المرجعية والقيادة

تمهيد : من الأمور الفطرية والبديهيات الكونية أن لكل مجموعة قيّماً ورئيساً وأن لكل جسد رأساً وقلباً ولكل منظومة محوراً وقطباً، فلا يستقيم الكون كله إلاّ بقيّم ولا ينتظم وضع كل الكائنات إلاّ بتطبيق عملي لمفهوم القيمومة أو القيادة، فالأسرة لا تتحقق إلاّ برجلٍ قوام عليها، وطبيعة الإنسان الفسيولوجية تأبى التحرك إلا تحت تنظيم وفاعلية القلب، والنمل لا تسير إلا بقائد يقودها، والنحل لا تعمل إلا تحت أمر الملكة، وقطيع الشياه لا ترعى إلا بقائد لها، وحركة الغابات تسير تحت نظر وسلطة القويِّ حيث أنّ غيابه ينتج التدهور في نظامها على المستوى الحيواني..

 والمتتبع ولوعن بُعد وبصورة إجمالية للتاريخ البشري – حتى يومنا الحاضر – يدرك عدم تخلي أي مجتمع صالح أو طالح عن قيادة برَّة أو فاجرة تقوده، سواء قادته للخير أو للشر، وسواء بالطيب واللين أم بالقوة والعنف، فوجود هذا الميل الإنساني يحتّم علينا الاعتراف بفطرية القيادة والانقياد، وكل شيء لا يبقى ولا يدوم إلا بقيادة فرد واحد لا ثاني له..

ضرورة القيادة للمجتمعات : في النظريات المختلفة والمتعددة التي أسست بشأن تنظيم الإطار المجموعي تم الاعتراف والتصريح بضرورة وجود قيادة في كل الحالات وعلى كل المستويات، والمذهب الوحيد الذي ينكر ضرورة وجود القيادة هو الاتجاه الفوضوي إذ يعتقد أن البشر يقدرون على إدارة الحياة الاجتماعية والسياسية وغيرهما من خلال نشر الأصول الأخلاقية والتربوية ولا حاجة بالتالي لوجود القيادة.

ويرى هؤلاء أنّه يجب التحرك بالأسلوب التالي للوصول إلى هذه النتيجة؛ وهو امتلاك الناس تربيةً وتعليماً يستطيعون بهما إدارة أمور المجتمع دون حاجة إلى واقع القيادة.

 من أي المواضيع؟ قبل الخوض في صلب هذا الموضوع ينبغي أن نوضح الميدان الحقيقي لهذا الموضوع؛ أي هل هو من الموضوعات الثقافية أو الموضوعات الاجتماعية أو السياسية أو الدينية، لأنّ معرفتنا لحقله الواقعي يعطينا الترتيب السليم للمقدمات المنطقية للحصول على النتائج الصحيحة..

 ووضْعنا له في أحد الحقول المتقدمة ليس نابعاً من أهوائنا أو من خلال رغباتنا الخاصة بل إننا سنستدل الاستدلال المنطقي العقلي ثم النقلي عليه وسيتضح جواب هذا السؤال بعد الدليل الثاني، وإنما وضعت هذا السؤال في الصدارة لأهميته ولترتّب كثير من الأمور على معرفة جوابه..

 الأدلة المتنوعة للقيادة : الدليل الأول : الدليل العقلي الفلسفي، ويحتاج لأكثر من مقدمة : أولاها : توضيح مفهوم المشروعية : المشروعية التي تطرح في فلسفة السياسة هي مفهوم اصطلاحي يجب عدم الخلط بينه وبين المعنى اللغوي لهذه الكلمة وكلماتٍ أخرى من عائلتها اللغوية؛ وبعبارة أخرى ينبغي ألا نعتبر كلمات : (مشروع) و(متشرعة) و(متشرعين) التي تشتق من كلمة الشرع بمعنى الدين مرادفة لكلمة المشروعية؛ إذ هي في الأبحاث السياسية إنما ترادف كلمة (القانونية) تقريباً.

 عندما نقبل بضرورة القيادة عند العقلاء كما مرّ ثم نوقن بالأسس التي تتبنّاها والتي من مداركها المقررة تستنبط الرؤى والأطروحات وتعتمد عليها في إصدار الأوامر التي تكون في مقام ما يقوم الآخرون بتطبيقه، وهذا ما يبين لنا أنّ قوام المجتمع الحضاري إنما هو بوجود قيادة حكيمة ورشيدة للناس ومن واجباتهم أن يقبلوا بأحكام التشريع الصادرة عنها وأن يعملوا بها.

فيمكننا الآن توضيح المراد من (المشروعية) : وهي أنّ شخصاً له حق القيادة، ووظيفة الناس في المقابل إطاعته. ثانيها : توضيح بشأن الحق : ما معنى “الحق” – الذي يكون بموجبه للقائد أهلية إصدار الأوامر – وما هي معاييره، ونحن الآن لن نتطرق لمعيار الحق وكيفية تحصيل ذلك الحق ومنبع إعطائه لهذا الشخص أو ذاك وهذا ما سيتضح جلياً في ثنايا الدليل الثاني إن شاء الله تعالى(1).

لماذا حق القيادة ولزوم الطاعة؟ قيل إن (حق القيادة) و(التكليف بالإطاعة) متلازمان وبالتالي ليس ثمة تفاوت بين أن نسأل : لماذا يحق للقائد أن يأمر؟ وأن نسأل : لماذا يجب على الناس اتباع القائد وتنفيذ أوامره؟ فإذا قبلنا أنه :

 1- ينبغي وجود قيادة في كل مجتمع.

 2- وأن القيادة هي بمعنى تدبير الأمور الاجتماعية والسياسية والمستعصيات والعوالق في المجتمع.

 فعلينا بعد ذلك أن نقبل أن للبعض الحق بإعطاء الأوامر والقيام بشؤون القيادة وبالمقابل فإن الناس مكلفون بإطاعة أوامر القائد.

 وإذا لم يكن هناك أمر في البين فلن تكون هناك قيادة، وإذا كانت هناك أسس ومتبنيات فكرية وأوامر ولكن لم ينفذها أحد فسوف تكون القيادة بلا طائل وسيكون فرض وجود قائد وتابعين بلا فائدة البتة.

والأدلة العقلية هي التي توجب وجود علاقة القائد والمقود أو الإمام والأمة، كالدليل القائل أن الوضع القائم بدون وجود مثل هذه العلاقة لا تتحقق معه مصالح المجتمع، وهذه الأدلة إذاً تثبت أنه للقائد الحق في الحكم والقيادة ويجب على الناس إطاعته..

ونشير على أنّ أصل وجوب القيادة، وحق القائد في إعطاء الأوامر، ووظيفة الناس في الإطاعة أمر منفصل عن أنه ما الدليل على أنه يحق للقائد أن يحكم وعلى الناس الإطاعة؟ (لكن هذا سيتضح إن شاء الله بعد الدليلين التاليين).

 الدليل الثاني : يعتبر هذا الدليل ممزوجاً بين العقل والنقل وهو: يجب أن يعي الإنسان هدفه من الحياة؟ وهدف خالقه من خلقه؟ بعد أن يعرف الخالق الحق ويؤمن بالمرشد الذي عيّنه لتوضيح منهجه والطريق السالك الصحيح للوصول له وتحقيق كل ما يريده منه..

 هذا ما يختزله المصطلح القرآني وهو مفهوم الاستخلاف في قوله تعالى : {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ}(2) والذي يعني خلافة الإنسان لله سبحانه وتعالى في الأرض والتي تحدّث القرآن عن تحمّل الإنسان لأعبائها ووصفها بأنها أمانة عظيمة ناء الكون كله عن حملها، في قوله تبارك وتعالى : {إِنّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَمَاواتِ والأرْضِ والجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}(3) فإنّ الإنسان الأول وهو نبي الله آدم (ع) عرف لمقام نبوته ما يريده منه الذي استخلَفه في هذه الأرض، وهكذا من كان معه تبعاً لهدايته، ولكن بعد أن ازداد عدد البشر – المستخلَفين – وجلّ هؤلاء لم يكونوا أنبياء قادرين على تحمّل عبء النبوة ولا يوحى لهم فلابد لهم من مرشدٍ يدلّهم على ما يريده منهم مَن استخلفهم – وهو الله عز وجلّ – فانصبّت هذه المسؤولية على كاهل الأنبياء على مرّ التاريخ والأوصياء ثم الأئمة (ع) الذين صرَّح النبي (ص) في أكثر من موقف بعددهم وأسمائهم وألقابهم وهم اثنا عشر خليفة من أهل بيت العصمة والطهارة (ع)، إلى أن وصل الأمر للإمام الثاني عشر وهو إمام زماننا الحجة بن الحسن المهدي (أرواحنا فداه) ففي غيبته – التي نعيشها الآن – أَمَرَ (ع) باتّباع الفقهاء الأمناء الأتقياء في توقيعه الشريف : (وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله )(4) وهم الممثّلين في عصرنا الحاضر للمرجعية الشرعية..

ولهذا كله يصبح الإنسان غير مخوّلٍ أن يحكم بهواه أو اجتهاده المنفصل عن توجيه الله سبحانه وتعالى؛ لأنّ خلاف هذا يتنافى مع طبيعة الاستخلاف، فيجب على كل مكلف أن يطبّق شرع الله في كل مفاصل حياته الاجتماعية والسياسية والثقافية وو..

 استناداً لما يأمره المرشد الإلهي المتمثل في النبيّ بالأصالة والتعيين الخاص وفي الوصي بالامتداد والتعيين الإلهي الخاص أيضاً والمرجع بالامتداد الطبيعي والتعيين العام، وهذا تطبيق عملي لقوله تعالى {لِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}..

وبهذه الحيثية تتميز الخلافة الإلهية والقيادة بمفهومها الإسلامي والقرآني عن الحكم في الأنظمة الوضعية بشكل عام والأنظمة الديمقراطية الغربية على وجه الخصوص، فإنّ هذه الأنظمة هي صاحبة السيادة ولا تنوب عن الله في ممارساتها ويترتب على ذلك أنّها ليست مسؤولة بين يدي أحد، وغير ملزمة بمقياس موضوعي في الحكم – بمعنى أنها ليست مقيدة بحدود ولا ضوابط ولا معايير ثابتة – بل يكفي أن تتفق على شيءٍ ولو كان هذا الشيء مخالفاً لمصلحتها ولكرامتها عموماً، أو مخالفاً لمصلحة جزء من المجتمع وكرامته ما دام هذا الجزء قد تنازل عن مصلحته وكرامته..

 هذا مع ملاحظة أنّ الإنسان في الرؤية الإسلامية حرٌ في تصرفاته وأفعاله، إذ بدون الاختيار والحرية لا معنى للمسؤولية، ومن أجل ذلك كان بالإمكان أن يستنتج من جعل الله خليفة في الأرض أنّه يجعل الكائن الحرّ مختاراً، أي بإمكانه أن يُصلح في الأرض وبإمكانه أن يفسد أيضاً، وبإرادته واختياره يحدِّد ما يحققه من هذه الإمكانات، هذا ما تدل عليه آيات عديدة منها قوله تعالى : {إنَّا هَدَينَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}(5).

 ومما سبق يتضح أنّ ديننا الإسلامي الحنيف دين الشمولية ودين التكامل ونظراتنا لأمورنا كلها (أولاً) من منظار الشرع (ثم) العقل اللذان لا يختلفان أبداً فالدين يشمل الثقافة والاجتماع والسياسة والاقتصاد و…، فلو دققنا في مفاهيم الشرع لعرفنا أن مفهومَ القيادة مفهومٌ دينيٌ رئيسيٌ شموليٌ وليس مقتصراً على شأن من تلك الشؤون فحسب كما يتصور البعض أن الدين مقتصر على العبادة والرهبنة ولا دخل له في السياسة وغيرها، وتعتبر القيادة ضمان لتحقق واستمرار الإسلام الأصيل وأهدافه، وهي سر الحياة والتباهي في المجتمعات التوحيدية قاطبة..

 ولقد ثبت من نتائج هذا الدليل أن مفهوم القيادة مفهومٌ إلهي رباني ديني وكذلك يستفاد من الكثير من الأدلة المتفاوتة في العمق والسطحية.. الدليل الثالث : الدليل النقلي :وعمدة هذا الدليل الآيات الكريمة وما روي عن أهل بيت العصمة (ع) في هذا المضمار وسنذكر الأحاديث مع شرح موجز في بعض الموارد..

 1- قوله تعالى : {أَطِيْعُوا اللهَ وَأَطِيْعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ… }(6). ونظراً لما هو واضح من ولاية الله ورسوله وثبوتها المسلّم، نقتصر في الشرح على الشقّ الآخر من الآية وهو قوله {أُوْلِي الأمْرِ} والوجوه المحتملة فيه ثلاثة وهي:

الأول : أن المراد بهم جميع الأمراء والحكّام مطلقاً..

 الثاني : أن المراد بهم خصوص الأئمة الاثني عشر المعصومين (ع) كما وردت بذلك روايات مستفيضة.

 الثالث : أن المراد بهم كل مَن له حقّ الأمر والحكم شرعاً؛ أي كل من ثبت له هذا الحق شرعاً وجبت لا محالة إطاعته في ذلك وإلاّ لصار جعل هذا الحق له لغواً.

 وحق الأمر والحكم لا ينحصر في الإمام المعصوم، بل يثبت لكلّ من كانت ولايته وقيادته مشروعة بالتنصيب الخاص أو العام.

فكما وجبت طاعة أمير المؤمنين (ع) مثلاً في أوامره الولائية كذلك تجب طاعة المنصوبين من قِبله، كمالك الأشتر مثلاً.

 أو كما يقول الشيخ الأعظم في معنى أولي الأمر : (الظاهر من هذا العنوان عرفاً من يجب الرجوع إليه في الأمور العامّة التي لم تحمَّل في الشرع على شخص خاص).

 وعلى ما ذُكر فالفقيه القائد الجامع للشرائط أيضاً على فرض ولايته شرعاً يصبح مصداقا للآية قهراً.

 2- قوله تعالى : {ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتّقُوا اللهَ}(7)

 3- قال أمير المؤمنين علي (ع):(قال رسول الله (ص):اللهم ارحم خلفائي-ثلاث مرات- قيل : يا رسول الله، ومن خلفاؤك؟ قال : الذين يأتون بعدي، يروون حديثي وسنتي، فيعلمونها الناس من بعدي )(8)

4- عن أبي عبد الله (ع) قال : (قال رسول الله (ص) : الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا. قيل : يا رسول الله : وما دخولهم في الدنيا؟ قال : اتباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم )(9).

 5- ما مرّ ذكره وهو ما ورد في توقيع مولانا صاحب العصر والزمان (عج) : (أمَّا ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك، إلى أن قال : وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله…)(10).

وطبيعي أن المقصود من (الحوادث الواقعة) ليس هو المسائل والأحكام، وكان الناس يرجعون إلى الفقهاء إذا أشكلت عليهم مسألة من مسائل الشرع وأحكامه، وقد كان ذلك يحدث حتى في زمن الأئمة أنفسهم إذا كان الناس بعيدين عن الإمام، وفي مصر غير مصره، فالسائل المعاصر لأوائل غيبة الإمام (ع) وهو على اتصال بنوابه الأربعة، ويراسل الإمام ويستفتيه، لم يكن يسأل عن المرجع في الفتوى، لأنه كان يعرف ذلك جيداً، إنما كان يسأل عن المرجع في المشكلات الاجتماعية المعاصرة، وفيما يجد من تطورات في حياة الناس، وفي القضايا السياسية المفصلية المرتبطة بشؤون الأمة.

 ولفظ (حجة الله) يعني أنّ الإمام مرجع للناس في جميع الأمور، والله قد عيّنه،وأناط به كل تصرف وتدبير من شأنه أن ينفع الناس ويسعدهم.

 كذلك الفقهاء، فهم مراجع الأمة وقادتها.

فحجة الله هو الذي عينه الله للقيام بأمور المسلمين، فتكون أفعاله وأقواله حجة على المسلمين، يجب إنفاذها، ولا يسمح بالتخلف عنها (11).

 6- عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) : (من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حَكَماً فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنّما استخفّ بحكم الله وعلينا رد، والراد علينا كالراد على الله وهو على حد الشرك بالله )(12).

 والفقيه في الاصطلاح المعاصر هو نفسه الشخص الذي عبّرت عنه الروايات بتعبير (عارف بالحلال والحرام) وأمثالها.

 فلسفة القيادة : نقرأ للإمام الرضا (ع) كلاما في فلسفة الإمامة يمكن أن يبيّن لنا فلسفة القيادة والمرجعية التي تعتبر الامتداد الطبيعي للإمامة : (فإن قال : فَلِم جعل أولي الأمر بطاعتهم؟ قيل : لعللٍ كثيرة، منها : أنّ الخلق لمّا وقفوا على حدٍّ محدود وأمروا أن لا يتعدّوا ذلك الحدّ لما فيه من فسادهم لم يكن يثبت ذلك ولا يقوم إلاّ بأن يجعل عليهم فيه أميناً يمنعهم من التّعدي والدخول فيما حظر عليهم، لأنه لو لم يكن ذلك لكان أحد لا يترك لذّته ومنفعته لفساد غيره، فجعل عليهم قيّماً يمنعهم من الفساد، ويقيم فيهم الحدود والأحكام.

 ومنها : أنّا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملّة من الملل بقوا وعاشوا إلاّ بقيّم ورئيس، ولما لابدّ لهم منه في أمر الدين والدنيا فلم يجز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق ممّا يعلم أنّه لابد له منه، ولا قوام لهم إلاّ به، فيقاتلون به عدوّهم ويقسمون به فيئهم ويقيم لهم جمعهم وجماعتهم، ويمنع ظالمهم من مظلومهم.

ومنها : أنّه لو لم يجعل لهم إماماً قيّماً أميناً حافظاً مستودعاً لدرست الملّة وذهب الدين وغيّرت السنن والأحكام ولزاد فيه المبتدعون ونقص منه الملحدون وشبّهوا ذلك على المسلمين)(13)

. القيادة والعقل : إنّ ما يدركه ويقرره ويرشد له العقل السليم، المنبثق من حاكميته على كل المخلوقات وسيادته لكل الصفات وبمقتضى حِكمته لأنه كما عرّفه العقلاء هو الحكيم الذي يضع الشيء في مواضعه.

 بالإضافة إلى أنّ النظم والتنظيم أمران راجحان في نظره ومقابلهما مرجوح بلا شك عنده، ومن ناحية أخرى يُقرّ العقل والعقلاء بأنّ تقديم الأعلم المختص في مساحة اختصاصه هو عين الصواب.

 ولما للعقل من هيمنة على سلوك الإنسان فإنّ الاطمئنان بواقعية الهدف وصحة المسير وسلامة الجادة من هواجسه ومهماته؛ لذلك كان لزاماً أن يكون هدف الإنسانية جلياً واضحاً لديه – بحكم حجيته الباطنية – حتى يضع العقلُ الإنسانَ في موضعه الصحيح، ولا شيء غير الحق والخير اللذان يمثلان الطريق والمنهج لتحقيق الهدف الأسمى للإنسانية عن طريق العقل وبهداه، الذي يتمثل في معرفة الدين الحقّ (أولاً) ثم تحقيق أهدافه (ثانياً)..

وتعتبر هذه الثمرة الأبرز للعقل، والقيادة هي التي تحدد الواجبات والمسؤوليات على المكلف وليس الله سبحانه هو الذي يتواصل ويرتبط مباشرة مع كل البشر، وإنّما عن طريق المرشدين الإلهيين، فتأمّل.

القيادة الدينية والقيادة السياسية : توجد أسئلة ينبغي لكل مسلمٍ يعيش في وسطٍ ما، وله حقّ الممارسة السياسية  أن يطرحها على نفسه ومنها : هل يجوز لي – كمسلم أخضع لمقررات إسلامية – أن أفصل بين القضايا السياسية المصيرية وبين الدين أو التكليف الشرعي؟ أو هل يجوز التبعية فقط في الأمور السياسية للعلماني أو الإمبريالي؟ أو هل يجوز الانقياد للشخصية الإسلامية أياً كانت في شأنٍ من هذه الشؤون؟ يتقرّر ويتضح للمتتبع المتشرّع، ومما مرّ من شمولية الدين الإسلامي وإحكام تشريعاته وضوابطه، وأنّ الدين لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا وله رأي فيها، أنه لا يعقل أن يترك الدين قضايا الأمة المصيرية لكل عقل أن يشخصها ويتخذ قراره فيها على حده أو لأي أحد البت فيها، ولا توجد مسوّغية في الشرع أن يتّبع المتشرعُ في مثل هذه المسائل غير مَن أمر هو باتباعه والذي لا يتمثل في العلماني ولا في أضرابه ولا في المثقّف الإسلامي بالمستوى العادي وحتى المتوسط، وإنما في الفقيه أو المجتهد العالم فحسب.

 القيادة الحركية والقيادة الشرعية : انتشر في الآونة الأخيرة على ألسن البعض ظاهراً أو باطناً، أنّ القيادة على نوعين قيادة حركية في الأمة، وقيادة شرعية متمثلة في المرجعية الدينية، وهذه مغالطة واتّهام للقيادة الشرعية وتعريض بها.

 إذ لو كانت القيادة الشرعية غير متحركة لكانت قيادة غير صالحة، ولا قيمة لها ولا شرعية لها ولا ولاية لها لسكونها وخنوعها. لأننا إذا قلنا بأن قيادة المرجعية قيادة غير متحركة فإنّ هذا معناه أنّنا لا نؤمن بقيادة المرجعية.

 وعليه فإنّ إعطاء مفهومين للقيادة، والفصل بينهما، لتكون إحداهما شرعية والأخرى حركية، تمثّل الأولى المرجعية الدينية، وتمثل الأخرى الجمعية أو الحزب الإسلامي، وهذا فهم – كما يصفه آية الله العظمى السيد الحائري (حفظه الله) – خاطئ لا يقول به إلا جاهل، أو مغرض(14).

وإلاّ فالمفروض أن يقال بصراحة بأنّ التكتّل والجمعية ليست قيادة للأمة، وإنّما هي حركة في الأمة يجب أن تكون تحت قيادة المرجعية والتي تمثل قيادة دينية وحركية في نفس الوقت.

القيادة التنظيرية والقيادة التنفيذية : لكي يتضح التفريق بين نوعين من القيادة في الواقع ؛ فإنّ القيادات في المجتمعات لا تخلو من مستويين قياديين، فالأول – ما يسمّى بالقيادة التنظيرية – وهي القيادة التي بيدها تحديد الوظيفة العملية تجاه الثوابت والمتغيرات بشكل عام، أمّا الثاني – فهو ما يسمى بالقيادة التنفيذية – فهي القيادة التي تستند في تحرُّكها وتحريكهاللقاعدة على الأسس والأحكام والخطوط العامة التي وضعتها القيادة التنظيرية والتي تتمثل في فكرنا في الفقيه والمجتهد، ويمكن أن نمثّل لها بمثال واضح في الساحة السياسية والحكومات فنستطيع أن نشبّه الأولى بالسلطة التشريعية والثانية بالسلطة التنفيذية وهذان النوعان قد يجتمعان وقد يفترقان وذلك خاضع لمعايير مهمة كالأحقية والأفضلية ووو..

، ولكن القيادة إذا كانت هي تنظيرية وتنفيذية – في وقت واحد- في الواقع كان ذلك أفضل وأكمل وأقرب للصواب..

 القيادة العلمائية وغيرها : تتميماً على تفنيد رؤية القيادة التي تفصل بين الشرعية والحركية؛ نبيّن هنا أن القوة الظاهرية ليست كل شيء والحماس غير المدروس وغير المنطلق من منطلق شرعي صحيح ومبرئ للذمة لا يعدّ امتثالاً للتكليف الشرعي بل قد يعد مخالفة شرعية، وإنّما التوازن بين العلم – وهو الركيزة الأساسية – وبين القوة في المشروعية السياسية هو عين الحكمة والصواب، ونذكر هنا الحالات المتصورة في العمل السياسي ونتائجه، وتداخلات العلم والقوة في المشروعية السياسية من خلال النظرة القرآنية، وهي على أربعة أنحاء : – النحو الأول : قوة بلا علم : ونتيجته الوقوع في الاستبداد السياسي، ونستنج هذا من موقف فرعون عندما واجهه نبي الله موسى (ع)، ثم استنصر بالسحرة ليغلبوا موسى، ولكن الفوز كان حليف موسى حتى آمن السحرة، كما في قوله تعالى {قَالُوا آمَنَّا بِربِّ العَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} لكن استبداد فرعون الناشئ من جهله جعله يتغطرس ويهددهم {قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ… * لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكُمْ وأرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أجْمَعِينَ}(15).

 – النحو الثاني : علم بلا قوة : ونتيجته الاستضعاف وفقدان الفاعلية، كما يتضح من قصة نبي الله هارون(ع) مع بني إسرائيل عندما ذهب موسى لميقات ربه فانحرف القوم باتّخاذهم العجل إله، فإنّهم بهذا الفعل خذلوا واستضعفوا هارون رغم نبوته وعلمه كما في قوله تعالى : {ولمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ وألقَى الألْوَاحَ وأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِليهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ}(16) – النحو الثالث : لا علم ولا قوة : ونتيجته الحتمية هي الوقوع في الفوضى والهرج والمرج، وتدل على هذا المعنى آيات عديدة منها ما أشار إلى وضعية (بني النظير) وهم اليهود الجهلة الذين عاهدوا الرسول فنقضوا عهدهم بمحاولة الغدر بالنبي ثم أمرهم أن يخرجوا من المدينة أو يأذنوا بالقتال، لكنهم أبوا وأرادوا القتال رغم ضعفهم أمام المسلمين آنذاك، فأمهلهم النبي (ص) أكثر من مرة مع تسهيلات الخروج لكنهم ولجهلهم تمادوا فضاقت التسهيلات شيئاً فشيئاً، حتى وصل بهم أن يخرج أحدهم ولا يحمل معه شيئاً وإلا فيقتل، ولكنهم علاوة على ذلك ولغبائهم أخذوا يخربون بيوتهم بأيديهم كما في الآية الثانية من سورة الحشر..

 – النحو الرابع : العلم والقوة : وبطبيعة الحال، ومن خلال الموضوعية والواقعية، أنّ نتيجته الواضحة هي الاستقرار والثبات السياسي والاجتماعي، وقيام الحق والعدل، وهذا ما تصرح به كثير من الآيات في شأن كثيرٍ من الأنبياء والأوصياء والأولياء بقوله تعالى في شأن طالوت {..

 إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العِلْمِ وَالجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ والله وَاسِعٌ عَلِيم}(17)، وقال سبحانه مخاطباً نبيه يحيى (ع): {يَا يَحْيَى خُذِ الِكَتابَ بِقُوَّةٍ وآتَيْنَاهُ الحُكْمَ صَبِيَّا}(18)…      

 المرجعية المؤسساتية والمرجعية الفردية : هذه أطروحة حاول البعض تقديمها كطرح حديث في بعض الأوساط الإسلامية، وهي فكرة اجتماع مجموعة من العقول والأدمغة لإخراج صيغ جديدة من فتاوى وأحكام وتوجيهات، أو عبّر عنها آخرون بنحو آخر : بأنها تشكيل لجنة نخبوية من مثقفي وكبار شخصيات المجتمع يكون من اختصاصاتها اختيار القيادة أي المرجعية الدينية وهذه الفكرة تشبه فكرة تعيين الخليفة التي يتبنّاها بعض فرق المسلمين من قِبل أهل الحلّ والعقد؛ والتي نشأت استسلاماً للأمر الواقع آنذاك وقد فرضوها بالقوة وبغطاء شرعي – حسب زعمهم – وهو(أهل الحل والعقد)، حتى آل الأمر بالنتيجة إلى اضمحلالها حين استغنت القوة عن الخلافة، فألغتها واكتفت بالسلطة.

 أمّا القيادة والمرجعية عندنا فحيث أنّها دينية محضة؛ فمن أجل الخروج من عهدة التكليف الشرعي، وبراءة الذمة أمام الله تعالى، وتقديم العذر بين يديه يوم يعرضون عليه، ويناقشهم يوم الحساب، فلابد من ابتنائها على الأدلة الشرعية الكافية التي تصلح أن تكون حجة وعذراَ بين يدي الله تعالى..

 أمّا المرجعية المؤسساتية التي ينادي بها البعض وحيث أنّهم يفترضون انحصار الشرعية بمن تختاره المؤسسة (النحو الثاني)، وهذا ما لا يمكن القبول به دينياً إلا بإقامة الدليل الشرعي – الكافي في العذر – عليها وعلى جميع أركانها ومقوماتها، مثل : مَن له حق تشكيل اللجنة، وتحديد صلاحيتها من حيثية تنصيب القيادة والمرجعية فقط، أو الرقابة عليه أيضاً، أو حتى عزله إذا فقد الأهلية.. وتحديد عدد أعضائها، ومرتباتهم العلمية والتقوائية، وكيفية معرفة ذلك فيهم، وما هو الموقف عند اختلافهم، إلى غير ذلك من الإشكالات والأسئلة الواردة عليها… ثم إذا كان الغرض من المرجعية المذكورة (النحو الأول) رفع الاختلافات فلابد من كون الأدلة قطعية إجماعية غير قابلة للتشكيك والخلاف.

ولا أظن أنّ يتوهّم أحد بإمكان عدم الاختلاف بتاتاً بعد هذا البون الشاسع من بداية عصر الغيبة للإمام أي بعد أن مضى على عصر بيان التشريع أكثر من ألف عام.

وهل من المعقول أن يغيب الإمام (ع) عن شيعته غيبة يعلم أن طول أمدها واسع جداً، دون أن تتضح لهم معالم مرجعيتهم في أحكامهم الشرعية التي يبتلون بها كل يوم تقريبا، بانتظار مرجعية تقترح بعد أكثر من ألف عام لا يعلم مَن يقترحها؟ ولا كيف يقترحها؟ والمرجعية والقيادة الفردية قد أثبتت جدارتها هذه المدة الطويلة في قيادة التشيع بأسره، وتكامل كيانه، ورفع شأنه، ووضوح حجته، والحفاظ على واقعيته، وعدم مساومته على مبادئه، واستقلاله في دعوته واتخاذ قراره ورأيه، من دون أن يسير في ركب القوى العالمية أو يسايرها، أو يخضع لها، أو يتجمّد أمامها، أو يسكت عن فضحها.

 هذا لا يعني أننا نثبت العصمة لفقهائنا لا بل نثبتها لأئمتنا المعصومين (ع) فقط، ولكننا نقول أنّهم فقهاء عالمون قابلون للخطأ والاشتباه، ولكننا في النهاية مكلّفون بطاعتهم والتسليم لهم لأنهم حجج الإمام علينا وهو حجة الله على العالمين..

صفات القائد : إنّ للمواصفات التي يتصف أو ينبغي للقيادة والمرجعية الاتصاف بها والتي تمثل في حقيقتها ومضمونها امتداداً لصفات الرُسُل والأئمة المعصومين (ع) أثراً بالغاً على النجاحات الباهرة والإنجازات الكبيرة التي حققتها وقدمتها المرجعية للأمة.. -العدالة : وقد عرّفها الفقهاء : بالمَلَكة والصفة النفسية الروحية الثابتة في نفس الإنسان من خلال الممارسة المستمرة والتربية الطويلة، بحيث تمنع صاحبها من الوقوع في المحرمات أوترك الواجبات.

وبعضهم عرّفها : بالالتزام بجادة الصواب والاستقامة فيها، والتمسّك بالواجبات وترك المحرمات، وقد يعبّر عنها في بعض الروايات والأخبار بمخصصاتها وهما التقوى والورع.

وعلى أي حال لابد أن ننسب العدالة للقائد بدرجة عالية تتناسب مع هذا الموقع المهم، لأنّها تمثل بمستواها امتداداً وانعكاساً لشرط العصمة الذي نعتقده في الأئمة الأطهار (ع)، حيث أننا كما نشترطها فيهم – عقلاً وشرعاً – فلا بد أن تكون العدالة في المرجع بمستوى يتناسب مع موقع النيابة والتمثيل عن المعصوم..

 -العقل : وهو عبارة عن القوة التي أودعها الله تعالى في الإنسان ليدرك بها الأشياء ويميز بينها..

 ولكن هل يشترط في المرجع هذا المستوى العام من العقل الذي يكون شرطاً في التكليف في سنّ البلوغ، ونكتفي في المرجع -بعد عدالته-بأن يكون قادراً على تمييز الأشياء بصورة عامة؟ يبدو من خلال النصوص الواردة ضرورة وجود مستوى أعلى من العقل ويشترط أن تتوفر فيه مجموعة من المواصفات التي بها يتحقق هذا الشرط لمن يتحمل هذه المسؤولية العظيمة، والمواصفات هي :

 1-الخبرة وحسن التدبير والإدارة في القضايا المختلفة للناس فقد ورد في تعريف العقل عندما سئل الإمام الرضا (ع) : (ما العقل؟ قال : التجرع للغصّة، ومداهنة الأعداء، ومداراة الأصدقاء)(19) أي أن يكون هذا الإنسان لديه حسن التدبير وإدارة أمور الناس، بحيث يكون قادراً على أن يسيطر على عواطفه ومشاعره، فيتحمّل الضغوط والآلام والمحن.

 2-أن يكون لدى الإنسان الفهم الصحيح للواقع السياسي، والاجتماعي الذي تعيش فيه الأمة بحيث يعرف الواقع والعوامل المؤثرة فيه، ويكون لديه التحليل السياسي والاجتماعي الصحيح للأوضاع السياسية والاجتماعية.

 3-أن يكون ممن يمتلك منهجاً قوياً حكيماً حازماً كيّساً في التعامل مع القضايا والأحداث، ومن مفردات هذا المنهج ما يعبّر عنه بـ(العقيدة السياسية).

 -العلم : سنطرق في هذه الصفة لما يخدمنا وعلى مستوى هذا الموضوع، لأنّ ما يتعلّق بهذا البُعد قد ذكره الفقهاء في رسائلهم العملية من جهة، وهي أن يكون المرجع مجتهداً في الفقه، وذكر بعضهم أنّ المهمتين التي اتسم بها المرجع بشكل بارز في ما مضى، أحدهما : الإفتاء، والأخرى : القضاء.

ولكن كان إلى جانب ذلك دور ثالث يمارسه المرجع، وهو دور الولاية في إدارة بعض شؤون المسلمين من قبيل الولاية على الأوقاف التي لا ولي لها، وولاية الشؤون العامة كولاية التبليغ إلى الله، وولاية الجهاد والمقاومة للطغاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وهذا الدور الأخير لا يكفي فيه مجرد الاجتهاد في الفقه بمعنى القدرة على ممارسة عملية استنباط الحكم الشرعي من خلال الأدلة التفصيلية، وإنّما يحتاج أن تكون لدى المرجع الخبرة الكافية بالواقع الموضوعي الخارجي القائم بين المسلمين.

 وظائف ومهام المرجعية : يمكن أن نوجز أبرز المهام المناطة بالمرجعية والقيادة الدينية في جانبه السياسي بالدرجة الأولى بالإضافة إلى المسؤوليات الأخرى في التالي : – تشخيص الواقع الاجتماعي والسياسي القائم؛ بجمع المعلومات والأخبار بدقة وتحليلها في إطار التصور الإسلامي في فهم حركة التاريخ وتفسير الأحداث.

– تشخيص المصالح والمفاسد السياسية وعلى كل الأصعدة، وتشخيص أولويات هذه المصالح والمفاسد السياسية، كتقديم الأهم على المهم في ضوء التصور الإسلامي.

 – إعطاء الموقف السياسي للأمة في حركتها السياسية المستمرة، واتخاذ المواقف على ضوء المصالح والمفاسد، وفي ضوء تشخيص القدرة والإمكانات التي تمتلكها الأمة والنتائج المرجوة والأهداف التي تسعى لها.

 – صون الأمة روحياً وأخلاقياً وتربوياً، إلى جانب التعبئة الروحية وبث الوعي السياسي في الأمة لكي تبقى أمة حية تتحمل مسؤولياتها.

– صون الواقع الاجتماعي في جميع مكوناته الفكرية والنفسية والعلمية، وحماية قيمه وأعرافه الإيمانية، والحفاظ على وحدته وتلاحمه وتواصله وتماسكه.

 – رفد وتموين الأمّة بالرؤى والأفكار والمفاهيم الإسلامية المستمدة من المنابع الأصيلة، وهكذا تمارس المرجعية والعلماء الدور في تحصين الأمة فكرياً وثقافياً، وفي الحفاظ على هويتها وأصالتها وانتمائها.

أهداف القيادة والمرجعية : بالإضافة إلى الأهداف الكبرى للمرجعية نجمل الأهداف التي أوردها الشهيد السيد محمد باقر الصدر (قده) للمرجعية الصالحة في مشروعه وذلك انطلاقاً من المهام والوظائف المناطة بها، ونلخّصها في النقاط التالية : – نشر أحكام الإسلام على أوسع وأكبر مدى ومساحة ممكنة بين المسلمين.

 – العمل على تربية المجتمع بكل أفراده تربية دينية تضمن التزامه بالأحكام.

 – إيجاد تيار فكري واسع في الأمة يشتمل ويتوفر على المفاهيم الإسلامية الواعية من قبيل المفهوم السياسي الذي يؤكد أن الإسلام نظام شامل لشتى جوانب الحياة.

 – اتخاذ ما يمكن من أساليب لتركيز تلك المفاهيم وترسيخها وتجسيدها.

 – القيمومة على العمل الإسلامي.

 – إعطاء الدور العلمائي حركته الفاعلة في واقع الأمة.

تعدد القيادات والمرجعيات : لا ريب أن تعدد المراجع الدينيين في زمن واحد حالة طبيعية، بعد أن كانت أهلية المرجع تعتمد على معرفة أحكام الموضوعات من خلال استنباطها من المدارك الشرعية المقررة فقط أكثر من الاعتماد في تشخيص الموضوعات ومعرفة الواقع الخارجي فإنها قابلة حينئذ للتعدد والاختلاف، ويحتمل فرضان فيما يتعلّق بالفقهاء المتعاصرين وهما : -الفرض الأول : أن يكون فقيه أفضل من الآخرين في المواصفات المقررة للقيادة، وأتقى وأعلم وأفضل إدارة وسياسية، ويفوق الآخرين في رؤيته السياسية والاجتماعية، فعلى ضوء هذا الفرض واستناداً للضوابط الإسلامية والصفات المقررة يكون هو المنصوب على نحو التعيين لمنصب القيادة تنصيباً عاماً لا خاصاً.

-الفرض الثاني : هو أن لا يكون أحد فقهاء العصر أعلم وأفقه وأعدل من الآخرين ويكون الجميع على مستوى واحد سواء في المسائل المتعلّقة بالقيادة أو الفقه أو التقوى.

 توضيحٌ مهمٌّ : ولكننا ينبغي أن نؤكّد بأن المرجعية الدينية الفقهية ليست هي بالضرورة القيادة والمرجعية في القضايا الاجتماعية والسياسية المتغيّرة بتغيّر المكان والزمان، ويحصل هذا فيما إذا كان الفقيه المقلَّد في الفتوى في بلد آخر يصعب عليه التشخيص فإن الرجوع فيها للقيادة والمرجعية التي من حقها ذلك في القضايا المفصلية في نفس البلد والتي تمثلها فيه.

 والخلاصة : أن ليس ثمة محذور بتعدد المراجع، أمّا ما يخص إدارة وقيادة البلد أثناء الحرب والسلم وما شابه ذلك فلابد من وحدة القيادة، لا أن يمزّق البلد بتعدد القيادات التي تقوده.

 الانقياد حقٌّ أم تكليف؟ اتَّضَحَ مما سبق عموماً ومن جواب السؤال الذي يقضي بأن القيادة موضوع من صميم مواضيع الدين خصوصاً؛ أن لا حقّ لمستخْلَفٍ ومستأمَنٍ أن يتمرّد على أمر مستخلِفه ومستأمنِه في الحدود المعينة والمحددة، وهذا ما يُلزم المتديّن المتشرع الذي يعرف خالقه وهدف خلقته وإلى ماذا يصبو وإلى أين مصيره بالالتزام بما تمليه المرجعية على أنه تكليف وليس تشريف، وقد بدا هذا واضحاً عند أصحاب الإمام الحسين (ع) عندما اجتمع القوم حول سيد الشهداء (ع) فأرخص لأصحابه (وقد أذنت فانطلقوا جميعاً من حلّ ليس عليكم مني ذمام هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً)(20) فرغم أنّ الإمام (ع) أحلّ لهم ورفع عنهم تكليفهم لكنهم تفانوا دونه وحققوا الانقياد الحقيقي وفي أتم صوره حتى أجابوا الحسين (ع) بقولهم (لو علمنا أنّا نقتل ثم نحيا ثم نحرق ثم نحيا ثم نحرق ثم نذرّ يفعل بنا ذلك سبعين مرة ما فارقناك حتى نلقى حمامنا من دونك وكيف لا نفعل ذلك وهي قتلة واحدة ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً)؛ فإن الانقياد في المساحة المختصة بالشأن الربوبي ليس للمكلف الحق فيها بل هو تكليف يثاب على فعله ويعاقب على تركه أو مخالفته، يمكننا هنا أن نتطرق لـ(حقوق المرجعية) والتي تكون إلى جانب الوظائف المناطة بها كما يذكر بعضها الشهيد السيد محمد باقر الحكيم في كتابه (المرجعية الدينية) ومنها: -الالتزام بإرشاداتها وهديها في مهمة التعليم والتثقيف والتزكية.

 -الالتزام بالمواقف والطاعة للقرارات الإلزامية التي تتخذها في شؤون الحركة السياسية التي يمكن أن نسميها (بالمتابعة السياسية للقيادة)، وهي توازي التقليد للمرجعية في الأحكام الشرعية.

 -المحافظة على استقلالها ومؤسساتها الدينية عن التأثير عليها من خارج إطارها، وإسنادها في ذلك.

 -مساعدتها على أداء واجباتها برفدها بالأموال والحقوق الشرعية، وتوفير الموارد الاقتصادية لها، ولو على شكل مؤسسات اقتصادية. -إدامة الارتباط والعلاقة بها عن طريق الاتصال المباشر بالمرجعية أو عن طريق غير مباشر.

 الخاتمة : نختم هذا الموضوع ببيان الوضع العام في الساحة البحرينية، وما نلحظه من انتشار واسع في القاعدة العامة والخاصة للشعب من عدم الإحاطة بموضوع القيادة وقلة وعي الشارع بها وعدم الانقياد الحقيقي لها والتسليم والاعتراف بالمرجعية المحلية التي تمثل الامتداد لولاية الأمر المتمثلة في الفقيه الحاذق والسياسي المحنّك الذي مارس السياسة وخاض غمارها ما يقارب نيفاً وثلاثين عاماً وهو الفقيه الحاذق والسياسي المحنك سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم – دام ظله الوارف – وهو غني عن التعريف والمدح والإطراء والمزايدات من أحد، فقد أثبت جدارته من خلال المواقف المشرّفة والقرارات الحاسمة في حلّ القضايا الشائكة ومستعصيات المعارضة والحكومة كل ذلك تحت مظلة الحكم الشرعي والرؤى الإسلامية الأصيلة.

القيادة والمرجعية في كلام (القيادة) سماحة آية الله العلامة الشيخ عيسى أحمد قاسم (حفظه الله تعالى) : عبثية الأمّة بلا قيادة : إنّ حركة الأمة عابثة ما لم ترتبط بقيادة، وكل ارتباط بالقيادة خاسر، ما لم تكن هذه القيادة مصنوعة على ضوء القرآن والسُّنة المطهرة، وتخشى الله، ولا تعبد سواه، وفيه يدخل تمتع القيادة بالخبرة الموضوعية والتقدير الدقيق والحرص على المصلحة العامة، وكل ما يشترط في القيادة الناجحة.

في معرض جوابٍ لسماحته في جريدة “عاشوراء البحرين” العدد الثاني محرم 1426هـ دروس من كربلاء في القيادة والانقياد : أمن الأمة من أمن قيادتها، وأمن القيادة من أمن الأمة؛ درسٌ نتلقّاه من كلمة أبي الفضل العباس بن علي (ع)، يخاطب الشمر الذي عرض عليه الأمان دون ابن رسول الله (ص) – الشمر الذي عرض الأمان على أبي الفضل يوم كربلاء والنفوس عند التراقي والقلوب عند الحناجر – في تلك اللحظة يعرض الشمر على أبي الفضل الأمان، يأتي الجواب يحمل وعي الإيمان، ويحمل وعي الإنسان الرسالي، ويحمل روحية الإنسان المؤمن بربه، الواثق بدربه، الطامع في جنّة الله ورضوانه : لعنك الله ولعن أمانك، أيخاف ابن رسول الله وأنا في أمان؟ واحد من القاعدة يحمل هذا الوعي الذي يجب أن نحمله نحن دائماً.

 إنّ استهداف القيادة؛ استهداف للأمة كلها، وإنّ الحملات الشعواء ضد القيادة؛ هي حملات شعواء ضد الأمة، وفي المقابل يعرض الإمام الحسين (ع) على أصحابه بأن يتخذوا من الليل جملاً، ليتحمل المسؤولية وحده إذا لم يبق معه أحد.

والحسين (ع) يقدم أهله، والحسين (ع) يحمل معه الفاطميات إلى أرض المعركة – ثقل رسول الله، بيت الرسالة، بكل من فيه من طفل وامرأة ومن رجل أعطى صوته لابن رسول الله (ص) – هذه اللغة تقول : إنّ أمان القيادة من أمان الأمة، والقيادة التي تقود أمتها والتي تفصل بين أمنها وأمن أمتها، وأمن قواعدها، القيادة التي تنسى في لحظات الشدّة محنة أمتها لتذكر ذاتها، لتنطلق في موقفها من الحرص على البقاء؛ هي قيادة أخطأت الأمة في اختيارها، وعلى الأمة أن تتعلم كيف لا تخطئ اختيار القيادة، بأن لا تختار إلا قيادة مجربة، وقيادة ملأ قلبها التقوى وملأ قلبها الإيمان وكانت على النصيب الأوفر من الوعي ومن الشدّة والجرأة ومن التربية الفاضلة ومن التجارب الجهادية الثرّة الغنية.

مهرجان “صرخة الحسين في القدس” بمركز المعارض الدولي كربلاء ودرس التنظيم..الانضباط.. وطاعة القيادة: في كربلاء تنظيم ونحن نحتاج إلى تنظيم، في كربلاء انضباط ونحن نحتاج إلى انضباط، في كربلاء طاعة، لا يخرج أحدهم للمقاتلة والمبارزة إلا بعد أن يستأذن الإمام(ع) والكيانات الاجتماعية لا يمكن أن تقوى أن تنهض أن تستمر أن تتقدم من غير انضباط ومن غير طاعة للقيادة وليست كل قيادة، قيادة المعصوم(ع) وما يكون شعاعاً لتلك القيادة.

فكرياً تقول الكلمة عن الحسين(ع): (ومقالة جُلِّكم- وهو يخاطب أهل الكوفة- أنه ليس علينا إمام فأقبل لعلَّ الله أن يجمعنا بك على الحق والهدى) ليس المطلوبُ أيَّ إمام، ليس المطلوبُ أيَّ قيادة، حتى القيادة التي تحقق لنا مكاسب مادية آنية وهي تريد لنا أن نسلك طريقاً آخر غير خط الحق ليست قيادتنا،(لعل الله أن يجمعنا بك على الحق) فنحن دائماً نتطلع إلى القيادة ونبحث عن القيادة ونلتف بالقيادة ولكن أي قيادة؟ التي نتوقع فيها أن تجمعنا على درجة من الهدى والحق، إن لم تجمعنا على الهدى والحق على الإطلاق، فلا أقل أن تجمعنا على الهدى والحق بأكبر ما يمكن، ففي عصر الغيبة القيادة التي تجمع الناس على الحق والهدى بأكبر ما يمكن هي قيادة الفقهاء العدول الورعين وليست قيادة الجاهل ولا قيادة الفاسق، وفي زمن حضور المعصوم(ع)  هناك قيادة تجمع على الهدى والحق على الإطلاق بشكل مطلق فتتعين. مقاييس الإمام (ع) للقيادة: ويقول في الكلمة الأخرى(ع) : (فلعمري ما الإمام إلا الحاكم بالكتاب) هذه مقاييس الإمام ومقاييس القيادة، فمرة أحصل على من يعمل بالكتاب بشكل دقيق كامل، وهذا في زمن حضور الإمام المعصوم (ع) ومرة يكون من يعمل بالكتاب بقدر علمه وهو أعلم من يعلم في الحاضرين بالكتاب فيكون هو إمامي (فلعمري ما الإمام إلا الحاكم بالكتاب، القائم بالقسط، الدائن بدين الحق، الحابس نفسه على ذلك لله تبارك وتعالى).

في مأتم بن سلوم بتاريخ 23 ذو الحجة 1425 هـ الموافق3 فبراير 2005 م  المعارضة والمرجعية: أولاً : معارضة بلا مرجعية فوضى. بيتٌ بلا مرجعية فوضى، قبيلة بلا مرجعية فوضى، مؤسسة بلا مرجعية فوضى، فئة اجتماعية بلا مرجعية فوضى، بلد بلا مرجعية فوضى.

 والمرجعية مرجعيتان: مرجعية تشريع، ومرجعية على مستوى مركز القرار.

والتشريع تشريعان: تشريع وضعي (بشري)، وتشريع إلهي.

 فأي مؤسسة وأي دولة لابد أن تركن إلى إحدى المرجعيتين؛ مرجعية التشريع الإلهي أو مرجعية التشريع الوضعي.فمؤسساتنا ليست بدعاً في هذا الأمر، فلا بد لها من مرجعية تشريعية فإما أن تأخذ بالمسار الفقهي والتشريع الإلهي، أو تأخذ بمسار التشريع الوضعي ولو من عند نفسها.

 وعن مرجعية مركز القرار مهما قيل عن الديموقراطية فإنها تُثبت المرجعية، فالديموقراطية لا تعني الفوضى، ولا تعني أن الشارع يتخذ القرار، ولا تعني النزاعات التي لا تنهيها كلمة فصل، وإنما رأي الأغلبية على مستوى الديموقراطية هو منتهى القرار.

صوت زائد على الطرف الآخر، وبغض النظر عن قيمة هذا الصوت وقد يكون أضعف عقلاً في المجموعة، وأقصر رؤية، وأقل نزاهة، إلا أنه مادام عضواً في المؤسسة أو في الحكومة أو في الحزب فإن زيادة رأيه مرجّح، هذه مرجعيّة.

والمرجعية المتّسقة مع خط أهل البيت(ع) مرجعية صاحب رأي فقهي وعدالة.

 وفي الساحة علمانيون وإسلاميون، والعلمانيون صريحون ومنسجمون مع خيارهم.

فإنهم لا يأبهون بالدين، ولا يقيمون له أي وزن – كما يصرحون بذلك- ولوفي المسألة السياسية على الأقل.

 فما بال الإسلاميين؟ عليهم أن يحددوا موقفهم، إما أن تكون لهم مرجعية من التشريع الإسلامي أولا تكون.

والفقه اختصاصٌ عميق، ولا ينكر أنه من الاختصاصات الكبيرة المتعبة، فإذا قلنا بأن مرجعية أي مؤسسة إسلامية هي التشريع الإلهي فيلزم من ذلك أن يكون الراجعون إلى التشريع قادرين على فهم التشريع، على فهم الفقه أو يرجعون إلى من يفهم الفقه، ولا يسيرون أمورهم لمجرد قرار الأغلبية، فإن الأغلبية مرة توافق مقتضى الفقه ومرة تخالفه.

 ولسنا نريد أن نختار للساحة ولكن الله عزّ وجل قد اختار للمؤمنين، وأن عليهم أن تكون مرجعيتهم دائماً من مرجعية خط أهل البيت (ع).

 وهذه المرجعية معروفة، لا يمكن أن يتقدّم فيها صاحب الاختصاصات الأخرى على أصحاب الاختصاص الديني، والمرجعية لا تفرض نفسها إنما تُختار.

 وأقول عن نفسي أني مستعد كل الاستعداد أن أسمع وأدعم أيَّ مرجعية يختارها المؤمنون في هذا البلد من إخوتي العلماء.

 وسأكون خادماً أميناً – إن شاء الله – صغيراً لأي مرجعية تُختار في الداخل على هذا الخط.

 وأقول: علينا من حيث إننا إسلاميون أن لا نرتكب خطأ المغالطة والاستغفال لقواعدنا المؤمنة، علينا أن نكون صريحين إما أنه يسعنا الظرف أن نكون إسلاميين فنقول بأننا إسلاميون ونلتزم بخط الإسلام تماماً، أو أن نقول أننا ديموقراطيون على الطريقة الغربية فنريح أنفسنا.

وعلى الأقل إذا لم تكن لنا مرجعية نراجع عنها مذهبنا، وقادتنا أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، على الأقل علينا أن نأخذ بما لا يمزّقنا وإن لم يكن في ذلك مرضاة الله تبارك وتعالى كما ينبغي، إلا أن التمزق ربما كان أبغض إلى الله عزّ ووجل، ولا أريد أن أرتكب مسؤولية الترجيح، ولكن أقول: إذا لم نرَ أن نراجع أهل البيت (ع) في مثل هذه الأمور فعلى الأقل فليلتزم الأخوة العاملون بمسألة مرجعية الأغلبية، ويرتكنوا إليها ويخرجوا من خلافاتهم على أساسها بعدما يذهب بهم الرأي إلى الأخذ بها.

 ثانياً : العلماء بين الصمت والنطق: أسأل هذا المجتمع الكريم: المجتمعُ بِم يُطالب العلماءَ؟

 1- بالنطق أو الصمت؟ صمتوا فأعبتم، ونطقوا فغضبتم، ماذا تريدون؟ تريدون التدخل في السياسة أو الاعتزال؟ الحكومات تقول اعتزلوا، الغرب يقول عليكم الاعتزال، الخطط الأجنبية والمحلية في كثير من البلدان قائمة على قدم وساق من أجل إقصاء المسجد وتعطيل دوره في الحياة السياسية بالكامل، هل تشاركون في طرح الاعتزال للعلماء؟ قولوا لنا اعتزلوا.

أتريدون التدخل أو الاعتزال؟ التدخل له ضريبته على العالم وعلى المجتمع.

 2- أتريدون النطق المشروط أو الحر؟ قد يقول المجتمع للعلماء: انطقوا، قولوا كلمة الحق، تدخّلوا ولكن بشرط أن توافق كلمتكم وموقفكم توجه الرأي العام أو النخبة المثقّفة.

 اعرضوا هذا الشرط على الله، على رسوله  (ص)، على الكتاب، على السنة، أمير المؤمنين (ع) لم يوافق على البيعة بشرط التقيّد بمسيرة الشيخين.

يا عالم انطق، وتدخّل، ولكن لا تخالف رأينا، أشرط معقول؟ يرضاه عاقل؟ يرضاه دين؟ لا تخالف شرع الله، هذا شرط صحيح.

اقتراحُ النطق المشروط مرفوض من قبل العلماء، ولسنا مع خيار الحكومات، وعلى العلماء أن ينظروا إلى الحكم الشرعي وما يقتضيه؛ اقتضى السكوت فعليهم أن يسكتوا، اقتضى النطق فعليهم أن ينطقوا.

 هكذا إذا استطعنا الانسجام مع ديننا.

الحكم الشرعي هو المنظور، وهو الحاكم، ومع تقديري لصفوف المؤمنين ولجماهير الأمة إلا أننا لا يكون لنا وزن ولا شأن عند الله حتى نذعن لتشريعه.

 خطبة الجمعة (212) 11 شعبان 1426هـ الموافق 16 / 6 / 2005 م لمن حق الفتوى للأغلبية أم غيرها ؟ هناك نوعان من القضايا؛ نوع خاص يرتبط بالفرد، ونوع عام يرتبط بالمجتمع.

 والناس مسلمون وغير مسلمين، والذين في إطار الإسلام مسلمون وإسلاميون -إذا صحّ التفريق -؛ مسلمون عقيدةً ولكن لا يتقيدون بالإسلام، وإسلاميون مسلمون على كل الأصعدة ويرون أن حياتهم لابدّ أن تتقيّد في صغيرها وكبيرها بالإسلام.

 والإسلاميُّ أيها الأخوة لا يُفتي نفسه في شؤونه وقضاياه الخاصة ما لم يكن مجتهدا فضلاً عن أن يفتي غيره وفي مسائل الشأن العام، أليس كذلك؟ ولكني أقرأ وأسمع وتصلني بعضُ الرسائل التي لا تشرح الموضوع الخارجي فحسب، ولا تكتفي بإعطاء وجهة نظر في الموضوع الخارجي وإنما تُثبت الحكم مع ذلك وتفتي لي ولغيري من شاب كريم أحترم فيه إيمانه ووعيه وغيرته لكن لا أُعطيه الحق في أن يفتي في حقي وفي حق غيري، وهو بإسلامه لا يعطي لنفسه الحق في ذلك.

الإسلاميون الأعزاء المخلصون والغيارى قد يقعون في خطأ وهم يُفتون فتاوى جماهيرية وإن لم تكن باسم الفتوى.

 أنت حين تُشخِّص الموضوع المرتبط بالشأن العام وتُصدر الرأيَ المتناسب مع تشخيصك، وتُوجّه الجماهير إلى هذا الرأي، وتدفع بهم دفعاً للأخذ به، فماذا تفعل؟ أنت هنا تفتي وتعمل على تنفيذ فتواك، سمّيتها فتوى أو لم تسمها.

 للكلِّ أن يُنظّر، أن يُعطي وجهة نظره في الموضوعات الخارجية، ولكن بحيث لا يرقى بالأمر إلى حدّ أن يدفع بالناس دفعاً حثيثاً في اتجاه ما يراه.

هناك مسائل يكفي فيها أن تعرف الحكم الكُلّي وفتوى الفقيه وأن يتشخّص عندك الموضوع فتعمل بالفتوى، وهناك أمورٌ لا تكفي فيها الفتوى بل تحتاج إلى حكم ولائي والممارسات القائمة تتجاوز حدّ الفتوى إلى ما يرقى إلى حدّ الحكم الولائي.

هل هناك فرق بين القرار السياسي والخطاب السياسي؟ في قناعتي لا يصحّ للخطاب السياسي أن يُشرّق، وللقرار السياسي أن يُغرّب، ولا أن يصعد أحدهما إلى السماء، وأن يغوص الآخر إلى عمق التراب.

ولكن مع ذلك لا يُطلب للقرار السياسي أن يتشّبع بكل خصوصيات الخطاب السياسي، ولا يلزم أن يبلُغ طموحَه، وإلا لكان الإسلام كاملاً على الأرض لأول يوم من دولة رسول الله(ص) التي كانت خطاباتها خطابات عالية، ولكانت الدولة في بداياتها بمستوى الثورة في نهاياتها من حيث الطموح وبُعد الطرح.

ولست تجد على الأرض دولة تكون من أول يوم في مستوى طموح الثورة والخطاب.

وللخطاب وظائفه الخاصّة، ومعالجاته والتفاتاته ومسؤولياته، وللقرار مسؤولية أخرى، وخصوصية أخرى.

فلابدّ من فرق.

هل يقال كل شيء بحجة أن الكلمة كلمة حق؟ أقول: كلمة الحق من أجل خدمة الحق، وكلمة الحق عند سلطان جائر من أفضل الجهاد لما تُصلحه من أمر الحق.

ولا يكفي لأن أقول الكلمة بأن أعرف أنها كلمة حق ما لم أعرف أنها كم ستنفع الحق أو تضرّ الحق.

إذا كان في كلمة الحق إجهازٌ على الحق حرُمت.

هل السكوت على كل المطروح إقرار وعجز؟ نسمع الكثير ونقرأ الكثير ويصلنا الكثير، ولكني شخصيا قد أسكت، وخطأٌ أن يُفسّر السكوت بأنه إقرار لكل ما يطرح أو أنه عجز عن الردّ على ما يطرح، ولي حكمة في السكوت تتصل بمصلحة هذا المجتمع ولمقتضيات الإيمان والإسلام.

سيُطالب العلماءُ الناسَ بأن يُتّبعوا إذا طالبهم الناس بأن يتحركوا، على أنّ تحرّك العلماء واجب طالبهم الناس بذلك أم لم يطالبوهم، ولكنّ التحرّك الذي يدفع إليه الناسُ يكتب على الناس أن يُعطوا وعداً صادقاً بالاتّباع، ولا تُطالبني بأن أتحرك وأنت تقول لي حين يختلف رأيي مع رأيك اذهب وحدك وأني أقف ضدك.

 إذا كان القرار – أقولها صراحة – بالأغلبية فمن يُطالَب بالمواقف هم الأغلبية، ومن يتحمل المسؤولية هم الأغلبية سواء كانوا أغلبية جمعية أو أغلبية مجتمع وما إلى ذلك.

إذا كان رأي العلماء سيبقى محكوماً بأغلبية جمعية أو أي أغلبية أخرى فالعلماء لا يتحملون المسؤولية، وإنما الذي يتحمل المسؤولية ويُلام بعد ذلك هم الأغلبية، وإشعار الناس العلماء بأنهم معهم مع التخلف في الموقف العملي تغرير وخيانة ومضرة للدين والمجتمع.

ورأي الأغلبية في ساحة الفتوى وفي ساحة الحكم الولائي محتاجة إلى مراعاة الفتوى وإلى مراعاة الحكم الولائي ولا يقوم رأي الأغلبية مقام الفتوى ولا مقام الحكم الولائي.

ولو كان خطأ في قرار الأغلبية فلن يتحمله ابن التاسعة عشر عند بروز العاقبة وإنما سيتحمله العالم المُتابع، وأنا لست مستعداً أن أتحمل تبعة قرار الأغلبية لتخرج الأغلبية بسلامة ويتحمل أمثالي المسؤولية بكاملها أمام الناس وأمام الله الذي هو المنظور الأول إن شاء الله.

وأذكر للأخوة العاملين (حفظهم الله وباركهم وأيدهم وأعزهم) بأن الواقعية بلا مثالية ولا رسالية كفر، وبأن المثالية بلا واقعية على الإطلاق خيال، والصحيح هو الواقعية المحكومة للرسالية ومن أجل المثالية.

والإسلام وسيرة أهل الهدى والعصمة  (ع) ثرّان بالدروس في هذا الموضوع، فلقد كان رسول الله (ص) يجمع في منهجه بين المثالية والواقعية وكل معصوم من المعصومين (ع) يجمع في منهجه وفي سيرته بين المثالية والواقعية.

خطبة الجمعة (211) 4 شعبان 1426هـ الموافق 9 / 9 / 2005 م مقام المرجعية ومقوماتها :

 1- مقام المرجعية : نتحدث عن مقام المرجعية الحقيقية، ومقام المرجعية الحقيقية التي تتوفر على مقوماتها بصورة جيدة، هو أنها تقع في المرتبة الثالثة في سلم المراتب المعنوية الكبرى على المستوى البشري، فالنبوة والرسالة، ثم الإمامة، ثم المرجعية.

 2- مقوماتها: أمَّا مقومات هذه المرجعية فمنها ما يأتي بصورة عابرة : أ- الاجتهاد المطلق من الوزن العلمي الثقيل، وليس كل من أجاد استنباط بعض الأحكام كان مجتهداً مطلقاً.

 ب- فقه الدين بعقيدته، ومقاصده، وأخلاقيته، وأبعاد شريعته، وتربيته، واتجاه سياسته ومجمل أبعاده.

 ج- عقليةٌ ونفسيةٌ صالحة، من صناعة الدين، وإيمان معمق متركز بالإسلام.

 د- روح تضحيةٍ وفداءٍ صادقٍ لدين الله، وإخلاص لوجهه الكريم.

هـ- واستغناء بالله عن ما في أيدي الناس، وتقوى ثابتة، وترفع عن الدنيا.

 و- أخلاقية العطاء الواسع والاحتضان الحار الصادق للأمة وضعفائها وانصهار في مصالحها وآمالها وآلامها.

 ز- خبرة عملية، ونظر موضوعي ثاقب، وتجربة ميدانية محنكة.

 ح- إشعاعٌ روحي واسع الدائرة.

هذه بعض مقوماتٌ لا بد منها في المرجع الحقيقي وهو يقوم مقام الإمام المعصوم في غيبته.

 3- علاقة المرجع بالأمة: رمز عزها وكرامتها وهويتها وأصالتها وانتمائها، وضميرها من ضميره، ووعيها من وعيه، وإرادتها من إرادته ما دام يستمد ذلك كله من كتاب الله وسنة رسوله(ص) والمعصومين (ع).

 فأذاهُ أذاها، وإهانته إهانتها، والتعدّي عليه تعدٍّ عليها.

 فمن اعتدى على مرجع لمئات الألوف فقد تعدى على مئات الألوف، ومن تعدّى على مرجع الملايين فقد تعدى على الملايين، على أن المراجع الحقيقيين هم مراجع للأمة بكاملها وإن كان تقليدهم دون ذلك.

الرسم التمثيلي (الكاريكاتير) الذي طالعت به (الأيام) قُرَّاءَها يوم الاثنين السابق قد تعمد الإساءة إلى مقام المرجعية الدينية العالي، بصورة مستنكرة، وهذا ما فهمه القراء حالاً وبادروا إلى استنكاره، وهذه العفوية في الفهم دليل في المقام لا يمكن رده أو مناقشته.

وهذا العمل الساخر فيه استفزازٌ كبير لضمير المؤمنين، ونيل من كرامة الدين، وتطاولٌ سافرٌ على مقام المرجعية الذي يهدد التطاول عليه بالتطاول على مقام الإمامة والرسالة، فليس بعد أن يهون مقام المرجعية العليا إلا أن يهون مقام الإمامة ثم الرسالة.

 تتجه السياسية والتربية الرسمية وقسمٌ من الصحافة في كثير من البلدان الإسلامية في هذه الآونة من التاريخ، إلى تسليط عوامل التعرية والنحت والخلخلة للحس الديني في النفوس بصورة منتظمة ومتكاملة ومستمرة، تتخلل هذه العملية الثابتة امتحانات متدرجة في الصعوبة وقوة التحدي للشعور المؤمن لقياس مدى النجاح الذي حققته العملية المستمرة المعادية للدين والآثار السلبية التي تسببت فيها عوامل النحت والتعرية والتخريب، والتآكلات التي أصابت الغيرة الإسلامية والحس الإيماني في نفوس أبناء الأمة.

ما طالب به المؤمنون جريدة الأيام ووزير الإعلام من الاعتذار عن الإساءة البالغة للمرجعية الدينية العامة والأمة المؤمنة، سيكون التخلف عنه لوناً من التعامل مع هذه القضية باستخفاف مؤلم جداً.  

ويُنتظر من المؤمنين الالتزام التام الدقيق بما ارتآه المجلس الإسلامي العلمائي من مقاطعة الصحيفة المذكورة في المدة المقررة وهي ثلاثة أشهر منذ إعلان المجلس، إثباتاً لجدّية الرفض لهذه التعدّيات الشائنة على مقدسات الأمة والتحديات الاستفزازية لضميرها.

خطبة الجمعة (206) 24 جمادى الأول 1426هـ – 1 يوليو2005م

الهوامش والمصادر

  • (1)كتاب حوارات حول ولاية الفقيه مع الشيخ مصباح اليزدي ص 11 (بتصرف).
  • (2)سورة يونس(ع)، الآية 14
  • (3)سورة الأحزاب، الآية 72
  • (4)كمال الدين وإتمام النعمة، ج2 ص 484 باب التوقيعات.
  • (5)سورة الإنسان، الآية 3.
  • (6)سورة النساء، الآية  59.
  • (7)سورة الحشر، الآية 7.
  • (8)وسائل الشيعة، كتاب القضاء
  • (9)أصول الكافي ج1
  • (10)كمال الدين وإتمام النعمة، ج2 ص 484 باب التوقيعات.
  • (11)كتاب الحكومة الإسلامية للإمام الخميني(قده) ص104.
  • (12)أصول الكافي ج1 ص 67.
  • (13)كتاب القيادة في الإسلام ص44.
  • (14)كتاب المرجعية والقيادة للسيد الحائري، ص139.
  • (15)سورة الأعرف، الآيات 120- 124.
  • (16)سورة الأعراف، الآية 150.
  • (17)سورة البقرة، الآية 247.
  • (18)سورة مريم، الآية 12.
  • (19)ميزان الحكمة، للريشهري، ج7، ص2699.
  • (20)روضة الواعظين، الفتال النيسابوري، ص 183.
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى