كيف يـَرجِعُ الحاجُّ كما ولدته أُمـُّه؟-1

 أصناف الحُجَّاج

ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: الحاجّ يصدّرون على ثلاثة أصناف:
ـ صنف يُعتَق من النار.
ـ وصنف يَخرُج من ذنوبه كهيئة يوم ولدته أُمّه.
ـ وصنف يُحفظ في أهله وماله فذاك أدنى ما يرجع به الحاجّ1.
فكيف نكون من الصنف الذي يُعتق من النار ويَخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه؟!!

في مسير الحجّ

قبل المسير

– الدعاء للحجّ
ورد كثير من الأدعية التي تُعلِّم المؤمن أن يطلب من الله أن يرزقه الحجّ، ولا سيّما في شهر رمضان المبارك، وما هذا إلا تعليم من أهل  العصمة عليه السلام أن يكون الدعاء للحجّ  هو البداية، ومن هذه الأدعية: “اللهمَّ منك أطلب حاجتي ومَنْ طلب حاجته من الناس فإنّي لا أطلب حاجتي إلاّ منك وحدك لا شريك لك، أسألك بفضلك ورضوانك أن تصلّيَ على محمّد وأهل بيته وأن تجعل لي في عاميَ هذا إلى بيتك الحرام سبيلاً حِجَّةً مبرورة، متقبَّلة زاكية خالصة تَقَرُّ بها عيني وترفع بها درجتي”2.

– معرفة حقّ الحجّ

وللعبادات حقوق يتحقّق أدناها بمعرفتها التي هي أساس في تحقيق نتائجها.
وقد تحدَّث الإمام زين العابدين عليه السلام عن حقوق الحجّ بقوله: “وحقّ الحجّ أن تعلم أنّه وفادة إلى ربّك، وفرار إليه من ذنوبك، وبه قَبول توبتك وقضاء الغرض الذي أوجبه عليك”3.

فالحجّ هو تلبية لنداء الله تعالى في الناس الذي أمر به خليلَه إبراهيم عليه السلام وحبيبه محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم فقال تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ4.
وقد رُوي أنّ الله تعالى حينما أوحى بالأذان بالحجّ لخليله إبراهيم عليه السلام قال له: يا ربّ، وما يبلغ صوتي، فأوحى الله إليه: أذِّن وعليَّ البلاغ، فنادى إبراهيم: كُتب عليكم الحجُّ إلى البيت العتيق فحُجُّوا، فسمعه ما بين السماء والأرض5. وتكرَّر النداء من خاتم الأنبياء محمّد صلى الله عليه وآله وسلم الذي استجابت له الأُمّة العظيمة وستبقى تستجيب إلى يوم القيامة بإذن الله تعالى.

وإذا كان الحجُّ وِفادةً على ربّ العالمين فإنّه لا يُقارَن به كثيرٌ من الأعمال الخيريّة وهذا ما وضَّحه النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم لذلك الأعرابيّ الذي تلقّاه في الأبطح فقال له: يا رسول الله، إنّي خرجت أريد الحجّ فعاقني عائق، وأنا رجل مليء، كثير المال، فمُرني أن أصنع في مالي فأَبلُغَ ما بلغَ الحاجّ، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أبي قُبَيْس (الجبل المعروف) وقال: “لو أنّ أبا قُبَيْس لك زِنَتُه ذهبة حمراءَ أنفقته في سبيل الله ما بلغتَ ما بلغ الحاجّ”6.

– تجريد القلب
وعند إرادة الحجّ وتلبية دعوة الله تعالى لزيارة بيته، والورود إلى محلِّ الطُّهر يُرشِد الإمام الصادق عليه السلام إلى عمل قلبيّ يُطلب من مُريد الحجّ فيقول عليه السلام: “إذا أردت الحجّ فجرِّد قلبك لله عزَّ وجلَّ من قبل عزمك من كلّ شاغل، وحجب عن كلّ حاجب، وفوّض أمورَك كلَّها إلى خالقك، وتوكَّل عليه في جميع ما يَظهر من حركاتك وسكناتك، وسلِّم لقضائه وحكمه وقدرَه، وودِّع الدنيا والراحة والخَلْق”7.

بداية المسير

– الصدقة
“افتح سفرك بالصدقة” إنّه تعليم صادق أهل البيت عليهم السلام لنا في بداية السفر، وقد رُوي في ذلك أن رجلاً من أصحاب الإمام الباقر عليه السلام أراد السفر فأتاه ليودِّعه فقال له: “إنّ أبي عليَّ بن الحسين عليه السلام كان إذا أراد الخروج إلى بعض أمواله اشترى السلامة من الله عزَّ وجلَّ بما تيسَّر أي بالصدقة بما تيسَّر، ويكون ذلك إذا وضع رجله في الرِّكاب، وإذا سلَّمه الله وعاد من سفر حَمِدَ الله وشكره بما تيسَّر له”. فودّعه الرجل ومضى ولم يعمل بما وصّاه الباقر عليه السلام فهلك في الطريق، فأتى الخبر الإمام الباقر عليه السلام فقال: “قد نُصح الرجل، لو كان قبِل”8.

– دعاء السفر

وهو الوارد في مفاتيح الجنان :
“اللهمَّ إنّي أستودعك اليوم نفسي وأهلي ومالي ووُلْدي ومن كان منّي بسبيل الشاهد منهم والغائب، اللَّهمَّ احفظنا بحفظ الإيمان، واحفظ علينا، اللَّهمَّ اجعلنا في رحمتك، ولا تسلبنا فضلك، إنّا إليك راغبون.
اللّهمّ إنّا نعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلَب وسوء المنظر في الأهل والمال والوَلْد في الدنيا والآخرة.
اللهمَّ إنّي أتوجّه إليك هذا التوجُّه طلباً لمرضاتك وتقرُّباً إليك
اللهمَّ فبلِّغني ما أؤمّله وأرجوه فيك وفي أوليائك يا أرحم الراحمين”9.

– تسبيح الزهراء عليها السلام

وقد ورد استحبابه بعد توديع الأهل وعند الوقوف بالباب10.

أثناء المسير

اهتمّ الإسلام بأفعال وصفات قاصد الحجّ أثناء مسيره، ونعرض هنا جملة من الأفعال والصفات الواردة عن أهل العصمة عليهم السلام:

1ـ الذِّكْر:
ففي فقه الرضا عليه السلام في حديث مع المسافر إلى الحجّ: “… وعليك بكثرة الاستغفار، والتسبيح والتهليل، والتكبير، والصلاة على محمّد وآل محمّد…”11.

2ـ الورَع

فعن الإمام أبي جعفر عليه السلام: “ما يُعْبَأُ بمن يؤمّ هذا البيت إذا لم يكن فيه ثلاث خصال: ورع يَحجُزه عن معاصي الله…”12.

3ـ الحِلْم وكَظْم الغيظ

ويتابع الإمام عليه السلام حديثه السابق مكمِّلاً الخصال الثلاث: “وحِلْمٌ يملِكُ به غضبَه”، فقد يُبتلى الحاجّ في مسيره بكثير ممّا يُسبّب له الغضب والخروج من حالة الاعتدال المزاجي، وهنا تأتي قيمة صفة كَظْم الغيظ التي تُجنِّب الإنسان الوقوع في مزالق الانحراف.

4ـ حُسْن الصحابة
ويُكمل الإمام عليه السلام الخصلة الثالثة بقوله: “وحسن الصحابة لمن صَحِبه”.
ومن أهمّ محقِّقات حسن الصحابة أن يُعينَ الحُجّاجَ ويقضيَ حوائجهم، وهذا ما له أجر كبير وعظيم عند الله تعالى، فها هو رسولنا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يخبرنا قائلاً: “من أعانَ مؤمناً مسافراً نفّسَ الله عنه ثلاثاً وسبعين كُربة، وأجاره في الدنيا من الهمّ والغمّ، ونفّسَ عنه كَربه العظيم، قيل: يا رسول الله، وما كَرْبه العظيم؟ قال: حيث يُغشى بأنفاسهم”.

لذا رُوي أنّ إمامنا زين العابدين عليه السلام كان لا يسافر إلاّ مع رفقةٍ لا يعرفونه ليخدمهم في الطريق، فإنّهم لو عرفوه منعوه عن ذلك13.
ومن الأخلاق الكريمة للنبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم إنّه كان مع أصحابه في بعض الأسفار، فأرادوا ذبح شاة يقتاتون بها، فقال أحدهم: عليَّ ذبحها، وقال آخر: عليّ سلخ جلدها، وقال الآخر: عليّ طبخها، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: عليَّ الاحتطاب، فقالوا: يا رسول الله، نحن نعمل ذلك، فلا تتكلّفْه أنت، فأجاب: أنا أعلم أنّكم تعملون، ولكن لا يسرّني أن أمتاز منكم، فإنّ الله يكره أن يرى عبده قد فضَّل نفسه على أصحابه، وأعلم أنّّ أثقل الخلق على الأصحاب في السفر من تكاسل في الأعمال، وهو في سلامة من أعضائه وجوارحه، فهو لا يؤدّي شيئاً من وظائفه مرتقباً رفقته يقضون له حوائجه14.

في ميقات الحجّ

وينتهي السفر الأوَّل لمن أراد الحجّ في “الميقات” وهو المكان الذي حدَّده الله تعالى محلّاً لانطلاقة الحاجّ نحو الله تعالى.

فليس لقاصد الحجّ دخول مدينة الله “مكّة” من حيث يريد، بل الله تعالى يقرِّر محل المرور ومكان العبور. فالميقات هو معبر الله لدخول مدينة الله حيث الضيافة الربّانيّة والمِنَح الإلهيّة.

غُسل الإحرام

وفي الميقات يخلع الإنسان ثوب الدنيا ليغتسل بماء التوبة ناوياً تجريدَ نفسه من أثر الدنيا وتطهيرَ قلبه بماء الغُسل النازل على جسده من الخطايا والذنوب.
فعن الصادق عليه السلام: “… ثمّ اغتسل بماء التوبة الخالصة من الذنوب”.

ويُستحَبُّ أن يقول عند غُسله: “بسم الله وبالله، اللَّهمَّ اجعله لي نوراً وطهوراً وحِرزاً وأمناً من كلّ خوف وشفاء من كلّ داء وسُقْم، اللَّهمَّ طهّرني وطهِّر قلبي واشرح لي صدري، وأجرِ على لساني محبّتك ومِدْحتَك والثناء عليك، فإنّه لا قوّة لي إلاّ بك، وقد علمتُ أنّ قِوام ديني التسليمُ لك والاتّباع لسنّة نبيّك صلواتك عليه وآله”15.

لُبس ثياب الإحرام

وبعد الغُسل يلبس الحاجّ ثوب الإحرام الوارد في أنّه كُسوة الصدق والصفاء والخضوع والخشوع، وهو ثوب يشبه كفن الإنسان النازل في قبر عالمه الجديد.
الكلّ يلبس نفس الثوب، الرئيس والمرؤوس، الغنيّ والفقير، العالم والجاهل، الكلّ في لباس متشابه، كما يكون الكلّ في كفن متشابه.

ويُستحَبّ عند لبس ثوبَيْ الإحرام أن يقول: “الحمد لله الذي رزقني ما أُواري به عورتي، وأؤدّي فيه فرضي، وأعبُدُ فيه ربّي، وأنتهي فيه إلى ما أمرني، الحمد لله الذي  قصدته فبلَّغني، وأردته فأعانني وقبِلني، ولم يقطع بي، ووجهَه أردت فسلَّمني، فهو حِصني وكهفي وحِرزي وظهري وملاذي ولَجَأي ومنجاي وذُخري وعُدَّتي في شدَّتي ورخائي”16.

وكما للغُسل سرّ فلخلع الثياب سِرّ فلخلع الثياب سِرّ وللبس  ثوب الإحرام سرّ وهو ما أرشد إليه الإمام زين العابدين عليه السلام حينما استقبل أحد الحُجّاج وهو شبلي.

فسأله الإمام: حججتَ يا شبلي؟
قال: نعم يا ابن رسول الله.
قال عليه السلام: أنزَلتَ الميقات، وتجرَّدت عن مَخيط الثياب واغتسلتْ؟
قال: نعم.
قال عليه السلام: فحين نزَلْتَ الميقات نويت أنّك خلعت ثياب المعصية، ولبست ثوب الطاعة؟
قال: لا.
قال عليه السلام: فحين تجرَّدت عن مخيط ثيابك نويت أنّك تجرَّدت عن الرياء والنفاق والدخول في الشبهات؟
قال: لا.
قال عليه السلام: فحين اغتسلت نويت أنّك اغتسلت من الخطايا والذنوب؟
قال: لا.
قال عليه السلام:
فما نزلت الميقات، ولا تجرَّدت عن مخيط الثياب، ولا اغتسلت17!

صلاة الإحرام

ثمّ يقف الحاجّ بين يدي الله تعالى يصلّي صلاة الاحرام قبل أن يعلن إحرامه فيصلي ركعتين أو ستّ ركعات، وينوي في هذه الصلاة أنّه يقدِّم بين إحرامه أفضل الأعمال.

نيّة الإحرام

ثمّ ينوي الحاجّ أنّه يُحْرِم لله تعالى معلناً بذلك أنّه يحرِّم على نفسه كلّ ما يمنعه من ذكر الله تعالى ويَحجبُه عن طاعته.

ويُستحَبّ بعد صلاة الإحرام وحينما يريد نيّة الإحرام أن يقرأ هذا الدعاء:
“اللهمَّ إنّي أسألك أن تجعلني ممّن استجاب لك، وآمن بوعدك، واتّبع أمرك فإنّي  عبدك، وفي قبضتك لا أُوقى إلى ما وُقيت، ولا آخذ إلاّ ما أُعطيت، وقد ذكرتُ الحجَّ فأسألك أن تعزم لي عليه على كتابك وسنّة نبيّك صلواتك عليه وآله، وتقوّيني على ما ضعُفت عنه، وتسلِّم منّي مناسكي في يُسر منك وعافية، واجعلني من وَفْدك الذي رضيت  وارتضيت، وسمَّيت وكتبت، اللَّهمَّ إنّي خرجت من شقّة بعيدة، وأنفقت مالي ابتغاء مرضاتك، اللَّهمَّ فتمِّم لي حِجّتي وعُمرتي، اللَّهمَّ إنّي أريد التمتُّع بالعُمرة إلى الحجّ على كتابك وسنّة نبيّك صلواتك عليه وآله، فإن عرض لي عارض يحبسني فخلّني حيث حبستني بقدرك الذي قدّرت عليَّ، اللَّهمَّ إن لم تكن حِجّة فعُمرة. أُحْرِمُ لك شعري وبشري ولحمي ودمي وعظامي ومخّي وعصبي من النساء والثياب والطيب أبتغي بذلك وجهك والدار الآخرة”
18.

التلبية

ويعلن الحاجّ عن تلبيته لدعوة الله تعالى لحجّ بيته فيقول لله: “لبَّيك اللَّهمَّ لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبّيك”.
كلمات يعلن فيها الحاجُّ أنّه يُلبّي الواحد الأحد في كلمات تكرّر التوحيد ليشعر فيها الملبِّي أنّ كلّ الأمور هي من الله، فهو صاحب الحمد، وهو صاحب النعمة، لذا لا بدّ من العزم على أن يترك كلّ ما هو عدا الله تعالى ليبقى معه وحده.

ويُستحَبّ أن يكمل التلبية بكلمات تحمل صفات الله وأفعاله فيقول: “لبّيك ذا المعارج لبّيك، لبّيك داعياً إلى دار السلام لبّيك، لبّيك غفّار الذنوب لبّيك، لبّيك أهلَ التلبية لبّيك، لبّيك ذا الجلال والإكرام لبّيك، لبّيك تبدئ والمعاد إليك لبّيك، لبّيك تستغني ويُفتقر إليك لبّيك، لبّيك مرغوباً ومرهوباً إليك لبّيك، لبّيك إنّه الحق لبّيك، لبّيك ذا النعماء  والفضل الحسن الجميل لبّيك، لبّيك كشّاف الكُرَب العظام لبّيك، لبّيك عبدك وابن عبديك لبّيك، لبّيك يا كريمُ لبّيك، لبّيك أتقرّبُ إليك بمحمّد وآل محمّد صلوات الله عليه وعليهم لبّيك…”19.

ولصلاة الإحرام ونيّته والتلبية أسرار كشف عنها إمامنا زين العابدين عليه السلام في حديثه مع شبلي.
قال عليه السلام له: فحين أحرمتَ نويْتَ أنّك حرَّمت على نفسك كلّ محرَّم حرّمه الله عزَّ وجلَّ؟
قال: لا.
قال عليه السلام: فحين عقدت الحجّ نويتَ أنّك قد حلَلْت كلّ عَقْدٍ لغير الله؟
قال: لا.
قال عليه السلام:… لا أحرمتَ ولا عقَدْتَ الحجّ.
ثمّ قال عليه السلام: أدَخلتَ الميقات وصلّيت ركعتي الإحرام ولبّيت؟
قال: نعم.
قال عليه السلام: فحين دخلت الميقات نويت أنّك بنيّة الزيارة؟
قال: لا.
قال عليه السلام: فحين صلّيت الركعتين نويت أنّك تقرّبتَ إلى الله تعالى بخير الأعمال من الصلاة وأكبر الحسنات؟
قال: لا.
قال عليه السلام: فحين  لبَّيت نويت أنّك نطقت لله سبحانه بكل طاعة، وصَمَتَّ عن كلّ معصية؟
قال: لا.
قال عليه السلام:  ما دخلت الميقات ولا لبّيت20.

تلبية الإمام الصادق عليه السلام

وليتذكّر الملبّي أنّه يخاطب ربّ العالمين معلناً تلبية دعوة الضيافة، وهو يفكر: هل يقبله الله ضيفاً؟!!
وليتذكّر ما رواه أحدهم عن الإمام الصادق عليه السلام فقال: “لقد حججتُ معه سنة، فلمّا استوت به راحلته عند الإحرام كان كلَّما همَّ بالتلبية انقطع الصوت في حلقه، وكاد أن يخرّ من راحلته، فقلت: قُلْ يا ابن رسول الله! ولا بدّ أن تقول، فقال: يا ابن أبي عامر: كيف أجسر أن أقول “لبّيك اللَّهمَّ لبّيك”، وأخشى أن يقول تعالى لي: “لا لبّيك ولا سعدَيْك؟!”21.

محرَّمات الإحرام

وبالتلبية يَحْرُم على الإنسان أمور منها ما هو حلال في غير الإحرام لكنّه حرام عنده. والمتأمّل في هذه المحرَّمات يعرف أنّ الله تعالى أراد من خلالها في إحرامه أن يجعله مراقباً لنفسه أشدّ رقابة.
ـ فيراقب عينيه أن لا تقعا في مرآة ينظر فيها للزينة.
ـ ويراقب أنفه أن لا يشمّ به طيباً.

ـ ويراقب لسانه أن لا يجادل به.
ـ ويراقب جسده أن لا يُدميه بخروج الدم.

ـ ويراقب شعره أن لا يُسقط منه شيئاً.
ـ ويراقب قدمه أن يطأ بها على الهوامّ.

إنّها مدرسة تعلّمنا مراقبة الله في كلّ حركاتنا لتبقى المراقبة تواكب كلّ الحياة.

مكّة مدينة الضيافة الإلهيّة
ـ مُحرِماً نازعاً ثوبَ الدنيا لابساً ثوب الدين.
ـ محرِّماً على نفسه ما حرَّم الله عليه.
ـ مراقباً لكلّ حركاته وسكناته.
ـ ملبّياً دعوة الله للضيافة.

ينطلق الحاجّ إلى مدينة الله حيث الضيافة الربَّانية.

– إنّها مكّة التي شرّفها الله وقدَّسها.
– إنّها البلد الآمن بدعاء خليل الله إبراهيم ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ22.

– إنّها البلد الأمين الذي أقسم الله تبارك وتعالى به ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ23.
 إنّها أُمّ القرى التي قال الله تعالى فيها ﴿لِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا24.

– إنّها بكّة التي حازت شرف الله بوضع البيت العتيق25 فيها ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا26 وورد في سبب تسميتها بكّة أنّ الناس يتباكَوْن فيها27.
– إنّها أفضل مدينة على الأرض في حديث سيّد بني البشر القائل: “إنّ الله اختار من كلّ شيء شيئاً، اختار من الأرض مكّة…”.

من صُور الضيافة

تُرى أيُّ ضيافة هي التي دعا إليها ربُّ العالمين في مدينته المقدّسة؟!! هلمَّ معي نطّلعْ على بعض نماذج هذه الضيافة:

1 ـ ثواب التسبيح
للتسبيح ثواب جزيل عبَّر عنه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في إحدى جلساته “من قال سبحان الله غرس الله له شجرة في الجنّة”، لكنّ التسبيح في مكّة يختلف ثوابه كثيراً.
فأيّ ثواب هو لشخص يملك قيمة الضرائب الماليّة التي فُرضت في الإسلام لبيت المال في مدينتي البصرة والكوفة فأخذ كلّ هذه الأموال الطائلة فأنفقها في سبيل الله.

تُرى كم ثوابه؟!!
الإمام الصادق عليه السلام يقول: “تسبيحٌ بمكَّة يعدِل خراجَ العراقَيْن يُنفَق في سبيل الله”28.

2 ـ ثواب السجود

وأيُّ ثواب لمجاهد جُرح في معركة الجهاد ضدَّ الكفر فأخذ يتشحّط بدمه في البلاد؟!!
الإمام أبو جعفر عليه السلام يقول: “الساجد بمكّة كالمتشحِّط في البلدان”29.

3 ـ ثواب ختم القرآن

ولقراءة القرآن ثواب عظيم، إذ ورد أنّ يوم القيامة يقال لقارئ القرآن: اقرأ، فكلّما قرأ آية رَقِي درجة، ولختم القرآن ثواب أعظم، لكنّ الأعظم من هذا وذاك أن يختم القرآن في مكّة.
فعن الإمام أبي جعفر عليه السلام: “من ختم القرآن بمكّة لم يمت حتى يرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويرى منزله في الجنّة”30.

4 ـ ثواب النفقة

وأحبَّ الله النفقة في مكّة حتى ورد في ثوابها “الدرهم فيها بمائة ألف درهم”.

5 ـ ثواب المرض

وكرَّم الله المريض في مكّة حتى قال خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم: “من مرض مرضاً بمكّة كتب الله له من العمل الصالح الذي يعمله عبادة ستين سنة”31.

6 ـ ثواب الصبر على الحَرّ

وعوَّض الله على المعاناة في مكّة حتى قال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “من صبَر على حَرِّ مكّة ساعة تباعدت عنه النار مسيرة مائة عام، وتقرَّبت منه الجنّة  مسيرة مائة عام”32.

7 ـ ثواب النوم
حتى النوم في مكّة جعله الله محلّاً للثواب، فعن الإمام السجّاد عليه السلام: “النائم بمكّة كالمتشحِّط في البلدان”33.

آداب دخول مكّة

فإذا كانت مكّة هي محلَّ هذه الضيافة الإلهيّة نفهم جانباً من سرِّ تكريم الله تعالى لها حتى جعل لها حَرَماً حولها سنَّ له السُّنَن، وجعل لدخول مكّة آداباً منها:
1 ـ الغُسل
ففي فقه الرّضا عليه السلام: “فإذا بلغت الحرم فاغتسل قبل أن تدخل مكّة”34.

2 ـ الدخول بسَكينة

فعن الإمام أبي جعفر عليه السلام: “من دخل مكّة بسَكينة غُفر له ذنوبه”35.

3 ـ الدخول بتواضع
فقد حكى أبان بن تغلب أنّه حجّ مع الإمام الصادق عليه السلام فرأى الإمام حينما وصل إلى الحرم قد نزل فاغتسل وأخذ بنعليه ثمّ دخل الحرم حافياً، فصنع أبان مثل ما صنع الإمام، فقال له الإمام عليه السلام: “يا أبان من صنع مثلَ ما رأيتَني صنعتُ تواضعاً لله محا الله عنه مائة ألف سيّئة وكتب له مائة ألف حسنة، وقضى له مائة ألف حاجة”36.

وقد ركّزت أحاديث أهل العصمة عليهم السلام على كون الكِبْر مانعاً من الاستفادة من هذه الضيافة الإلهيّة ابتداءً من دخول مكّة، فعن الإمام الصادق عليه السلام: “… لم يهبط وادي مكّة أحدٌ ليس في قلبه من الكِبْر إلاّ غُفِر له”37.

ضيافة المسجد الحرام

وللضيافة في مكّة المكرّمة مقامات تبتدئ من نفس المدينة، وترقى في أفضل بقعة فيها، ففي الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: “إنّ الله اختار من كلِّ شيء شيئاً، اختار من الأرض مكّة، واختار
من مكّة المسجد…”.


والضيافة الربّانيّة في المسجد تتجلَّى بثواب الصلاة فيه ومن هذا الثواب.

1 ـ مئة  ألف صلاة
فعن الإمام الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام: “الصلاة في المسجد الحرام تَعْدِل مئة ألف صلاة”38.

2 ـ قبول كلّ الصلوات

فعن الإمام الباقر عليه السلام: “من صلّى في المسجد الحرام صلاة مكتوبة قَبِل الله منه كلّ صلاة صلاَّها منذ يوم وجبت عليه الصلاة، وكلّ صلاة يُصليّها إلى أن يموت”39.

3 ـ عُمرة مبرورة

فعن أمير المؤمنين عليه السلام: “النافلة في المسجد الحرام الأعظم تعدِل عُمرة مبرورة”.

4 ـ حِجّة مقبولة

ويكمل الإمام عليّ عليه السلام حديثه السابق بقوله: “… وصلاة الفريضة تعدِل حجّة مقبولة”.

ضيافة الكعبة

ويزداد مقام الضيافة وتتصاعد نوعيّة الثواب في مكان البيت العتيق لأنّه أفضل بقعة في المسجد، فتمام الحديث النبويّ الذي تعرّضنا له سابقاً هو: “إنّ الله اختار من كلّ شيء شيئاً، اختار من الأرض مكّة، واختار من مكّة المسجد، واختار من المسجد الموضع الذي فيه الكعبة”.

فما هي قصّة هذه الكعبة؟ وكيف تكون ضيافتها؟ فلنتابع الجواب بشيء من التفضيل.

تاريخ الكعبة

إنّ قصّة الكعبة ترتبط بالحوار الذي جرى بين الله تعالى وملائكته حينما أراد خلق الإنسان وقد ذكر القرآن هذا الحوار بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ40.

من الواضح أنّ الملائكة تفاجأت من إخبار الله تعالى لها بخلق الإنسان، وتساءلت عن ذلك بصورة اعتراض، ممّا يُفهمنا أنّ الملائكة الذين لا يعصَوْن الله ما أمرهم كانوا مسبوقين بأمر سبَّب سؤالهم هذا، فما هو هذا الأمر الذي أنتج سؤالاً على هيئة اعتراض؟

ذُكرت عدّة احتمالات:
الأوّل: أنّهم علموا أنّ المجعول خليفة (وهو الإنسان) ذو قوى ثلاث عليها مدار أمره وهي قوّة الشهوة وقوّة الغضب، وهما تؤديان به إلى الفساد وسفك الدماء، والقوة الثالثة عقليّة تدعوه إلى المعرفة والطاعة، فخافوا من سيطرة القوّتين الأوليَيْن على قوّة العقل ممّا يؤدّي إلى الفساد وسفك الدماء، فسألوا41.

الثاني: أنّهم كانوا مطّلعين على تجربة سابقة للمخلوق الذي فيه جنبة الاختيار ألا وهو الجِنّ، وفي بعض الروايات إضافة النسناس، وهؤلاء كانوا قد أفسدوا في الأرض42، فخافت الملائكة من تكرار التجرِبة.

الثالث: أنَّ هناك واقعاً سابقاً مع آدميّين قبل آدمنا (الخليفة في الآية) وكان ذلك الواقع فيه فساد في الأرض لذا سألت، ويُتمسّك لهذا الاحتمال بما رُوي: “قبل آدمكم هذا ألف ألف آدم”.

وعلى كلٍّ، فإنّ الله تعالى قال لملائكته ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ في إشارة منه تعالى إلى أنّ الملائكة لم تطّلع على الجانب الأساس الذي يمثّل سرّ الخلق. وتوضيح ذلك أنّ الملائكة كانت عارفة بالصفحات السوداء من مستقبل البشريّة المقبل، لكنّها لم تكن مطَّلعة على الصفحات النورانيّة المشرقة من ذلك المستقبل، وإشارةً إلى هذه الصفحات المشعَّة قال تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾. وأراد تعالى أن يُطلعهم على تلك الصفحات الناصعة بالطُّهر والعِصمة ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ43 هنا عرفت الملائكة نقصها المعرفيَّ، فقالت لربِّها تعبِّر عن عجزها: ﴿سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ44.

تُرى من هم أصحاب الأسماء؟!

من الواضح أنّهم من جنس العقلاء للتعبير عنهم في الآية بـ “هؤلاء” التي تُستعمل للعقلاء.
وإنّ توالي الآيات يُفهم المتدبِّر فيها أنّ هؤلاء هم سرُّ الخلق، إنّهم الصفوة الطاهرة التي تمثّل الصفحات النورانيّة من مستقبل البشريّة، إنّهم خلاصة البشر وصفوتهم وأهل الكرامة منهم.

لذا ورد في بعض الروايات أنّ الأسماء هي أسماء الحُجَج، حُجَج الله على الأرض، وعلى رأس هؤلاء الحجج أنوار خمسة أراهم الله لآدم وقال له ـ كما ورد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ـ “هؤلاء خمسة من وُلْدك، لولاهم ما خلقتُك، ولا خلقت الجنّة ولا النارَ، ولا العرشَ ولا الكرسيَّ ولا السماء ولا الأرض ولا الملائكة ولا الجِنّ ولا الإنسَ، هؤلاء خمسة شَقَقْتُ لهم اسماً من أسمائي، فأنا المحمود وهذا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وأنا الأعلى وهذا عليّ عليه السلام، وأنا الفاطر وهذه فاطمة عليها السلام وأنا ذو الإحسان وهذا الحسن عليه السلام وأنا المحسن وهذا الحسين عليه السلام”45.

وإشارة إلى هؤلاء الحُجَج قال تعالى لآدم: ﴿أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ﴾.

حينها عَلِمت الملائكة قصورها، فراحت تستغفر ربَّها ممّا صدر عنها من السؤال، فوضع الله تعالى لها في السماء الرابعة بيتاً بحِذاء العرش يُسمَّى الضّراح، ثمّ وضع في سماء الدنيا بيتاً يُسمَّى البيت المعمور وهو بحِذاء الضّراح46، ثمّ أمر الله الملائكة أن ترفع في الأرض بيتاً بحِذاء البيت المعمور47 في البقعة التي دحا من تحتها الأرض48 فكان البناء الأول للكعبة الشريفة.

وبعد أن خالف آدم ما أرشده إليه ربُّه، وأُنزل إلى الأرض عرَّفه جبرئيل موضع الكعبة، وفي بعض ما ورد أنّ آدم كان له دور في تأسيس البيت التأسيسَ الإنسانيّ لتكون الكعبة محلًّا لتوبته إلى الله تعالى.

الكعبة في عهد إبراهيم عليه السلام

وأبى الله تعالى للكعبة الشريفة ألّا تَدْخُلَ الأنبياءُ والأولياءُ في عمارتها عبر التاريخ، ففي عهد خليل الله إبراهيم عليه السلام أمره الله وابنَه إسماعيل أن يرفعا قواعد البيت. قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ49.

الكعبة في عهد محمّد صلى الله عليه وآله وسلم

وقبل بعثة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم انصدعت جدران الكعبة من السيل، فأراد أهل قريش بناءها من جديد فبلغوا القواعد التي وضعها إبراهيم عليه السلام، فلمّا أرادوا أن يزيدوا في عرضها وحرَّكوا القواعد التي وضعها إبراهيم عليه السلام أصابتهم زلزلة شديدة وظلمة، فكفّوا عنه، فلمّا بلغ البناء إلى موضع الحجر الأسود، تشاجرت قريش في وضعه، فقالت كلّ قبيلة نحن أولى به، نحن نضعه، فلمّا كثر القال والقيل بهم، تراضَوْا بقضاء من يدخل من باب بني شيبة، فطلع من هناك محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، فقالوا:  هذا الأمين قد جاء، فحكِّموه فبسط رداءه، ثمّ قال: “يأتي من كلّ رَبْعٍ من قريش رجل، فرفعوا الرداء، وأخذ النبيّ الحجر الأسود ووضعه بيديه المباركتين في مكانه”50.

الكعبة في عهد زين العابدين عليه السلام

وبعد أن خرَّب الحَجّاجُ بن يوسف الثقفيّ الكعبةَ بسبب مقاتلة عبد الله بن الزبير أرادوا تعميرَها ولمّا أرادوا أن ينصبوا الحجر الأسود، كان كلَّما نصبه عالم من علمائهم أو قاضٍ من قضاتهم أو زاهد من زهَّادهم يتزلزل ويضطرب، ولا يستقرّ في مكانه، فجاء الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام، وأخذه من أيديهم، وسمَّى الله، ثمّ نصبه فاستقرّ في مكانه وكبَّر الناس، وقد أُلهم الفرزدق بقوله:
يكادُ يُمسِكُهُ عُرفانَ راحتِهِ      رُكْنُ الحطيمِ إذا ما جاءَ يستلمُ51

آخر بناء للكعبة

كان آخرُ بناء للكعبة الشريفة بعد السيل العظيم الذي دخل المسجد الحرام من أبوابه ثمّ دخل الكعبةَ المكرَّمة عام 1039هـ، وكان المؤسّس لهذا البيت هو أحد علماء مذهب أهل البيت عليه السلام وهو السيّد زين العابدين الحسيني الكاشاني نزيل مكّة، والمستشهد فيها عام 1042هـ، فقد تحدّث السيّد زين العابدين مع الشريف الذي كان متولّياً لشؤون المسجد الحرام مقنعاً إيّاه أنّ البناء يكون بمال أهل الحقّ ومباشرتهم حتى مع انتسابه ظاهراً إلى السلطان، اقتنع الشريف بذلك أول الأمر، ثم خوَّفه الناس فأعرض عنه.

وذات يوم رأى مسكين في المنام أنه وضعت جنازة الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام في قِبال الكعبة، وصلّى عليه خاتم النبيّين صلى الله عليه وآله وسلم مع جميع الأنبياء عليهم السلام، وأنّه قال للسيّد زين العابدين: خذ التابوت وادفنه جوف الكعبة.

قصَّ الشريف المنام للسيد زين العابدين ففسّره له بأنّ الإمام لا يدفنه إلاّ الإمام ومنصب دفن أبي عبد الله عليه السلام كان للإمام زين العابدين، فهو إشارة إلى أنّ وضع الأساس الذي كان من مناصبه قد حُوِّل إليه، أي إلى السيّد زين العابدين. وفعلاً أصبح السيّد زين العابدين يتولّى شؤون عمارة البيت.

وقد ذكر هذا السيّد الشهيد قصّة بنائه للكعبة بتفاصيلها في كتاب سماه “مفرحة الإمام في تأسيس بيت الله الحرام”52.

أسماء الكعبة

وسُمِّيت بأسماء عديدة منها:

1ـ الكعبة:
وقد سئل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن علّة تسميتها بالكعبة فأجاب “لأنّها وسط الدنيا”53.
وقد سئل الإمام الرضا عليه السلام عن علّة وضع البيت وسط الدنيا، فعلّل بقوله: “إنّه الموضع الذي من تحته دُحيت الأرض”54.

2ـ البيت العتيق

وقد سئل الإمام أبو جعفر عليه السلام عن علّة تسميته بالبيت العتيق فقال: “لأنّه بيت حُرّ عتيق من الناس ولم يملكه أحد”55.

3- البيت الحرام

وقد علَّل الإمام الصادق عليه السلام هذه التسمية بقوله: “لأنّه حُرّم على المشركين أن يدخلوه”56.

أركان الكعبة

وبُنيت الكعبة على أركان أربعة لأنّها بحِذاء العرش المربَّع وذلك لأنّ الكلمات التي بُني عليها الإسلام أربع: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر57.
وقد سُمّي كلّ ركن باسم قد يشير إلى العمل المطلوب في ذلك الركن فسُمّي:
ـ ركن الحجر الأسود بـ(باب الرحمة).
ـ والركن الشامي بـ(باب التوسُّل).
ـ والركن اليماني باب التوبة، وهو باب آل محمّد58.

ضيافة الكعبة

هذه هي قصّة الكعبة وتاريخها، وهذه أسماؤها وأسماء أركانها، فما هو نوع ضيافة الله فيها؟
النظر إليها وتبدأُ الضيافة من النظر إلى الكعبة ـ الذي ورد فيه عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: “النظر إلى الكعبة حيالَها يهدِم الخطايا هدماً”59.

وعن الإمام الصادق عليه السلام: “من أيسر ما يُنظَرُ إلى الكعبة أن يعطيَه الله بكلّ نظرة حسنة، ويمحي عنه سيّئة ويرفع له درجة”60.

وأيضاً ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: “لله تبارك وتعالى حول الكعبة عشرون ومائة رحمة، منها سِتّون للطائفين، وأربعون للمصلّين، وعشرون للناظرين”61.
وفي بعض الأحاديث ما يدلّ على آثار النظر لكن بشرط معرفة حقّها، فعن الإمام الباقر عليه السلام: “من نظر إلى الكعبة عارفاً بحقّها غُفِر له ذنبه وكُفِيَ ما أَهَمَّه”62.

وتستمرّ ضيافة الكعبة في الطواف حولها وفي أعمال أحبَّها الله تتعلّق بجدرانها الشريفة وأركانها الطاهرة ومحيطها المبارك.

الحجر الأسود

نبدأ من تلك الأعمال وبالتحديد من الحجر الأسود الذي لا تُفهمُ ضيافتُه بحقّ إلاّ حينما نتعرَّف على سرِّه المكنون, لنكون من العارفين بحق الكعبة.
وسرُّه يبدأ من حين أخذ الله مواثيق بني آدم عليه السلام وهم في صلبه وقد ذكر القرآن قصّة أخذ المواثيق هذه بقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ63.

إنّه ميثاق التوحيد الذي يعرفه كلّ إنسان بتلك الفطرة التي زرعها الله تعالى في داخل الإنسان، فهو وإن نسي الموقف، ولكنّ أثره وهو معرفة الله وتوحيده باقٍ في داخله.
حتّى في أولئك الكافرين البعيدين عن الله تعالى تظهر فطرتهم  في مواطن، فإذا بهم يشعرون بوجود الله وتتعلّق قلوبهم به.

ألا ترى أنّ الطفل يحبُّ أمّه فطريّاً من دون تعليم معلِّم وتربية مربٍّ؟ ولكن إذا وضع أمام الطفل ألعاب، قد يغفل عن أمّه وينساها لاهياً بتلك الألعاب، فإذا التقط الطفل  أثناء لعبه جمرة تؤذيه فإنّ أوّل صوت يصدر عنه هو “ماما”، إنّه الشعور الفطريّ الذي يتحرّك عند الاحساس بالخطر، وكذلك المُلحد تنسيه ذنوبُه ربَّه، وتضَعُ ستاراً بينهما، ولكن عند الخطر يتعلّق قلبه بالله، كذلك البحّار الذي تشرَّف بلقاء الإمام الصادق عليه السلام وطلب منه أن يعرِّفه الله، فقال الإمام للسائل، يا عبد الله هل ركبت سفينة قَطّ؟
قال: بلى.
قال عليه السلام: فهل كسرت بك حيث لا سفينةَ تُنجيك ولا سباحةَ تُغنيك؟
قال: بلى.
قال عليه السلام: فهل تعلَّق قلبك هناك أنّ شيئاً من الأشياء قادر على أن يخلّصك من ورطتك؟
قال: بلى.
قال عليه السلام: فذلك الشيء هو الله القادر على الإنجاء حين لا مُنجٍ وعلى الإغاثة حين لا مُغيث”64.

إنّها﴿فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا65.

نعم قد يسترها غبار الخطايا والذنوب حتى يقتربَ العذاب، ويشعرَ الإنسان بالخطر، فترجعَ جليّةً في داخل الإنسان حتى المشرك بالله.

وهذا ما أكّده القرآن الكريم في عديد من آياته.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ66.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى