داء القلوب ودواؤها

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى في كتابه العزيز واصفًا حال المنافقين: ﴿خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ﴾1

﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُون﴾2

يشير القرآن الكريم بشكلٍ واضح وصريح إلى أنّ القلوب تمرض ويصيبها الداء، وما من داءٍ إلّا وله دواء.

فما هو مرض القلوب وما هو دواؤها؟

المراد من القلب:
ليس مرادنا هنا في محلّ الكلام عن القلب هو تلك القطعة الصنوبرية، بل ذلك الجوهر الذي تتقوّم به إنسانيّة الإنسان، والذي أودعه الله فينا مفطورًا على التوحيد والعبودية والطاعة، وطاهرًا أبيضًا سلسًا رقيقًا وشفّافًا ليس فيه أيّ نقصٍ وفساد.
وفي تعبير صاحب تفسير الميزان العلّامة الطباطبائيّ أنّ المراد بالقلب هو الإنسان بمعنى النفس والروح.

فالإنسان في الحقيقة هو الذي يمرض ويحتاج حينها إلى علاج ودواء، وحقيقة هذا أنّه يُصاب في قلبه بحيث ينقلب عن تلك الفطرة السليمة التي أودعها الخالق عزَّ وجلّ فيه.

داء القلب
إنّ للإنسان بُعدًا ماديًّا وهو الجسم، وبُعدًا معنويًّا وهو الروح والنفس والقلب، وبين هذين البُعدَين ارتباطٌ وثيق، وتفاعلٌ قويّ لا ينفكّ أحدهما عن الثاني إلاّ بتصرّم العمر، ونهاية الحياة الدنيا.

وإذا ما أراد الإنسان السعي لتحقيق السعادة والهناء فإنّ عليه أن يسعى إلى سعادة الروح كما يسعى إلى سعادة الجسم.

لهذا كان على الإنسان كما يهتمّ بجسمه أن يهتمَّ بروحه، لأنّ كُلّاً منهما له حقٌّ لا بدّ من أدائه، وحاجات لا بدّ من تلبيتها.

فحقّ الجسم وحاجاته هي تلك الأمور الماديّة الموجبة لصحته وحيويّته ونموّه، كالغذاء والشراب والكساء ونحوها من ضرورات الحياة.

وحقّ الروح وحاجاتها هي تلك الأمور المعنوية والروحية والنفسية التي تعشقها الروح، وتهفو إليها، كالعلم والمعرفة وراحة الضمير وغيرها من القيَم والمُثُل الإنسانيّة.

ولذلك فإنّ حرمان الجسم من احتياجاته يُفضي به إلى الضعف والسقم والانحلال، كذلك حرمان الروح من احتياجاتها يقودها إلى الشقاء والتعاسة وقد أرشدنا القرآن الكريم ونبيّنا العظيم (صلى الله عليه وآله) والأئمة المعصومين (عليهم السلام) إلى ضرورة الاهتمام بالروح والقلب على نفس المستوى الذي نهتمّ به بالجسم، لأنّ للروح والقلب حقًّا عليك، كما أنّ للجسم حقٌّ عليك.

ولكن الأمر الذي لا يلتفت إليه الكثيرون هو العمل على رعاية حقوق الجسم، ولذا نرى الإنسان يراعي القوانين الصحيّة، ومعالجة الأمراض الصحيّة ونحو ذلك من مقوّمات الصحّة وشرائطها، وخوفًا من الهلاك والموت.

بينما في النفس والروح نراه لا يراعي تلك الحقوق، فلا يسعى إلى علاجها منذ إصابتها بأيّ مرضٍ مثل نزوعها إلى الآثام والمنكرات، ونبذها للقيَم الروحيّة.

من أجل ذلك كلّه كانت العلل الروحيّة والنفسيّة والقلبيّة أصعب علاجًا، وأشدّ عناءً من العلل الجسميّة.

عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه قال: “عجبتُ لأقوامٍ يحتمون الطعام مخافة الأذى، كيف لا يحتمون الذنوب مخافة النار”3.

وممّا لا شكّ فيه أنّ الخطوة لتشخيص دواء الروح والقلب هي معرفة الداء الذي يصيب القلب ليتمكّن الإنسان حينئذٍ من استعمال الدواء والنافع. فما هو مرض القلوب:

مرض القلوب في القرآن والروايات:
فطر الله تبارك وتعالى الإنسان على توحيده وشكر نعمه وعبادته وطاعته، وبذلك يكون القلب سليمًا نقيًّا وطاهرًا، إلّا أنّ هذه الفطرة قد تتلوَّن، فينحرف الإنسان عمّا أراده الله تعالى أن يصل إليه من الهدف لخلقه.

ومن أهمّ الأسباب لهذا الانحراف والأمراض التي تحرِف الإنسان عن الهدف الذي خُلق من أجله الإنسان هو اتّباع الشيطان.

ولذا كان التحذير الدائم من الله تعالى إلى الإنسان من الانخداع بالشيطان وأباطيله.

قال تعالى: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾4.

وقال تعالى متحدّثًا عن محاولات الشيطان تجاه الإنسان: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ،ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾5
وقال تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾6

ومن الأسباب: كثرة الذنوب.
الذنب في اللغة:
 الإثم والجرم والمعصية.
وفي الاصطلاح الشرعيّ: ترك المأمور به من الله، وفعل المنهيّ عنه، وبعبارة أخرى: أن لا يراك الله حيث نهاك، وأن لا يفتقدك حيث أمرك.

فالمؤمن المطيع هو ذلك الذي يفعل الواجبات ويترك المحرَّمات. ولا يلتفت إلى الشيطان وإغوائه، لأنّ الإنسان-كما ذكرنا- مبتَلَى بهذا المخلوق الذي رصَد نفسه لصدّ الإنسان عن الطاعة، ولا بدّ من الاستعانة الدائمة بالله تعالى.

في الحديث: “ما من شيءٍ أفسد للقلب من خطيئته، إنّ القلب ليواقع الخطيئة فلا تزال به حتى تغلب عليه فيصير أعلاه أسفله”7

وفي الحديث: “ما قست القلوب إلّا لكثرة الذنوب”8.

وأيضًا في الحديث: “لا وجع أوجع للقلوب من الذنوب”9.

ودائرة الخطر على القلب من الذنب لا تقتصر على عالم الدنيا، بل هي تمتدّ إلى عالم البرزخ ثمّ إلى عالم الآخرة، بحيث أنّ آثار الذنب يصل مداها إلى أبعد ممّا يتصوّره الإنسان الذي سوف يحمل حصاد أعماله الدنيويّة إلى تلك العوالم فيحاسَب على كلّ صغيرة وكبيرة.

ومن الأسباب أيضًا: إصابة العمى للقلوب.
قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾10.

ومن الأسباب أيضًا: وضع الحُجُب على القلوب.
قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ، كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴾11.

ومن الأسباب: زيغ القلوب
قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾12.

ومن الأسباب: قسوة القلوب
قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾13.
ولأنّ القسوة هي من أكثر الأمراض التي تصيب القلوب، كان لا بدّ من الإشارة إلى أسبابها وآثارها ونتائجها.

وقد أشارت الروايات إلى أسباب هذه القسوة ومنها:
1- كثرة الذنوب:
 ورد في الحديث: “ما قست القلوب إلّا لكثرة الذنوب”14 .
2- طول الأمل: في الحديث: “فيما ناجى الله تعالى به موسى (عليه السلام)، يا موسى! لا تطوّل في الدنيا أمَلَكَ فيقسو قلبك، والقاسي القلب منّي بعيد”15.
3- الكلام بغير ذكر الله: في الحديث: “لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فإنّ كثرة الكلام بغير ذكر الله تقسي القلب، إنّ أبعد الناس من الله القاسي القلب”16.
4- ترك العبادة: في الحديث: ” ترك العبادة يقسي القلب، ترك الذكر يميت النفس”.
5- كثرة المال: في الحديث: ” كثرة المال مفسدة للدين ومقساة للقلب”.
6- النظر إلى البخيل: في الحديث: ” النظر إلى البخيل يقسي القلب”.
7- إهالة التراب على قبر الأرحام: ورد في الحديث: “أنهاكم أن تطرحوا التراب على ذوي الأرحام، فإنّ ذلك يورث القسوة، ومن قسا قلبُه بعُدَ عن ربّه عزَّ وجلَّ”17.

كيف نكتشف مرض القلب
خلق الله تبارك وتعالى روح الإنسان بقلب أبيض طاهر سليم ليس فيه أيّ نقصٍ وفساد، وعند ارتكاب المعاصي والذنوب والابتعاد عن الله تعالى يقسو القلب شيئًا فشيئًا حتى يصبح أشدّ قسوة من الحجارة، ومن هنا تبدأ الأمراض فيتحوّل إلى قلبٍ أسود لا يُفلح بعدها أبدًا.

لذلك ورد عن الإمام الباقر(عليه السلام) أنّه قال: “ما من عبدٍ إلّا وفي قلبه نكتة بيضاء، فإذا أذنب ذنبًا خرج من النكتة نكتة سوداء، فإن تاب ذهب ذلك السواد، وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطّي البياض، فإذا غطّى البياض لم يرجع صاحبه إلى خيرٍ أبدًا، وهو قول الله عزَّ وجلّ، ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾18.

وهذا التحوّل يصيب قلب الإنسان فيؤثّر على عقله وتفكيره، وعلى أعماله وأفعاله لينقلب منها إلى شيطان بصورة إنسان، فيضيّع بذلك الهدف السامي من وجوده في الحياة.

بين هوى القلب وهداه
يعيش الإنسان في الحياة وقد خلقه الله تعالى فيها حرًّا بين الطاعة والمعصية، والكفر والإيمان. ولكن عليه أن يتحمّل بنفسه مسؤولية الاختيار الذي سار به في الحياة، ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾19.

والشريعة الإسلاميّة بيّنت أو فرّقت بين الخيارَين ولوازمهما.

ومن لوازم خيار المعصية ما يقوله الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا، يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا، لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولً﴾20.
وقال تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾21.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكً﴾22.
وأمّا لوازم خيار الطاعة فما يقوله الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾23.
وقال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾24.

وفي الحديث عن الإمام الباقر(عليه السلام) أنّه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): “يقول الله عزَّ وجلّ: وعزَّتي وجلالي، وعظمتي وكبريائي، ونوري وعلوّي، وارتفاع مكاني، لا يؤثر عبدٌ هواه على هواي، إلّا شتّتُّ عليه أمره، ولبّست عليه دنياه، وشغلت قلبه بها، ولم أؤته منها إلّا ما قدّرت له. وعزَّتي وجلالي، وعظمتي وكبريائي، ونوري وعلوّي، وارتفاع مكاني،لا يؤثر عبدٌ هواي على هواه إلّا استحفظَته ملائكتي، وكفلت السماوات والأرضين رزقه، وكنت له من وراء تجارةّ كل  تاجرٍ، وأتته الدنيا وهي راغمة”25.

اللهم ارزقنا توفيق الطاعة، وجنّبنا المعصية، ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا بتوفيقك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

والحمد لله ربّ العالمين


1- سورة البقرة، الآية:7
2- سورة البقرة، الآيتان: 10-11
3- بحار الأنوار، ج 75، ص 46
4- سورة البقرة، الآية 168
5- سورة الأعراف، الآيتان: 16-17
6- سورة ص، الآية:82
7- بحار الأنوار، ج 73، ص 312
8- وسائل الشريعة، ج 16، ص 45
9- بحار الأنوار، ج 73، ص 342
10- سورة الحج، الآية:82
11- سورة المطفّفين، الآية: 14-15
12- سورة آل عمران، الآية: 7
13- سورة البقرة، الآية: 74
14- وسائل الشيعة، ج 16، ص 45
15- الكافي، ج 2، ص 329
16- بحار الأنوار، ج 71، ص 281
17- بحار الأنوار، ج 82، ص 35.
18- الكافي، ج 2، ص 273.
19- سورة الروم، الآية: 44
20- سورة الفرقان، الآيات: 27-28-29
21- سورة طه، الآية: 126.
22- سورة طه، الآية: 124.
23- سورة العنكبوت، الآية: 69.
24- سورة التغابن، الآية: 11.
25- الكافي، ج2، ص 335.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى