سرّ الخلق

لماذا خلق الله العالمَ؟
إنّ الجواب ينبع من معرفة صفات الله تعالى التي منها الحكمة، وهي تعني وضع الشيء في موضعه المناسب. ومن المعلوم أنّ عدم وضعه كذلك ينشأ من صفات جلّت الذات المقدّسة عنها كالجهل والعجز والبخل، وكلّها مسلوبة عنه عزّ وجلّ بالدليل العقليّ القطعيّ.

وبما أنّ هذا العقل هو الذي أوصل إلى الاعتقاد بأنّه حكيم، فمنه ينبثق السؤال عن سرّ حكمته في إيجاد المخلوقات.
والجواب لا بدّ أن يتواءم مع سائر صفاته تعالى التي منها صفة الغنى وعدم الحاجة إلى أيّ شيء، وبالتالي فإنّ الحكمة من وجود الخلق لا بدّ أنْ ترجع إلى المخلوقات نفسها، أي لصالحها، طالما أنْ لا مصلحة ترجع إلى الله الغنيّ.

على هذا الأساس، فإنّ الإجابة عن سرّ الخلق قد يكمن في كلمة واحدة هي “الكمال”، فهو خلقها لأجل كمالها.

والكمال للمخلوقات يتحقّق بنوعين:
الأوّل: الكمال القهريّ، فالكواكب تتكامل في سيرها القهريّ، إشعاعًا في الشمس، وإضاءةً في القمر، ودورانًا في الأرض، والملائكة تتكامل تسبيحًا وتقديسًا، وعروجًا وتدبيرًا، والتربة تتكامل بذرةً، ثمّ نبتةً، ثمّ نطفةً، ثمّ بيضةً، ثمّ فرخًا، والفرخ يتكامل نسرًا يحلّق في عنان السماء، وهكذا.

الثاني: الكمال الاختياريّ، ونموذجه الأرقى هو الإنسان الذي أراد الله تعالى من خلقه أن يتكامل في سيره بإرادته الاختياريّة.

وممّا لا شكّ فيه أنّ السير التكامليّ الاختياريّ هو أرقى من التكامل الاضطراريّ القهريّ.
والتكامل الإنسانيّ يتصوّر بشكل واضح في فرد الإنسان من خلال علاقته بالكمال المطلق، فكلّما اقترب منه كلّما ازداد تألّقًا في كماله.

وهذا الكمال يمكن تحقيقه في أيّ إنسان، مهما كانت الظروف التي يمرُّ بها والبيئة التي يعيش فيها، وكفى مثلاً صارخًا في هذا الأمر امرأة فرعون التي كانت سيّدة قصره، وقد وقف أمام إيمانها أمران أساسيّان:
الأوّل: ترك رغد العيش ونعيمه.
الثاني: مواجهة العذاب من قبل فرعون الذي كان يستعبد الناس.

ومع الصعوبة البالغة في هذه البيئة أصرّت آسية بنت مزاحم على موقف الإيمان والتزكية رغم أنّها مُدّت بين أربعة أوتاد في تعذيبها الشديد، ومع ذلك صمدت، فقدّمها الله تعالى نموذجًا بقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ1.

لذا لا يصحّ لأحد الإدّعاء بمنع مانع من السير في طريقِ كماله الفرديّ.

بعد هذا نسأل:
هل الكمال الإنسانيّ يقتصر على كمال الفرد، أو أنّه يوجد كمال آخر يتعلّق بالقافلة الإنسانيّة؟
وبعبارة أخرى: هل هناك تقدير إلهيّ لمسيرة الناس بحيث ينتهي المجتمع الإنسانيّ إلى خاتمة لعلّها ذات صفة كماليّة تتناسب مع حكمة الله تعالى؟

وبلغة أخرى: ما هي خلفيّة الإجابة الإلهيّة في الحوار الذي جرى بين الله تعالى والملائكة حينما سألته بلغة الاعتراض: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ2، فقال عزّ وجلّ لها: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ3، فهل معنى ذلك أنّ الصفحات القادمة من تاريخ البشريّة ستُختم بنهاية بيضاء ناضرة بعد السواد الحالك؟

إنّ هذا السؤال بصيغه المتعدّدة هو محور البحث الآتي حول التقدير الإلهيّ لقافلة البشريّة.

  • كتاب قافلة البشرية، سماحة الشيخ أكرم بركات.

المصادر والمراجع

1- سورة التحريم، الآية 11.
2- سورة البقرة، الآية 30.
3- المصدر نفسه.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى