كيف نغتنم أعمارنا؟

بسم الله الرحمن الرحيم

يقول أمير المؤمنين ومولى الموحدين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: “فسابقوا ـ رحمكم الله ـ إلى منازلكم التي أمرتم أن تعمّروها، والتي رُغّبتم فيا ودُعيتم إليها، واستتموا نِعم الله عليكم بالصبر على طاعته، والمجانبة لمعصيته فإنّ غداً من اليوم قريب، ما أسرع الساعات في اليوم، وأسرع الأيام في الشهر، وأسرع الشهور في السنة، وأسرع السنين في العمر”1.

الهدف من خلق الإنسان:

تتعدّد الأقوال وتكثُر النظريات في مجال الحديث عن الهدف السامي لوجود الإنسان واستخلافه في هذه الأرض، ولكن من المتّفق عليه أنّ هذا الهدف هو التسامي بهذا المخلوق وارتفاعه عن التمتّع بالملذّات والشهوات الدنيوية التي ما هي إلّا وسيلة يَعبُر بها من هذا الوجود الفاني إلى ذلك الوجود الخالد والباقي.

وقد انقسم الناس إلى صنفين:

فصنف يرى أنه قد وجد في هذه الحياة الدنيا للاستمتاع بها والتلذّذ بخيراتها فاقتصر نظره على ذلك فنسي الآخرة وأشاح بوجهه عنها، وحاول استغلال كل لحظة من عمره في الدنيا بالاكتساب منها ولو بالحرام.

وصنف آخر علم وأيقن أنّ هذا العمر ما هو إلا مرحلة يعبر من خلالها إلى ما أعدّه الله تعالى للمطيعين أو العاصين، وأن الدنيا ليست إلّا دار امتحان وابتلاء ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾2.

وهذا النوع أراد وسعى للوصول إلى أسمى المراتب سواء في الدنيا أم الآخرة من خلال سمّو الروح والعقل، وامتلاك عناصر السعادة الحقيقية والتكامل الإنساني، فميّز نفسه عن الحيوانات التي هي أسيرة الشهوات، ومنح لعقله فرصة قيادة عمره وحياته، وارتقى عن الملائكة. فكانت الحياة الحقيقية بالنسبة إليه بالإنفتاح على الله تعالى.

وفي التاريخ نماذج من البشر إستطاعت بإقرار هذه العلاقة الوصول إلى أعلى المراتب والدرجات مثل سلمان (المشرّد والأسير) وأبو ذرّ الغفاري (الراعي) حيث اهتدوا بهدي الأنبياء والمرسلين سيما النبي الأعظم محمد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله).

ولأجل الوصول إلى مثل هذه المراتب كان لا بد للإنسان من العمل والسعي في هذه الحياة الدنيا ليتكامل مع الهدف الذي من أجله خلقه الله تعالى.

اغتنام فرصة العمر:

يمكن للإنسان من أجل معرفة قيمة عمرة وكل لحظة فيه أن يجري عملية مقارنة بين متاع الحياة الدنيا وزينتها وشهواتها، وبين عمره وحياته، وسيجد بالتالي أنّ العمر أغلى وأثمن وأنفس منها جميعاً.

والسبب في ذلك واضح وجلي لأنّ الأمور المادية ومتاع الحياة الدنيا يزول ويفنى ويمكن اكتسابه وإسترجاعه، ويستطيع بالتالي تحصيل وتعويض ما فات منه، أما العمر فإنّه إذا مضى لن يعوّضه شيء.

فالعمر هو الوقت المحدّد الذي لا يستطيع الإنسان إطالة أمده، وتحديد أجله المقدّر المحتوم.

قال تعالى: ﴿ولكل أمّة أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ3 كما أنه يستحيل على المرء استرداد ما تصرّم من العمر، ولو بذل في سبيل ذلك جميع مقتنيات الحياة.

ولأننا كبشر لا نقدّر نعم الله تعالى علينا والتي منها هذا العمر نغفل عن قيمته وجلالة قدره، ونسرف فيه ونضيّعه ونبيده في العبث واللهو، ولا نأبه بما تصرّم منه، ولا نغتنم الفرصة السانحة فيه إلا بعد عجزنا عن الاستفادة منه.

وها هو النبي نوح عليه السلام يوضح لنا كيف أنّ العمر يمضي بسرعة دون أن يشعر به الإنسان، وهو الذي عاش في هذه الدنيا أكثر من ألفي وخمسائة عام وذلك عندما سُئل: يا أبا البشر يا طويل العمر كيف وجدت هذه الحياة الدنيا والعمر الطويل؟

فقال: وجدتها كدار ولها بابان، دخلت من باب وخرجت من باب.

فإذا كان الإنسان الذي عاش هذه المدّة الطويلة يرى الدنيا بهذا المنظار، فكيف بنا نحن الذين لن تتجاوز أعمار المئة سنة؟!

وصايا الإسلام في العمر:

تؤكد الشرائع والقوانين الإلهية ولا سيما الشريعة الإسلامية الغرّاء على أهمية الوقت وضرورة استغلال العمر، وصرفه فيما يوجب سعادة الإنسان ورخائه في حياته العاجلة والآجلة.

فالدنيا كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام مزرعة الآخرة، وهي نعمة إلهية كبرى يحوّلها الإنسان إلى نقمة عليه إذا لم يُحسن الإستفادة منها لآخرته، وهكذا العمر والصحة والفراغ والشباب والغنى كلها نِعمُ إلهية يسعى من خلالها المرء لبناء علاقة صحيحة مع الله، وتأمين السعادة في تلك الدار الآخرة.

ويرسم لنا القرآن الكريم صورة صنفين من الناس، واحدة استفادت من الدنيا للآخرة، وأخرى لم تكن كذلك، والعاقبة التي رجعت على هذين الصنفين.

فالصنف الأول هو الفرح المستبشر لأنه قدِم على الله تعالى وقد استغلّ عمره بما يرضي الله تعالى، وهم الذين قال الله عنهم: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾4.

والصنف الثاني هو الحزين النادم الذي ضيّع عمره وجعله هباءً، ولم يستفد من نعم الدنيا للآخرة، وهم الذين قال الله عنهم: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾5.

ومن توجيهات النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في وصيته لأبي ذر الغفاري يقول صلى الله عليه وآله

“يا أبا ذرّ: “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ.

يا أبا ذرّ: اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك.

يا أبار ذرّ إيّاك والتسويف (المماطلة) بأملك، فإنّك بيومك ولست بما بعده.

يا أبا ذرّ: إذا أصبحت فلا تُحدّث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدّث نفسك بالصباح، وخذ من صحتك قبل سقمك، وحياتك قبل موتك، فإنك لا تدري ما اسمك غداً… يا أبا ذرّ كن على عمرك أشحّ منك على درهمك ودينارك”
6.

ومن وصايا أمير المؤمنين عليه السلام أيضاً يقول: “إنّما الدنيا ثلاثة أيام: يوم مضى بما فيه فليس بعائد، ويوم أنت فيه فحقّ عليك اغتنامه، ويوم لا تدري أنت من أهله، ولعلك راحلٌ فيه. أما اليوم الماضي فحكيمٌ مؤدّب، وأما اليوم الذي أنت فيه فصديق مودّع، وأما غد فإنّما في يديك منه الأمل”7.

وقال عليه السلام: “ما من يوم يمر على ابن آدم، إلّا قال ذلك اليوم: أنا يوم جديد، وأنا عليك شهيد، فقل فيّ خيراً، واعمل فيّ خيراً، أشهد لك به يوم القيامة، فإنّك لن تراني بعد هذا أبداً”8.

مصائب العمر:

العمر بالنسبة للإنسان أشبه بالمدرسة التي على الطالب أن يغتنم فيها اليوم والساعة والدقيقة، ويستفيد من الأساتذة الموجودين فيها، ومن جميع الفرص المتاحة له، وكلّ ذلك ينفعه يوم الإمتحان.

والإنسان في عمره الذي منحه إيّاه يوجد أمامه الكثير من الفرص التي لا بد أن يعمل على الإستفادة منها. قال شاعر:
دقات قلب المرء قائلة له***إنّ الحياة دقائق وثواني.

وعليه أن يحاول عدم إهدار أي دقيقة من عمره النفيس والغالي، قبل: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾9.

فالمصيبة الكبرى التي قد نقع فيها جميعاً هي أن يتحوّل العمر النعمة إلى مصيبة لا ندري بها إلا بعد وقوعها. وهذا الأمر يتحقق عند فوات لحظات العمر بما لا يرضي الله مع عدم القدرة على التعويض عما فاتنا.

يروى أنّ رجلاً جاء إلى الإمام علي بن الحسين عليهما السلام يشكو إليه حاله، فقال: “مسكين ابن آدم، له في كل يوم ثلاث مصائب لا يعتبر بواحدة منهنّ، ولو اعتبر لهانت عليه المصائب وأمر الدنيا:

فأمّا المصيبة الأولى:
فاليوم الذي ينقص من عمره، قال: وإن قاله نقصان في ماله اغتمّ به، والدهر يخلف عنه والعمر لا يردّه شيء.

والثانية:
أنه يستوفي رزمة، فإن كان حلالاً حُوسيب عليه، وإن كان حراماً عوقب.

والثالثة:
أعظم من ذلك. قيل: وما هي؟

قال: ما من يوم يمسي إلّا وقد دنا من الآخرة مرحلة، لا يدري على جنّة أم على نار”.

ثم قال عليه السلام أكبر ما يكون ابن آدم اليوم الذي يولد من أمّه.

وختاماً: مع وصية الإمام الخميني

يقول الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه في إحدى توجيهاته الرائعة: “أيها العزيز! انهض من نومك، وتنبّه من غفلتك، واشدد حيازيم الهمّة، واغتنم الفرصة ما دام هناك مجال، وما دام في العمر بقيّة، وما دامت قواك تحت تصرّفك، وشبابك موجوداً”10.


المصادر والمراجع

1- نهج البلاغة، الخطبة 188.
2- سورة الملك، الآية 2.
3- سورة الأعراف، الآية 34.
4- سورة الحاقة، الآيات: 19 ـ 24.
5- سورة الحاقة، الآيات: 25 ـ 32.
6- بحار الأنوار، محمد باقر المجلسي، ح 74، ص 75.
7- أخلاق أهل البيت عليهم السلام/ السيد مهدي الصدر/ ص 181.
8- الوافي/ الفيض الكاشاني/ ج 4، ص 316.
9- سورة الزمر، الآية: 56.
10- الأربعون حديثاً، الإمام الخميني، فصل في معالجة المفاسد الأخلاقية.

المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى