المستشرق جولدزيهر والسنة الشريفة نقد وتحليل

من المباحث الجديرة بالدراسة التي تشغل المهتمّين بشؤون الحديث الشريف هي تلك التي تتناول آراء المستشرقين وشبهاتهم حول السنة العطرة، وما لها وما عليها من مداخلات ونقوض؛ باعتبار أنَّ ساحة الحديث والسنّة النبويّة بموقعها الحسّاس في الشريعة الإسلاميّة أضحت مسرحاً ومضماراً حيّاً تتسابق عليه أقلام الاستشراق بالبحث والتحليل، حيث يدخل هذا ضمن مرمى مخطّطاتهم لتتبّع كل ما يمس بالدين الحنيف من أفكار وعقائد وأحكام وغيرها، ودراسته بالصورة التي تتلائم مع فهمهم وميولهم الخاص، ومن ثمّ عرضه بما يخدم أهدافهم ومصالحهم، وفي هذا البحث المختصر نتناول بالنقد والتحليل نموذجاً وشخصيّة لامعة في سماء المستشرقين تمثّل أفكارها خلاصة مختزلة وعصارة لأبرز ما توصّل إليه المستشرقون حول السنّة النبويّة، وهي شخصيّة جولدزيهر(1850-1921)(1)، والغاية من ذلك هو التعرّف على مدى الموضوعيّة والبعد العلمي الذي تتوفّر عليه النظرة الاستشراقيّة حول السنّة، والوقوف على طبيعة الخلفيات والعوامل التي على ضوئها تم تشييد هذه النظرة، وأخيراً مناقشة أبرز أسسها ووضعها في الميزان.

 علّة اختيار جولدزيهر بالذات وجه انتخاب شخصيّة جولدزيهر على وجه الخصوص لم يكن عشوائياً، فهو يعدّ باعتقاد أقرانه أبرز العارفين بالحديث، وآرائه تمثّل العمدة والأساس لجلّ الدراسات الاستشراقيّة التي جاءت بعده، أضف إلى تميّزها بالخطورة وتغلّفها بقالب الاستشهاد والدليل، يقول أحد الباحثين:(2) “والحق يُقال: إنَّ أوَّل وأكبر مستشرق قام بمحاولة واسعة شاملة للتشكيك في الحديث النبوي، كان المستشرق اليهودي جولدزيهر -الذي يعدّه تلاميذه من المستشرقين والمستغربين على السواء- أعمق العارفين بالحديث النبوي.. يقول عنه كاتب مادة الحديث النبوي في دائرة المعارف الإسلاميّة (يوهان فك Fueck): “إنَّ العلم مدين ديناً كبيراً لما كتبه (جولدزيهر) في موضوع الحديث، وقد كان تأثيره على مسار الدراسات الإسلاميّة الاستشراقية أعظم ممَّا كان لأيٍّ من معاصريه من المستشرقين، فقد حدّد تحديداً حاسماً اتجاه البحث في هذه الدراسات وتطوّره”.

عرض مجمل لآرائه حول السنّة النبويّة(3) قام جولدزيهر في البدء بعمليّة تشكيك شاملة بصحّة الأحاديث الموجودة بالموسوعات الروائيّة، وأنها دوّنت في عهود متأخرة، ممّا ساهم في نسيان أو ضياع أو تحريف الكثير منها، والسماح بنشوء ظاهرة الوضع بأوسع أبوابها، وإذا كانت هناك مجموعة منها قد سلمت ولم يمسّها التغيير فلا سبيل لنا لمعرفتها، والنتيجة أنَّ ما بأيدينا لا ركون بصدوره عن النبي (صلّى الله عليه وآله).

ثمّ قام بتعميق هذا التشكيك وتبريره أكثر بادّعاء أنَّ الحديث تطوّر تدريجياً؛ فلم يكن بهذه السعة والتقنين في أوّل مهده، وأنَّ السنّة أصلها جاهلي، وأنَّها تأثرت باليهودية والنصرانيّة وغيرها من الفلسفات، وبكلمة مختصرة: كتبنا الحديثية هي باقة من تجارب الحضارات، وهي أضخم ممَّا كان في عصر النبي (صلّى الله عليه وآله) ومغايرة له.

 أبرز الأدلّة التي اعتمدها مع المناقشة بعد ذكر آراء جولدزيهر المجملة نورد الآن بعض أدلّته التي ساقها لتدعيم تلك الآراء، مدرجة بما يناسبها من شبهاته.

 الشبهة الأولى: لا يمكننا الإذعان بصحّة ما في المجاميع الحديثيّة: يقول جولدزيهر: “ومن السهل أن يفهم أنَّ وجهات نظرهم -يعني المسلمين-  ليست كوجهات النظر عندنا، تلك التي لا تجد لها مجالاً كبيراً في النظر في تلك الأحاديث، التي اعتبرها النقد الإسلامي صحيحة غير مشكوك فيها، ووقف حيالها لا يحرّك ساكناً، ولقد كان من نتائج هذه الأعمال النقديّة الاعتراف بالكتب الستّة أصولاً، وكان ذلك في القرن السابع الهجري، فقد جمع فيها علماء من رجال القرن الثالث الهجري أنواعاً من الأحاديث، كانت مبعثرة، رأوها أحاديث صحيحة”(4).

ويقول أيضاً: “قد شعر المسلمون في القرن الثاني بأنَّ الاعتراف بصحّة الأحاديث يجب أن يرجع إلى الشكل فقط، وأنَّه يوجد بين الأحاديث الجيّدة الإسناد كثير من الأحاديث الموضوعة، وساعدهم على هذا ما ورد من الحديث: «سيكثر الحديث عنَّي فمن حدّثكم بحديث فطبّقوه على كتاب الله فما وافقه فهو منِّي قلته أو لم أقله» هذا هو المبدأ الذي حدث بعد قليل عند انتشار الوضع”(5). ونستخلص ممَّا مضى:

 1- ضعف موازين النقد عند المسلمين، إلى الدرجة التي تصل بهم لقبول جميع الصحاح.

 2- تبعثر الأحاديث، وتأخر جمعها إلى القرن الثالث.

 3- صحّة الحديث أمر شكلي، أي يكفي في الحكم بصحّته كون سنده صحيحاً مثلاً.

 4- شياع الوضع واختلاق الحديث لجميع ما مرّ، حتى صار مبدأً للمحدّثين، وقد شجع عليه ما ورد بجواز الأخذ بكل ما ينسب للنبي (صلّى الله عليه وآله)، حتى فيما لم يقله بشرط موافقته للقرآن.

 مناقشة هذه الدعاوى: أ- يظهر من عبارة “أنَّ وجهات نظرهم -يعني المسلمين-  ليست كوجهات النظر عندنا” أنَّ الحكم على المسلمين بضعف النقد هو ناشئ من اختلاف معيارهم النَّقدي عن المعيار الذي يرتضيه المستشرقون، وهذا يُعقل لو كان معيارهم هو الأصحّ

والأصوب، وهذا أوّل الكلام؛ فهم لا يؤمنون بالله ورسوله (صلّى الله عليه وآله) وبالغيبيّات وسائر العقائد كما يؤمن أهل الإسلام.

 ب- لم تكن أصول وأدوات النقد بحدّ ذاتها ضعيفة(6)، إلا أنَّ سوء الاستفادة منها لدى البعض يوحي بضعفها، والقول بصحّة كل الكتب الروائيّة مختلَف فيه، وفيها من صرّح أصحابها بنقل غيره، ومجرّد هذا لا يقود إلى نسف الاعتماد على كلّ السنّة والشكّ فيها.

 ج- أمَّا تأخّر الضمّ والتأليف أو حتى استفحال حالة الوضع فلا غرو أنَّه حرم المسلمين من بركات عظيمة، وأوقعهم في أزمات لا زال أثرها باقٍ إلى يومنا هذا(7)، وتسبّب في صعوبة جمع الأحاديث المعتبرة من بين كمٍّ هائل من المرويّات المختلطة المفتقرة إلى التمييز؛ حيث كان يتطلّب نقدها إلى استفراغ جهد كبير يستغرق سنين عديدة، إلا أنه بإزاء ذلك قام العلماء بجهود حثيثة وأنجزوا أعمالاً جبّارة(8)، وانتحلوا طرقاً نقديّة دقيقة، داخلية وخارجية، في الشكل والمحتوى(9) تحاكم كل رواية وتقوم بغربلتها وتمييزها، وظهر معها علم الجرح والتعديل، وعلم فقه الحديث، وغريب الحديث، ومختلف الحديث، وغير ذلك مما ساهم في حلّ الكثير من المعضلات الناجمة من الوضع ومن تأخير التدوين، ومعه لا يُعتذر للمتمسكين بهذه الحجج إصرارهم على عدم الركون لصحّة أية رواية بعد كل هذا التثبّت.

ثمّ إنَّ هذا الجواب يصلح لمجاراة المستشرقين ولما يناسب مذهب العامة، أمَّا بالنسبة للإماميّة فالشبهة في مقابلها واهية وضعيفة، حيث لم يقف عندهم التدوين، ولم يتأخروا عن عصر النص لامتداده عبر الأئمة (عليهم السلام)، وتدابيرهم في حفظ السنّة كانت أحكم، ويكفي أن يكون المعصوم (عليه السلام) على رأسهم.

 د- القول بأنَّ صحّة الأحاديث تتوقّف على الشكل دون المحتوى أمر يجافي الحقيقة وما عليه ديدن العلماء: “ورأيناهم في علم الحديث والدراية يبحثون عن أحوال الراوي والمروي، وما كانوا يقصدون بالراوي إلا حلقة في سلسلة السند، ولا بالمروي إلا متن الحديث.

فعلم مصطلح الحديث -بطبيعة تعريفه- لا يقتصر على مباحث الإسناد، بل يجاوزها إلى المسائل المتعلّقة بالمتن أيضاً…. ونكاد نلمح في جميع مصطلحاتهم تقسيماً ثنائياً مؤلفاً من السند والمتن،… في بحثي الصحيح والحسن قضيّة مشتركة خلاصتها أنَّ الصحّة قد تتناول السند والمتن معاً، أو السند دون المتن، أو المتن دون السند، ومثلها الحسن في ذلك، فلا يحكم بصحّة حديث ولا حسنه إطلاقاً بل يبيّن نوع صحّته أو حسنه هل وقع في الإسناد أو المتن، فما كل ما صحّ سنداً صحّ متناً”(10).

هـ- ادعاؤه أنَّ الوضع صار مبدأً وديدناً للمحدّثين يفتقر إلى النظرة المنصفة والكاملة، وهو يتناسب مع رأيه بتطوّر الحديث واتساعه، فهو يلازمه، وستأتي إن شاء الله مناقشته، وكثرة الوضع وتعدّد أغراضه لا يصيّره أصلاً.

 الشبهة الثانية: حجيّة السنّة ازدادت بالتدريج حتى تساوت مع القرآن في القرن الثالث: “يرى (جولدزيهر) أنَّ مكانة السنّة النبوية في التشريع لم يُسلّم بها في العهود الأولى بدليل قول (عمر بن عبدالعزيز) لـ (عروة بن الزبير): «اعلم ما تقول» لما أخبره الخبر الأخير بخبر الوحي في مواقيت الصلاة، إلا أنَّ هذه الحيرة قد تلاشت مع تطوّر فكرة ألوهيّة الحديث في القرنين الثاني والثالث.

وعدّت السنّة مكافئة للقرآن”(11). ويرد عليه:

 أولاً: إنَّ هذا الاستدلال بيّن الغيِّ والضعف، فلو تمّت دلالته على مدّعاه لا يصمد أمام الآيات والبراهين القطعيّة الدالة على حجيّة السنّة في التشريع والتقنين منذ ظهور الإسلام فكيف ودلالته قاصرة جداً؟! يقول تعالى: {وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}(12): محصل المعنى‏ أنَّ القصد بنزول هذا الذكر إلى عامّة البشر وأنَّك والناس في ذلك سواء، وإنَّما اخترناك لتوجيه الخطاب وإلقاء القول لا لنحمّلك قدرة غيبية وإرادة تكوينية إلهية فنجعلك مسيطراً عليهم وعلى كل شي‏ء بل لأمرين: أحدهما: أن تبيّن للناس ما نزل تدريجاً إليهم لأنَّ المعارف الإلهية لا ينالها الناس بلا واسطة فلا بدّ من بعث واحد منهم للتبيين والتعليم، وهذا هو غرض الرسالة ينزل إليه الوحي فيحمله ثم يؤمر بتبليغه وتعليمه وتبيينه.

 والثاني: رجاء أن يتفكَّروا فيك فيتبصروا أنَّ ما جئت به حق من عند الله‏(13).

 ثانياً: الأحاديث الصحيحة الموثوق بها والثابتة سنداً ومتناً لا ترقى إلى مرتبة التشريع القرآني فضلاً عن مطلق الأحاديث ولو الضعيفة؛ فإن ما صحَّ من الأحاديث يبقى محكوماً للكتاب العزيز والكتاب مهيمن على ذلك، فإن لم يعارض الكتاب أمكن التقنين والتشريع به ولكن لا يرقى إلى مرتبة التشريع القرآني القطعيّ الصدور، ثم إنَّنا لا نلجأ للسنّة الظنيّة مع وجود النص القرآني الواضح الدلالة.

الشبهة الثالثة: السنّة منقولة عن الجاهليّة والأمم الأخرى: “فهو (جولدزيهر) يرجع كل شيء إسلامي إمَّا إلى عوامل داخليّة كفقه الجاهليّين وأعرافهم، وإمَّا إلى عوامل خارجيّة كاليهوديّة والنصرانيّة واليونانيّة”(14).

 يقول جولدزيهر: “هناك جمل أخذت من العهد القديم، والعهد الجديد، وأقوال الربّانيّين، أو مأخوذة من الأناجيل الموضوعة، وتعاليم من الفلسفة اليونانيّة وأقوال من حكم الفرس والهنود… كل ذلك أخذ مكانته في الإسلام عن طريق الحديث”(15).

 ويسجّل عليه النقاط التالية: أ- مجرّد إقرار الدين الإسلامي لمجموعة من الأمور التي تبانى عليها العقلاء في المجتمعات وقامت على ضوئها طبيعة مجريات الحياة -أيّام الجاهلية أو ما قبلها- كالبيع والشراء لا يعني تأثّره أو تبعيّته لهذه المجتمعات، كيف وهو قام بإحداث موجة من الانقلاب في المجتمع الجاهلي المنحطّ ليس لها نظير على مستوى البشريّة، حيث حوّله من الظلمات والتيه إلى النور والكمال في مدّة قياسيّة جداً باعتراف الجميع {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ}(16).

 ب- من الأمور الطبيعيّة أن تكون هناك مجموعة مشتركات وتشابه في التعاليم بين الإسلام وغيره من الأديان طالما أنَّ مصدرها واحد وهو الله، وما الإسلام إلا جامع للأصول العامة لهذه الأديان وتكامل لها، وجليّ أنَّ هذه الأصول -كالتوحيد- والآداب العامّة والأخلاق الفاضلة هي واحدة في جميع الأديان السماوية.

ج- القارئ للقرآن والسنّة يرى الفرق شاسعاً بين ما جاء فيهما من التعاليم العامة الشاملة، والتشريعات والأحكام والآداب، وبين ما جاء في تعاليم التوراة والإنجيل، وحكم الفرس والهنود.

 ثمّ كيف يُتصوّر أنَّ الإسلام نقل عن غيره وهو الدين الشامل الكامل الذي اشتمل على ما لم يشتمل عليه ما سبقه؟!(17).

 الشبهة الرابعة: أنَّ معظم الأحاديث وضعت متأخرة نتيجة التطوّر الذي شاب حياة المسلمين: يقول جولدزيهر: “إنَّ القسم الأكبر من الحديث ليس إلا نتيجة للتطوّر الديني والسياسي والاجتماعي للإسلام في القرنين الأول والثاني، وأنَّه ليس صحيحاً ما يقال: من أنَّه وثيقة الإسلام في عهده الأول عهد الطفولة، ولكنَّه أثر من آثار جهود الإسلام في عصر النضوج”(18).

 “وعزا إلى هذا التطوّر ذاته ما طرأ على المبادئ الخلقيّة التي لم يكن الإسلام مستعداً لها، وهكذا اشتمل الحديث على المبادئ ذات التقوى العالية الخالية من الظواهر وحدها، فأصبحت تدور حول الرحمة… ويرى (جولدزيهر) أنَّ الأعمال الدينية نفسها قد أصابها التطوّر، فأصبحت قيمة العمل تقدّر بالنيّة التي رفعت إلى عمله، ومنه جاء الحديث: (إنَّما الأعمال بالنيات).

وهو يرى أنَّ هذا الحديث جاء متأخراً، ومع ذلك فقد ارتفع شأن هذا الحديث -كما يقول- إلى أن صار فكرة تسيطر على كل الأعمال الدينيّة”(19).

يرد على ما تقدّم: أولاً: إنَّ التقنين والتشريع الإسلامي ليس جهداً بشريّاً أو بمقدور البشر أن يأتوا به من محض أنفسهم، فهو نظام سماوي بالغ الإتقان والتناغم، وضعه خالق الوجود اللطيف الخبير {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}(20)، ولو قدّر لتجارب أمة أو أمم أن تضع ديناً محكماً لرأينا اليوم أدياناً بقدرها، ولا أحد ينكر أنَّ العالم اليوم هو أوسع تطوّراً وعلماً من سالفيه، ولربما يقال بأنَّه أيضاً الأكثر خبرة وتجربة، فلِمْ لَمْ يقدر حتى الآن أن يصنع دستوراً ثابتاً خال من النقص فضلاً أن يسنَّ شريعة عالميّة إلى يوم القيامة؟!! ثانياً: لم يتطوّر المسلمون وتنضج تجاربهم إلا بسبب تعاليم وشريعة الإسلام وليس العكس كما يصوّر هذا المستشرق.

ثالثاً: هذا القول يتجافى مع أصل عقيدة القرآن في عالمية وخاتميّة الرسالة، وأنَّها محفوظة ومصانة مهما تطاولت عليها الخطوب والمحن واعتراها الدسّ والتحريف، ولو بواسطة العلماء الصلحاء الذين ضحّوا بأرواحهم لحفظ الدين، وتجرّعوا المرّ والأذى في سبيل إيصال السنّة إلينا بأنصع وجه ممكن، ولا ننسى دور أئمة الدين (عليهم السلام)، وعلى رأسهم سيد الأنبياء والمرسلين (صلّى الله عليه وآله) الذي خاطبه الله (سبحانه وتعالى): {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}(21)، ومن لوازم وبركات هذه الرحمة أن تصلنا رسالته وسنّته، لا أقلّ بالمستوى الذي لا يضرّ بالغرض من إرساله وبعثته (صلّى الله عليه وآله).

رابعاً: إنَّ حديثه عن التقوى أو النية وأمثالها لا يعدو تحليلاً جزئيّاً وبحسب نظرته الماديّة ونفسه البغيضة للإسلام، ولا أدري كيف أمكنه الانعطاف والانجرار إلى هذه التصوّرات التي تقف في مقابل بعضها المسلّمات والمتواترات الواصلة جيلاً بعد جيل ويداً بيد بحيث يستحيل ولو عادة ثلمها والخدش في صحّتها؟! وهل من الصواب الاتكاء على شواهد جزئيّة -على فرض تماميّتها- لترتيب وإصدار حكم عام وخطير كهذا؟!! مدى الموضوعيّة لآراء جولدزيهر وخلفيّاتها بملاحظة ما سبق عرضه من كلمات وتصوّرات جولدزيهر، وبالنظر لنوع وطبيعة الأدلّة التي ساقها لتدعيمها يمكن لنا أن نقيّم هذه الآراء من جهة موضوعية، ونرصد ما لها من مقدار علمي، كما سيسهم ذلك أيضاً في التعرّف على طبيعة الخلفيات التي على ضوئها نسجت وتولّدت.

 أولاً:- المقدار العلمي لآراء جولدزيهر: ينبغي لنا بدواً أن نلتفت للنقاط الآتية:

 1- أنَّ جولدزيهر كثيراً ما يلجأ إلى التحليل وفق ذوقه الخاص من دون أن يستدل عليه، وقد مرّ علينا مثلاً تحليله بتطوّر ألوهيّة الحديث من قول عمر بن عبدالعزيز لعروة بن الزبير، من غير أن يثبت قوّة ومتانة تحليله.

 “اتخذ المستشرقون أسلوباً جديداً للوصول إلى هدفهم، وهو تزوير التراث الإسلامي بطريقة التحليل للوصول إلى نتيجة، ولعلمهم بأنَّ التحليل لا بدَّ وأن يبتني على ثوابت تاريخيّة؛ لذا لجأوا للتحليل المجرّد الغير المبتني على تلك الثوابت، بل يعتمد على التفكير العقلي المجرّد”(22).

2- أنّه بالرغم من عدم قبوله لحجيّة ما بأيدينا من أحاديث وأنَّها مختلقة، لكنّه يعتمد في ترويج مقولاته على بعضها، فإذا كانت هذه المجموعة من الروايات في نظره حجّة فمن أين استقاها؟ وإذا لم تكن كذلك فما الفرق بينها وبين سواها من سائر الأحاديث حتى يختار ما يناسبه ويذر الباقي؟!

3- الموضوعيّة تقتضي ملاحظة جميع الجوانب وتقليب سائر الوجوه حتى ينتخب أسدّها وأكثرها اعتباراً، في حين أنَّنا نجد جولدزيهر قد يغضّ الطرف عن نصّ القرآن الصريح، أو إجماع المسلمين قاطبة، أو حقيقة عقليّة بيّنة أو غيرها من الأدلّة المحكمة ويتمسّك برواية أو حادثة تاريخيّة عابرة قد تكون ملفّقة أو موضوعة ويرتّب عليها النتائج، وهذا تعدٍّ سافر على روح البحث العلميّ.

 النتيجة: أنَّ آراء جولدزيهر حول الحديث النبوي هي عارية عن البعد العلميّ الرصين، وتفتقر إلى أبسط معاني الموضوعيّة، وبالتالي فهي لا تصلح للاستفادة منها كدليل.

 ثانياً:- الخلفيّات التي أثّرت في آرائه: إنَّ أوّل ما يختلج بالبال بشأن الخلفيّات من خلال ما مضى هو التحامل الكبير الذي يكنّه جولدزيهر للإسلام بشكل عام وللحديث بشكل خاص؛ بحيث لم يترك للسنّة الشريفة أيّة فضيلة أو منقبة، فهي إمَّا وضع أو مخاض لتجارب الحياة أو سرقة من الحضارات الأخرى، ولعلّ جوهر هذا العداء ناتج من:

 أ- الطبيعة اليهوديّة: “… ويضيف الدكتور ألبرت أنَّ الطبيعة اليهوديّة ومستقبل اليهود كانتا الشغل الشاغل للمستشرق جولدزيهر، وهو نفسه يخبر بذلك قائلاً: “إنَّ اليهوديّة نبض حياتي”…. يذكر ألبرت حوراني أنَّ جولدزيهر قد عمل سكرتيراً عامّاً للطائفة اليهوديّة في بودابست، وأنَّه قد كانت لديه معرفة عميقة بالتلمود والآداب العبريّة”(23).

 ب- الطبيعة الاستشراقيّة: والتي من أهمّ أهدافها هو السيطرة على اتجاهات الفكر الإسلامي الحديث وإعادة صياغته بما يؤمّن مصالحها.

“إنَّ الأمر -باختصار- هو أنَّ المستشرقين، قد نجحوا في إعادة ترتيب العقل الإسلامي الحديث، وفق منهجيّة فكريّة وإنسانيّة تراثيّة (منتقاة بدقّة)، ساعدهم على ذلك، أنَّهم كانوا يملكون الذاكرة التاريخيّة للأمة على الحقيقة، من خلال سيطرتهم على القسم الأكبر من تراث الإسلام الذي نقلوه في غفلة من الأمة”(24).

 ج- تعلّم النقد بالأسلوب الذي انتقد به الأسفار: وهو أسلوب نسفيّ، وقد كسروا به شوكة الأسفار، ويُراد تطبيقه بنفس المنوال على التراث الإسلامي كي يسقط هو الآخر عن الاعتبار.

 “أمَّا الدكتور ألبرت حوراني فيرى (جولدزيهر) قد طبّق المناهج النقديّة التي تعلّمها في ألمانيا (التي نقد العلماء الغربيون بها أسفار الكتاب المقدّس وتوصّلوا بها إلى أنَّ هذه الأسفار قد لحقها التحريف والتبديل والزيادة والنقصان) على النصوص الأساسيّة للإسلام”(25).

الخاتمة في نهاية المطاف نستخلص طائفة من النتائج، من أبرزها:

 1- الشبهات الواردة من جولدزيهر وسائر المستشرقين أكثر ما تناله هو مذهب العامة، لابتلائه بمنع التدوين من جهة، واقتصاره على روايات النبي (صلّى الله عليه وآله) فحسب، وارتباطه بالسلطان الجائر، وهذا بخلاف المذهب الإمامي(26).

 2- تشكيك المستشرقين بالحديث من أجل إبعادنا عن البركات والخيرات المتنوّعة منه، في الوقت الذي يسعون فيه خفاءً لجني بعض الفوائد منه لإعلاء حضارتهم.

 3- رؤية هذه الشبهات والهجمات الشرسة على الإسلام وسنّته -بكثرتها قديماً وحديثاً- يعكس لنا مقدار ما عاناه علماؤنا الأبرار من مشاق وصعوبات من أجل الحفاظ على سلامة الحديث من الضياع أو التغيير.

 4- تصفيق المستشرقين والغرب لشخصيّة جولدزيهر والترويج له في الآفاق بالرغم من عدم نزاهته وموضوعيّته في البحث العلمي دليل واضح على خوائهم وسفاهة آرائهم، وأنَّهم يطرحون الشبهات من باب السياسة.

 والحمد لله رب العالمين.

الهوامش والمصادر

  • (1) اجنتس جولدزيهر؛ ولد في سنة 1850م في المجر، وهو يهودي من أسرة يهودية ذات مكانة وقدر كبير، نال درجة الدكتوراه الأولى سنة 1870م من جامعة ليپتسك، وبعدها هاجر إلى عدّة بلدان منها القاهرة وسوريا وفلسطين، وفي القاهرة استطاع أن يختلف إلى بعض الدروس في الأزهر، ويعد هذا امتيازاً مقارنة بأمثاله. ومنذ هذه الفترة بدأ يعنى بالدراسات العربية عامة والإسلامية خاصة. وفي سنة 1894م صار استاذاً للغات الساميّة واستقر به الحال في بلاده، ولم يكن يغادرها إلا للمشاركة في مؤتمرات المستشرقين، ونظراً لطبيعة أسرته، وابتعاده عن الغور في قضايا المجتمعات والسياسة لم ينهج النهج السائد لدى كبار المستشرقين، وهو الاعتماد على ما هو حاضر ومشاهد من مشاكل الشرق كمادة في بحوثهم، بل اختار أسلوب التنقيب في النصوص والوثائق والتدقيق فيها والمقارنة بينها من أجل الوصول إلى النتائج. وقد عدّه المستشرقون من أعظم النوابغ في الشؤون الدينية، وقد اشتهر وذاع صيته بينهم. مارس الكتابة والتأليف مبكراً، إذ بلغت مؤلفاته 592 بحثاً ودراسة، ويعد من أهمّها: «دراسات إسلامية» سنة 1889م، وهو من جزئين، تناول في الجزء الثاني منه أبحاثاً حول تاريخ وتطوّر الحديث أسهمت بعد ذلك في ظهور سلسلة من أخطر الأبحاث الحديثيّة إلى يومنا هذا. و«محاضرات في الإسلام» طبع عام 1910م، و«اتجاهات تفسير القرآن عند المسلمين» عام 1920م، وهما أشهر أبحاثه وأكثرهما تأثيراً. وتوفي في بلده سنة 1921م. تلخيص بتصرّف من: موسوعة المستشرقين، د. عبدالرحمن بدوي، ص 197- 203.
  • (2) الاستشراق، د. محمد الشرقاوي، ص 123.
  • (3) يحسن التنبيه هنا إلى أمرين: أولاً: خصّصنا السنّة بالنبويّة فقط بسبب اقتصار المستشرقين عليها كما هو حال مذهب العامة، فهم لا يعتقدون بشمولها لسائر المعصومين (عليهم السلام) كما عليه الشيعة. الثاني: أن مصطلح السنّة والحديث بينهما فرق بسيط: «السنة: قول وفعل وتقرير المعصوم (عليه السلام)، والذي يكون منشأً للحكم الشرعي، أما الألفاظ التي تحكي وتنقل السنة فتسمى بالحديث» دروس في علم الدراية، د.السيد رضا المؤدب، ص25. إلا أنه كثيراً ما يتفق ويعبّر عنهما معاً بما يصدر من المعصوم (عليه السلام)، غاية الأمر أن جولدزيهر قام بالتفريق بينهما بفروق خاصة به، وأنهما قد يتعارضان، من باب زيادة التشكيك في صدور الروايات والأحاديث من النبي (صلّى الله عليه وآله).
  • (4) العقيدة والشريعة في الإسلام، جولدزيهر. نقلاً عن: دفاع عن الحديث النبوي، د. أحمد عمر هاشم، ص 34.
  • (5) دفاع عن الحديث النبوي، د. أحمد عمر هاشم، ص 37.
  • (6) انظر: مباني نقد متن الحديث، قاسم البيضاني، ص 63- 69.
  • (7) انظر: دروس في وضع الحديث، د. ناصر رفيعي المحمدي، ص 199- 206.
  • (8) راجع: ن.م، فصل محاربة الوضع، ص 133- 144.
  • (9) انظر: مباني نقد متن الحديث، قاسم البيضاني، ص 19- 27.
  • (10) علوم الحديث، د. صبحي الصالح، ص 278.
  • (11) نقد الخطاب الاستشراقي، د. ساسي سالم الحاج، ج1، ص 418.
  • (12) سورة النحل المباركة: 44.
  • (13) الميزان في تفسير القرآن، العلامة الطباطبائي، ج12، ص 259.
  • (14) نقد الخطاب الاستشراقي، د. ساسي سالم الحاج، ج1، ص 407.
  • (15) العقيدة والشريعة في الإسلام، جولدزيهر، ص51. عن دفاع عن الحديث النبوي، د. أحمد عمر هاشم، ص 39.
  • (16) سورة الجمعة المباركة: 2.
  • (17) دفاع عن الحديث النبوي، د. أحمد عمر هاشم، ص 39- 40.
  • (18) ن.م، ص 36.
  • (19) نقد الخطاب الإستشراقي، د. ساسي سالم الحاج، ج1، ص 420.
  • (20) سورة الملك المباركة: 14.
  • (21) سورة الأنبياء المباركة: 107.
  • (22) المستشرقون ومنهج التزوير والتلفيق في التراث الإسلامي، طارق سرى، ص 169.
  • (23) الاستشراق، د. محمد الشرقاوي، ص 124.
  • (24) الغارة على التراث الإسلامي، جمال سلطان، ص 55.
  • (25) الاستشراق، د. محمد الشرقاوي، ص 126.
  • (26) يلاحظ من مجموع شبهات جولدزيهر التفاته إلى (الحديث النبوي) في مدرسة الصحابة فحسب، فيجدر التنبيه في جميع مطاوي البحث إلى افتراق (الحديث النبوي) في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) عنه في مدرسة الصحابة، وأن بعض النقود لئن سلّم توجهها إلى الحديث في المدرسة السنيّة لكنها لا تتوجّه إليه وفق المدرسة الشيعية.
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى