا رجل منه»(25)، وغيرها من التعابير.

والمهمَّ فيها هو دلالتها على التدخّل الإلهي في مسألة تبليغ سورة براءة إلى المشركين، مما يدلّ على خطورة المسألة وأهميتها(26)، وقد حاول البعض كابن كثير تبسيط هذه المسألة وأن السبب في بعث علي (عليه السلام) إنّما هو بسبب أن عادة العرب في نقض العهود أنّهم لا يبعثون لنقض العهد إلا عاقدُه أو رجلٌ من أهل بيته، وكذلك صاحب تفسير المنار، وقد أجاب عن هذه السخافات صاحبُ الميزان أحسن جواب(27).

صعوبة المهمة على لسان الأمير (عليه السلام)

ويبيّن أميرُ المؤمنين (عليه السلام) نفسُه صعوبة الأمر وخطورته، وأنّ المسألة ليست مجرد إرسال رسالة، فيقول (عليه السلام) في حديثه مع اليهودي: «وأما السابعة يا أخا اليهود؛ فإنّ رسول لله (صلّى الله عليه وآله) لمّا توجه لفتح مكة أحبّ أن يعذر إليهم ويدعوهم إلى الله (عزَّ وجلَّ) آخراً كما دعاهم أولا؛ فكتب إليهم كتابا يحذّرهم فيه، وينذرهم عذاب الله، ويعدهم الصفح، ويمنيهم مغفرة ربهم، ونسخ لهم في آخره سورة براءة ليقرأها عليهم، ثمّ عرض على جميع أصحابه المضي به فكلّهم يرى التثاقل فيه، فلمّا رأى ذلك ندب منهم رجلاً فوجّهه به، فأتاه جبرئيل فقال: يا محمد لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك، فأنبأني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بذلك ووجهني بكتابه ورسالته إلى أهل مكة، فأتيت مكة وأهلها من قد عرفتم ليس منهم أحد إلا ولو قُدِّر أن يضع على كل جبل مني إربا لفعل، ولو أن يبذل في ذلك نفسه وأهله وولده وماله، فبلغتهم رسالة النبي (صلّى الله عليه وآله) وقرأت عليهم كتابه، فكلّهم يلقاني بالتهدد والوعيد ويبدى لي البغضاء، ويظهر الشحناء من رجالهم ونسائهم، فكان منّي في ذلك ما قد رأيتم»(28).

انظروا إلى فعل أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقارنوه بما رواه الطبري في تاريخه في حوادث سنة ست من الهجرة عن عكرمة “أنَّ قريشاً بعثوا أربعين رجلاً منهم أو خمسين رجلاً وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ليصيبوا لهم من أصحابه فأخذوا أخذاً، فأتى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فعفا عنهم وخلّى سبيلهم وقد كانوا رموا في عسكر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالحجارة والنبل، ثم دعا النبي (صلّى الله عليه وآله) عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة فيبلّغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال: يا رسول الله، إنّي أخاف قريشاً على نفسي، وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها، ولكني أدلّك على رجل هو أعزّ بها مني عثمان بن عفان، فدعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عثمان فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنّه لم يأت لحرب وإنّما جاء زائراً لهذا البيت معظماً لحرمته، فخرج عثمان إلى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها فنزل عن دابته فحمله بين يديه ثم ردفه وأجاره حين بلّغ رسالة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)”(29).

مضمون ما بلّغه أمير المؤمنين (عليه السلام)

بعد فتح مكة سنة ثمان من الهجرة، سمح النبي (صلّى الله عليه وآله) للمشركين تلك السنة بالحج وهو ممّا يدلّ على بقاء بعض المشركين على شركهم، ولكن في هذه السنة (التاسعة) بدأت مرحلة جديدة من التعامل مع المشركين، حيث لا توجد عندهم فرصة إلا بمقدار أربعة أشهر كما في أول آيتين من السورة: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ}.

عن إمامنا الصادق (عليه السلام): «وكانت سيرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قبل نزول سورة براءة أنْ لا يقاتل إلا من قاتله، ولا يحارب إلا من حاربه وأراده، وقد كان أنزل عليه في ذلك {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا}(30)، فكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لا يقاتل أحدا قد تنحّى عنه واعتزله، حتى نزلت عليه سورة براءة وأمره بقتل المشركين من اعتزله ومن لم يعتزله، إلا الذين قد عاهدهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوم فتح مكة إلى مدة: منهم صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو فقال الله (عزَّ وجلَّ): {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} ثم يقتلون حيثما وجدوا بعد»(31).

وهذا أحد المضامين المهمَّة التي بلّغها علي (عليه السلام)، ونقل أنَّه (عليه السلام) جاء بأربع كلمات، فعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «خطب عليٌّ (عليه السلام) الناس واخترط سيفه فقال: «لا يطوفن بالبيت عريان، ولا يحجن البيت مشرك، ومن كانت له مدة فهو إلى مدته، ومن لم تكن له مدة فمدته أربعة أشهر». وروي أنّه (عليه السلام) قام عند جمرة العقبة وقال: «يا أيها الناس! إنّي رسول رسول الله إليكم بأن لا يدخل البيت كافر، ولا يحج البيت مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عهد عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فله عهده إلى أربعة أشهر، ومن لا عهد له فله مدة بقية الأشهر الحرم»، وقرأ عليهم سورة براءة»(32).

وفي حديث آخر عن الإمام الصادق (عليه السلام): «وكان يطوف في الناس ومعه السيف، فيقول: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ}، فلا يطوف بالبيت عريان بعد هذا ولا مشرك، فمن فعل فإنَّ معاتبتنا إياه بالسيف»(33)، وهذا يعني أنَّ المعركة لا بدَّ أن تحسم ولو بالقوة وإعمال السيف في المشركين، والآيات تصرِّح بذلك فتقول: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، ولكن مع ذلك {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ}، فاستعمال السيف ليس لمجرد الانتقام بل لإخراج المشركين من الضلالة إلى الهدى.

انتظار النبي (صلّى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام)

وينقل المجلسي بعض تفاصيل ما قام به علي (عليه السلام) وانتظار النبي (صلّى الله عليه وآله) له واغتمامه من تأخره، فروي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه: «فانطلق علي (عليه السلام) حتى قدم مكة، ثم وافى عرفات، ثم رجع إلى جمع، ثم إلى منى، ثم ذبح وحلق، وصعد على الجبل المشرّف المعروف بالشعب فأذّن ثلاث مرات: ألا تسمعون يا أيها الناس إنّي رسول رسول الله إليكم؟ ثم قال: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ * وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} إلى قوله: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} تسع آيات من أولها، ثم لمع بسيفه، فأسمع الناس وكرّرها، فقال النّاس: “من هذا الذي ينادي في الناس؟ فقالوا: علي بن أبي طالب، وقال من عرفه من الناس: هذا ابن عم محمد، وما كان ليجترئ على هذا غيرُ عشيرة محمد”، فأقام أيام التشريق ثلاثة ينادي بذلك ويقرأ على الناس غدوة وعشية، فناداه الناس من المشركين: “أبلغ ابن عمك أن ليس له عندنا إلا ضربا بالسيف وطعنا بالرماح”، ثمّ انصرف علي (عليه السلام) إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) يقصد في السير، وأبطأ الوحي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في أمر علي (عليه السلام) وما كان منه، فاغتمَّ النبي (صلّى الله عليه وآله) لذلك غمّاً شديداً حتى رئي ذلك في وجهه، وكفَّ عن النساء من الهم والغم، فقال بعضهم لبعض: لعلَّه قد نعيت إليه نفسه، أو عرض له مرض، فقالوا لأبي ذر: قد نعلم منزلتك من رسول الله، وقد ترى ما به، فنحن نحب أن تعلم لنا أمره، فسأل أبو ذر النبي (صلّى الله عليه وآله) عن ذلك، فقال النبي (صلّى الله عليه وآله): ما نعيت إليَّ نفسي، وإنّي لميّت، وما وجدت في أمتي إلا خيراً، وما بي من مرض، ولكن من شدّة وجدي بعلي بن أبي طالب (عليه السلام) وإبطاء الوحي عني في أمره، فإنَّ الله (عزَّ وجلَّ) قد أعطاني في علي (عليه السلام) تسع خصال: ثلاثة لدنياي، واثنتان لآخرتي واثنتان أنا منهما آمن، واثنتان أنا منهما خائف، وقد كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذا صلّى الغداة استقبل القبلة بوجهه إلى طلوع الشمس يذكر الله (عزَّ وجلَّ)، ويتقدّم علي بن أبي طالب (عليه السلام) خلف النبي (صلّى الله عليه وآله) ويستقبل الناس بوجهه فيستأذنون في حوائجهم، وبذلك أمرهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فلمَّا توجّه علي (عليه السلام) إلى ذلك الوجه لم يجعل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مكان علي لأحد، وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذا صلّى وسلّم استقبل الناس بوجهه، فأذن للناس. فقام أبو ذر فقال: يا رسول الله لي حاجة، قال: انطلق في حاجتك. فخرج أبو ذر من المدينة يستقبل علي بن أبي طالب (عليه السلام) فلما كان ببعض الطريق إذا هو براكب مقبل على ناقته، فإذا هو علي (عليه السلام) فاستقبله والتزمه وقبّله وقال: بأبي أنت وأمي اقصد في مسيرك حتى أكون أنا الذي أبشّر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فإنّ رسول الله من أمرك في غمّ شديد وهم، فقال له علي (عليه السلام): نعم، فانطلق أبو ذر مسرعا حتى أتى النبي (صلّى الله عليه وآله) فقال: البشرى، قال: وما بشراك يا أبا ذر؟ قال: قدم علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال له: لك بذلك الجنّة، ثم ركب النبي (صلّى الله عليه وآله) وركب معه الناس فلمّا رآه أناخ ناقته، ونزل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فتلقاه والتزمه وعانقه ووضع خده على منكب علي، وبكى النبي (صلّى الله عليه وآله) فرحا بقدومه، وبكى علي (عليه السلام) معه، ثمَّ قال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله): ما صنعت بأبي أنت وأمي؟ فإنَّ الوحي أبطأ عليَّ في أمرك، فأخبره بما صنع، فقال رسول الله: كان الله (عزَّ وجلَّ) أعلم بك مني حين أمرني بإرسالك»(34).

آيات القتال في سورة براءة

للمتأمل في هذه السورة المباركة يرى أنّ لسانها كان شديداً على المشركين، ومحذراً لهم من البقاء على الشرك، وتشتمل على الوعيد بقتالهم، وحاثَّة للمؤمنين على عدم التهاون في مسألة القتال، وهذا من أوّل السورة إلى آخرها، ونكتفي بثلاثة مقاطع منها:

الأول: قتل المشركين أينما وجدوا:

تقول الآية الخامسة: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ…}.

وقد تقدَّم قولُ الإمام الصادق (عليه السلام): «حتى نزلت عليه سورة براءة وأمره بقتل المشركين من اعتزله ومن لم يعتزله»، وكان قبل نزول سورة براءة لم يؤمر (صلّى الله عليه وآله) إلا بقتال من تعرّض له.

الثاني: مقاتلة أئمة الكفر:

جاء في الآية الثانية عشر: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ}.

وهنا لفتة أشار إليها صاحب تفسير الأمثل (حفظه الله) فقال: “مما يسترعي الانتباه أن الآيات محل البحث لا تقول: قاتلوا الكفار، بل تقول: فقاتلوا أئمة الكفر وهي إشارة إلى أن (القاعدة الجماهيرية) وعامة الناس تبع لزعمائهم ورؤسائهم، فينبغي أن يكون الهدف القضاء على رؤسائهم وأئمتهم، لأنهم أساس الضلال والتضليل والظلم والفساد، فاستأصلوا شجرة الكفر من جذورها وأحرقوها. فمواجهة الكفار لا تجدي نفعا ما دام أئمتهم في الوجود، أضف إلى ذلك فإن هذا التعبير يعدّ ضربا من ضروب النظرة البعيدة المدى وعلو الهمّة وتشجيع المسلمين، إذ عد أئمة الكفر في مقابل المسلمين، فليواجهوهم فذلك أجدر من مواجهة من دونهم من الكفار”(35).

وأمّا من هم المقصودون من أئمة الكفر، فقد ذكرت عدة أقوال:

قال بعضهم: إنّ الآية تشير إلى اليهود، وإلى بعض الأقوام الذين نازلوا المسلمين وقاتلوهم بعد حين كالفرس والروم.

وقال بعضهم: هي إشارة إلى كفار قريش.

وقال بعضهم: بل هي إشارة إلى المرتدين بعد إسلامهم.

واستظهر صاحب تفسير الأمثل أنّ موضوعها هو جماعة المشركين وعبدة الأصنام الذين عاهدوا المسلمين على عدم القتال والمخاصمة، إلا أنّهم نقضوا عهدهم. وكان هؤلاء المشركون في أطراف مكة أو سائر نقاط الحجاز(36).

ونقل في التبيان عن قتادة والواحدي عن ابن عباس أنَّهم: “أبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف وعتبة بن ربيعة وأبو سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل وسائر رؤساء قريش الذين نقضوا العهد وهم الذين همّوا بإخراجه”(37)، ومن الواضح أنَّ بعضهم قتل في بدر، وأن أبا سفيان أسلم عام الفتح، في السنة الثامنة، بينما السورة نزلت في السنة التاسعة.

وقال العلامة الطباطبائي في الميزان: “يدلُّ السياق أنهم غير المشركين الذين أمر الله سبحانه في الآية السابقة بنقض عهدهم وذكر أنّهم هم المعتدون لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة فإنهم ناكثون للإيمان ناقضون للعهد، فلا يستقيم فيهم الاشتراط الذي ذكره الله سبحانه بقوله: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ} الآية. فهؤلاء قوم آخرون لهم مع ولي الأمر من المسلمين عهود وأيمان ينكثون أيمانهم من بعد عهدهم، أي ينقضون عهودهم من بعد عقدها فأمر الله سبحانه بقتالهم وألغى أيمانهم وسماهم أئمة الكفر لأنهم السابقون في الكفر بآيات الله يتبعهم غيرهم ممن يليهم، يقاتلون جميعا لعلهم ينتهون عن نكث الايمان ونقض العهود”(38).

ما روي في تطبيق الآية من روايات:

تعددت الروايات في أنّ أهل هذه الآية لم يأت زمنهم بعد، أي لم يُقاتل أئمة الكفر زمن النبي (صلّى الله عليه وآله)، بل أوّل من طبقت عليهم الآية هم من قاتل علياً (عليه السلام) يوم الجمل.

ونقل عن حذيفة كاتم أسرار الرسول: (صلّى الله عليه وآله) “لم يأت أهل هذه الآية”، وقال السيوطي في الدر المنثور: “أخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن حذيفة› أنّهم ذكروا عنده هذه الآية فقال: “ما قوتل أهل هذه الآية بعد”، وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن مردويه عن زيد بن وهب› في قوله: {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} قال: كنّا عند حذيفة› فقال: “ما بقى من أصحاب هذه الآية إلا ثلاثة، ولا من المنافقين إلا أربعة”(39).

وعن الشعبي قال: قرأ عبدالله (الظاهر أنّه ابن مسعود) {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ} إلى آخر الآية ثم قال: “ما قوتل أهلها بعد”، فلمّا كان يوم الجمل قرأها علي (عليه السلام) ثم قال: «ما قوتل أهلها منذ يوم نزلت حتى [كان] اليوم»”(40).

وروي من طرقنا كما في التبيان “عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّها نزلت في أهل الجمل، وروي ذلك عن علي (عليه السلام) وعمار، وغيرهما”(41).

عن حنان بن سدير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «دخل عليَّ أناسٌ من أهل البصرة فسألوني عن طلحة والزبير؟ فقلت لهم: كانا من أئمة الكفر، إنّ عليا يوم البصرة لما صفّ الخيول قال لأصحابه: لا تعجلوا على القوم حتى أعذر فيما بيني وبين الله (عزَّ وجلَّ) وبينهم، فقام إليهم فقال: يا أهل البصرة هل تجدون عليَّ جوراً في حكم الله؟» قالوا: لا، قال: «فحيفا في قسم» قالوا: لا، قال: «فرغبت في دنيا أخذتها لي و لأهل بيتي دونكم فنقمتم عليَّ فنكثتم بيعتي؟» قالوا: لا، قال: «فأقمت فيكم الحدود وعطلتها عن غيركم؟» قالوا: لا، قال: «فما بال بيعتي تنكث وبيعة غيري لا تنكث؟ إني ضربت الأمر أنفه وعينه فلم أجد إلا الكفر أو السيف، ثمّ ثنى إلى أصحابه فقال: إنَّ الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ} فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «والذي فلق الحبّة، وبرئ النسمة، واصطفى محمدا بالنبوة، إنّهم لأصحاب هذه الآية، وما قوتلوا منذ نزلت»(42).

وطبّق الأمير (عليه السلام) الآية الرابعة عشر الآتية أيضاً عندما “برز العباس ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب (وهو من قواد جيش الإمام (عليه السلام)) إلى رجل من أهل الشام يقال له عرار بن أدهم، فتكافحا بسيفيهما ملياً من نهارهما لا يصل واحد منهما إلى صاحبه لكمال لامته، إلى أن لاحظ العباس وهياً في درع الشامي فأهوى إليه بالسيف فانتظم به جوانح الشامي، وخرّ الشامي صريعاً بخده، وأم في الناس، وكبّر الناس تكبيرة ارتجت لها الأرض، فسمعتُ قائلاً يقول: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} فالتفتُّ فإذا هو أمير المؤمنين (عليه السلام)”(43).

الثالث: أخذ الجزية من أهل الكتاب وهم صاغرون:

الآية (29) قوله تعالى: {…قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}.

في الكافي عن أبي عبد الله (عليه السلام): «والسيف الثاني على أهل الذمة، قال الله تعالى : {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} نزلت هذه الآية في أهل الذمة ثم نسخها قوله (عزَّ وجلَّ): {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}، فمن كان منهم في دار الإسلام فلن يقبل منهم إلا الجزية أو القتل وما لهم فيئ وذراريهم سبي، وإذا قبلوا الجزية على أنفسهم حرّم علينا سبيهم وحرمت أموالهم وحلّت لنا مناكحتهم، ومن كان منهم في دار الحرب حلَّ لنا سبيهم وأموالهم ولم تحل لنا مناكحتهم ولم يقبل منهم إلا الدخول في دار الإسلام أو الجزية أو القتل»(44).

والهدف الأول من هذه الجزية هو أن يؤدِّي أخذها إلى إسلام أهل الكتاب، فهم إمّا أن يُقتلوا وتسبى ذراريهم، أو يسلموا، أو تؤخذ منهم الجزية، فقد ورد عن زرارة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): “ما حد الجزية على أهل الكتاب، وهل عليهم في ذلك شيء موظف لا ينبغي أن يجوزوا إلى غيره؟ فقال: «ذاك إلى الإمام أن يأخذ من كلّ إنسان منهم ما شاء على قدر ماله بما يطيق، إنّما هم قوم فدوا أنفسهم من أن يستعبدوا أو يقتلوا، فالجزية تؤخذ منهم على قدر ما يطيقون له أن يأخذهم به حتى يسلموا فإنّ الله تبارك وتعالى قال: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}، وكيف يكون صاغراً وهو لا يكثرت لما يؤخذ منه حتى يجد ذلاً لما أخذ منه فيألم لذلك فيسلم..»”(45).

آيات أخرى:

وهناك آيات أخرى في هذه السورة تتحدث عن القتال نكتفي بذكرها دون التعرض لمضامينها، منها الآيتين (13-14): {أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ}.

ومنها الآية (36): {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}.

ومنها الآية (123): {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ… يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}.

ومنها الآية (73): {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}، وهذه الآية تقرن بين الأمر بقتال الكفار والمنافقين، وسيأتي إن شاء الله تعالى في القسم الثاني الحديث عن الآيات النازلة في المنافقين، وهناك ارتباط وثيق بين قتال المشركين والكفار وبين قضية المنافقين؛ حيث إنّ من ضمن ما جاء في السورة تثاقل المنافقين عن قتال الكفَّار والمشركين، وبعض ما حصل في المعارك خصوصاً في معركة تبوك التي نزلت السورة بعد وقوعها كما تقدم في الحديث.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

المصادر والهوامش

  • (1) البحار، ج89، ص39، صحيح مسلم، ج8، ص243.
  • (2) تفسير العياشي، ج1، ص288.
  • (3) راجع التبيان للطوسي، ج3، ص413، وكذلك الغدير للأميني، ج1، ص227-228.
  • (4) الغدير للأميني، ج1، ص227-228.
  • (5) البخاري، ج5، ص115.
  • (6) تذكرة الفقهاء، ج9، ص158، وقال السيد الشهرستاني في وضوء النبي، ج1، ص36: «علماً بأنّ سورة المائدة كانت آخر ما نزل من القرآن -إلا براءة- باتفاق جميع المسلمين» والله العالم.
  • (7) تفسير العياشي، ج2، ص73.
  • (8) تفسير القمي، ج1، ص281-282.
  • (9) المستدرك للنيسابوري، ج2، ص230.
  • (10) فتح الباري لابن حجر، ج8، ص235.
  • (11) تفسير الميزان، ج9، ص146.
  • (12) مجمع البيان، ج5، ص6، وتفسير نور الثقلين، ج2، ص177.
  • (13) تفسير نور الثقلين، ج2، ص176.
  • (14) مجمع البيان، ج5، ص6.
  • (15) تفسير القمي، ج1، ص282، وعنه في البرهان، ج3، ص361.
  • (16) تفسير العياشي، ج2، ص74، وعنه في البرهان، ج3، ص362.
  • (17) تفسير نور الثقلين، ج2، ص177.
  • (18) كتاب السنة لعمرو بن أبي عاصم(م287هـ)، ص595.
  • (19) سنن النسائي، ج5، ص128.
  • (20) مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب، ج1، ص391، وعنه في البرهان، ج3، ص371.
  • (21) تفسير العياشي، ج2، ص74، وعنه في البرهان، ج3، ص362.
  • (22) فتح الباري لابن حجر، ج8، ص66.
  • (23) مجمع الزوائد للهيثمي، ج9، ص50.
  • (24) الدر المنثور، ج3، ص210.
  • (25) تفسير العياشي، ج2، ص74، وعنه في البرهان، ج3، ص362.
  • (26) يقول العلامة الطباطبائي في الميزان: «وفيما نقلناه من الروايات وما تركناه منها وهو أكثر وفيما سيجيئ في هذا الباب نكتتان أصليتان. إحداهما: أنَّ بعث النبي (صلّى الله عليه وآله) علياً ببراءة وعزله أبا بكر إنما كان بأمر من ربه بنـزول جبرئيل: «إنه لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك»، ولم يقيّد الحكم في شيء من الروايات ببراءة أو نقض العهد فلم يرد في شيء منها: لا يؤدى براءة أو لا ينقض العهد إلا أنت أو رجل منك، فلا دليل على تقييده ببراءة على ما وقع في كثير من التفاسير، ويؤيد الإطلاق ما سيأتي. وثانيتهما: أن عليا (عليه السلام) كما كان ينادى ببراءة، كذلك كان ينادي بحكم آخر وهو أن من كان له مدّة فهو إلى مدته، ومن لم يكن له مدة فمدته أربعة أشهر: وهذا أيضا ممّا يدلّ عليه آيات براءة. وبحكم آخر وهو أنه لا يطوفن بالبيت عريان، وهو أيضا حكم إلهي مدلول عليه بقوله تعالى: {يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} الأعراف: 31، وقد ورد في بعض الروايات ذكر الآية مع الحكم كما سيجيئ….»، تفسير الميزان، ج9، ص164.
  • (27) تفسير الميزان، ج9، ص168-172.
  • (28) الخصال للشيخ الصدوق، ص369.
  • (29) تاريخ الطبري، ج2، ص278.
  • (30) النساء: 90.
  • (31) تفسير القمي، ج1، ص281-282.
  • (32) البحار، ج21، ص267.
  • (33) تفسير فرات الكوفي، ص159، وعنه في مستدرك الوسائل، ج9، ص408.
  • (34) بحار الأنوار، ج35، ص289.
  • (35) تفسير الأمثل، ج5، ص548.
  • (36) تفسير الأمثل، ج5، ص546، أسباب النزول للواحدي، ص163.
  • (37) التبيان في تفسير القرآن للشيخ الطوسي، ج5، ص183.
  • (38) تفسير الميزان، ج9، ص159.
  • (39) الدر المنثور، ج3، ص215.
  • (40) تفسير العياشي، ج2، ص79.
  • (41) التبيان في تفسير القرآن للشيخ الطوسي، ج5، ص183.
  • (42) البرهان، ج3، ص374، وراجع نور الثقلين، ج2، ص188-189.
  • (43) تفسير العياشي، ج2، ص81، ونور الثقلين، ج2، ص161، والبرهان، ج3، ص378.
  • (44) الكافي، ج5، ص11.
  • (45) الكافي، ج3، ص566.
المصدر
مجلة رسالة القلم

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى