شعار الوحدة الإسلامية ضرورة لا عبثية

لم تتسنّم كربلاء موقعها المرموق في قلوب وضمائر الناس بمجرّد كونها حادثة انعدم نظيرها في التاريخ البشري من حيث المأساة وعظم الفاجعة؛ بل ينظم إلى ذلك ما رافقها من مكوّنات وعناصر جعلت منها واحدة من أهم المحطّات التي يستلهم منها الدروس والعبر في الحياة، فما من تحليل ينال بعداً من أبعادها أو حلقة من مفاصلها أو موقف أو شخصية أو أرض وما شابه إلا ويَغْنَى بما يفتّح البصيرة ويلهم الهدى، ولذا يصح أن يقال أن كربلاء مدرسة جامعة لإعداد النفوس وتربية الذوات.

وكنموذج واضح لما مضى نحاول بما تيسّر دراسة وتحليل إحدى الشخصيّات العملاقة التي حازت الظفر بكربلاء بدبّها عن الإمام الحسين(عليه السلام) والدفاع عن حريمه، وهي شخصيّة الحر بن يزيد الرياحي (رحمه الله).

هذه الشخصيّة المثيرة والمحيّرة تكمن العبرة في الحديث عنها من خلال ملاحظة المحتوى الداخلي لها والذي أنجم في البدء عن اعتراض طريق الإمام(عليه السلام) ومحاصرته والوقوف ضدّه ثم انتهى بالتوبة والاستبسال في نصرته(عليه السلام) ونيل الشهادة بين يديه، وشتّان ما بين المبدأ والمنتهى، فما السبب الذي دعى الحر للقبول بمعارضة الإمام(عليه السلام) حتى جرى ما جرى؟ ثم ما الذي هزَّ كيانه بعنف فأفاق وتحوّل عن غشوته؟ وبالتأكيد أن الوقوف على سرِّ هذا التحوّل المصيري في لحظات صعبة جداً كساحة الحرب ينفعنا كثيراً في التبصّر في الحياة، وبكيفيّة إنقاد أنفسنا مما يأسرها.

 من هو الحرّ بن يزيد الرياحي؟ هو أحد الأشراف والرؤساء في عشيرته(1)، وكان شجاعاً معروفاً، ولكن للأسف لم تتعرّض كتب السير والتواريخ كثيراً حول شخصيّته إلا بما يتّصل بموقفه مع الإمام الحسين(عليه السلام) حتى استشهاده في كربلاء، وما ينفعنا في المقام هو أنه كان من رؤساء الجهاز الأموي في الكوفة ومن المحسوبين عليه، بدليل أنه لمّا ندبه ابن زياد لمعارضة الإمام الحسين(عليه السلام) قبل الدعوة وخرج بألف فارس، حيث تشير بعض النقولات أنه قال للإمام(عليه السلام) في أحد حواراته: «غير أنّي قد أخذت ببيعة القوم وخرجت إليك»(2)، أضف إلى ذلك أنه لمّا حاجّه الإمام(عليه السلام) هو ومن معه بأن أهل البيت(عليهم السلام) أولى بولاية الأمر من المدّعين وذكر الكتب التي أرسلها الكوفيّون قال الحرّ: «فإنا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد أمرنا إذا نحن لقيناك ألا نفارقك حتى نقدمك على عبيدالله بن زياد»(3) ممّا يستشف منها ظاهراً تقديمه الولاء لبني أمية منه إلى أهل البيت(عليهم السلام).

لكن في المقابل لم يكن يجهل ما للإمام الحسين وآل بيته(عليهم السلام) من قدر ووجاهة عند الله، ويعضد هذا شواهد عدّة، منها: أ- عندما قال له الإمام الحسين(عليه السلام): أتريد أن تصلّي بأصحابك؟ قال: لا، بل تصلّي أنت ونصلّي بصلاتك(4).

 ب- عندما حال جيش الحر بين حرم الإمام(عليه السلام) والانصراف قال الإمام للحر: «ثكلتك أمك ماذا تريد؟ قال: أما والله لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل الحال التي أنت عليها ما تركت ذكر أمّه بالثكل أن أقوله، كائناً من كان، ولكن والله ما لي إلى ذكر أمّك من سبيل إلا بأحسن ما يقدر عليه»(5).

ج- قوله للإمام(عليه السلام): «أبا عبدالله، إني لم أؤمر بقتالك، وإنما أمرت أن لا أفارقك أو أقدم بك على ابن زياد! وأنا والله كارهٌ إن سلبني الله بشيء من أمرك! غير أني قد أخذت ببيعة القوم وخرجت إليك! وأنا أعلم أنه لا يوافي القيامة أحد من هذه الأمة إلا وهو يرجو شفاعة جدّك محمد(صلّى الله عليه وآله)! وأنا خائف إن قاتلتك أن أخسر الدنيا والآخرة! ولكن خذ عني هذا الطريق وامض حيث شئت…»(6)، وفي نقل آخر: «إني لم أؤمر بقتالك وإنما أمرت أن لا أفارقك حتى أُقدمك الكوفة! فإذا أبيت فخذ طريقاً لا تدخلك الكوفة ولا تردّك المدينة، لتكون بيني وبينك نصفاً… فلعلّ الله إلى ذاك أن يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أُبتلى بشيء من أمرك»(7).

 د- ما ورد أن الحر بعدما هداه الله وانضم لمعسكر الحق قال للإمام(عليه السلام): «لمّا وجّهني عبيدالله إليك خرجت من القصر فنوديت من خلفي: أبشر يا حرّ بخير! فالتفتُّ فلم أر أحداً! فقلت: والله ما هذه بشارة وأنا أسير إلى الحسين(عليه السلام)!! وما أحدّث نفسي باتباعك»(8)، وفي نقل آخر: «فقلت: ثكلت الحر أمّه يخرج إلى قتال ابن رسول الله ويبشّر بالجنّة؟!»(9).

وهذا الأمر هو ما يبعث الحيرة والعجب من هذه الشخصيّة؛ حيث تتغالب فيه قوّتان ويستولي عليه ميلان، كل يشدّه نحو طرف مقابل، ويحتدم الصراع حتى تصل لحظة الذروة، ساعة المصير الحاسم بين نزال الإمام المظلوم(عليه السلام) أو الانتصار له، فيختار سبيل الكرامة ويلبس ثوب العزّة والإباء، ويسجّل اسمه في ديوان الخالدين وأنصار الحسين(عليه السلام).

 سبر في أغوار شخصيّة الحرّ للوصول إلى تحليلٍ مجدٍ ودقيق لسر الازدواجيّة التي اكتنفت موقف الحرّ (رحمه الله) قبل تبدّله قبيل واقعة كربلاء لا بد من محاولة اقتناص كل ما يعين على اكتشاف المحتوى النفسي والداخلي لشخصيّته؛ فإن التعمّق في دراسة أبعاد النفس يعين في فهم العلاقة بينها وبين صنع المواقف والقرارات.

 وهنا نجد أن أقوال وتصرّفات الحرّ قبل عاشوراء تحكي عن كراهتين تختمران في قلبه؛ إحداها ترتبط ببقائه في منصبه القيادي الرفيع من بين رؤساء الكوفة، حيث يكره أن تسلب منه، والثانية تتعلّق بقتال الحسين(عليه السلام)، فهو يكره أن يتورّط في قتاله فتكون عاقبته جهنّم، ومرجع هاتين الكراهتين إلى حبّين أراد الجمع بينهما، حبّ الجاه والمنصب والتنعّم بالجوائز الدنيويّة، وحبّ أهل البيت(عليهم السلام) وطلب شفاعتهم والفوز بالآخرة، وهذا المعنى والمضمون يمكن استنباطه بملاحظة الآتي: 1) السعي الجاد منه لتنفيذ أوامر ابن زياد وعدم تجاوزه حتى ولو كانت فيما يكره، ويظهر هذا جليّاً من خلال أمرين: أ- الترادّ الشديد بالكلام بينه وبين الإمام(عليه السلام) والذي عقبه التضييق والاعتراض لمسيره، فينقل الطبري أنه لمّا قال الإمام الحسين(عليه السلام) للحر: فماذا تريد؟: «قال الحر: أريد أن أنطلق بك إلى عبيدالله بن زياد! قال له الحسين: إذن والله لا أتّبعك! فقال له الحر: إذن والله لا أدعك! فترادّا القول ثلاث مرّات»(10).

ب- تمنّيه عندما اقترح على الإمام(عليه السلام) حلاّ نصفاً أن يأتي له أمر من ابن زياد يعفيه عن تحمّل هكذا مسؤوليّة: «فإذا أبيت فخذ طريقاً لا تدخلك الكوفة ولا تردّك المدينة، لتكون بيني وبينك نصفاً، حتى أكتب إلى ابن زياد، وتكتب أنت إلى يزيد بن معاوية إن أردت أن تكتب إليه، أو إلى عبيدالله بن زياد إن شئت، فلعلّ الله إلى ذاك أن يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أُبتلى بشيء من أمرك»(11) وهذا يدل على حرصه على عدم تسجيل مخالفة تعرّضه للتوبيخ واللوم من قبل آمريه.

 2) ظاهر حواره يوحي بكراهته القيام بهذه المهمّة لو لا أنها أمر مفروض عليه، فهو على دراية بما عليه أهل البيت(عليه السلام) من منزلة(12)، وأن مصير من يقف في وجههم ويقاتلهم هو النار لا محالة، وقد مرّ قوله: «وأنا أعلم أنه لا يوافي القيامة أحد من هذه الأمة إلا وهو يرجو شفاعة جدّك محمد(صلّى الله عليه وآله)! وأنا خائف إن قاتلتك أن أخسر الدنيا والآخرة»(13)، وغير ذلك مما صدّرنا به الحديث.

 3) ظنّه أن الأمر سيؤول دون الوصول إلى خيار الحرب والمواجهة المسلّحة، ولم يتوقّع أن الأحداث تحاك بتآمر على قتل الحسين(عليه السلام)، لذا أصابته الصدمة والذهول لمّا وجد أن العلامات والأوضاع كلّها تشير إلى جدّية وقوع الحرب وبأرعب صورها، وتوجّه إلى عمر بن سعد يسائله مستغرباً قائلاً: أي عمر! أمقاتل أنت هذا الرجل!؟ فقال عمر(لعنه الله): إي والله قتالاً شديداً، أيسره أن تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي! فردّ الحرّ(رضي الله عنه): أفما لكم فيما عرضه عليكم رضى؟ قال عمر: أما والله، لو كان الأمر إليّ لفعلت، ولكن أميرك أبى(14).

 ورب قائل يقول كيف يمكن الجمع بين هذين الحبّين والولائين في جوف واحد؟! ولكن الحقيقة أن القلب وإن أمكن أن يتصارع فيه أكثر من ميل واتّجاه ولكنه في النهاية يستسلم مع أقواها، فموقفه وإرادته رهن للقوّة الأكبر التي تمسك بزمامه، فقد يكون تابعاً لقوّة العقل مثلاً، أو لقوّة الشهوة أو ربما لغيرها، ولكنّه في الأخير لا بد أن تستولي عليه إحداها وتكون أكثر بروزاً من سواها فتصنع إرادته وتقرّر طبيعة عزمه، وبالتالي تصبغ مواقفه بلونها، ولو عدنا للحرّ ولمحنا ما تحيط به نفسه من قوى سنرى أن قوّة العقل وحتى العاطفة عنده كانت تسوقه إلى حبّ الحسين(عليه السلام) وإلى احترامه وتعظيمه، بل قد تدعوه إلى الموالاة الصادقة له، انظر بما كان يحدّث به نفسه عندما نودي من خلفه بالبشارة بالجنة: «فقلت: والله ما هذه بشارة وأنا أسير إلى الحسين(عليه السلام)!! وما أحدّث نفسي باتباعك [وكان يخاطب الإمام(عليه السلام) بالحادثة]»(15) ولا شك أن قولاً كهذا لا يصدر إلا بإملاء من عقل أو بهدىً من بصيرة. والنتيجة أن عقل الحر لم يكن يدعوه للخروج والموافقة على أمر ابن زياد.

 أمّا قوّة الشهوة لديه فمحور عملها هو ما يضمن ترسيخ رغبات نفسه وانطلاق هواها وغض الطرف عمّا يصاحبها من تبعات، ولا يعنيها بالدرجة الأولى تنفيذ أوامر ابن زياد بقدر ما يعنيها المكسب الذي يترتّب عليه -وهو الإبقاء على المنصب والوجاهة-، ولذا فهي تدعوه بشدّة لعدم المخالفة لأمر الخروج.

 والحاصل أن مصير الحر قابع تحت ما تتمخّضه حالة هذين الاتجاهين المتنافرين من صراع، وقد كانت الغلبة في البدء من نصيب القوّة الأخيرة، إذ مع الأسف كان زهو الترأّس وبريق الدنيا قد خطف من عقل الحر فاعليّته العالية والفرصة في قيادة دفّة النفس، وأضحت قوّة الهوى والشهوة هي المتحكّمة والمسيطرة عليه، فلا عجب حينها أن لا يمانع الحر قبول المهمّة الموكل بها بالرغم من كراهته مواجهة الإمام الحسين(عليه السلام)، وإلى هذا الحد بات من المقدور -ولو بنسبة ما- تفسير الازدواجيّة الملازمة لموقفه (رحمه الله) قبل تحوّله.

لحظة الحسم والقرار الصعب إن من أصعب اللحظات التي تمر بالإنسان هي تلك التي على ضوئها يتحدّد مصيره، وبقرارها تتعلّق خاتمته، وقد ارتفع بها أناس وهوى آخرون، وشخصيّة الحر (رحمه الله) هي واحدة من اللاتي نالها التأييد والتسديد الإلهي فعبرت هذه اللحظة بسلام، وذلك بعد جهاد مرير ومقاومة باسلة مع كبرياء النفس وغرورها، فانتقل من معسكر الشر والباطل إلى حيث الخير والحق، فما هو السبب وراء هذا التحوّل المفاجئ؟ هناك عدّة عوامل مترابطة يمكن سوقها بحيث تصلح بمجموعها أن تجيب عن هذا التساؤل، وهي: 1) القناعة بعدم إمكان الجمع بين زخارف الدنيا ونعيم الاخرة: فالحرّ وبإيعاز من هواه كان يتصوّر أنه يمكنه التضحية بشيء من ولاءه وحبّه للحسين(عليه السلام) مقابل الظفر بالمنصب والمكانة في الكوفة، بحيث يجتمع عنده ما تتوق إليه نفسه من الدنيا وفي الوقت ذاته لا تفوته شفاعة أهل البيت(عليهم السلام) في الآخرة، وذلك عندما يتحاشى قتال الحسين(عليه السلام)، ومجرّد اعتراض طريقه أو أسره لا يضرّ ما دام لا يؤدّي إلى قتله، بل هو ضريبة عدم فوت تلك الجوائز والمكرمات، ولكنّه بعد سير الأحداث وتتاليها أيقن أن الجمع بين هذين الأمرين مستحيل، فلا بد أن يقدّم أحدهما على الآخر، ولذا لما أراد أن يحوّل معسكره نحو الحسين(عليه السلام) سأله المهاجر بن أوس: فما هذا الذي أرى منك؟ فقال: «إني والله أخيّر نفسي بين الجنّة والنار، فوالله لا أختار على الجنّة شيئاً ولو قطّعت وأحرقت»(16).

 2) الإطّلاع عن كثب على نيّة القوم بقتل الإمام(عليه السلام): فلم يكن يتوقّع حين عرضت عليه المهمّة أن مآل الأحداث سينتهي إلى الخاتمة الدمويّة الشنعاء، ولو عدنا للسرد التاريخي سنرى أن نقطة التحوّل الفعلي للحرّ بدأت مباشرة بعد سماعه قول ابن سعد(لعنه الله) بأنه مقاتل الإمام(عليه السلام) قتالاً شديداً أيسره أن تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي، حيث أخذ يدنو شيئاً فشيئاً نحو مخيم الحسين(عليه السلام)، وقد بيّن هو هذا الأمر عند إعلانه التوبة بمحضر الإمام(عليه السلام): «أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع وسايرتك في الطريق وجعجعت بك في هذا المكان! وما ظننت أن القوم يردّون عليك ما عرضته عليهم! ولا يبلغون منك هذه المنزلة! والله لو علمت أنهم ينتهون بك إلى ما أرى ما ركبت مثل الذي ركبت! وأنا تائب إلى الله ممّا صنعت، فترى لي من ذلك توبة؟»(17).

 3) انقلاب نتيجة الصراع بين العقل والهوى: فكفّة الهوى والشهوة كانت هي الغالبة في البداية لأن طرفي المعادلة كان بين منصب الدنيا واعتراض طريق الإمام(عليه السلام)، وحينها كان وقع ملذّات الدنيا أقوى تأثيراً في إرادته، أمّا مع علمه بمؤامرة بني أميّة وانكشاف نواياهم تبدّلت المعادلة وغدت بين قتل الحسين(عليه السلام) ومنصب الدنيا، وكان الخوف من الإثم والخسران بقتل الإمام(عليه السلام) هو الأقوى، فانقلبت الكفّة والغلبة لصالح قوّة العقل والبصيرة.

 4) وصول لحظة الحسم والفصل: وهي اللحظة الحرجة التي لا بد أن يحدّد فيها الإنسان موقفه بوضوح تام لا لبس فيه ولا دوران، وبصورة فوريّة وسريعة؛ لأن التأخير فيها ولو قليلاً قد يفوّت الفرصة في الحصول على المراد، وإنما هي لحظة فصلٍ لأن فيها يُفصل بين الصحيح والفاسد والحق والباطل وما شابه ذلك، نظير يوم الفصل في القرآن الكريم: {هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ}(18)، والإنسان قبل هذه اللحظة في الغالب يجد السعة والرحب في مراجعة نفسه فيسوّف ويتساهل ويتأخّر في إعمال كل طاقته العقليّة ولا ينهض في إزالة الحجب الملوّثة لصفاء فطرته، فيبقى يساير الباطل والانحراف في سلوكه حتى يصل به الطريق إلى نقطة مفرق، تكون امتحاناً قاسياً وصعقة موقظة لرقاده الطويل، وهنا يستغلّ البعض حالة الاستفاقة هذه لتصحيح المسار وإعلان التوبة والاستحواذ على مفاتيح السعادة، بينما يتعثّر آخرون ويمسي هذا الامتحان لهم تكريساً وتضعيفاً للمنكر والضلال الغارقين فيه، والحر (رحمه الله) وبسبب تولّعه وتشبّثه بالمنصب الدنيوي فوّت على نفسه إبصار الحقيقة، ولم يحسن التفكّر بالخاتمة، وألجأ موضوع المحاسبة طويلاً، حتى اقتربت ساعة الفصل والاختبار العسير، وأوشك فتيل الحرب أن يشتعل، ففطن أن هذه اللحظة ليست كسابقتها التي تقبل المماطلة والتسويف، ففتح باب المراجعة والمحاسبة الجدّية على دفّتيه، وسمح أخيراً لعقله أن يفصح بحرّية وانطلاق، وأن يكون نطقه هو الحكم والفيصل، والعاقبة أنه شخّص تكليفه بدقّة واقتدار، ومضى فيه بيقين وثبات، فصنع الخلود والمجد في بضع لحظات.

 5) التأثّر التدريجي ببعض المجريات: وهو نوع من الرحمة واللطف الإلهيّين لأصحاب القلوب المستعدّة والمفتّحة لتقريبهم إلى عمل الخير والصواب والحياد بهم عن الزيغ والضلال، والباري سبحانه لمّا كان يعلم بعلمه الواسع بمدى استعداد قلب الحر (رحمه الله) لتقبّل الهدى عرّضه لجملة من الحوادث التي تحوي رسائل ودلالات منبّهة، وتكرّر هذه الدلالات ساهم بلا شك في إزالة الغشاوة عنه بالتدريج، ومن جملتها مثلاً النداء الذي سمعه من خلفه حين خرج من منزله نحو الحسين(عليه السلام) والقائل: «يا حرّ أبشر بالجنّة»، وكذلك الأخلاق السمحاء والسمات العالية التي عاينها بنفسه حين التقى بالحسين(عليه السلام)، حيث أمر الإمام(عليه السلام) بسقي جميع القوم وترشيف خيولهم حتى الامتلاء، ناهيك عن الخطب والحوارات الحسينيّة التي وصل دويّها إلى مسامع قلبه، وبأحدها قال الحر للإمام(عليه السلام): قد أمرنا إذا نحن لقيناك ألا نفارقك حتى نقدمك على عبيدالله بن زياد، فقال له الحسين(عليه السلام): الموت أدنى إليك من ذلك(19).

 ومن البعيد أن لا تؤثر هذه الكلمة ونظيراتها في أمثال الحر (رحمه الله). وجوه الاعتبار من الموقف في خاتمة المطاف يحسن بنا المرور على طائفة من الدروس والعبر المهمّة التي توحيها لنا الأحداث والتحليلات الماضية، لتكون لنا خير شعاع وقبس نستلهمه من أنوار بطل التحوّل والإستبصار الحر بن يزيد الرياحي (رحمه الله)، وهي: الدرس الأوّل:- الهوى يصد عن الحق ويلحق الغرر: إن أكبر فخّ وقع فيه الحر في بادئ الأمر أنه تابع هواه ودنياه، فانقلبت عنده الموازين وعمي عن الحق، فما هو قبيح وزخرف حسبه حسناً، وما هو حسن أشاح بوجهه عنه، وقد صدق أمير الموحّدين والمؤمنين(عليه السلام): «إِنَّمَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَتَيْنِ: اتِّبَاعَ الْهَوَى وَطُولَ الأمَلِ أَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَإِنَّهُ يَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ وَأَمَّا طُولُ الأمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَة»(20)، ويقول تعالى: {وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ}(21)، ومشكلة الهوى أيضاً إنه ليس له حدّ وغاية، فكلّما تابعه أحد في باب جرّه إلى المتابعة في باب آخر، حتى تتراكم التبعات والتعلّقات فتصبح سداً عميقاً يشق تجاوزه، كما إن صاحب الهوى والدنيا يعدّ من المغرّرين والمخدوعين فيخال أن عمله صحيحاً وهو من الرابحين، في الحال الذي يكون من أخسر الخاسرين وعمله خاطئاً، يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ}(22)، ومعنى الغرور: هو سكون النفس إلى ما يوافق الهوى، ويميل إليه الطبع عن شبهة وخدعة من الشيطان(23)، والغرور بفتح الغين صيغة مبالغة من الغرور بالضم، وهو الذي يبالغ في الغرور ومن عادته ذلك(24)‏.

 الدرس الثاني:- التسويف والظن بطول الأمل من أهم أسباب الغفلة: من الآفات المهلكة والقاصمة للظهر هو ظن الإنسان بوجود السعة والوفرة الكافية لمحاسبة نفسه ومراجعة أفعاله وتنظيمها في المستقبل، فيؤجّل ويسوّف كثيراً إلى أن يغفل عن الحساب وتذكّر الآخرة، ولعلّ طول الأمل هذا هو أثر سلبي آخر يتولّد من حبِّ الهوى والدنيا الذي أشرنا له في الدرس الأوّل، وبهذا الصدد يقول الإمام الخميني (قدّس سرّه): «ويجب أن نعرف أن من أهم أسباب عدم التيقّظ الذي يؤدي إلى نسيان المقصد ونسيان لزوم المسير، وإلى إماتة العزم والإرادة، هو أن يظن الإنسان أن في الوقت متّسعاً للبدء بالسير، وأنه إذا لم يتحرّك نحو المقصد اليوم، فسوف يبدأه غداً، وإذا لم يكن في هذا الشهر، فسيكون في الشهر المقبل.

 فإن طول الأمل هذا وامتداد الرجاء، وظن طول البقاء، والأمل في الحياة ورجاء سعة الوقت، يمنع الإنسان من التفكير في المقصد الأساسي الذي هو الآخرة»(25)، وقد مرّ علينا قول الأمير(عليه السلام) أن طول الأمل ينسي الآخرة.

 الدرس الثالث:- الدنيا والآخرة ضرّتان لا تجتمعان: فمن أراد الدنيا لن ينال الآخرة، ومن أحب الآخرة زهد في عروض الدنيا، يقول أمير المؤمنين(عليه السلام): «إِنَّ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ عَدُوَّانِ مُتَفَاوِتَانِ وَسَبِيلانِ مُخْتَلِفَانِ، فَمَنْ أَحَبَّ الدُّنْيَا وَتَوَلاّهَا أَبْغَضَ الآخِرَةَ وَعَادَاهَا، وَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ، وَمَاشٍ بَيْنَهُمَا كُلَّمَا قَرُبَ مِنْ وَاحِدٍ بَعُدَ مِنَ الآخَرِ، وَهُمَا بَعْدُ ضَرَّتَانِ»(26).

 الدرس الرابع:- خطأ الخواص أفدح وأعظم: كان خطأ الحرّ بالغاً وكبيراً؛ لأنه من جهة لم يكن يمثّل ذاته فقط، بل هو قائد لألف فارس ومن رؤساء ووجهاء الكوفة، فيحسب خطأه بحجم ما يمثّل، ومن جهة أخرى فهو قام بجعجعة ريحانة رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، ولو قدّر أن لا يقوم بذلك لربما كان مجرى الأحداث والتاريخ غير ما هي عليه، فعلى الفرد عندما يقرّر شيئاً ما أن يلحظ حجم ما يقوم به وينظر إلى المصالح العامة.

 ولكن ينبغي أن نعلم أن في مقابل خطأ الحرّ (رحمه الله) كان تحوّله البطولي واستشهاده مع الحق، وكما يحسب الخطأ بثقل شخصيّته كذلك تحسب بطولته.

الدرس الخامس:- لحظة الفصل ليست مربحة أو موقظة دائماً: هذه اللحظة مخيفة جدّاً، فلا يعوّل الفرد عليها في تصحيح مساره، فقد يحول الأجل دون الوصول إليها ويصبح الموت هو الفصل حينئذ، ثم أنه من قال أن الكل ينجح في اجتياز عقبتها، فهذا عمر بن سعد قد بات تلك الليلة المصيرية متقلّباً بين تركه لحرب الإمام(عليه السلام) وفيه الجنة، وبين قتله إياه وفيه ملك الري، فاختار الثاني مع علمه باستحقاقه النار، ثمّ أنها تحتاج إلى عزم وإرادة صلبين، خاصّة إذا كان صاحبها غائراً في الدنيا بشكل كبير، فيفتقر إلى قوّة جبّارة حتى تنتشله من شراكها، ويروى أن الحرّ لما أخذ يدنو من الحسين(عليه السلام) قليلاً قليلاً قال له مهاجر بن أوس: ما تريد يا ابن يزيد!؟ أتريد أن تحمل؟ فلم يجبه، فأخده (الحر) مثل الأفكل وهي الرعدة! فقال له المهاجر: إن أمرك لمريب! والله ما رأيت منك في موقف قطّ مثل هذا! ولو قيل لي من أشجع أهل الكوفة ما عدوتك، فما هذا الذي أرى منك!؟ فقال له الحرّ: إني والله أُخيّر نفسي بين الجنّة والنار(27).

فإذا كان شجاعاً مغواراً كالحرّ أصابته الرعدة في ظرف كهذا فما بال من هو أضعف منه؟!.

الهوامش والمصادر

  • (1) سورة آل عمران، الآية: 103.
  • (2) الميزان ج3، ص 422.
  • (3) الإمام الخامنئي، الإسلام المحمدي، ص 552.
  • (4) نفس المصدر، ص 553.
  • (5) سورة الأنفال، الآية: 46.
  • (6) الطريحي، مجمع البحرين، ج2، ص 353.
  • (7) الشيخ عيسى قاسم، خطبة الجمعة رقم (270)، 13 محرم 1428هـ.
  • (8) سورة الأنفال، الآية: 46.
  • (9) نهج البلاغة، الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقية، ص 51.
المصدر
مجلة رسالة القلم

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى