ظاهرة النفاق في المجتمع

بسم الله الرحمن الرحيم

ظهور النفاق وأسبابه:

حينما تندلع الثورة في منطقة معينة فإن مصالح الفئة الظالمة الناهبة المستبدة تتعرض للخطر حتما، خاصة إذا كانت الثورة مثل ثورة الإسلام تقوم على أساس الحق والعدالة. هذه الفئة تسعى للإطاحة بالثورة عن طريق السخرية والاستهزاء أولا، ثم بالاستفادة من القوة المسلحة والضغوط الاقتصادية، والتضليل الاجتماعي. وحين تبدو في الأفق علامات انتصار الثورة تعمد فئة من المعارضين إلى تغيير موقفها، فتستسلم ظاهريا، وتتحول في الواقع إلى مجموعة معارضة سرية. هؤلاء يسمون ” منافقين ” لانطوائهم على شخصيتين مختلفتين (المنافق مشتقة من النفق: وهو الطريق النافذ في الأرض المحفور فيها للاستتار أو الفرار)، وهم أخطر أعداء الثورة، لأن مواقفهم غير واضحة، والأمة الثائرة لا تستطيع أن تعرفهم وتطردهم من صفوفها، لذلك يتغلغلون في صفوف الناس المخلصين الطيبين، ويتسلمون أحيانا المناصب الحساسة في المجتمع. ثورة الإسلام في عصرها الأول واجهت مثل هذه المجموعة. فبعد الهجرة المباركة وضعت أول لبنة للدولة الإسلامية في المدينة المنورة، وازداد الكيان الإسلامي الوليد قوة بعد إنتصار المسلمين في غزوة “بدر”. وهذه الانتصارات عرضت للخطر مصالح زعماء المدينة، وخاصة اليهود منهم، لأن اليهود كانوا يتمتعون في المدينة بمكانة ثقافية واقتصادية مرموقة. وهؤلاء أنفسهم كانوا يبشرون قبل البعثة النبوية المباركة بظهور النبي. كما كان في المدينة أفراد مرشحون للزعامة والملكية، لكن الهجرة النبوية بددت آمال هؤلاء.

المتضررون من الدعوة رأوا أن الجماهير تندفع نحو الإسلام، وتنقاد إلى النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى عمت الدعوة ذويهم وأقاربهم. وبعد مدة من الدين الجديد، لم يروا بدا من الاستسلام والتظاهر بالإسلام، تجنبا لمزيد من الأخطار الاقتصادية والاجتماعية وحذرا من الإبادة، خاصة وأن قوة العربي تتمثل في قبيلته، والقبائل أسلمت للدين الجديد لكن هؤلاء راحوا يخططون خفية للإطاحة بالإسلام.

بعبارة موجزة، إن ظاهرة “النفاق” في المجتمع، تعود إلى عاملين:
أحدهما، إنتصار الثورة وسيطرة الرسالة الثورية على المجتمع.
والآخر: انهزام المعارضين نفسيا، وفقدانهم للشجاعة الكافية لمواجهة المد الجديد، واضطرارهم إلى الاستسلام الظاهري أمام الدعوة.

ضرورة معرفة المنافقين في كل مجتمع:

ظاهرة النفاق والمنافقين لا تختص – دون شك – بعصر الرسالة الأول، بل هي ظاهرة عامة تظهر بشكل وآخر في كل المجتمعات. من هنا لابد للجماعة المسلمة أن تعرف أوصافهم كما جاء في القرآن، كي تحبط مؤامراتهم وتقف بوجههم. في سورة المنافقين وغيرها وفي النصوص الإسلامية وردت للمنافقين أوصاف مختلفة منها:
1 – كثرة الضجيج والإدعاءات الفارغة، أو بعبارة أخرى: كثرة القول وقلة العمل المفيد المتزن.
2 – التلون والتذبذب، فمن المؤمنين يقولون ” آمنا ” ومع المعارضين يقولون ” إنا معكم “.
3 – الانفصال عن الأمة، وتشكيل الجمعيات السرية وفق خطط مبيتة.
4 – المكر والخداع والكذب والتملق والنكول والخيانة.
5 – التعالي على الناس، وتحقيرهم، واعتبارهم بلهاء سفهاء، إلى جانب الاعتداد بالنفس.

على أي حال، ازدواجية الشخصية، والتضاد بين المحتوى الداخلي والسلوك الخارجي في وجود المنافقين، يفرز ظواهر عديدة بارزة مشهودة في أعمالهم وأقوالهم وسلوكهم الفردي والاجتماعي. وما أجمل تعبير القرآن في حق هؤلاء إذ يقول: في قلوبهم مرض، وأي مرض أسوأ من ازدواجية الظاهر والباطن، ومن التعالي على الناس؟!! هذا المرض مثل سائر الأمراض الخفية التي تصيب القلب لا يمكن اخفاؤه تماما، بل تظهر علائمه بوضوح على جميع أعضاء الإنسان.

سعة معنى النفاق:

النفاق في مفهومه الخاص – كما ذكرنا – صفة أولئك الذين يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر. لكن النفاق له معنى عام واسع يشمل كل ازدواجية بين الظاهر والباطن، وكل افتراق بين القول والعمل. من هنا قد يوجد في قلب المؤمن بعض ما نسميه ” خيوط النفاق “. ففي الحديث النبوي: ” ثلاث من كن فيه كان منافقا وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: من إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف “. الحديث لا يدور هنا طبعا عن المنافق بالمعنى الخاص، بل عن الذي في قلبه خيوط من النفاق، تظهر على سلوكه بأشكال مختلفة، وخاصة بشكل رياء، كما جاء في الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام): ” الرياء شجرة لا تثمر إلا الشرك الخفي، وأصلها النفاق” .

في نهج البلاغة نص رائع في وصف المنافقين عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) يقول فيه: “أوصيكم عباد الله بتقوى الله، وأحذركم أهل النفاق، فإنهم الضالون المضلون، والزالون المزلون ، يتلونون ألوانا، ويفتنون إفتتانا ، ويعمدونكم بكل عماد، ويرصدونكم بكل مرصاد، قلوبهم دوية وصفاحهم نقية. يمشون الخفاء، ويدبون الضراء وصفهم دواء، وقولهم شفاء، وفعلهم الداء العياء، حسدة الرخاء، ومؤكدو البلاء، ومقنطوا الرجاء، لهم بكل طريق صريع وإلى كل قلب شفيع، وإلى كل شجو دموع يتقارضون الثناء ويتراقبون الجزاء: إن سألوا ألحفوا، وإن عذلوا كشفوا.. . “.


  • الشيخ ناصر مكارم الشيرازي- بتصرّف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى