الشخصية التغييرية للرسول الأكرم (ص)

بسم الله الرحمن الرحيم، بارئ الخلائق أجمعين، مغيِّر أحوال جميع المخلوقين، إنَّ أي تغييرٍ أو تبديلٍ يسعى له أيّ أحدٍ لابد أن يراعي فيه كل الحيثيات التي لها مدخليةٌ في عملية التغيير(1)والإصلاح.

الأسس النظرية: والتغيير:هو عملية قلب أو تبديل واقعٍ معينٍ لواقعٍ آخر مخالفٍ له، سواءً كان التحوّل كلياً أم جزئياً، ويتقوم التغيير بثلاثة عناصر وهي: (المغيِّر، والمغيَّر، والمغيَّر فيه)، وسنشرحها بالتفصيل فيما يلي: أ- المغيِّر:وهي المجموعة أو الشخص الذي يحمل على عاتقه الحركة التغييرية وله تأثيرٌ واسعٌ في نجاح العملية وعدمه.

 وينبغي أن يتوفّر على صفاتٍ خاصةٍ ومنها:

 1- القوة والتميّز -ولو نسبياً- في الشخصية:وذلك في جوانب متعددةٍ، فلو كانت شخصية المصلح هزيلةً وضعيفةً فلا يعقل أن يأثر في الآخرين، بل هو بحاجةٍ إلى تغييرٍ إنمائيٍّ للصعود (وفاقد الشيء لا يعطيه).

 2- التوفر العلمي:الذي يؤهله أن يكون مغيِّراً وقيادياً مصلحاً.

 3- أن يكون على اعتقادٍ جازمٍ بصحة ما يدعو له و يحاول التغيير إليه؛ والذي يحتّم عليه أن يكون قدوةً عمليةً بمعتقده النظري، وإلا فلن يؤثّر في الآخرين {أَتَأْمُرُوْنَ النَّاْسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ}(2).

 4- التخلُّق بالأخلاق الفاضلة:التي يمكنه من خلالها جذب واحتواء الآخرين والنفوذ في قلوبهم بها، والذي يسهّل عملية التغيير جهداً ووقتاً.

 5- أن يتبع الأساليب المقرِّبة و المحبِّبَة:فالأسلوب جزءٌ من الفكرة وصورتها، ولكل مرحلةٍ من مراحل التغيير أسلوبها الخاص، ولكل مقامٍ أسلوبه الخاص به.

 6- أن تكون له سمعةٌ حسنةٌ سابقةٌ على إقدامه للإصلاح، والتي لها مدخليةٌ للحصول على درجةٍ عاليةٍ من القبول في الوسط التغييري.

ب- المغيَّر:(ما يقع عليه التغيير) فالمغيِّر لابد له من شيءٍ يغيِّره ويصلحه، ويكون ذلك في أي قضيةٍ من القضايا المهمة التي منها:(الفكرية، العقائدية، الدينية، الاجتماعية، الاقتصادية… ).

والتغيير نوعان: – تغييرٌ مؤقتٌ:وهو تغيير المسار وتوجّه العملية التغييرية كحالةٍ مؤقتةٍ تدوم بدوام أسبابها وظروفها، وبمجرد ارتفاع هذه الظروف أو اختلالها تعود الشخصية أو الفئة إلى طبيعتها الأولى، أي ينتفي التغيير.

– تغييرٌ جذريٌّ في العقلية:وهو التغيير الجذري لا النسبي الذي يجعل العملية التغييرية طبيعةً مستجدّةً ومختلفةً وفاعلةً في النفس وملتصقةً بها، وهو المؤمل إنجازه في كل مهمةٍ تغييريةٍ ناجحةٍ.

 و كل هذا خاضعٌ لقاعدةٍ عامةٍ أقرّها القرآن الكريم، ألا وهي قوله تعالى:{إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَاْ بِأَنْفُسِهِمْ}(3).

 جـ- المغيَّر فيه:(وهو المكان الذي يقع التغيير فيه) وقد يكون شخصاً أو مجتمعاً -صغيراً أو كبيراً- أو أمةً من الأمم أو عالماً بأسره، وتختلف قدرة نسبة التغيير ومقدّراته من فئةٍ لأخرى، وهذا راجعٌ لعدة أسبابٍ منها:

 1- المستوى الفكري والثقافي، أي الأسس و المبتنيات الفكرية لتلك الفئة.

 2- الطبيعة الفسيولوجية والبيولوجية لإنسان تلك الفئة.

3- مدى الانفتاح والانغلاق الفكري والتقوقع الفئوي.

 4- العادات والتقاليد والأعراف.

 5- مدى تمسّك هذه الفئة بما يراد تغييره. الدراسة التطبيقية: وهي إسقاط وتطبيق الكبرى -وهي الأسس النظرية- آنفة الذكر على أكبر وأعظم عمليةٍ تغييريةٍ يمر عليها التاريخ البشري، وهي بزوغ نور الدعوة الإلهية الربانية على يد نبيّ الإسلام الأعظم النبي محمدٍ(ص).

أ- المغيِّر:هو المصلح العالمي، وهو أعظم مخلوقٍ ظهر على صفحة الوجود، وهو منقذ البشرية ومخرجها من الظلمات إلى النور، ولو تكلمنا ولو كتبنا فيه فإنا نعجز ولن نصل إلى حقيقته وماهيته العظيمة(ص).

 وخصائصه وصفاته عظيمةٌ جداً، فمَن سنّمه الباري الحكيم عزّ وجلّ أعظم وسامٍ أخلاقيٍّ و خُلُقيٍّ في الآية الكريمة{وَإِنَّكَ لَعَلَىْ خُلُقٍ عَظِيْمٍ}(4)، فكلامنا عنه لا يؤثر شيئاً وإنما للاستزادة والبركة.

 وإنه(ص) نبي الرحمة {وَمَاْ أَرْسَلْنَاْكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}(5)، فكان رحيماً لأقصى درجات الرحمة بأمته وأصحابه {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيْظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ}(6)، ومن ذلك شواهد كثيرةٌ: – عنه(ص) قال:(ما أوذي نبيٌّ مثلما أوذيتُ)، ولكنه من رحمته وشفقته لم يدعُ على أمته -كما فعل الأنبياء السابقين(ع)- بل كان يدعو لها كقوله(ص):(اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون)(7).

 – إنه(ص) -كما ينقل المؤرخون- حينما حضرته الوفاة وفي حال نزع روحه الطاهرة قال لملك الموت (عزرائيل-ع-):(شدِّد عليَّ وخفّف على أمتي)، ومثل هذا تشير له الآية الكريمة من رأفة ورحمة النبي(ص):{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوْلٌ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيْزٌ عَلَيْهِ مَاْ عَنِتُّمْ حَرِيْصٌ عَلَيْكُمْ بِالمُؤْمِنِيْنَ رَؤُوْفٌ رَّحِيْمٌ}(8).

كانت شخصيته الفذة شخصيةً قويةً معروفةً بسمو روحها وكمال أخلاقها وضبط أفعالها، ولو كان شخصيةً نكرةً لاغتالته قريش والمشركين ولم يكن شيئاً مذكوراً وضاع دمه هدراً، وفيما لو كانت شخصيةً هامشيةً لَهمّشته واستفزته وتركته كبقية المدعين زوراً وكذباً.

كان(ص) ذو سمعةٍ حسنةٍ شائعةٍ قبل بعثته، ولُقِّبَ بِعِدَّةِ ألقابٍ صالحةٍ ومنها:الصادق والأمين.

 كان اعتقاده بما أُرْسِلَ به -وهي الرسالة الإلهية المتمثلة في الإسلام العظيم- اعتقاداً جازماً قوياً {قُلْ إِنِّيْ عَلَىْ بَيِّنَةٍ مِّنْ رَّبِّيْ}(9)، {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِيْ أَدْعُوْ إِلَىْ اللهِ عَلَىْ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِيْ وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}(10)، وهذا مما جعله لا يأبه بما قُدِّمَ له من ترغيبٍ أو ترهيبٍ، بل صبر على الظلم والاضطهاد والأذى من قريش والمشركين، ورفض كل العروض التي عُرضت عليه حتى قال لأبي طالب(ع):(يا عم! والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته)، وصبر مع أهل بيته والمؤمنين الأوائل ثلاث سنواتٍ في شعب أبي طالب لما (حاصرت قريش رسول الله(ص) وأهل بيته(ع) من بني هاشم وبني المطّلب في الشِّعب الذي يقال له شعب بني هاشم حتى أنفقوا كل ما لديهم وصاروا إلى حدّ الفاقة)(11).

 ب- المغيَّر:(منتهى الجهل وأقصى التخلف على كل الأصعدة) فجاء النبي(ص) وبدّل الجهل المستشري في عروق الأمة بالعلم، والضلال المتغلغل فيها بالهدى، والباطل المحض بالحق الصريح، والسقيم العين بالصحيح القلب والقالب من فكرٍ، وعقائدَ، وعاداتٍ وتقاليدَ، وتنظيم الأمة والمجتمع وو. جـ- المغيَّر فيه:هو المجتمع الجاهلي -وخصوصاً المكي- المتحجّر المتخلّف الذي كان متصفاً بصفاتٍ ومتمسّكاً بتقاليد وأعرافٍ تُنبئ عن مدى التخلف فيه على كل الأصعدة وفي جميع الجوانب: – العقائدية:من عبادة الأوثان والأصنام ووو.

 – العادات والتقاليد:المتمخضة من الجهل المدقع، من وأد البنات وانتشار أنواع الزيجات الخاطئة والفاحشة.

 – الاقتصادية:من رواج عملية الربا والاحتكار الفاحش اللذان نتج عنهما ومثيلاتهما الطبقية الاجتماعية والرقيق وو.

 – الاجتماعية:من انتشار التعصب القبلي الذي أدّى إلى حروبٍ طاحنةٍ، والتفكك الاجتماعي الناشئ من التفككات الأسرية الناجمة من العبث الجنسي والانحلال الخُلُقي والأخلاقي.

 من كل ما تقدم ندرك من هذه الخصال التي توفر عليها ذلك المجتمع الجاهلي أنه كان من الصعب جداً أن تُغيّر لو لا وجود شخصيةٍ كشخصية النبي الأعظم(ص) التي كان التسديد الرباني ملازماً لها، فالأساليب التي اتبعها(ص) في بداية بعثته المباركة كانت حكيمةً وذكيةً، ولا غرابة فإنه أحكم وأعلم من وُجِدَ على سطح الأرض، ومنها جعل الدعوة على مرحلتين ولكل مرحلةٍ نظمها الخاص: أ- الدعوة السرية:والتي دامت ثلاث سنين وتنبئ عن حنكةٍ كبيرةٍ، وحقق فيها:

 1- بناء الخلية الإيمانية الأولى التي عُدَّت القاعدة الأولى لبناء المجتمع الإسلامي آنذاك.

 2- إنذار الأقربين والمقرّبين لقوله تعالى:{وَأَنْذِرْ عَشِيْرَتَكَ الأَقْرَبِينَ}(12).

 3- التزام الكتمان قبل أن يصدع بالدعوة وذلك لضمان بقاء الإسلام بالعدد الذي كان يزداد شيئاً فشيئاً.

 4- ترسيخ الإيمان الصادق وتعاليم الرسالة لدى الخُلّص الأوائل.

 ب- الدعوة الجهرية:عندما جاء الأمر الإلهي {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ}(13)، امتثل(ص) لأمر الله فتحرّك صادعاً بثقةٍ مطلقةٍ وعزيمةٍ راسخةٍ متحدياً كل قوى الشر والشرك، وكابد هو وأصحابه المؤمنين الخُلّص إثر المواجهة العنيفة كل ألوان العذاب وصنوف المعاناة إلى أن فتح الله عليهم وانفرجت أمورهم وهاجروا الهجرتين، ثم ثبت كيان الأمة في يثرب وشيّدت المدينة المنورة، حتى أصبحت دولةً قويةً رصينةً راسيةً متجذرةً لا تهزّها الزلازل ولا تقلعها العواصف بقيادة الرسول الأعظم(ص) القيادة الشاملة الكاملة التامة التي كانت تدير الأمور بيد اللطف وتنظر إليها بعين الله سبحانه.

 الخاتمة: يجب أن يعي -في هذا العصر- كل مغيِّرٍ وكل مصلحٍ لاسيما العلماء وطلبة العلوم الدينية في ظل هذه الأجواء والظروف الحرجة والأوضاع الضاغطة التي عصفت وتعصف بالمجتمع الإسلامي، وتحت نير هذه التحديات الكبيرة والمتعددة والمتغيّرة التي يرزح المسلمون تحتها، والتي تهدّد نسيجه وكيانه وقيمه، وانطلاقاً من المسؤولية الإلهية، وأداءً للتكليف الشرعي، لابد أن ينبري العلماء مع ثلةٍ مخلصةٍ من المؤمنين لبلورة فكر الأمة وصياغة نهجها وحفظ خطها على طريق الله سبحانه.

 وينبغي أن يحملوا الرسالة بكل أمانةٍ وصدقٍ مع همّ المسؤولية في تبليغها على أتم الوجوه وفي الذود عن حياض الإسلام وحفظ بيضته والتركيز على أطر القيم التربوية والأخلاقية الإسلامية الأصيلة وهدي التعاليم العقائدية والرسالية.

 ويجب الوعي أكثر من أي وقتٍ مضى لنكتةٍ أساسيةٍ، وهي أننا نعيش اليوم ونشهد عهداً جديداً متطوراً متجدداً في شتى الأصعدة وأهمها الثقافي والاجتماعي، وهما اللذان تنصب عليهما عملية التغيير بالدرجة الأولى، فحريٌّ بنا في خضمّ هذه التغيرات المتسارعة في عجلة الزمن أن نعي الواقع الموضوعي بكل جوانبه وأبعاده وأنّه لم يعد هو نفسه واقع ما قبل 20 سنةٍ أو أقل أيضاً، ومن الطبيعي فإننا لا يمكن أن ننظر للمتغيرات الموضوعية والقيمية الحادثة عبر الأجيال ضمن سياقٍ واحدٍ، مع الالتفات إلى أن هذه المتغيرات بعضها يتّسم بالسلبية وبعضها لا يمثل حالةً إيجابيةً بنّاءةً، فنحارب الأول ونستفيد ونستثمر الثاني.

 وكل ذلك يعتمد على التشخيص الدقيق القائم على الشمولية في أخذ الصورة الواقعية للمجتمع المراد خوض العملية الإنمائية فيه.

 هذا لا يُنال إلا بعون الله وتوفيقه وتسديده، فنسأل الله تعالى أن يوفقنا ويسددنا وجميع المؤمنين إلى كل ما فيه خير وصلاح الدين والأمة والمجتمع، ونتضرّع إليه بأن يوفقنا للعلم والعمل الصالح، وأن يجعل أعمالنا خالصةً لوجهه الكريم، وأن يجعلنا من الممهدين لإمام زماننا أرواحنا فداه ولدولته العُظمى ثم من أنصاره وأعوانه والمستشهدين بين يديه وتحت لوائه.

 والحمد لله أولاً وأخيراً.

الهوامش والمصادر

  • (1) وإذ نعبّر بالتغيير فإنا نقصد به خصوص التغيير على نحو الأفضل ونحو الأحسن (تصاعدي) وليس أي تغيير والذي منه الهبوطي والصعودي.
  • (2) البقرة : 44.
  • (3) الرعد : 11.
  • (4) القلم : 4.
  • (5) الأنبياء : 107.
  • (6) آل عمران : 159.
  • (7) محمد| في القرآن : 60-65.
  • (8) التوبة : 128.
  • (9) الأنعام : 57.
  • (10) يوسف : 108.
  • (11) تاريخ اليعقوبي ص : 31.
  • (12) الشعراء : 214.
  • (13) الحجر : 94.
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

أضف تعليق

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى