العلم والعمل

قال الله تبارك وتعالى:{ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ}(1).

 وقال تبارك وتعالى:{ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}(2) وقال الأمام الصادق عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام: (العابد على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا تزيده سرعة المشي إلا بعدا)(3) لا نكاد نصدق بعقلانية من يشكك بل من يشك في مدخلية معرفة الإنسان في قيمة أعماله، بحيث أن عمله في قيمته يتناسب طرديا مع مقدار معرفته، فكلما زادت معرفة الإنسان زادت تبعا لها قيمة وعظمة أعماله، بل أساسا: قيمة العمل الاختياري عند الإنسان أن يكون صادرا عن وعي وعلم ومعرفة.

 من هنا فان عملاً قد يصدر من شخص ونفس ذلك العمل يصدر من آخر ولا نرى في ظاهر العملين فرقا، وعليه تكون قيمتهماــ في نظرناــ واحدة، ولكن الفرق يكون بيِّنا جليا إذا ما راعينا جانب صدوره عن كم وكيف في معرفة الأول لا تطالها يد الثاني.

 هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه تارة يكون العمل صادراً من مستوى عالٍ من المعرفة يصل إلى اليقين، وأخرى لا يكون صادراً بل يكون صاعداً إلى مستوى أعلى من المعرفة واليقين، وبيانه: تارة الإنسان نتيجة ما يمتلك من علم ومعرفة حقيقيين تصدر منه الأعمال مترجِمة ما يملكه هذا الإنسان من كمالات، فإن السلوك ــ كما يقول علماء النفس ــ هو تجسيد لمعتقد الإنسان وعلمه ومعرفته، وأخرى أن الإنسان بعمله هذا يسعى لاكتساب كمالات يفقدها، فالإنسان الفاقد لملكة الجود مثلا إذا أراد أن يكتسبها فانه ينفق المرة والمرتين والثلاث حتى يتغلب على الحاجز الموهوم في نفسه تجاه الإنفاق الذي مفاده ــ ذلك الحاجز ــ أن الإنفاق سيقودك إلى الإفلاس و… وكذا بقية الملكات والكمالات، وهذا ــ كما قلناــ على العكس منه في النوع الأول فإنه ينفق لأنه جواد لا لأنه يريد أن يكتسب ملكة الجود، كما هو الحال في الأمير عليه أفضل الصلاة والسلام فانه ينفق لأنه جواد، ولأنه شجاع هو يُقدِم، لا أنه بإقدامه يطلب ملكة الشجاعة. إذاً العمل قد يكون صادرا من اليقين وقد يكون صاعدا إلى اليقين.

وبملاحظة النقطتين المتقدمتين يأتي الفهم الصحيح للكلمة النبوية في الشخصية العلوية صلوات الله عليهما وآلهما حيث يقول: (برز الإيمان كلُه للشرك كلِه)(4)، ويقول أيضا: (ضربة علي يوم الخندق أفضل أعمال أمتي إلى يوم القيامة)(5) فإنه بعد علمنا بان النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم أفضل الصلاة والسلام عندما يُبينون لنا حقيقة معينة فإنه لا مجال للمبالغة في حديثهم صلوات الله عليهم بل كلامهم هو عينُ الواقع الخارجي ومتنُه ــ بعد الإيمان بهذه الحقيقة نعلم مقدار ما كان يمتلك الأمير عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام من معرفة، فانه لو جمعت معارف البشرية جميعا بمن فيها من فلاسفة ومتكلمين وعرفاء و… لم تبلغ شيئا قبال معرفة الأمير صلوات الله عليه، كيف وهو القائل: (لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا)(6)، مع أنّا إذا نظرنا إلى العمل المادي الذي تصدى له الأمير عليه أفضل الصلاة والسلام لوجدناه لا يعدو ضربةً قصمت ظهر ابن ودّ، وهي لا تختلف كثيراً في ظاهرها عن ضربات غيره في ميادين الحرب، ولكن جهاز التقييم الإلهي يرى العمل على حقيقته وهي كونُه صادراً من هكذا موجود له هكذا معرفة.

من هنا نعرف مسألة مهمة جداً وهي مسألة التفاعل بين العلم والعمل، فإن العلم يقود إلى العمل، والعمل أيضا يؤدي إلى العلم، وإن شئت قلت يزيد في العلم، فإنه وكما ورد عن باقر العلوم عليه صلوات الله وسلامه: (من عمل بما يعلم، علَّمه الله علم ما لم يعلم)(7)، فإنه بدايةً لابد أن يصدر العمل عن علم وإلا فـ(الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة…)(8) كما قال هو (ع)، ثم هذا العمل يعمق ذلك العلم ويُقِّرُه فيصير مستقِراً ويكون الإنسان له ــ لذلك العلم ــ مقرَّاً لا مستودعاً ومخزناً، إذاً فهو ــ ذلك العمل ــ يقود إلى مرتبة أعلى وأكمل من العلم التي بدورها تستدعى عملا يتناسب مع هذا المقدار ــ الجديد ــ  من المعرفة وهكذا…

 وهذا ــ التفاعل بين العلم والعمل ــ من الواضحات عندهم، حيث يقول علماء الأخلاق مثلا أن الإنسان إذا أراد أن يكتسب الملكات الفاضلة مثل أن يكون ذاكرا مثلا، فإنه يبدأ بالذكر اللساني الذي سيجره ــ بعد تمكنه من اللسان ــ إلى الذكر القلبي الذي يقود إلى مستوى أعلى من الذكر وهكذا…

بل أننا بالوجدان ندرك هذا التفاعل، حيث نصف هذا الدكتور أو هذا المهندس أو… بأنه اعلم باعتباره ممارس لمهنته كذا سنة، ما أدى إلى استقرار ذلك العلم وثبوته واتضاحه عنده.

وهذا المعنى ــ التفاعل بين العلم والعمل ــ سارٍ في كل أنواع المعارف، غير منحصر في المعرفة الدينية، بل هو عام شامل، ولذا فالعابد في حديث الإمام الصادق (ع) عنوانٌ اخذ لا على نحو الموضوعية كما يقولون، بل الأمر يسري إلى المتطبب والمعلم و…الخ.

ولكن النقطة الجديرة بالاهتمام، والتي ينبغي أن يتوقف الإنسان عندها كثيرا ويتأمل فيها، هي لغة الحديث الذي صدَّرنا به المقالة حيث تستوقف الإنسان لتجبره أن يُسائل نفسه ــ على الدوام ــ هل انه يسير على الطريق الذي يوصله إلى مطلوبه ومراده أم انه يسير على غير الطريق؟؟ فان كان على الطريق فليجدّ السير فإنه واصل لا محالة أما إن كان على غير الطريق فإن سرعة مشيه لن تؤدي به إلى غير الشقاء، ولن توصله إلا إلى مكان يكون فيه ابعد ما يكون عمَّا هو طالب له، وذلك هو الخسران المبين، وهنا إن وعى انحراف طريقه الذي يسلكه غيَّر من الطريق وسلك الجادَّة، وإلا ــ إن لم يعِ ذلك وبقي عنه غافلا وظل يسرع في بعده ــ صار مصداقاً لقوله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً  الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}(9)، وهنا تقع الطامة الكبرى، أن الإنسان يعي أن ما كان منه من سعي حثيث لم يكن في طريق التكامل وإنما كان في طريق البعد عن الله تبارك وتعالى، وكان جهلا مركبا وقد كان يحسبه علما ومعرفة، يعي ذلك لكن متى؟؟ في يوم يقال له: {فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ}(10) ولا يكون كشفُ غطاءِ البصر إلا في موقع لا رجوع فيه إلى الخلف، فلا {رَبِّ ارْجِعُونِ  لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْت}(11)،  فانه يجاب: {اخْسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ}(12) لأنه: {قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ}(13) ولا: (كنتُ  جاهلا)، فانه يقال: (أفلا تعلمت؟).

(14) من هنا فان العاقل لا ينتظر مجيء ذلك اليوم ليرى هل انه على الطريق فيفوز، أم انه على غير الطريق فيهلك، بل لابد له أن يتيقن بأنه على الطريق المستقيم، لان كل نَفَس يخرج منه لن يرجع فالعمر ليس موردا للتجربة التي ربما تنجح وربما تخسر، من هنا يبرز هذا السؤال: هل ثم كيف يمكن للإنسان أن يتيقن من أنه يسلك الطريق الموصل إلى الهدف لا أنه على غير الطريق؟؟ ويأتي الثقلان ليجيبا بأنا نستطيع أن نعلم أنا على الطريق أو لا فإنا إذا سلمنا بان العلم يأتي في مرتبة سابقة على العمل، ويكون العمل بمثابة التابع للعلم لما قدمناه من أن العمل ترجمة لعلم الإنسان واعتقاده- إذا سلمنا بذلك عندها نقول: إن صحة الطريق لها علاقة وطيدة بالمصادر التي يستقي منها الإنسان علمه ذاك، يقول تعالى: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} (15) يقول أبو جعفر (ع) في تفسيرها: (علمه الذي يأخذه عمن يأخذه)(16) فان كانت مصادر علمه نقية خالصة وصل إلى مطلوبه، أما إن كانت مشوبة وغير نقية فمن المحال أنها توصله إلى مطلوبه لأنها ليست طريقا إليه، وعليه فلابد للإنسان من أن يطلب علمه من مواضعه.

 وقد ذكرت الآية والرواية مصادر تورث المعرفة الحقة الحقيقة نذكر منها: التقوى: يقول تبارك وتعالى: {وَاتَّقُواْ الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله} (17) وورد عن النبي (ص) انه قرأ: {وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا}(18) قال: «من شبهات الدنيا، وغمرات الموت، وشدائد يوم القيامة»، ويقول الأمير (ع): (اعلموا أنه من يتق الله يجعل له مخرجا من الفتن، ونورا من الظُلم)، ويقول: (إن تقوى الله…وبصر عمى أفئدتكم..)، و (من غرس أشجار التقى جنى ثمار الهدى).

(19) التعلم: يقول جل جلاله: {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ  عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}(20) من الواضح الذي لا يحتاج إلى إيضاح أن: (من لم يتعلم لم يَعلم) فانه: (بالتعلم يُنال العلم)، لكن ما ينبغي التركيز عليه هو أنه: (لا علم إلا من عالم رباني)(21)، وحيث أنه: (نحن العلماء)(22)، فـ: (شرقا و غربا لن تجدا علما صحيحا إلا شيئا خرج من عند أهل البيت)(23) التفكر:  يقول تبارك وتعالى: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}(24) (إن التفكر حياة قلب البصير)، و(لا علم كالتفكر)، حيث أن: (الفكر يهدي)، وهو: (إحدى الهدايتين)، وهو: (يوجب الاعتبار، ويؤمن العثار ويثمر الاستظهار)، ويقينا أن: (فكرك يهديك إلى الرشاد)، فـ(من أكثر الفكر فيما تعلم أتقن علمه وفهم ما لم يكن يفهم)، فـ(عليكم بالفكر فإنه حياة قلب البصير، ومفاتيح أبواب الحكمة)(25) العبرة: يقول الله العظيم: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ }(26) أوحى الله تبارك وتعالى إلى موسى على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام أن: (اتخذ نعلين من حديد وعصا، ثم سِح في الأرض فاطلب الآثار والعبر، حتى تحفو النعلان وتنكسر العصا)، فإن: (من اعتبر أبصر، ومن أبصر فهم، ومن فهم علم)، و(من اعتبر بعقله استبان) و(في كل اعتبار استبصار)، و(العبرة تورث ثلاثة أشياء: العلم بما يعمل والعمل بما يعلم، وعلم ما لم يعلم)(27)   التجربة: يقول الأمير عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام: (العقل عقلان: عقل الطبع، وعقل التجربة، وكلاهما يؤدي المنفعة)، و(في التجارب علم مستأنف)، و(التجارب علم مستفاد)(28) فهذه مصادرُ نقية، للإنسان أن يقتبس منها معرفته ومعارفه ويعمل على ضوئها، فإن العمل بما ينتج عنها ضمان للإنسان أن يضل ويخزى.

الهوامش والمصادر

  • 1 ــ الزمر: 9.
  • 2 ــ الكهف: 104.
  • 3 ــ إحقاق الحق 28: 416.
  • 4 ــ شرح إحقاق الحق 6: 9.
  • 5 ــ شرح إحقاق الحق 3: 228.
  • 6 ــ شرح إحقاق الحق 5: 48.
  • 7 ــ بحار الأنوار 75: 189.
  • 8 ــ نفس المصدر.
  • 9 ــ الكهف: 103ــ104.
  • 10 ــ ق: 22.
  • 11 ــ المؤمنون: 99.
  • 12 ــ المؤمنون: 108.
  • 13 ــ المؤمنون: 66.
  • 14 ــ أمالي الطوسي: 9.
  • 15 ــ عبس: 24.
  • 16 ــ الكافي 1: 39، ح8.
  • 17 ــ البقرة: 282.
  • 18 ــ الطلاق: 2.
  • 19 ــ العلم والحكمة: 185 ــ 186.
  • 20 ــ العلق: 4 ــ 5.
  • 21 ــ العلم والحكمة: 130 ــ 131.
  • 22 ــ بصائر الدرجات: 28.
  • 23 ــ بصائر الدرجات:10، ح4.
  • 24 ــ آل عمران: 191.
  • 25 ــ العلم والحكمة: 128 ــ 130.
  • 26 ــ الحج: 46.
  • 27 ــ العلم والحكمة: 131 ــ 132.
  • 28 ــ نفس المصدر: 132.
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى