الإعجاز القرآني

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين، محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين، ربي اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدةً من لساني يفقهوا قولي.

 بعد أن ثبت- في محله- أنَّ هناك مخلوقاً، وأنَّ لهذا المخلوق خالقاً حكيماً لطيفاً، وأنَّ هذا الخالق قد بعث أنبياءً ليأخذوا بيد خلقه إلى كمالهم الذي لولا أن أرسلهم إليهم لما وصلوا إليه، بل لم يهتدوا إليه سبيلاً…الخ.

 بعد أن ثبت ذلك كله، تأتي مسألة تشخيص وإثبات النبي وأنه من هو خارجاً ؟ فإن الإنسان بفطرته التي جُبل عليها، لا يقبل دعاوى غير بيِّنةٍ أو مبينةٍ، وبتعبير الشيخ الرئيس:( من قبل دعوى المدعي بلا بينةٍ، فقد خرج عن الفطرة الإنسانية) (1)، فكيف إذا كانت تلك الدعوى هي دعوى النبوة، وهي مقامٌ عظيمٌ ومنصبٌ سامٍ يطمع فيه كل طالب كرسيٍّ وزعامةٍ…الخ، ولذا فإن الناس كانوا يطلبون من الأنبياء(ع) عند ادعائهم النبوة براهين وآياتٍ ودلائل تثبت صدقهم، قال تعالى على لسان قوم صالح (ع):( مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآَيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (2) من هنا نشأت الحاجة إلى البحث عن طرق تشخيص النبي المرسل، ولذا نرى أنَّ المتكلمين قد أفردوا في كتبهم باباً خاصاً لذلك، أسموه: ( ما تثبت به دعوى النبوة).

 ومن أهم الطرق التي لم يختلف في أصل إثباتها اثنان منهم لإثبات دعوى النبوة هي مسألة الإعجاز، ومفاد هذا الطريق أن على مدعي النبوة أن يبرز -متحدياً- إلى جانب ادعائه النبوة وصلته بالله تبارك وتعالى، من البينات وخوارق العادة المطابقة لدعواه، ما يعجز عن الإتيان بمثلها كل من أرسل إليهم، ولا يكون مستنداً إلى الأسباب العادية كالأدوات والآلات، بحيث يؤثر في القلب أثره البليغ حتى يُخضَع له-إلا أن يكون عناداً-، فيعلموا على سبيل القطع أنه مرسلٌ من ربه.

 وكون علمهم لابد أن يكون على سبيل القطع باعتبار( إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ) (3)، وأما كون من يأتي بذلك فهو نبيٌّ مرسلٌ من ربه قطعاً، فلأنَّ الله تبارك وتعالى-كما هو ثابتٌ جزماً- لا يعطي تلك القدرة إلا لصادقٍ، وإلا نقض غرضه-الذي هو الهداية-، والحكيم لا ينقض غرضه.

 يقول السيد الخوئي(ره):( وإنما يكون الإعجاز دليلاً على صدق المدعي، لأن المعجز فيه خرقٌ للنواميس الطبيعية، فلا يمكن أن يقع من أحدٍ إلا بعنايةٍ من الله تعالى، و إقدارٍ منه، فلو كان مدعي النبوة كاذباً في دعواه، كان إقداره على المعجز من قبل الله تعالى إغراءً بالجهل وإشادةً بالباطل، وذلك محال على الحكيم تعالى…) (4).

وقد تحقق ذلك بالنسبة إلى نبينا محمدٍ (ص) حيث صحب إعلانَه لدعوته إظهارُ معجزاتٍ خارقةٍ لنواميس العادة، بل من حين ولادته(ص) (5)، وقد كانت بين يدي من يطلبها حاضرةً شاهدةً.

والسؤال هنا هو: هل حرم إنسان ما بعد عصر الرسالة من الإعجاز وتأثيره البالغ في إيجاد الإيمان؟ فهو لم يرَ عصاً تنقلب ثعباناً، ولا يداً تبرأ الأكمه والأبرص، في حين أنه أشد حاجةً إلى مشاهدة المعجزة، لذيوع بذور الشك والترديد بين الناس عامةً والشباب خاصةً، أفليس هذا حرماناً من الفيض المعنوي ؟ (6) المعجزة القرآن: والجواب: كلا، لم يحرم إنسان ما بعد عصر الرسالة من الإعجاز، بل وصل إليه إعجازٌ وأي إعجازٍ هو، إنه القرآن الكريم، وما أدراك ما القرآن الكريم،( كتاباً لا تطفأ مصابيحه، وسراجاً لا يخبو توقده، وبحراً لا يدرك قعره، ومنهاجاً لا يضل نهجه، وشعاعاً لا يظلم ضوءه، وفرقاناً لا يخمد برهانه، وتبياناً لا تهدم أركانه،… فهو معدن الإيمان وبحبوحته، وينابيع العلم وبحوره،…جعله الله رياً لعطش العلماء وربيعاً لقلوب الفقهاء،…) (7).

 فإذا كان إنسان عصر الرسالة قد وصلته معجزاتٌ ومعجزاتٌ فإنها على عظمتها- كماً وكيفاً- لا تطمع أن تنال شيئاً من عظمة القرآن، ولا القرآن محتاجٌ إليها لتعضده، بل هو مستغنٍ عنها وهي محتاجةٌ إليه، فإنها معاجز عملية تنقضي بانقضاء زمان حدوثها أو بعده، أما القرآن فخالدٌ واصلٌ للجميع يفهمه الكل، لا يعجز عن فهمه أحدٌ، ولا غنى لأحدٍ عنه، بل الكل محتاجٌ إليه، لا يسد حاجته كتابٌ غيره (8)، ومن هنا يتضح لنا السر في التأكيد على وصف القرآن بالمعجزة الخالدة دون بقية معاجزه (ص).

القرآن المعجزة: اتفق العلماء والمفسرون على أن القرآن كتابٌ خارقٌ للعادة، تحدى ويتحدى كل من سمعه منذ نزوله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقد عجز الكل ولم يتمكـنوا من الإتيان( بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ ) (9) بل( بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ ) (10) بل(بِسُورَةٍ مِّنْ مِّثْلِهِ ) (11)- وفي هذا تدرجٌ في التحدي لطيفٌ ظريفٌ يبين بالغ عجز الخصم-، ولن يتمكنوا أن يأتوا ( بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ) (12)، فبطل قولهم( لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا ) (13).

ولكنهم اختلفوا في جهة إعجازه، وتكاثرت أقوالهم وآراؤهم حتى كادت تتضارب (14)، ولكن قبل الدخول في تفاصيل ذلك لابد من بيان أمرين لا مناص منهما لتتضح الفكرة وتتم وتكتمل: أولاً: إن معنى الإتيان بالمثل- والذي هو مصب التحدي- أن يُؤتى بكلامٍ يتحد مع الكلام المراد معارضته في جهةٍ من الجهات أو غرضٍ من الأغراض، -هذا الكلام- مستقلٍ في ألفاظه وتركيبه وأسلوبه، ليوازَن بين الكلامين، فيُحكم بالفلج على أحد الطرفين، وليس معناه أن يقلَّد الكلام المعارَض في تركيبه وأسلوبه، بأن يؤخذ بأطراف كلام الخصم، ويُتصرف فيه بتبديل بعض ألفاظه ببعض، ثم يوصل بعضه ببعض وصل ترقيعٍ وتلفيقٍ كما وقع في ذاك الكلام المنسوب إلى مسيلمة، وإلا لأمكنت معارضة كل كلام.

 فمثلاً نرى جريراً يمدح بني تميم ويعرفهم بأنهم كل الناس، يقول:

 إذا غَضِبَتْ عليك بنو تميمٍ                 حسبتَ الناسَ كلُّهم غِضاباً  

ويقول أبو نواس في نفس هذا الصدد:

 ليس على اللــــهِ بمسـتنكَرٍ                 أن يجمـعَ العـالَمَ في واحــدِ  

وقد زاد عليه أبو نواس زيادةً رشيقةً، وذلك أن جريراً جعل الناس كلهم بني تميم، ولكن أبا نواس جعل العالم كلهم في واحد.

فكان ما قاله أبلغ في المدح والإعظام.

 وإذا اتضح هذا فانظر إلى قوله تعالى:(الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ) (15) وقوله تعالى:(الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ) (16) ثم ما اتبع قوله هذا بذكر يوم القيامة وبيان أوصافها وعظيم أهوالها بقوله: (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ) (17) فأين هذا من قول القائل :(الفيل، ما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له ذنب وبيل، وخرطوم طويل) (18) ؟!! ثانياً: هل أن إعجاز القرآن منحصرٌ في جهةٍ خاصةٍ؟ تتبين الإجابة من خلال مقدمات: تشير جملةٌ من الآيات إلى أن رسالة النبي (ص) عالميةٌ، وأن قومه هم جميع أفراد البشر، وليس مجموعةً خاصةً من أهل الحجاز، وأنه (ص)منذرٌ لكل (العالمين) (19)، يقول الحق تبارك وتعـالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ ) (20)، ويـقول في آية أخرى:( لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ) (21)، ويقول:( نَذِيراً لِّلْبَشَرِ ) (22)، وهذا ما يقتضي خلود القرآن إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فإن الرسالة كما احتاجت- في إثباتها- إليه حدوثاً، هي محتاجةٌ إليه أيضاً بقاءً، فهو باقٍٍ، إذن فتحديه أيضاً باقٍ، وهو واقعٌ في قبال جميع البشر، بل والجن أيضاً وإلى قيام الساعة، يقول الحق تبارك وتعالى:( قُلْ لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَّأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ) (23).

الغرض الذي من أجله أنزل القرآن هو الهداية، الهداية لكل الناس، منذ عصر الرسالة إلى أن تقوم الساعة، فهو: حاوٍ لكل ما من شأنه أن يوصل إلى الغرض-الذي هو الهداية- من قصةٍ وتشريعٍ وموعظةٍ و…..( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ) (24). الإنس- لا أقل-  طبقاتٌ مختلفةٌ، فمنهم من حاز من الكمالات الفكرية والأدبية والعلمية و…المختلفة ما شاء الله، ومنهم من لا يكاد يفقه حديثاً، ولا يهتدي إليه سبيلاً.

وحتى هذا الذي نال نصيباً من تلك الكمالات تراه لا يعدو أن يكون ذو حظٍّ في فنٍّ أو فنين لا يزيد عن ذلك، وهذا في زماننا من الوضوح بحيث يغنينا عن التكلف لإثباته.

إذا عرفت كل ذلك يتبين لك وبوضوح أنه لا يمكن أن يكون إعجاز القرآن منحصراً في جهةٍ خاصةٍ، فإنه لو كان كذلك، لما صح تحدي إلا أهل الاختصاص في تلك الجهة الخاصة، ولما كان شاملاً للكل (25).

أضف إلى ذلك أن إطلاق آية التحدي يأبى ذلك. إذا تبين هذا نشرع الآن في بيان الأقوال في وجوه إعجاز القرآن.

الصِّرفة: ذهب بعضٌ-رغم اعترافهم بفصاحة القرآن وبلاغته و…- إلى أن الإتيان بكتابٍ مثل القرآن ليس محالاً في نفسه، وأن البشر قادرون-لوفرة قدرتهم البيانية وبراعتهم في القول- على أن يأتوا بمثله لو خُلُّوا وأنفسَهم، ولكن الله تبارك وتعالى أراد أن يثبت أن القرآن منزل من عنده، وليس من اصطناع البشر فصَرَفهم عن ذلك صرفاً مقصوداً يدركون معه أنهم مُعجَزون أمامه، بل منعهم منعاً قهرياً، إما  بسلب القدرة العلمية منهم، أي سلب العلوم التي كانت تتأتى منهم بها الفصاحة، أو بصرف دواعيهم وهممهم عن ذلك، أو إلجاؤه تبارك وتعالى لهم (26). ولم تلقَ هذه النظرة قبولاً عند أكثر العلماء بل ردت ورفضت ووصفت بأنها شيطان المتكلمين.

ومرجع هذه الشبهة هو أنه إذا كانت الفصاحة والبلاغة والعلوم الأدبية هي صنعة البشر، فكيف لا يتمكنون من الإتيان بكلامٍ فصيحٍ وبليغٍ مثل القرآن؟ (27) وفي مقام الجواب عن هذه الشبهة يقول آية الله الشيخ الجوادي الآملي حفظه الله- ما ترجمته- :

إن للفصاحة والبلاغة أركاناً ثلاثةً: أولاً: أن يكون للإنسان اطلاعٌ نسبيٌّ على ما هو موجودٌ وواقعٌ.

ثانياً: أن تكون له قدرة سبك الألفاظ وتضمينها المعاني

. ثالثاً: أن تكون له قدرة صب تلك المعاني في قالبها الأنسب من الألفاظ. والمقصود من التناسب هنا هو الانسجام بين الواقعيات المراد التعبير عنها.

ومن بين هذه الأركان الثلاثة، فقط الركن الثاني هو المتاح للبشر ولهم إحاطةٌ متفاوتةٌ به، أما الركنين الآخرين فإنهم ليست لهم بهما القدرة والإحاطة.

 يقول حفظه الله: إن هذه الشبهة هي من قبيل أن يقول شخصٌ: كيف لا يمكن  لصانع السيوف أن ينتصر في معاركه ؟ وبطلان هذا من الواضحات، فإن السيف أداةٌ بها يقتدر على النصر، أما أنه يحصل النصر أو لا، فإن ذلك مرتبطٌ بشجاعة حامله في الحرب و… الخ.

غير صحيحٍ قول شخصٍ: كيف لا يمكن لبشرٍ صانعٍ للسيوف أن ينتصر في الركنين الآخرين؟ فإنهم ليست لهم، ولعمري إنْ هذا إلا من قبيل:(بعثت إليك بالسيف لا بالساعد) (28).

ثم إنه لو كان إعجاز القرآن بالصرفة لوجد في كلام العرب السابقين مثله، قبل أن يتحدى النبي(ص) به البشر.

إضافةً إلى أن الهدف من إرسال الأنبياء(ع) هو إيصال البشر إلى كمالهم الذي هم قاصرون عنه، فإذا كان البشر قادراً في نفسه على الإتيان بمثل القرآن لزم لغوية إرسال الأنبياء(ع)، فافهم. هذا، ومن غير الخفي أن المعجز حينئذ الصَّرف لا القرآن (29) وهو منافٍ لظاهر آيات التحدي. وهناك أجوبةٌ أخرى كثيرةٌ أعرضنا عنها روماً للاختصار (30).

الإخبار بالغيب: من وجوه إعجاز القرآن: إخباره بالغيب مع كون ما أخبر به مطابقاً للواقع، و( الغيب هو خلاف  الحضور والشهود، فكل ما لم يكن حاضراً في المدارك الجسمانية ومشهوداتها يكون من الغيب، ولكنه ثابتٌ في الواقع بتمام معنى الثبوت والتحقق) (31) و(… باختلاف الشهادة والنسبة إليها يختلف مفهوم الغيب، فالشهادة بمعنى الحضور، والحضور إما: بالحضور المكاني، أو بالحضور عند الحواس، أو بالحضور في النظر والعلم، أو بالحضور في مقام المعرفة والبصيرة، وفي قبال كل من هذه المراتب الأربع غيبٌ، ومن الغيب مرتبةٌ خامسةٌ، وهو: ما يختص علمه بالله تعالى، فإن الله تعالى يظهر من الغيب مقداراً محدوداً لرسله وأوليائه (ع) على حسب استعدادهم وبمقتضى تحملهم وحاجاتهم في أنفسهم وفي مقام الرسالة….فظهر أن للغيب خمس مراتب…) (32).

ودلالة الإخبار بالغيب على الإعجاز، باعتبار عدم تيسره بالنسبة إلى الإنسان في نفسه، من دون أن تكون له صلةٌ بالحق تبارك وتعالى.

و إخبارات القرآن عن الغيب على قسمين: (33) فمنها ما يتعلق بالأمم السابقة وما جرى عليها، وإليك نماذج منها: يقول تعالى في قصة شيخ الأنبياء نوح -على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام- مع قومه وما كان منه من السفينة والطوفان و…: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَنْ لَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنَا….. تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ) (34).

يقول الشيخ الجوادي الآملي: إن جملة ( مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا ) تفترق كثيراً عن جملة(ما تعلمها) أو(ما علمتها)، فإنها تنفي(إمكان) العلم بتلك المطالب الغيبية عن نوح (ع) في نفسه لولا إطلاع الله تبارك وتعالى له عليها (35).

 ومنها قصص أنبياء الله هود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب(ع) المذكورة في نفس سورة هود (ع) بعد قصة النبي نوح (ع). وفي قصة النبي موسى (ع)، يقول تبارك وتعالى:( وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ…وَمَا كُنْتَ ثَاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ….وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا..)  (36) وكثيرٌ من الآيات التي لا تخفى على قارئ القرآن فضلاً عن المتتبع.

والقسم الآخر يتعلق بالأحداث التي ستقع، نذكر منها: انتصار الروم: يقول تبارك وتعالى:( الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ) (37).

عدم إيمان أبو لهب وزوجته ودخولهما النار: يقول الحق تبارك وتعالى:( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَّ تَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ وَّامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ) (38).

 الإخبار بفتح مكة: يقول تعالى:( لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ) (39).

واعترض على هذا القول بأن المعجز حينئذ هو ذلك الاشتمال (يعني خصوص ما اشتمل من الآيات على الإخبار بالمغيبات) وهو خلاف ما اتفقوا عليه من أن القرآن (كله) معجزٌ.(40) والظاهر أن هذا الاعتراض إنما يرد على القائلين بأن إعجاز القرآن فقط من جهة أن فيه إخبارٌ عن الغيب، ولا يرد على من يقول بأن ذلك أحد وجوه إعجاز القرآن، وهذا- الأخير- لا ينكره أحدٌ.

 ولنعم ما قاله السيد السبزواري (ره) عليه في تفسيره حيث يقول:(فالقرآن من الغيب، لأنه من الله عزَّ وجلَّ العالمِ غيبَ السماوات، وللغيب، لأنه يدعو الناس إلى الغيب، وفي الغيب، لأن حقائقه غائبةٌ عن الإدراكات وإن أحاطت بظواهرها عقولهم) (41).

الهوامش والمصادر

  • (1) لا يخفى أن هذا في غير التعبديات، فإنها إن وصلت بطريق حجة فهي حجة يجب أخذها والالتزام بها.
  • (2) سورة الشعراء، الآية 154
  • (3) سورة يونس(ع)، الآية 36.
  • (4) البيان في تفسير القرآن:37
  • (5) راجع في ذلك كتاب علم اليقين 649:1، وكتاب براهين أصول المعارف الإلهية:156- 160 و193-206.
  • (6) الإلهيات 103:3
  • (7) نهج البلاغة: الخطبة:198.
  • (8) راجع في ذلك تفسير تسنيم للشيخ الجوادي الآملي 32:1
  • (9) سورة الإسراء، الآية 88.
  • (10) سورة هود(ع)، الآية 13.
  • (11) سورة البقرة، الآية 23.
  • (12) سورة الإسراء، الآية 88.
  • (13) سورة الأنفال، الآية 31.
  • (14) يقول السيد الخوئي(قده):(… وإن وقع الخلاف من بعض في سبب الإعجاز فإنه لا يضر بجهة أصلاً، لبداهة عجز أهل اللسان عن الإتيان بمثله، ولو كان العجز بأي سبب من الأسباب، وهذا المقدار دليل واضح على خروجه عن طوق البشر. )نفحات الإعجاز ص8 وهذه الرسالة طبعت مؤخراً في دورته في الجزء 49.
  • (15) سورة الحاقة، الآيات 1-3.
  • (16) سورة القارعة، الآيات 1-3.
  • (17) سورة القارعة، الآيتين 4 – 5.
  • (18) الإلهيات 356:3-358، والبيان في تفسير القرآن: 96، بتصرف.
  • (19) يقول آية الله الجوادي الآملي: المراد من (العالمين) في بعض الاستعمالات القرآنية، خصوص عصر معين، وفي بعض آخر كما في آية سورة الفرقان، عصر معين وما بعده، وفي بعض آخر كما في: (الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ليس فقط العصور الماضية والآتية، بل يشمل عوالم غير الإنسان مثل عالم الملائكة والجن وعالم الجماد والنبات، إلا أن يقام شاهد على اختصاصها بغير النبات والجماد. تسنيم 32:1، بتصرف.
  • (20) سورة سبأ، الآية 28.
  • (21) سورة الفرقان، الآية 1.
  • (22) سورة المدثر، الآية 36
  • (23) سورة الإسراء، الآية 88.
  • (24) سورة النحل،الآية 89.
  • (25) راجع: الميزان: ج1 ص62، مدخل التفسير:47-49.
  • (26) راجع كتاب: الموضح عن جهة إعجاز القرآن( الصّرفة) للشريف المرتضى.
  • (27) انظر: البيان في تفسير القرآن: 83- 84.
  • (28) وهي قولة لعمرو بن معدي كرب حينما أرسل إليه الخليفة الثاني يسأل عن سيفه الذي ذاع صيته في الصلابة والحدة، فلما أرسل عمرو سيفه للخليفة الثاني، أخذه بيده وضرب به حجراً أو خشباً ولم يرَ فرقاً بين هذا السيف وغيره فأرسل الثاني لعمرو:أن لا فرق بين سيفك هذا وباقي السيوف فأرسل عمرو إليه :أني قد بعثت إليك… راجع قرآن در قرآن لآية الله جوادي آملي:165- 167، بتصرف. راجع أيضاً تسنيم: ج2 ص434.
  • (29) رسالة: دليل على أن القرآن معجز لابن فتح الله مطبوعة في كتاب تراث الشيعة القرآني:ج1 ص85.
  • (30) راجع مثلاً الفوائد البهية:ج1 ص552.
  • (31) مواهب الرحمن: ج1 ص76.
  • (32) التحقيق في كلمات القرآن الكريم: ج7 ص289- 292. لا يترك.
  • (33) راجع البيان في تفسير القرآن للسيد الخوئي(قده): 96- 71، كتاب معارف القرآن للشيخ المصباح: ج4 ص96، قرآن در قرآن للشيخ جوادي آملي:ص 147- 154،وقد عدها في الإلهيات ثلاثة: ج3 ص 413- 417، وأنهاها بعضهم إلى ثمانية أنواع: راجع براهين أصول المعارف الإلهية: 175-180. وللشيخ اللنكراني حفظه الله بيان لطيف في المقام فليرجع إلى: مدخل التفسير:58-63.
  • (34) سورة هود(ع)، الآيات 25- 49.
  • (35) قرآن در قرآن: 148، بتصرف.
  • (36) سورة القصص، الآيات 44-46.
  • (37) سورة الروم، الآيات 1-3.
  • (38) سورة المسد، الآيات 1-4.
  • (39) سورة الفتح، الآية 27.
  • (40) تراث الشيعة القرآني: ج1 ص 84.
  • (41) مواهب الرحمن: ج1 ص139
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى