التسليم والصبر على عظيم البلاء

يقول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ1

بين القلّة والكثرة
القلّة من الناس هم الّذين يتحمّلون الجهد، ويصبرون على عظيم البلاء، ويفوزون في عسير الاختبار، ويسلمون وينقادون إلى الحكم الإلهيّ والقائد الربّانيّ بكلّ طمأنينة وثبات، من دون أدنى تزلزل أو ارتياب، هذه سمات لحزب الله تتّضح من المقطع القرآنيّ المقدّس التالي: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ *وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين2.

ذكر المجلسيّ في تفسير هذا المقطع النورانيّ من كلام الله تعالى في رواية عن الإمام الرضا عليه السلام:”.. وقال لهم نبيّهم: يا بني إسرائيل: إنّ الله مبتليكم بنهر في هذه المفازة، فمن شرب منه فليس من حزب الله، ومن لم يشرب فهو من حزب الله إلّا من اغترف غرفة بيده، فلمّا وردوا النهر أطلق الله لهم أن يغرف كلّ واحد منهم غرفة بيده، فشربوا منه إلّا قليلاً منهم، فالّذين شربوا منه كانوا ستين ألف، وهذا امتحان امتحنوا به كما قال الله3.

وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه قال: القليل الّذين لم يشربوا ولم يغترفوا ثلاث مائة وثلاثة عشر رجل، فلمّا جاوزوا النهر ونظروا إلى جنود جالوت قال الّذين شربوا: “لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده “وقال الّذين لم يشربوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين4.

من خصال حزب الله
ويستفاد من الآيتين الكريمتين وما ورد في تفسيرهما عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام عدّة خصال مهمّة، يمتاز بها حزب الله بالنظر القرآنيّ وهي كالتالي:


1- أنّه لا بدّ من الامتحان والاختبار للمؤمنين من حزب الله ﴿إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم﴾، فهو قانون الافتتان الإلهيّ ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ *وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ5.

فمن الاشتباه الكبير أن يظنّ المؤمن بأنّه في الحياة الدنيا يمرّ بلا امتحان وبلا اختبار، وطبعاً الاختبارات متعدّدة ومتنوّعة، وقد تشتدّ وقد تضعف، إلّا أنّه لا بدّ منها ليعلم الله الّذين صدقوا ويعلم الكاذبين، وليميز الخبيث من الطيب: ﴿مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ6.

2- إنّه قد يشتدّ البلاء فيكون تحمّله شاقّاً يحتاج إلى الإيمان القويّ واليقين العظيم لكي يجتازه المؤمن بسلام ونجاح، وهذا ما يتوفّر لدى من سمّاهم الإمام عليه السلام (حزب الله)، كما مرّ عن إمامنا الرضا عليه السلام في تفسيره للآية، فإنّهم يصبرون على العطش الشديد دون أن يتعدّوا حدود الله الّتي رسمها وبيّنها على لسان نبيّه الكريم، مع أنّ الماء يترقرق أمامهم، يرونه بأعينهم، ويتحسّسون برودته بأيديهم وأقدامهم، إلّا أنّهم ممنوعون عن تذوّقه والشرب منه، لا لشيء عدا الابتلاء والامتحان والاختبار! ﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾.

يا له من اختبار شديد، ولكن بمعونة الله تعالى وتسديده انتصروا على أنفسهم، وخرجوا مفلحين منجحين من البلاء المبين، وارتفعوا إلى مقامات شامخة عند ربّ العالمين، ونالوا وسام حزب الله عند أئمّة الدِّين وأولياء المؤمنين.

وهذا الفوز كان على صعيد الجهاد الأكبر ومحاربة النفس والشيطان، وكان مقدّمة للفوز في معركة الجهاد الأصغر، وحربهم ضدّ أعداء الله، وبالمقابل من أخفق في الاختبار وانهزم في ميدان جهاد النفس، فإنّه جبن ووهن في ميدان القتال ومجالدة الأعداء، وقال:﴿لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ﴾، فتأمّل في ذلك جيداً فإنّ فيه درساً بليغاً.

3- الالتزام الدقيق بالحكم والتكليف بحيثياته التفصيلية ﴿إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِه﴾ (غرفة واحدة فحسب) نعم.. إنّ الدقّة في امتثال التكليف الإلهيّ لهي أدلّ دليل على العبوديّة الحقّة لله تعالى، الناتجة عن تعظيم المولى وتوقيره واحترام إرادته.

4- الجانب التعبّديّ حيث الالتزام من دون اعتراض على الحكم الإلهيّ بأنّه غير مقنع مثلاً، أو بافتقاده الجانب المنطقيّ، أو بأنّه مجحف ويوجب الأذيّة لهم، والعذاب والألم والضعف عن قتال الأعداء من دون فائدة مرجوّة.. إلخ.

فهكذا المؤمن في التعبّديات الثابتة من دون ظهور عللها وحكمه، يمتثلها منقاد، وقلبه مطمئنّ بالإيمان مسلِّم تسليماً.

5- الثقة بالقيادة الإلهيّة، دون حصول تردّد أو تشكيك أو ارتياب، مع أنّ المقام شديد والامتحان عسير.

6- الطمأنينة والثبات، والأمل بالنصر والفوز، بمعونة الله تعالى وتسديده، دون ان يكون التعويل على العدد والعتاد والأسباب المادّية فحسب – وإن كانوا قد اعدّوا ما استطاعوا منها -، فنظرهم كان إلى مسبّب الأسباب عزّ شأنه وجلّ ثناؤه، فالنصر والغلبة من عنده، وهذا سمُوٌّ في التوحيد الأفعاليّ. ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِين7.

7- التعويل على الصبر الّذي يستمدّونه من الله تعالى، فهم يعلمون أنّ بصبرهم يكون الله معهم، ويمدّهم بألطافه الخفية ونصره العزيز ﴿وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.

8- إنّ الفائزين في الاختبار الإلهيّ الّذي يمحّص الله به عباده هم القلّة القليلة، وهم حزب الله: ﴿فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾، والأكثر يضعفون ويتهاوون تحت وطأة الضغوط المتوالية، بل صريح الآية الشريفة أنّ الأصل كان فيهم هو مخالفة التكليف، والإخفاق في الاختبار، وكان الفوز هو الاستثناء ﴿فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾ وقد تقدّم عن الإمام الرضا عليه السلام: “فالّذين شربوا منه كانوا ستين ألف، وهذا امتحان امتحنوا به كما قال الله“.

والقليل الّذين لم يشربوا ولم يغترفوا ثلاث مائة وثلاثة عشر رجل، كما عن إمامنا الصادق عليه السلام. وقد سمّاهم نبيّهم عليه السلام حزب الله عند قوله لهم: “ومن لم يشرب فهو من حزب الله“.

فالفرق شاسع والبون بعيد، بين الستّين ألف، وهم الّذين سقطو، وأخفقوا، ولم يثبتو، وبين الثلاثمائة وثلاثة عشر وهم الّذين صدقوا وثبتوا وفازوا.

فلا تبتئس إذا كنت في القلّة القليلة مع كونك على الحقّ، “لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلّة أهله8، فالحقّ ثقيل ولا يطيق حمل الثقيل إلّا الأقوياء، والأقوياء قلّة.

9- إنّ عاقبة عدم الالتزام بالتكليف هي الوهن والشعور بالعجز والضعف في مقابلة الأعداء ﴿لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِه﴾، فالقوّة الروحيّة يستمدّها المرء من الطاعة، وبالمقابل لا تجني مخالفة الأوامر الإلهيّة إلّا الخزي والمذلّة، والخوف، والوهن، يقول الإمام السّجاد عليه السلام في الدعاء:”إلهي ألبستني الخطايا ثوب مذلّتي، وجلّلني التباعد منك لباس مسكنتي، وأمات قلبي عظيم جنايتي9.

ويقول عليه السلام في مورد آخر: “فإنّ الشريف من شرّفته طاعتك والعزيز من أعزّته عبادتك10.

نعم هذه عاقبة المعصية أن يفقد الإنسان ثقته بربّه، ويصبح خائفاً من الخلق، فعن إمامنا أبي عبد الله عليه السلام قال: “من أخرجه الله من ذلّ المعاصي إلى عزّ التقوى، أغناه الله بلا مال، وأعزّه بلا عشيرة، وآنسه بلا بشر، ومن خاف الله، أخاف الله منه كلّ شيء، ومن لم يخف الله، أخافه الله من كلّ شيء11.

ويقول تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ * لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ12.

وكذلك تُضرَب عليه الذلّة والمسكنة ويبوء بغضب من الله تعالى: ﴿وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ *ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُون13.

فعاقبة معصية أوامر الله، والاعتداء على حرمات الله إذاً هي الذلّة والمسكنة والغضب من الله.
10- الاعتماد على الله والتوجّه إليه دائماً بالدعاء في نجاح الطلبات والإمداد بالصبر والتثبيت والنصر على الأعداء ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِين﴾.
فمن صفات حزب الله: “التسليم والصبر على عظيم البلاء، والثقة باللّه والاطمئنان إلى النصر الإلهيّ”.

  • اولئك حزب الله ، سلسلة الدروس الثقافية ، نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

المصادر والمراجع

1- سورة البقرة، الآيتان: 249-250.
2- سورة البقرة، الآية: 249-250.
3- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 13، ص 441.
4- م.ن، ج 13، ص 440.
5- سورة العنكبوت، الآيتان: 2-3.
6- سورة آل عمران، الآية: 179.
7- سورة البقرة، الآية: 249.
8- نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح، ص 319.
9- الصحيفة السجادية، مناجاة التائبين.
10- الصحيفة السجادية، دعاء الرضا بالقضاء.
11- مستطرفات السرائر، ابن إدريس الحلي، ص 593.
12- سورة الحشر، الآية: 13.
13- سورة آل عمران، الآيتان: 111- 112.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى