ثبات الإيمان ومراتبه

بسم الله الرحمن الرحيم

ثبات الإيمان ومراتبه

قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾1

تشير الآية الكريمة إلى واحدة من الحقائق المهمّة على المستوى العقائديّ في بنية الإنسان المؤمن بالله سبحانه وتعالى، وهي أنّ الإيمان بالله تعالى له درجات تتفاوت بين فردٍ وآخر وله صورة ظاهرية وصورة باطنيّة، وقد يكون الإنسان في الظاهر رافعًا لشعار الإيمان، ولكنّه في باطنه يستبطن الكفر، وهذا هو حال الخوارج الذين خاطبهم الإمام علي (عليه السلام) عند رفعهم للمصاحف قائلاً: “فقلت لكم: هذا أمرٌ ظاهره إيمان وباطنه عدوان، وأوّله رحمة وآخره ندامة”2 وأنّ هناك مراتب في الاعتقاد تبدأ بالإسلام ثمّ الإيمان ثمّ اليقين.

ما هو الإيمان وحقيقته:

الإيمان هو الاعتقاد، وسكون النفس وتصديق القلب، وكلّ من كان عارفًا بالله تعالى وبنبيّه الكريم، وبكلّ ما أوجب الله عليه معرفته مقرًّا بذلك فهو مؤمن، والكفر نقيض ذلك.

وحول حقيقة الإيمان وتعريفه يقول النبي (صلى الله عليه وآله): “الإيمان ما وقر في القلوب وصدّقته الأعمال، والإسلام ما جرى على اللسان”3

هذه الحالة في تفاوت مراتب الإيمان هي ما عبّر عنه أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: “لو كُشفَ لي الغطاء ما ازددتُ يقينًا”

فالحالة الإيمانيّة تتفاوت بين الناس وتختلف على مراتب، فمنهم من يبلغ أعلى المراتب وصولًا إلى اليقين، ومنهم من هو دون ذلك، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾4

وقوّة الإيمان وشدّته من الركائز الأساسية لدى الإنسان لسلوك طريق الهدى والوصول إلى السعادة، بينما ضعف الإيمان يعرّضه للسقوط في المهاوي.

وخير دليلٍ على تفاوت مراتب الإيمان، وضرورة سعي الإنسان للحصول على أعلى هذه المراتب أنّ نبيّاً من أنبياء الله تعالى، وهو إبراهيم (عليه السلام) يطلب من الله تعالى الاطمئنان والمزيد من درجات الإيمان، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾5

وفي الحديث عن صفوان قال: “سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن قول الله لإبراهيم (عليه السلام): ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أكان في قلبه شكّ؟ قال(عليه الاسلام): “لا، كان على يقين ولكنّه أراد من الله الزيادة في يقينه”6.

وقد حذَّر رسول الله(صلى الله عليه وآله) أمّته من ضعف الإيمان، فقال: “ما أخاف على أمّتي إلاّ ضعف اليقين”7.

مراتب الإيمان ودرجاته:

يتفاضل الناس في درجات الإيمان تفاضلًا كبيرًا، فهناك من يتلفّظ بالشهادتَين لدخوله الإسلام ظاهراً، سواء وافقه القلب أم خالفه، وهذا هو حال الأعراب الذين خاطبهم الله تعالى بأن لا يقولوا آمنّا بل يقولوا أسلمنا.

وقد حثّ الدين الإسلاميّ الناس على معاونة بعضهم البعض للوصول إلى أعلى درجات الإيمان، واعتبر من وظيفة من يرقى إلى الدرجات العليا أن يكون عونًا لمن هو دونه.

في الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: “إنّ الإيمان عشر درجات بمنزلة السلّم، يصعد منه مرقاة بعد مرقاة، فلا يقولَنَّ صاحب الاثنين لصاحب الواحد لست على شيءٍ حتى ينتهي إلى العاشر، فلا تُسقِط من هو دونك فيسقط من هو فوقك، وإذا رأيت من هو أسفل منك بدرجة فارفعه إليك برفق، ولا تحملن عليه ما لا يطيق فتكسره، فإنّ من كسر مؤمنًا فعليه جبره”8.

فالشهادة لله تعالى بالوحدانيّة، وللنبيّ(صلى الله عليه وآله) بالنبوّة هما تعبير عن الإسلام والالتزام به بحسب الظاهر، ولكن الله تعالى أراد للإنسان أن يرتقي في مدارج الإيمان ليتوافق الظاهر مع الباطن وهذه أُولى درجات الإيمان بالله تعالى.

ومن هنا فإنّ الإيمان بالله تعالى يختزن في أعماقه مراتب متعددة، ويمكن اختصارها بمرتَبَتَين هما:

المرتبة الأولى: الإيمان العقليّ
وهذه المرتبة يكون معها الإنسان موقنًا ومؤمنًا بالله تعالى وأنبيائه ورُسُله، وباليوم الآخر، ولكن هذا الإيمان على الرغم من أنّه يحتلّ مكانته على مستوى العقل، إلّا أنّه قد يكون فيه خلل وضعف في العمل، والالتزام بأوامر الله تعالى ونواهيه، ولذلك لا يكون راسخًا في القلب كما هو حاله في العقل، فقد يكون هنالك معرفة بالله تعالى، وتصديق به، وتوحيد له، ولكن هذا التوحيد لم يكتمل بالإخلاص له تعالى كما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): “أوّل الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه..”9

وخير شاهدٍ على مثل هذا الإيمان الناقص إبليس الذي شهد لله تعالى بالخالقيّة والوحدانيّة، وهو العالم بالمبدأ والمعاد، ومع ذلك كفر بالله تعالى في مرحلة من المراحل عندما طلب منه الله عزَّ وجلَّ السجود لآدم عليه السلام فقال مستنكراً: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾10، فهو إذن يعترف بالحقّ تعالى وخالقيّته، ويقول أيضًا: ﴿… فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾11، فيعتقد بالمعاد، وهو كذلك عالم بالكتب والرسل والملائكة، ومع ذلك كلّه خاطبه الله سبحانه بلفظ الكافر، وأخرجه من زمرة المؤمنين.

فالعلم واليقين ما لم يدخلا إلى منطقة القلب ويكون لهما التأثير فيه وفي سلوك الإنسان، يبقى الإيمان ناقصًا، فارغًا من محتواه.

وليس الإيمان مجرّد المعرفة الخالية من العمل كما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): “الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان، وعملٌ بالأركان”

المرتبة الثانية: الإيمان القلبي
وفي هذه المرتبة يتجلّى التسليم والانقياد القلبي للاعتقادات الحقّة التفصيليّة، وما يتبعها من الأعمال الصالحة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾12.

وفي هذه المرتبة أيضًا قد يتفاوت إيمان الناس، فقد يتزلزل الإيمان ويتجاوز الإنسان إرادة الله تعالى في بعض الأحيان، لذلك فإنّ الإيمان الحقيقي بأعلى مراتبه يتجلّى بالانقياد المطلق، والتخلّق بالأخلاق الفاضلة، ويجعل العلاقة مع الله كعلاقة العبد المملوك مع مولاه، ولا يكون في النفس أي اعتراض أو سخط على قضاءه وقدره وأحكامه. قال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾13.

ومن الشواهد المهمّة على تفاوت الإيمان بين المؤمنين أنفسهم أنّنا نرى بعض الناس مع إيمانهم والتزامهم القلبي والعقلي يجادلون ويناقشون فيما أمَر الله تعالى به، ونهى عنه، فتراهم يقولون ويتذرّعون بحججٍ واهية مثل: إنّ هذا الأمر الإلهي لا يتوافق مع العقل، أو يسألون كثيرًا عن علّة الأوامر والأحكام، وقد غفل هؤلاء وأمثالهم عن أنّ العقل له قدرات لا يستطيع أن يتجاوز حدودها، وهي الغيبيات التي لا يمكن للإنسان أن يتعقّلها أو يقبلها إلّا بالإيمان بالغيب ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ،أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾14

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: “إنّ الله تعالى جبل النبيّين على نبوّتهم، فلا يرتدّون أبدًا، وجبَل الأوصياء على وصاياهم، فلا يرتدّون أبدًا، وجبَل بعض المؤمنين على الإيمان فلا يرتدّون أبدًا، ومنهم من أعير الإيمان عارية، فإذا هو دعا وألحّ في الدعاء مات على الإيمان”15.

وقد فرّق بعض العلماء بين الإيمان العقلي والقلبي بمثال معبّر، حيث مثّلوا لذلك بالإنسان الذي ينام مع ميّت في غرفة وحدهما، فقالوا: إنّ الإنسان يعلم يقينًا أنّ الميّت لا يؤذي، ولكن يخاف أن ينام معه منفردًا، وما ذلك إلاّ لأنّ اليقين العقلي بعدم أذيّة الميّت له، لم ينزل إلى القلب.

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): “فمن الإيمان ما يكون ثابتًا مستقرًّا في القلوب، ومنه ما يكون عواري بين القلوب والصدور إلى أجلٍ معلوم”16

الثبات على الإيمان

ينبغي للإنسان المؤمن مهما بلغ إيمانه أن يلتفت إلى وساوس الشيطان الذي يمكن في لحظة من اللحظات أن يدخل إلى قلبه فيزعزع له إيمانه، ويحيد به عن الصراط المستقيم، فهذه هي الوظيفة الأساس التي عاهد إبليس عليها نفسه لإغواء الإنسان وإبعاده عن طريق الإيمان، ولأجل ذلك علينا السعي لكي يكون إيماننا مستقرًاً وثابتاً، ولا يكون حالة عارضة تزول بأدنى ملابسة من فقدان منفعة، أو تغيّر حال، ليكون الإيمان ثابتًا عن عقيدة ووعي ونور وبصيرة وليرتقي إلى مرتبة اليقين الذي لا يزول ولا يتزعزع، وهو أقوى من الجبل.

ولعلّ أكثر المخاطر التي يتعرّض لها الإيمان للتزلزل وعدم الثبات هو حالة النكبات والشدائد، فيسقط عندها المرء، وتزلّ قدماه.

فهل أنّ أمثال طلحة والزبير عندما حاربا أمير المؤمنين (عليه السلام) كانوا قد كفروا بالله تعالى أم أنّ الدنيا أعمت قلوبهم، وحبّ الجاه والسلطان أدّى إلى ضعف إيمانهم، فانقلبوا على أعقابهم خاسرين؟

وهذا الثبات على الإيمان عند الشدائد له مصاديقه البارزة في سيرة نبيّنا الأكرم (صلى الله عليه وآله) والأئمة المعصومين (عليهم السلام) وأصحابهم الأبرار.

فالنبي(صلى الله عليه وآله) كان كلّما اشتدّت عليه أعاصير المحَن، وتكالبت عليه قوى الكفر والطغيان ازداد ثباتًا وصمودًا ومضيًا على نشر رسالته، ضاربًا في سبيل الله أرفع الأمثال بقوله: “لو وُضعت الشمس في يميني والقمر في يساري، ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك في طلبه”.

وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) على نفس هذا المنهج الثابت، والإيمان الراسخ، فقد ألحّ عليه بعض خاصّته ومواليه أن يستميل من أغوتهم زخارف الأطماع فسئموا من عدل الإمام (عليه السلام) ومساواته، واستهواهم إغراء معاوية وقالوا له: “يا أمير المؤمنين، إعطِ هذه الأموال، وفضّل هؤلاء الأشراف من العرب وقريش على الموالي والعجم، ومن تخاف عليه من الناس فراره إلى معاوية”. فقال (عليه السلام) لهم وهو يُعرب عن ثباته، وتمسّكه بدستور الإسلام: “تأمروني أن أطلب النصر بالجور؟! لا والله ما أفعل ما طلعت شمسٌ ولاح في السماء نجمٌ والله لو كان مالهم لي لواسيتُ بينهم، وكيف وإنّما هي أموالهم”.

ولنا في أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) الذين تعلّموا من إمامهم وسيّدهم معنى الثبات، فآثروا القتل في سبيل الله تعالى على الحياة الخانقة الذليلة. وقد عبّروا عن هذا الثبات في كلماتهم وأفعالهم. وها هو مسلم بن عوسجة يقف أمام الإمام الحسين (عليه السلام) بعد أن أعطاهم الرُخصة بالرحيل فيقول جوابًا له (عليه السلام): “أنحن نخلّي عنك!! ولمّا نعذر إلى الله في أداء حقّك، أما والله حتى أطعن في صدورهم برمحي، وأضربهم بسيفي، ما ثبُت قائمة في يدي، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به، لقذفتهم بالحجارة، والله لا نخلّيك حتى يعلم الله أنّا قد حفظنا عيبة رسول الله(صلى الله عليه وآله) فيك، والله لو علمت أنّي أُقتل ثمّ أُحيى، ثمّ أُقتل، ثمّ أُحرَق، ثمّ أُذرى ثمّ يُفعل ذلك بي سبعين مرّة ما فارقتك، حتى ألقى حِمامي دونك، وكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي قتلةٌ واحدة، ثمّ هي الكرامة العظمى التي لا انقضاء لها أبدَا”.

“اللهمّ ثبّتنا على دينك ما أحييتنا، ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، إنّك أنت العزيز الحكيم”.والحمد لله ربّ العالمين


المصادر والمراجع

1- سورة الحجرات، الآية: 14.
2- نهج البلاغة، الخطبة: 20.
3- بحار الأنوار، المجلسيّ، ج 50، ص 208.
4- سورة يوسف، الآية: 106.
5- سورة البقرة، الآية: 26.
6- . ميزان الحكمة، الري شهري، ج 10، ص 790، ح22725
7- م.ن، ج10، ص 285، ح 22683
8- الكافي، الكليني، ج 2، ص 45.
9- نهج البلاغة، الخطبة 1.
10- سورة الأعراف، الآية: 12.
11- سورة الأعراف، الآية 14
12- سورة الحجرات، الآية 15
13- سورة النساء، الآية 15
14- سورة البقرة، الآيات: 3-5
15- الوافي، ج3، ص50
16- نهج البلاغة، الخطبة: 183.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى