كيف أختار أصحابي؟

الصـّحبة في الإسلام
خلق الله الإنسان وأودع فيه الاستعداد لبناء حياة اجتماعيّة وإقامة روابط وعلاقات مع أبناء جنسه. وحكمة ذلك تظهر لنا باكتشاف أنّ الحياة البشريّة يستحيل أن تستمرّ بشكل سليم، من دون عمليّة التّواصل الاجتماعيّ. ويصعب على الإنسان بمفرده أن يجتاز مراحل الحياة المليئة بالمصاعب والتّحدّيات. فلا بدّ حينئذٍ من الاعتماد على الجماعات لمواجهة الكثير من هذه التّحدّيات. بل إنّ المعادلة الاجتماعيّة تفيدنا بأنّنا كلّما أسّسنا بناءً اجتماعيّاً متيناً ومتراصّاً كلّما كان ذلك دافعاً للتقدّم أكثر، ولحلّ مشاكل الحياة الصّعبة والمستعصية. ولا يوجد دين كالإسلام حثّ على الحياة الاجتماعيّة وقدّم المواعظ والتّوصيات في سبيل ذلك.

يقول تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ1.
وعند الدّخول إلى مضمار الآيات والروايات نتفاجأ بكمٍّ هائل، منها يركّز على هذا الجانب المهمّ من حياة الإنسان. ويكفي في هذا المجال ما سنتلوه من بعض الآيات التي تعتبر بحقّ نوراً خالداً للبشريّة فيما إذا تمّسكت بها وطبّقتها بشكل سليم.

يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ2 حيث يحدّد الله سبحانه أسس العلاقة التي يريدها للمؤمنين فيما بينهم، وتتمثّل بالأخوّة الّتي هي ألصق وأعمق رابطة يمكن أن تتأسّس بين طرفين.
هذه العلاقة بين المؤمنين الذين هم بحسب الفرض أخوة كما تبيّن الآية ترتكز على قاعدة الاعتصام بالله، فإذا أرادوا أن لا تفرّقهم الخلافات ولا تشتّتهم التّحدّيات بالتمسّك والرّجوع إلى مرجع واحد وهو حبل الله عزّ وجلّ. وحبل الله عزّ وجلّ هو رسوله المصطفى والإمام المعصوم المفترض الطّاعة.

ويقول تعالى أيضاً: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ3 ، هذه الآية تبيّّن سنّة إلهيّة؛ وهي أنّ الله لم يخلق البشر على قسم واحد وشكل واحد دفعاً لهم للتّعارف ولتمتّد أواصر الحياة الاجتماعيّة فيما بينهم بشكل واسع، ولا تنحصر ضمن دائرة ضيّقة. ثمّ جعل معيار الأكرميّة عند الله بين جميع أقسام البشر التّقوى، حتّى لا تجنح فئة من الفئات نحو وضع معايير باطلة للأفضليّة. معيار التّقوى الذي وضعه الله عزّ وجلّ يُعتبر أفضل دافع للبشر؛ للإلتقاء والتّعاون والتّحاور ومدّ جسور العلاقات الاجتماعيّة فيما بينهم.

استنتاج

-أودع الله عزّ وجلّ القابليّة والاستعداد في الإنسان لبناء وتشييد حياة اجتماعيّة.
-الإسلام شدّد على تعزيز الحياة الاجتماعيّة وتحصينها،ووضع قواعد وسنن لحمايتها.
-الأخوّة والتقوى والتمسّك بحبل الله هي أهمّ المعايير: التي وضعها الله لتحصين المجتمع الإسلاميّ،وتمتينه.

كيف نختار الأصحاب؟

الصّحبة والرّفقة من مستلزمات حياة الإنسان الاجتماعيّة. والواحد منّا لا يستغني عن اتّخاذ رفيق وصاحب إمّا في مكان العمل، أو عند السّفر، أو في غير ذلك. ورابطة الصّحبة وإن كانت أقلّ وثاقة من رابطة الصّداقة، ولكنّ طبائع وسجايا الخلق تحتّم على الإنسان أن يحسن اختيار الرّفاق، ويميّز بين الصّحبة المفيدة والمضرّة. وفيما يلي بعض الضّوابط في اختيار الأصحاب:

1ـ أن يكون الصّاحب مطيعاً لله عزّ وجلّ، ليكون مؤازراً لك في الطّاعة والاستقامة، وأن يكون صبوراً ليعينك على مواجهة الصّعاب والتّحديّات المشتركة، وذلك عملاً بقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا4.

2ـ أن تتوفّر فيه المواصفات التي ذكرها الإمام الحسن ، حيث قال: “فاصحب من إذا صحبته زانك، وإذا خدمته صانك، وإذا أردت منه مؤنة عانك، وإن قلت صدّق قولك، وإن صلت شدّ صولتك، وإن مددت يدك بفضل مدّها، وإن بدت لك ثلمة سدّها، وإن رأى منك حسنة عدّها، وإن سألته أعطاك، وإن سكتّ عنه ابتدأك، وإن نزلت بك إحدى الملمّات واساك، من لا يأتيك منه البوائق، ولا يختلف عليك منه الطّرائق، ولا يخذلك عند الحقائق، وإن تنازعتما منقسما آثرك”5.

دعائم التـّعامل مع الأصحاب

يجب إرساء دعامة من الثّقة والاطمئنان والمودّة في التّعامل مع الأصحاب، وهذا يحتاج إلى تمكين صفة حسن الظنّ في النّفس. ولذلك ورد عن أمير المؤمنين: “ولا يغلبنّ عليك سوء الظّنّ، فإنّه لا يدع بينك وبين خليل صلحاً”6.

ولكن مع ذلك يجب أن يترك الإنسان مساحة من الاحتياط في التّعاطي مع الأصحاب. وعليه أن لا يكشف لهم خصوصيّاته وكلّ أسراره. وبالتالي، إذا أراد تفعيل حسن الظّنّ معهم، فيجب أن يكون ذلك ضمن الدائرة المعقولة التي يرتاح معها الطرفان لمستقبل صحبتهما وعلاقتهما.

ويدعم هذا التوجّه قول أمير المؤمنين: “ابذل لصديقك كلّ المودّة، ولا تبذل له كلّ الطّمأنينة، وأعطه كلّ المواساة، ولا تفضِ إليه بكلّ الأسرار، توفِ الحكمة حقّها والصّديق واجبه”7.

ومن جهة أخرى، يجب أن يفهم جميع من تصحبهم أنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وبالتالي، يجب أن يكون لنا موقف حازم ضدّ أيّ قول يحمل رائحة المعصية والبهتان، وضدّ أيّ فعل يحمل معه بذور الوقوع في الخطيئة والانحراف، ولو صدر عن الصّاحب من دون نيّة سيّئة.

استنتاج

– يفضّل مصاحبة المطيع لله والصبور ومن تتوفّر فيه الصفات الأخلاقيّة الحسنة، ويجب أن يتعامل الإنسان مع من يرافقهم على قاعدة لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

  • طريق المعارف, سلسلة المعارف الإسلامية , نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

المصادر والمراجع

1- آل عمران: 103
2- الحجرات: 10.
3- الحجرات: 13.
4- الكهف: 28.
4- الكهف4: 28.
5- بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 44، ص 139.
6-م. ن، ج 74، ص 207.
7- العلم والحكمة في الكتاب والسنة، محمّد الريشهري، ص 102.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى