نفي السهو عن النبي (ص)

يدخل بحث (سهو النبي) وبتوسّع أكثر (سهو المعصوم) في الكتب الكلاميّة عادةً ضمن مباحث العصمة، وقد دار الاختلاف فيه بين الفرق الإسلامية‌تبعاً لاختلافهم ــ‌سعةً وضيقاً ــ‌في فهم العصمة ومساحتها.

ويمكن تناول هذا الموضوع في عدّة مجالات ومراحل من مراتب العصمة، وأهمّها مرحلة تلقّي الوحي وإبلاغه، ومرحلة تطبيق الشريعة والأمور الحياتية العاديّة و التي يعبرّ عنها أيضاً بـ(الأمور الخارجية).

ولعلّ هذه الأخيرة هي المعنيّة بالنظر والتركيز أكثر لكون الأولى متفق عليها تقريباً إلاّ ما شذ وندر.

 ونسترعي الانتباه هنا إلي أن المقصود من (سهو النبي) لا يراد منه التخصيص بالنبي الخاتم (ص) دون سائر الأنبياء (ع)، بل الموضوع يشملهم جميعا (ع) وإن كان ينصب بالدرجة الأولى عليه (ص).

 إمكان السهو أو عدمه في تبليغ الرسالة: نعني من لفظ تبليغ الرسالة التعبير المختزن لتلقّي الوحي وتحمّله وعياً وأداءه بلاغاً، والفرق الإسلامية في هذه المرتبة تتفق في عدم إمكان السهو، خاصةً في التلقّي والتحّمل، أمّا في الأداء فجوّز النادر: ((وأما النوع الثاني وهو ما يتعلق بالتبليغ فقد اتفقت الأمّة، بل جميع أرباب الملل والشرائع على وجوب عصمتهم عن الكذب والتحريف، فيما يتعلّق بالتبليغ عمداً أو سهواً إلاّ (القاضي أبو بكر الباقلاني) فإنه جوّز ما كان من ذلك على سبيل النسيان و فلتات اللسان…))(1).

واتفاقهم يغنينا عن عرض الأدلّة المسهبة لإثبات ذلك رغم وفرتها فنكتفي بدليلين، أحدهما عقليّ والآخر نقلي من الكتاب الكريم:

1ــ ‌ضرورة صيانة الوحي على الله تعالى وإلاّ لزم نقض الغرض: وتوضيح ذلك: أن الإنسان لا يستطيع الوصول لكماله الاختياري المنشود إلا عبر الاهتداء بتعاليم وقيم الرسالات السماوية.

 وهذه التعاليم حتى تصل إليه تمرّ بعدّة وسائط، أو على أقل تقدير واسطة واحدة، فإذا أمكن لهذه الوسائط السهو والغفلة والوقوع في الاشتباه! إذن ما الضامن الذي يجزم وصول كل التعاليم صحيحة وخالية‌من الخطأ؟ والحال أن الله تعالى يريد إيصالها سليمة ليتحقّق هدفه من الخلق وتنفذ حكمته.

فلا بد إذن أن تكون الوسائط ومنها الوحي وحامله مصونة، وإلاّ بطل غرضه سبحانه. إلاّ بالقول بضعف إرادة الله عن ذلك وقصور علمه عن إدراك الواسطة المناسبة أو إيجادها، وهذا محالُ عليه جلّ وعلا.

 2ــ‌قوله تعالي: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا  إِلا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا  لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا}(2). التوضيح: الآية صريحة في وجود حفظة من الملائكة من قبل الله تعالى تقوم بمتابعة إبلاغ الوحي، وهو سبحانه من فوقهم جميعاً محيط ومشرف على سلامة الإيصال من البداية إلى النهاية.   

إشكالان في المقام: حاول البعض الاستدلال على إمكان السهو على النبي في تبليغ الرسالة استنادا إلى بعض الآيات، إلاّ أن النظر فيها يكشف وهم ووهن ذلك، منها:

{سَنُقْرِؤُكَ فَلا تَنسَى  إِلا مَا شَاء الله..} (3).

1 – بتقريب: أن الآية معلّقة على الاستثناء، وهذا يعني إمكان السهو على النبي. الجواب: التعليق على المشيئة لا ينافي العصمة عن السهو، فالمراد من الآية هو أنّ الله سبحانه عندما يُقريء النبي بحيث لا ينسى لا يعني ذلك أنه غير قادر على إنساءه متى شاء‌وأراد، بل هو سبحانه في وسعه ذلك وإن كان لا يشاء(4). ونجد شبيهاً لهذا الاستثناء في آية أخرى: {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ}(5). فعلى الرغم من خلود هذا العطاء وخلود الجنّة إلا أن الاستثناء واردٌ فيها، وهو يشير إلى نفس التوجيه في الآية السابقة.

  2ــ {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}(6).

 بتقريب: ورود نهيّ في حقّ النبي (ص) عن القعود مع الثلّة المذكورة ولكنه نسي.

 الجواب: أن هذه الآية هي إحدى الآيات التي يكون الخطاب فيها موجهاً للنبي ولكن المقصود منها أبناء الأمّة، ويؤكّد هذا المعنى قوله تعالى في سورة النساء: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ الله يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ}(7).

 فقوله سبحانه: { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ..} فيه إشارة إلى أن هذا الحكم قد سبق ونزل عليكم من قبل ــ ويعني به الآية الأولى المذكورة في الإشكال ــ خاصةً إذا عرفنا أنّ الآية الأولى مكيّة، والثانية مدنية(8).

إمكان السهو وعدمه في الأمور الخارجية ومجال التطبيق: جرى الكلام كثيراً عند المتكلمين حول عصمة الأنبياء (ع) عن السهو فيما يتعلّق بشؤون حياتهم العاديّة وقضاياهم اليوميّة وفي تشخيصاتهم الخارجية كمعرفة أن هذا السائل خمر أو خل، وكذلك في حقل القضاء وفضّ المنازعات، والحصيلة هي عدم الاتفاق على رأي واحد، فظاهر المعتزلة والأشاعرة هو التجويز، وكتبهم تطفح بالروايات والأخبار الدالة على مختارهم، جاء في المواقف: «أما الكبائر عمداً فمنعه الجمهور، والأكثر على امتناعه سمعاً، وقالت المعتزلة ــ‌بناء على أصولهم ــ‌يمتنع ذلك عقلاً، وأمّا سهواً فجوّزه الأكثرون، وأمّا الصغائر عمداً فجوّزه الجمهور إلاّ الجبائي، وأمّا سهواً فهو جائز اتفاقاً، إلاّ الصغائر الخسيسة كسرقة حبّه أو لقمة»(9).

 فإذا كان السهو في الصغائر عندهم متفق عليه، وفي الكبائر أيضاً عند الأكثر، فمن الأولى تجويزهم السهو في الموضوعات الخارجيّة ومجال التطبيق.

أمّا الإمامية فمختارهم هو عصمة النبي عن السهو في هذه المرتبة أيضا، نعم شذ منهم البعض كالشيخ الصدوق وشيخه ابن الوليد فإنّهما جوّزا الإسهاء لا السهو، والشيخ الطبرسي في تفسيره.

 مستمسك القائلين بجواز السهو في الأمور الخارجية والدليل النقضي عليه: عماد ما يرتكز عليه القائلون بالجواز هو التمسّك والتعبّد ببعض الآيات والروايات الواردة فيها لفظ النسيان أو ما في معناه، مثل:

 1ـ‌ قول النبي موسى (ع) في سورة الكهف: {لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ..} (10). ويلاحظ على ذلك: أن هذه الآية وأمثالها من الآيات لا تدل ضرورة على معنى النسيان المتعارف، فقد يكون بمعنى الترك أو معنى آخر فآيات القرآن لما لها من الدقة في البيان والتصوير الفني والبلاغي الفائق والمحير للألباب لا ينبغي أخذ معانيه بهذه البساطة وإلاّ يلزم الوقوع في عدّة ‌محاذير يخالف بعضها صريح المعتقد، فكثيراً ما ترد مفردة قرآنية تحتمل أكثر من معنى ككلمة (غوى) على سبيل المثال فأحياناً تأتي بمعنى الإلقاء بالنفس في المشقّة والتعب، وتارةً بمعنى التيه في الطريق، وأخرى بمعنى إفساد هناء العيش ورغده وغيرها، فإذا كانت هذه المعاني بعضها يستلزم الخدش في عصمة الأنبياء وبعضها لا يخدش.

 اللازم هنا هو طرح تلك المعاني الخادشة واللجوء إلى غيرها ممّا يُبقي ساحة العصمة محفوظة ومنزّهة.

 وإن قيل: التبادر يقود إلى المعنى الأوّل. فالجواب: نستطيع التمسّك بالآيات الأخرى الصريحة الدالة على عصمة الأنبياء بدون تقييد كقرينة صارفة عن المعاني التي تنسب النقص والنسيان وما شابه، ونثبت محلّها المعاني الأخرى وهكذا.

 وصاحب الميزان (أعلى الله مقامه) استطاع في جميع هذه الآيات أن يخرج ساحة الأنبياء من النقص بأجلى صورة.

 2ـ‌قصّة ذي اليدين مع النبي (ص)، التي تناقلتها الكتب الروائية عند السنّة والشيعة بطرق ومضامين مختلفة كهذه الرواية: «ما رواه في الكافي عن محمد بن يحيى عن ابن عيسى عن علي بن النعمان عن سعيد الأعرج قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: صلى رسول الله (ص) ثم سلّم في ركعتين فسأله من خلفه يا رسول الله (ص) أحدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك؟ قالوا إنما صلّيت ركعتين، فقال: أكذاك يا ذا اليدين، وكان يدعى ذا الشمالين، فقال: نعم، فبنى على صلاته فأتم الصلاة أربعاً، وقال إن الله هو الذي أنساه رحمة للأمة، ألا ترى لو أن رجلاً صنع هذا لعُيّر وقيل ما تقبل صلاتك، فمن دخل عليه اليوم ذلك، قال: قد سن رسول الله (ص) وصارت أسوة وسجد سجدتين لمكان الكلام»(11).

 يلاحظ عليها:

 أ ــ‌الروايات المتضمنة لهذه القصّة مضطربة كثيراً من عدة جهات، من حيث تعيين نوع الصلاة، ومن حيث زيادة الركعة أو نقصانها، أو أنها ركعة أو اثنتين، ولا تخلو من تناقضات ومخالفات لبعض الأحكام الواضحة كالكلام العمدي في الصلاة و الأدهى من ذلك احتواء بعضها على إشارات غير لائقة برجلٍ مؤمن فضلاً عن الرسول الأعظم (ص) كالغضب في غير مورده و بدون داعٍ.

 ب ـ‌إن شخصيّة ذي اليدين أو ذي الشمالين مجهولة وغير معروفة وأكد ذلك الشيخ المفيد (ره).

 ج ــ‌مخالفة ذلك للروايات الصريحة الدالة بوضوح على أنه (ص) لم يسه في صلاته، مثل ما رواه في التهذيب بإسناده عن محمد بن علي بن محبوب عن أحمد بن محمد عن الحسن بن محبوب عن عبد الله بن بكير قال: سألت أبا جعفر (ع) هل سجد رسول الله (ص) سجدتي السهو قط؟ فقال: لا، ولا سجدها فقيه».(12) د ــ‌أنها من أخبار الآحاد الغير مثمرة(13)، وأنّها غير قابلة للتصديق من نفسها، يقول السيّد الخوئي (قده) حولها: «إن هذه الروايات في أنفسها غير قابلة للتصديق، وإن صحّت أسانيدها لمخالفتها لأصول المذهب، على أنها معارضة في موردها بموثقة زرارة… فلا بد من ارتكاب التأويل أو الحمل على التقية أو الضرب عرض الجدار».

(14) الأدلّة الجلّيّة على نفي السهو في الأمور الخارجية: وهي عدّة، نذكر سبعة منها:

 1ــ‌أن العصمة لازمة للنبي لكي يثق الناس به فيتحقق الغرض من البعثة، ولهذا لا يصح عليه السهو في مجال الوحي كما ذكر سالفاً وحينها يُسأل: هل العرف عند غالب الناس وعامّتهم يفرّق بين السهو في مجال الوحي وبين السهو في غيره؟ من الواضح أنهم، وهم أكثراً المخاطبين بالرسالة، لا يميزون بين ذلك.

 فيكون السهو في المواضيع الخارجية عندهم دليلاً على إمكانه في سائر المجالات و منها الوحي والتبليغ وبالتالي ينتقض الغرض، ويبدو أن الشيخ الطوسي (ره) ذكر هذا الدليل بشكلٍ عام لسائر مجالات العصمة و لم يفرّق بينها، يقول:  «ويجب في النبي العصمة ليحصل الوثوق فيحصل الغرض».(15).

 2 ــ‌قال تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ الله عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيمًاً}(16). فبالالتفات إلى أن سبب النزول وهو حصول حادثة قضى فيها الرسول (ص) برأيه تشير الآية لوجود صيانة ورعاية خاصّة له (ص) في قضاءه مع الناس تصونه عن الخطأ، وهذه الصيانة ليست مقتصرة على هذه الحادثة بل هي مستمرة، وإضافة إلى هذا الفضل أعطاه الوحي والحكمة أيضاً وهما المصدر لعلوم الرسالة، والشاهد أن الآية  تضيف إلى ذلك: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} ومقتضى العطف مغايرة المعطوف (وعلمك) للمعطوف عليه (وأنزل) فيدل هذا المقطع على حصول النبي على علم آخر غير علم الكتاب والوحي، وهو العلم بالموضوعات الخارجية.

 والمقطع الأخير فيه تأكيد على السعة والشمول في العطاء الذي لا يقتصر على حادثة معّينة {وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيمًاً}. 3 ــ قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}(17).

 وأيضاً: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيدًا}(18)، وغيرها تشير إلى وجود شهداء يشهدون على أممهم، و على رأسهم الرسول (ص).

 ومن الواضح أن هذه الشهادة في الدنيا و ليست في الآخرة: {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ}(19). وأن هذه الشهادة تشمل حقائق الأعمال وحتّى النيّات كما تشير إلى هذا المعنى المرويات.

 فعليه فهي تتوفّر على ميزتين ضروريتين: الأولى: أنها لا تكون بالحواس الخمس، فالحواس قاصرة عن ذلك وبالتالي فهي قوّة مؤيدة من قبل الله سبحانه. الثانية: لا يتصّور الخطأ والنسيان والاشتباه في الشاهد، فيشهد بخلاف الواقع، وبهذا البيان لا يصدق السهو والنسيان على الأنبياء وسائر الشهداء. 4 ــ وجود كّم من الروايات يفهم منها صراحةً مفاد ذلك، مثل: أــ ما ينقله الكافي عن أبي محمد القاسم بن العلاء، رفعه عن عبد العزيز بن مسلم عن الإمام الرضا (ع) في وصف الإمام (ع): «… هو معصوم مؤيد موفق مسدد قد أمن الخطايا والزلل والعثار يخصّه الله بذلك ليكون حجتّه على عباده وشاهده على خلقه»(20).

 ب ـ وسيأتي في تفسير النعماني في كتاب القرآن بإسناده عن إسماعيل بن جابر، عن الصادق (ع) عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه أن قال في بيان صفات الإمام: «فمنها أن يعلم الإمام المتولي عليه أنه معصوم عن الذنوب كلها صغيرها وكبيرها لا يزل في الفتيا ولا يخطئ في الجواب ولا يسهو ولا ينسى ولا يلهو بشيء من أمر الدنيا».

 وسامه الحديث إلى أن قال (ع): «عدلوا عن أخذ الأحكام عن أهلها ممّن فرض الله طاعتهم ممّن لا يزل و لا يخطئ ولا ينسى»(21).

 5 ــ حديث الثقلين الصادر عن الرسول (ص): «إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلّوا بعدي، كتاب الله حبلٌ ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما» وسنده لا غبار عليه، وتقريب دلالته كالآتي:  من الثابت ضرورة هو عصمة القرآن عن الاشتباه والخطأ والنسيان وما إلى ذلك، فلا يقبل فيه الباطل إطلاقاً، ولو رجعنا للحديث لرأيناه يشير إلى حالة من الاقتران وعدم الافتراق بين القرآن وأهل بيت العصمة والطهارة (ع)، و(لن) تفيد التأبيد، وهذا يعني عدم إمكان الغفلة والسهو على المعصومين  وإلاّ لحصل لهم الاِفتراق مع القرآن ولو في جزئيّة صغيرة، والحديث يثبت عدم الافتراق، فيحصل المطلوب.

 نعم قد يُشكل: أن الحديث خاص بالأئمة (ع) والكلام هو في عصمة الأنبياء. الجواب: حقيقة العصمة واحدة لدى سائر المعصومين (ع) وإن اختلفت مراتبهم و تسميتهم.

 6 ــ المستفاد من الآيات ــ كالآية 33 من سورة يوسف (ع)ـ أن منشأ العصمة عند الأنبياء (ع) هو العلم، وهذا العلم ليس من قبيل العلوم الحصوليّه، كما يشير إلى ذلك العلامة الطباطبائي (قده): (({وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ}: آتاك نوعاً من العلم لو لم يؤتك إياه من لدنه لم يكفك في إيتائه الأسباب العاديّة التي تعلم الإنسان ما يكتسبه من العلوم))(22).

 ويعني أنه من العلوم الحضورّية، وثبت في مكانه أن العلم الحضوري غير قابل للخطأ، وأثره حتمي، فهو عين الحقيقة، ولا توجد فيه الواسطة ليتوهّم أو يحتمل اشتباهها وسهوها(23).

 7 ــ وهو تعقيب على النقطة السابقة، وتكملة لها من جهة بيان هذا العلم الخاص الموجب للعصمة؛ يقول تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا}(24) وهذه الروح تسمى روح القدس، وهي: «صحيح إبراهيم بن عمر، قال: قلت لأبي عبد الله (ع): أخبرني عن العلم الذي تعلمونه، أهو شيء تعلمونه من أفواه الرجال بعضكم من بعض، أو شيء مكتوب عندكم من رسول الله (ص)؟ فقال: الأمر أعظم من ذلك، أما سمعت قول الله عز وجل في كتابه: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ…}؟ قال: قلت بلى.

 قال: فلّما أعطاه الله تلك الروح علم بها وكذلك هي إذا انتهت إلى عبد علم بها العلم والفهم»(25). ويقصد من العبد نفسه أو الإمام بشكلٍ عام.

 وجاء حولها أيضا ويصلح كشاهدٍ على المطلب: «حديث المفضل بن عمر عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن علم الإمام بما في أقطار الأرض وهو في بيته مرخى عليه ستره؟  فقال: يا مفضل إن الله تبارك وتعالى جعل في النبي (ص) خمسة أرواح: روح الحياة فبه دب و درج، وروح القوة فبه نهض و جاهد، وروح الشهوة فبه أكل وشرب وأتى النساء من الحلال، وروح الإيمان فبه آمن و عدل، وروح القدس فبه حمل النبوة.

 فإذا قبض النبي (ص) انتقل روح القدس فصار إلى الإمام وروح القدس لا ينام، ولا يغفل، ولا يلهو، ولا يزهو، والأربعة الأرواح تنام، وتغفل، وتزهو، وتلهو، وروح القدس كان يرى به»(26).

 فإذا كان روح القدس لا يغفل فلا يتصور السهو على النبي إطلاقاً ويمكن استفادة هذا المعنى أيضاً من ذيل الرواية: «وروح القدس كان يرى به» وجليٌّ أن المقصود منها الرؤية الباطنية لا الرؤية بالعين ومثلما عبّر عنها في النقطة الماضية أنها عين الحقيقة من ضرب العلم الحضوري الذي لا يتخلف.

 الخاتمة: يخلص ممّا تقدم في السهو عن النبي بصورة مطلقة في سائر المراتب والمجالات وهو الأقرب للانسجام مع روح الإسلام، إذ الدين وأصوله وفروعه مثل المنظومة، يشدّ بعضها بعضاً بتناغم وانسياب وبلا شك أن نفي السهو عن الأنبياء (ع) أكثر تلاؤماً مع هذه المنظومة من القول به وإثباته.

 وهذا الاختيار لا يعني التنقيص لمن قاده دليله إلى القول بالسهو أو الإسهاء، فطبيعة هذا الموضوع أنه واقعٌ تحت محذورين، وهما إمّا الزيادة وإما النقصان في حق النبي، ولا يتصور أن أحداً يؤيّد الوقوع في أحدهما، فتبقى الأدلة العلميّة هي الحاكمة والفاصلة، والله العالم. والحمد لله رب العالمين

الهوامش والمصادر

  • 1 ــ بحار الأنوار 5: 65.
  • 2 ــ الجن: 26ــ27.
  • 3 ــ الأعلي: 6ــ7.
  • 4 ــ الميزان 20: 299.
  • 5 ــ هود: 108.
  • 6 ــ الأنعام: 68.
  • 7 ــ النساء: 140.
  • 8 ــ الميزان 7: 144.
  • 9 ــ الإلهيات: 3: 200.
  • 10 ــ الكهف: 73.
  • 11 ــ عصمة الأنبياء بحوث وتساؤلات: 564.
  • 12 ــ ن.م: 572 13ــ ن.م: 569.
  • 14ــ ن.م: 576
  • 15ــ كشف المراد: 155.
  • 16ــ النساء: 113.
  • 17ــ البقرة: 143.
  • 18ــ النساء: 41.
  • 19ــ المائدة: 117.
  • 20ـ الكافي 1: 255.
  • 21ــ بحار الأنوار 11: 220.
  • 22ــ الميزان 5: 79.
  • 23ــ المنهج الجديد في تعليم الفسلفة: 172.
  • 24ــ الشورى: 52.
  • 25ــ بحار الأنوار: 11: 44.
  • 26ــ الكافي 1: 328.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى