الانقياد حق أم تكليف

 تعد مسألة الحاجة إلى القيادة والقدوة من الأمور الواضحة والضرورية لدى النوع البشري، إذ لا يمكن تصور مجتمع تنتظم أموره ولا تتداخل بدون قائد ومدير يدبّر شؤونه ويرعى مصالحه، وديننا العظيم قد أولى هذه المسألة اهتماماً بالغاً وحثنا على الاقتداء بالعلماء، واعتبرهم القدوة والدعاة إلى سواء السبيل، إلا أنّ بإزاء موضوع القيادة يأتي موضوع آخر لا يقل أهمية عنه، بل هو من صلبه، وهو موضوع «الانقياد»، ونقصد منه الطاعة الفعلية لأوامر القيادة، أي التطبيق العملي لها ـ وهو تعبير يختزن الحب والولاء والتسليم من أفراد المجتمع إلى قيادتهم، وبه ينجزون تطلّعاتها ويترجمون آمالها، وبدونه تُشل يد القيادة وتعجز عن أداء واجبها، ونستطيع أن نقول أن المجتمع أشبه بالبدن الذي يمثّل القائد فيه دور القلب الذي يضخ سائل الحياة ويوجهه إلى الموضع المناسب، وسائر الناس هم الشرايين الموزّعة لهذا السائل، فلو وزّع بشكل صحيح دبّت الحياة في الأعضاء، وإن عُكس اتجاه التوزيع مات البدن وتعطلت أعضاءه، والحديث عن الانقياد يجّرنا إلى سؤالٍ حساس وجوهري، وينفعنا في الوقت المعاصر كثيراً، وهو أنّ الانقياد للقيادة هل هو حق للفرد أم تكليف عليه؟ بمعنى هل أنّ الشارع الأقدس حينما أمرنا بإتباع القيادة واقتفاء أثرها أراد الإرشاد والتوجيه فقط دون الإلزام بحيث يكون الفرد يستطيع الامتثال إن شاء ومن حقّه التخلّف لو أراد؟ أم لا، أن أمر الشارع إلزامي وتكليفي ولا يحق لأحدٍ التخلّف عن الانصياع للقيادة حتى لو كان رأيه مبايناً لها؟ إنّ الإجابة عن هذا السؤال مهمّة للغاية لأنها المفتاح في تفسير العديد من الأحداث المحيطة بنا قديماً وحديثاً.

فلنفرض أن الانقياد هو حقٌ للفرد وليس تكليفاً عليه، ما الذي يمكن أن يحصل؟ سيكون من حق الفرد التخلف عن ركب الطاعة متى شاء، بل يستطيع التخلّف من البداية إذ لا إلزام، ويمكن له أن يملي شروطه أيضاً، وباختصار نقول: أن هذا الانقياد هو انقياد للنفس أكثر ممّا هو انقياد للقيادة، وهو نوع مصادرة، ومعه تفقد القيادة مصداقها ولزومها وتصبح في حيرةٍ من أمرها، إذ لا تستطيع الاعتماد على أحدٍ بنحو قطعي.

أما لو قلنا بأن الانقياد هو تكليفٌ وواجب إلزامي على الأفراد فالمسألة ستختلف رأساً، فالتسليم التام مكفول، والهروب عن التنفيذ غير مغتفر، والرجوع من منتصف الطريق يعّد خدشاً وإبطالاً للواجب، والاشتراط والالتواء ممنوع، وبتعبير آخر أن هناك ضرورة على كل فرد في المجتمع أن يعطي ولاءً وتسليماً جازماً لقيادته ولا يحق له التراجع أو التباطؤ عن الامتثال لها شرعاً، ومخالفة ذلك تعدّ معصيةً يستحق مرتكبها العقاب، وفي هذه الحالة سيكون باستطاعة القيادة أداء وظيفتها وتنظيم المجتمع بإتقان. والإسلام العظيم وهو الهادف الحكيم اختار لنا القول الثاني كي يضمن قوة ومتانة وسلامة حياتنا.

 إلاّ أنه للأسف كثير من المسلمين لا يلتفتون لذلك، أو يلتفتون ولكن لا يحسنون التطبيق، فيخلطون بين كون الانقياد حقاً أو تكليفاً، فيصبون الويلات على دينهم ودنياهم، وهذا سببٌ رئيس من أسباب تخلف الأنصار عن أئمة الهدى (ع) في عصورهم التاريخية، ولا زلنا نعاني منه إلى يومنا هذا مع كل قياداتنا الإلهية.

 وهنا يحسن التنبيه أن الانقياد تكليفٌ ولكن ليس لكل قيادة، بل للقيادات الربانية الواضحة الملتزمة بالشرع، المتقية في الدين، البصيرة في الأمور، الشجاعة في الذود عن حريم الإسلام، معصومةً كانت ـ كالإمام ـ أم لا فمتى ما صدقت عليها هذه الصفات وجبت إطاعتها والاهتداء بسيرها.

 وفي الختام نعرض مقارنة بسيطة لشخصيتين من التاريخ كان لهم الحضور في ساحة كربلاء والتشّرف بخدمة سيّد الشهداء ولنلحظ بدقة كيفية تعامل كلٍّ منها مع شخصية القائد لنعتبر وننظر نتائج من يعدّ الانقياد حقاً ومن يعدّه تكليفاً.

 الشخصية الأولى هي الضحّاك بن عبد الله المشرقي، ينقل انه لما دعاه الإمام الحسين للنصرة قال: «إن عليّ ديناً وإن لي لعيالاً، ولكنّك إن جعلتني في حلٍ من الانصراف إذ لم أجد مقاتلاً، قاتلت عنك ما كان لك نافعاً وعنك دافعاً»، انظر كيف يشرط على القيادة بما هو أشبه بالتعجيز ولا ينقاد لها بالكامل، ويقدّم مصلحته على مصلحة  الإمام (ع) الذي هو صلاح الأمة، والشيء العجيب أنه قاتل قليلاً بين يدي الإمام الحسين عليه السلام ولما قل الأصحاب جاء لينفّذ شرطه على الإمام (ع)، فاستأذنه بالانصراف ونجا بنفسه تاركاً قائده في هذا الوقت العصيب.

أما الشخصية الأخرى فهي لغلام صغير وهو القاسم بن الحسن (ع) لمّا وجد قائده (ع) يستغيث ترجّل للموت باندفاعٍ وشوق لأنه عرف التكليف وسلّم للقيادة ولسانه كان يغرّد «الموت أحلى عندي من العسل».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى