كيف تـرجع كما ولدتك أمك؟

 بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف الخلق وأعزّ المرسلين حبيب إله العالمين أبي القاسم محمّد وآله الطاهرين.

القلب الأبيض

يولد الإنسان وقلبه كالصفحة البيضاء طاهراً ناصعاً غير ملوَّث بالذنوب ولا مدنَّس. وأحبَّ الله تعالى أن يُبقيَ الإنسانُ قلبَه بهذه الطهارة القلبيّة وهذا النقاء المعنويّ، ورفع من شأن هذا القلب واعتبره مَسْكناً له.

قلبُ المؤمن بيتُ الله

فقد ورد أنّ الله تعالى أوحى إلى نبيّه داود عليه السلام “فرِّغ لي بيتاً أسكنْ فيه، فقال عليه السلام يا ربّ، إنّك تَجِلّ عن المسكن، فأوحى إليه: فرِّغ لي قلبَك”1.
ونفس المُفاد ورد في حديث قدسيّ قال فيه تبارك وتعالى: “لا تَسَعُني أرضي ولا سمائي، ولكنْ يسَعُني قلبُ عبديَ المؤمن”2.

وعصى الإنسان فسوَّد قلبَه

لكنّ أكثر الناس لم يحافظوا على نقاوة قلوبهم وصفائها، فعصَوْا ربَّهم، فإذا بنقاط المعاصي السوداء تنتشر في صفحة القلب البيضاء، وهذا ما حذّر منه أهلُ العِصمة عليهم السلام.
فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “إذا أذنبَ العبدُ نكتَتْ في قلبه نُكتة سوداء”3. إنّه الرَّيْنُ الذي أخبر عنه قرآننا الكريم ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ4.

آثار المعاصي على القلب

وللذنوب آثار وخيمة على قلب الإنسان، ومن تلك الآثار:

1 ـ قساوة القلب
فعن أمير المؤمنين عليه السلام: “ما جفَّت الدموع إلاّ لقسوة القلوب، وما قست القلوب إلاّ لكثرة الذنوب”5.

2 ـ انقلاب القلب

فعن الإمام الصادق عليه السلام: “كان أبي يقول: ما شيء أفسد للقلب من الخطيئة، إنّ القلبَ ليواقعُ الخطيئة، فما تزال به حتى تغلِبَ عليه فيصيرَ أسفلُه أعلاه وأعلاه أسفلَه”6.

3 ـ حرمان القلب

وتحرم الذنوبُ القلبَ من النظر إلى كرامات الله تعالى، فقد ورد في الحديث النبويّ: “لولا أنّ الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى الملكوت”7.
إنّه الحرمان من ضياء نظر القلوب الذي كان يشير إليه أمير المؤمنين عليه السلام في مناجاته: “… إلهي هَبْ لي كمال الانقطاع إليك وأَنِرْ أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك. حتى تخرُقَ أبصارُ القلوب حُجُبَ النور، فتصلَ إلى معدِنِ العظمة، وتصيرَ أرواحنا معلَّقة بعزِّ قدسك”8.

آثار الذنوب في دعاء كُميل

وإضافة إلى آثار المعاصي على قلب الإنسان فإنّ لها آثاراً أخرى ذكرها أمير المؤمنين عليه السلام في دعائه المعروف بدعاء كُميل ونحن نذكرها هنا تباعاً:

1 ـ اللَّهمَّ اغفر ليَ الذنوبَ التي تَهْتِك العِصَم
العِصَم من العصمة وهي المَنْعة، فمن الذنوب ما له أثر إزالة مناعة العبد من الوقوع في الحرام، فما هي هذه الذنوب التي تكون سبباً لمناعة الإنسان المعنويّة من الوقوع في المحرَّمات؟!
رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّها: “شرب الخمر، واللَّعِب بالقمار، وفعلُ ما يضحك الناس من المُزاح واللَّهْو، وذكر عيوب الناس، ومجالس أهل الرِّيَب”9.

2 ـ اللَّهمَّ اغفِرْ ليَ الذنوبَ التي تُنزِلُ النِّقَم

النَّقَم جمع نِقمة وهي العقوبة. فمن الذنوب ما يكون سبباً لإنزال العقوبة الإلهيّة على الإنسان.
وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام تَعدادُ لهذه الذنوب وهي: “نقضُ العهد، وظهورُ الفاحشة، وشيوعُ الكذب، والحُكمُ بغير ما أنزل الله، ومنعُ الزكاة، وتطفيفُ الكَيْل”.

وقد نقل الإمام الصادق عليه السلام بعد تعداد هذه الذنوب حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول فيه: “خَمْسٌ بِخَمْس”، قالوا: يا رسول الله ما خمسٌ بخمس؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم:
ـ “ما نقَضَ قومٌ العهدَ إلاّ وسلّط الله عليهم عدوَّهم.
ـ وما ظهرت عنهم الفاحشة إلاّ وقد فشى فيهم الموت.
ـ وما شاع فيهمُ الكذب والحُكم بغير ما أَنزلَ الله إلاّ وقد فشى فيهم الفقر.
ـ وما منعوا الزّكاةَ إلاّ حُبس عنهم القَطْر.
ـ وما طفَّفوا الكيْلَ إلاّ مُنعوا النباتَ، وأَخذوا بالسّنين”
10.

3 ـ اللَّهمَّ اغفر ليَ الذنوب التي تُغيِّر النِّعمَ

النّعم جمع نعمة وهي ما تفضَّل الله به على عبده، من الرزق والعافية وغيرهما. فبعض الذنوب تُزيل هذه النِّعم.
فعن أمير المؤمنين عليه السلام: “… فما زالت نعمة ولا نضارةُ عيش إلاَّ بذنوب اجترحوها إنّ الله ليس بظلّام للعبيد”11.

وكأمثلة لهذه النّعم التي قد يُحرَم منها المذنب تعرَّضتِ الروايات لما يلي:

– زوال العلم
فعن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “اتقوا الذنوب، فإنَّها ممحقة للخيرات، إنّ العبد ليذنب الذنب فيُنسى به العلمَ الذي كان قد عَلِمه”12.

– حرمان قيام الليل

ففي نفس الرواية السابقة: “وإنّ العبد لَيذنبُ فيُمنَعُ به من قيام الليل”13.

– حرمان الرزق

ويُكمل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: “وإنّ العبد لَيذنبُ فيُحرمُ به الرّزقَ، وقد كان هنيئاً له”14.

فما هي تلك الذنوب التي لها هذه الآثار؟

يحدّدها الإمام الصادق عليه السلام بالتالي: “تَرْك شكر المُنعِم، الافتراء على الله والرسول، قَطْع صِلة الرَّحِم، تأخير الصلاة عن أوقاتها، الدياثة، وترك إغاثة الملهوفين المستغيثين، وترك إعانة المظلومين”15.

وكتطبيق لهذا المضمون ورد عن الإمام الباقر عليه السلام: “وإنّ اليمين الكاذبة وقطيعة الرحمن لَتَذَرانِ الديارَ بلاقعَ من أهلها”16.

والبَلاقعُ، في اللغة، من البلقع، وهي الأرض القَفْر17.

4 ـ اللَّهمَّ اغفر ليَ الذنوبَ التي تحبس الدعاء
وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنّ الذنوب “التي تَرُدّ الدعاء وتُظلم الهواء عُقوقُ الوالدين”18، و“… سوءُ النيّة، وخبثُ السريرة، والنّفاقُ مع الإخوان، وتركُ التصديق بالإجابة، وتأخيرُ الصلوات المفروضات حتى تَذهبَ أوقاتُها، وتركُ التقرُّب إلى الله عزَّ وجلَّ بالبِرّ والصدقة، واستعمالُ البَذاء والفحش في القول”19.

5 ـ اللَّهمَّ اغفِرْ ليَ الذنوبَ التي تُنزِلُ البلاء

وقد ورد عن الإمام زين العابدين عليه السلام أنّ هذه الذنوب هي “تركُ إغاثة الملهوفين، وتركُ معاونة المظلوم، وتضييعُ الأمر بالمعروف والنهيِ عن المنكر”20.
وفي بعض الأخبار أنّها سبع: “الشِّركُ بالله، وقَتْلُ النفس التي حرَّم الله تعالى، وقذفُ المُحصِنة، وأكلُ مالِ اليتيم ظلماً، والزنا، والفرارُ من الزحف، والسّرِقة”21.

6 ـ اللَّهمَّ اغفر ليَ الذنوب التي تقطع الرّجاء

والذنوب التي تقطع الأمل برحمة الله تعالى هي ـ كما عدّدها الإمام الصادق عليه السلام ـ “اليأسُ من روح الله، والقنوطُ من رحمة الله، والثقةُ بغير الله، والتكذيبُ بوعد الله عزَّ وجلَّ”22.

  • كتاب كيف ترجع كما ولدتك أمك؟، سماحة الشيخ أكرم بركات.

المصادر والمراجع

1-  التستري، الخصائص الحسينيّة، تحقيق الحسيني، منشورات أنوار الهدى والاعتصام، قُمّ، ص396.
 2-  المصدر السابق.
 3-  الري شهري، ميزان الحكمة، منشورات الدار الإسلاميّة، بيروت، ج8، ص236.
 4-  سورة المطفّفين، الآية: 14.
 5-  المجلسي، بحار الأنوار، منشورات مؤسّسة الوفاء، بيروت، ج70، ص55.
 6-  المصدر السابق، ص54.
 7-  المصدر السابق، ص59، وفي جامع السعادات للنراقي، ج1، ص43، “يحرمون إلى”.
 8-  المجلسي، بحار الأنوار، ج94، ص99.
 9-  الطريحي، مجمع البحرين، تحقيق الحسيني، منشورات مؤسّسة الوفاء، بيروت، ج6، ص116، المجلسي، بحار الأنوار، ج73، ص375.
 10-  بحر العلوم، أضواء على دعاء كميل، منشورات دار الزهراء، بيروت، ص126.
 11-  الري شهري، ميزان الحكمة، ج3، ص465.
 12-  المجلسي، بحار الأنوار، ج73، ص377.
 13-  المصدر السابق.
 14-  المصدر السابق.
 15-  بحر العلوم، أضواء على دعاء كميل، ص128.
 16-  المصدر السابق، ص129.
 17-  المنجد في اللغة، منشورات دار المشرق، ص49.
 18-  المجلسي، بحار الأنوار، ج73، ص373.
 19-  المصدر السابق، ص376.
 20-  بحر العلوم، أضواء على دعاء كميل، ص132.
 21-  المصدر السابق.
 22-  المجلسي، بحار الأنوار، ج73، ص376.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى