أركان وأسس الحركة الإسلامية الرساليّة والواقعية والمثالية

أهمية البحث أهمية هذا البحث تكمن في أنّه يعطي خطوطاً عامةً للإنسان المؤمن الرساليّ فيما تُحتّمه الرسالة عليه وفيما تمليه عليه الوظيفة الرساليّة في مختلف الظروف والأوضاع، وأنّه: ما هو تكليفي الشرعي من خلال الفهم المتشرعيّ؟ وبعبارة أخرى: ما هو رأي الشرع في مختلف الظروف -لاسيّما على الصعيد السياسيّ- من خلال فهم أهل الشرع والمؤتمنين على الدين وهم العلماء والفقهاء؟ تمهيد تطرق سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم (حفظه الله) في بعض خطب الجمعة إلى بعض المصطلحات المهمة في حياة الأمّة وقياداتها وهي (الرساليّة، والواقعيّة، والمثاليّة)، ولتسليط الضوء على هذه المصطلحات يحبّذ التعرّف على الأجواء والظروف والتوقيت الذي طرحت فيه(1).

تعاريف المصطلحات الثلاثة فهمُ البحث فهماً صحيحاً متوقفٌ على معرفة مفرداته التي تدور محاوره فيها وحول معانيها؛ لأنّه إذا لم تتضح المعاني كان الاستيعاب قاصراً ومبتوراً مما يتسبب في الفهم الخاطئ الذي قد يُبنى عليه إشكالات أو مؤاخذات، فالمرحلة التصورية أهمّ من المرحلة التصديقية لتوقّف صحة الثانية على الأولى.

 وقد ذكر سماحة الشيخ في إحدى خطبه تعريفين لمصطلحين منها إذ كان البحث في تلك الخطبة حولهما فقط وهما (الرساليّة، الواقعيّة) أما (المثاليّة) فلم يذكر لها معنى حتى في خطبه الأخرى إما لوضوح معناها أو لاتضاحه من خلال السياق.

 أ- الرساليّة: أن تنطلق الكلمةُ والموقف من وحي الفهم والحس والمصلحة الرساليّة، وأن لا يُنظر إلى مصلحة الذات في غير ضوء مصلحة الرسالة(2).

 ‌ب- الواقعيّة: ذكر سماحة الشيخ أنَّ للواقعية أكثر من معنى تستعمل فيه فلا بدّ لمن أراد استعمالها أن يبيّن معناها؛ لأنّ إطلاق كلمة الواقعيّة من غير تحديد المعنى المقصود قد يخلق حالة من الضبابية في الرؤية، وإجمالاً في المراد، وبلبلة في الفهم، وقد يُبرَّر به ما لا يصحُّ تبريره(3)، وقد ذكر سماحته ثلاثة استعمالات لها: الأول: يمكن أن نسمّيها بـ(الواقعيّة الذاتيّة) وهي: التخلّي في موقع الكلمة والموقف عن القيم والرساليّة والمبدئيّة، والتركيزُ الكامل على النظر إلى مصلحة الذات المفصولة -رؤية وشعوراً- عن مصلحة الرسالة، والتعاملُ مع الواقع من منطلق مصلحة الذات، وهذه واقعيّة لا يقول بها مؤمن، ولا يُحمل قوله عليها.

 لماذا؟ لأنَّ المؤمن الحقيقي هو الرساليّ الذي تحكمه الرسالة ويراعي مصلحتها بعيداً عن مصلحة ذاته وأناه.

الثاني: ويمكن أن نسمّيها بـ(الواقعيّة الانهزامية) وهي: الاستجابة لضغط الواقع وإملاءاته، والتكيّف معه في أخطائه وسلبياته وانحرافاته انهزاماً أمام جبروته، وتبريرُ الكلمة والموقف بضغط الواقع في تنازلٍ عن مصلحة الرسالة، وطموحات الذات مع القناعة الفكريّة بهما -أي مع القناعة الفكرية بمصلحة الرسالة وطموحات الذات- وهذا قد يحدث لنا من منطلق الضعف الذي لا نشعر به.

 وحينئذ لا يكون المؤمن رساليّاً لأنّه لا رساليّة في الانسياق وراء الواقع المنحرف، والاستجابة بغير حساب لضغوطه وإملاءاته، والتكيّف المطلق معه، وإعفاء النّفس من عناء مواجهته، وطلب الرُّخص للموقف الانهزامي منه.

وكثيراً ما يخلط شعورنا المأسور للواقع، المذعور أمامه بين الواقعيّة الصحيحة وبين الاستسلام للواقع والانبطاح له.

وما أكثر ما تُملي علينا روح الاسترخاء، وروح الانتفاع الذي تشتهيه النفس من الواقع بأن نرفع شعار الواقعيّة، ونتحمَّس له، ونحوِّله ثقافة جماهيرية على مستوى الفكر والشعور والموقف العملي، مما يمثّل حال تخدير عام يهيمن على الساحة الإسلاميّة، ويفتح الطريق لكل مشاريع الهيمنة الأجنبية الجاهليَّة.

الثالث: ويمكن أن نسمّيها بـ(الواقعيّة الرساليّة) وهي: أن لا ينفصل طلب مصلحة الرسالة في بناء الموقف وإطلاق الكلمة عن دراسة الواقع وملابساته ومضادّاته وملاءماته، وكيفية التخلّص من ضغوطاته، وما تأذن به الرسالة من الاستجابة إليه من هذا الواقع مع الاضطرار وما لا تأذن، وما يتيسر من الآليات وما لا يتيسر، وما يمكن أن يؤجَّل على مستوى المعالجة، وما لا يمكن أن يؤجَّل، وما يمكن فعله، وما لا يمكن أن يفعل، وهذا معنى لا ينافي الرساليّة، وهي تتطلبه حفاظاً على مصالح الدين وأهله(4).

ج- المثاليّة: بما أنَّ سماحته لم يعرِّف المثاليّة، نذكر معناها اللغوي وبعده نحاول الاقتراب مما قصده سماحته من هذه المفردة مستعينين بالسياق، ذكر في المعجم الوسيط: المثاليُّ: وصف لكلّ ما هو كامل في بابه، كالخلق المثالي، واللوحة المثاليّة(5).

 وذكر في المنجد في اللغة: المثالي: الذي يتّخذ له مثلاً أعلى يستهديه، والشيء المثالي: هو الذي تُخُيِّر مثلاً يتمثل به، والمثاليّة: مذهب فلسفي ينكر حقيقة ذاتية الأشياء المتميِّزة من (أنا) ولا يقبل منها إلا الفكر(6).

ومن خلال سياقات استعمال سماحة الشيخ لهذه المفردة يمكن تعريفها بـ: أن يكون طموح الإنسان وهمّه تحقيق الفعل الأكمل في مجاله بحسب ما يراه وبما يعتقده صوابه من دون ملاحظة مقتضيات الواقع والرسالة ومراعاتهما.

وقفة مع حقيقة معنى الرساليّة أولاً: ينبغي هنا الوقوف على جذور مصطلح الرساليّة، وماذا يقصد به.

 لفظ (الرساليّة) كما يقول الصرفيون مصدر صناعي، فهو صفة تنسب إلى رسالة، ولكن إلى رسالة خاصة، فليس كل مَن نُسب إلى رسالةٍ ما يقال عنه رساليّ، إذاً فما هي هذه الرسالة الخاصة؟ وما هي أهدافها؟ وما هي أساليبها؟ ثانياً: ما هي الرسالة؟ المقصود من الرسالة هنا هي رسالة الله وهي المنظومة التشريعيّة الكاملة الموسومة باسم (الإسلام) التي جاء بها الأنبياء وختمها خاتمهم وأفضلهم النبيّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) وحفظها وأكمل مسيرتها الأوصياء (عليهم السلام) وخاتمهم بقية الله الأعظم (عجَّل الله تعالى فرجه الشريف).

 ثالثاً: ما هي أهداف الرسالة؟ يمكن أن نبحث حول أهداف الرسالة من مصدر الرسالة ومنبعها الأصيل وهو الكتاب العزيز والسنة الشريفة، ولكننا سنقتصر في ذلك على ما أورده سماحة الشيخ في إحدى خطبه(7)، التي تحدّث فيها حول أهداف الرسالة على مستوى القرآن الكريم دون السنة المطهَّرة: أهداف الرسالة:

 1- وحدة العالم: والمحور هو توحيد الله (سبحانه وتعالى)، ولا شيء يوحّد هذا العالم، ويرتقي به، ويعالج مشاكله كما هو محور التوحيد، وهذا موضوع بحث طويل لسنا بصدده.

 {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا}(8) وهو خطاب القرآن الكريم لكلّ العالَم، لكلّ الملل، لكلّ النّاس كذلك. «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا»(9) كما هي الكلمة عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله).

 2- الحرية المشتركة: {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ}(10)، وحين تنتهي الربوبيات الكاذبة، والطاغوتيّة في الأرض تكون حرية الإنسان الصادقة.

 نشر الرحمة على عموم العالم وفي كلّ الأبعاد من فكر، وشعور، من أوضاع نفسية، أوضاع فكرية، أوضاع عملية، أوضاع خاصة، أوضاع عامة {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}(11).

 الرحمة التي يحتاجها الإنسان ليست رحمة غذاء جسدي فحسب.

 إنّه يحتاج الرحمة في كلّ أبعاده، ومساحات حياته وحاجته لا يسدّها إلاّ فيض الله (سبحانه وتعالى) وتعاليمه، ومن ذلك الرسالة والرسول، والإمامة والإمام.

 {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}(12) فكر الرسالة، وموازين العدل الإلهي والقيادة من اختيار الله سبحانه أسس ضرورية لقيام حضارة إنسانية كريمة عادلة.

 وإنّه سخف، وإنّه عبث، وإنّه وهم وخيال أن تبحث عن حضارة إنسانية عادلة راقية وراءها فكر ساقط، وموازين مضطربة، وإمام هابط.

 3- التنمية البشرية: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ}(13) تنمية هذا الإنسان فكريا، شعوريا، روحيا، قلبيا، بأن يزكو، وينمو في كلّ أبعاد داخله النماء الصالح.

 هي التنمية البشرية الحقيقية، وهذا هو العمل الرسالي الكبير الذي يستهدف صناعة الحياة القويمة من خلال صناعة الإنسان القويم.

 {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا}(14).

 تقود القلوب، تقود النفوس، تقود العقول على الخطّ الواضح النّيّر الوضّاء.

 {اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ}(15) كلّ ما في الداخل من ظلمة تتبدل إلى نور، ومن ضعف يتبدّل إلى قوّة، ومن ضلال يتبدّل إلى هدى، ومن ضياع يتبدّل إلى ارتباط واضح، وإلى قدرة على توظيف هذه الحياة على الخطّ الصاعد لله (سبحانه وتعالى) {وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ}. 4

– الحفاظ على سلامة البيئة العامة: والتنمية البيئية وظيفة من وظائف الرسالات الإلهية {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}(16) وصلاح الأرض له بُعدان: الصلاح المعنوي بصلاح الإنسان، والبعد الثاني هو صلاح البيئة التي يعيشها الإنسان ويتعامل معها، ويحتاجها في استمرار قيامه بالدور الخلافي في الأرض.

 وفي الآية إعلاء من قيمة إصلاح الأرض، ومواجهة لعمل الإفساد.

{وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ}(17) وتجدون أنّ وظيفة الإصلاح والنأي عن الإفساد تربطها الآيتان الكريمتان بحالة الإيمان {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} وحالة الإحسان {إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} إنّه من الإحسان، إنّه من الإيمان، إنّه من دور الخلافة في الأرض الذي كلّف به الإنسان أن نصلح الأرض ولا نفسدها.

 {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}(18) لا بدّ من الرجوع إلى الخطّ الصحيح، خطّ القيم والتشريع الإلهي في كلّ التعاملات، خطّ الإعمار، خطّ إصلاح البيئة، والمحافظة على البيئة، ولذلك تأتي تجارب قاسية في حياة الإنسان تؤدّبه وترجع أو تقترب به إلى الخطّ الصحيح في التعامل الإيجابي العادل والحكيم مع البيئة وأخيه الإنسان.

{فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ}(19)، بناء علاقات إنسانية متينة تخلق بيئة موائمة لتقدم الإنسان واحدٌ من أغراض الرسالة، وسيلة من وسائل هذا البناء، وهي والأرحام تمتد من مسافة إلى مسافة، وتتّسع من مساحة إلى مساحة، فإذا كان الحفاظ على الأرحام واجبا، وعلى كلّ الناس فمعنى ذلك أن تقوم علاقات إيجابية متينة بين كلّ الناس تعمّ كلّ المجتمع الإنساني في محطيه الكبير.

 فالرسالة الإلهية من أهدافها أن تقوم علاقات إيجابية كريمة بين الإنسان وأخيه الإنسان، كما أنّ من وظيفة الرسالة أن تضع هذا الإنسان على خطّ هذه العلاقات عمليّاً.

رابعاً: ما هي أساليب الرسالة؟ كذلك هنا سنورد ما ذكره سماحة الشيخ في نفس تلك الخطبة حيث تحدّث فيها حول (الأساليب الرساليّة).

الأساليب الرساليّة: أما الأساليب فهي تتحرك في دائرة نظيفة ولا مكان للأساليب القذرة في العمل الإسلامي {وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}(20)، وهذا النهي يعمّ الأساليب، ويحدّد نوعية الأسلوب في العمل الإسلامي؛ يوافق على نوعية، ويرفض نوعية أخرى، تقول الآية الكريمة {يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} فالنأي عن الأساليب الساقطة، الأساليب القذرة، الأساليب الضارّة، الأساليب المحرّمة أمر دين، وهناك قاعدة لا يختلف عليها اثنان من المسلمين (لا يُطاع الله من حيث يُعصى).

ثمّ لا للانفعال {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(21)، ولو بحثت بصبر لوجدت الكثير مما يحدد دائرة الأسلوب في العمل الإسلامي (وذكر سماحته في الهامش مضيفاً: وتقديم الأهمّ على المهم، ودفع الأضرّ بالضار عند التزاحم لا يمثّل استثناء من قاعدة الالتزام بنظافة الأساليب)(22).

 ما هو معنى الالتزام بالواقعيّة؟ قد يُشكل أحدنا: أننا يجب أن نعمل بقاعدة “التكليف الشرعي”، والتي تعني -حسب ما نفهم-: أنّك لا بدّ من أن تعمل بتكليفك مهما كلّف الأمر، ولا تنظر إلى حسابات الخارج المادية أو إلى ما سيؤول إليه الأمر؛ ولأنَّ التوفيق بيد الله، فما معنى قولكم: أن لا ينفصل طلب مصلحة الرسالة في بناء الموقف وإطلاق الكلمة عن دراسة الواقع وملابساته ومضادّاته وملاءماته(23)؟ الجواب: إنّ من واضحات الفقه ومن خلال سيرة المعصومين (عليهم السلام) أنّ الأحكام تابعة لموضوعاتها، وأنَّ الحكم يختلف باختلاف الموضوع، وأنَّ فعلية الحكم متوقفة على فعليّة الموضوع، وأنَّ الموضوع لا يتحقّق إلا بعد تحقّق شروطه، وأنَّ الظروف الموضوعية لها مدخلية في تحديد الموضوع، فلماذا يختلف الإمامان في الموقف من واقع معيّن فهذا يثور على السلطان الجائر وذاك يصالحه وآخر يكون له وليّاً للعهد؟ فما اختلافهم إلا لاختلاف الظروف؛ فالظرف له مدخلية في تشخيص الموضوع وتحديده وهذا يعني الالتزام بالواقعيّة والواقع الخارجي.

 وبعبارة أخرى: إنّ مصلحة الرسالة لا يحفظها إهمال النظر إلى الواقع وإيجابياته وسلبياته وفرصه ومنافذه، وما يمكن تجاوزه منه وما لا يمكن تجاوزه مع عرض نتيجة النّظر في الواقع على الرسالة والدين في استفتاء صريح موضوعي لها لترسم الموقف، بعيداً عن حالتي التهور والانهزام اللتين كثيراً ما تعتريان أنفسنا بمقدارٍ مُغرق ينبغي الاحتراس منه، ولا عاصم إلا الله.

والرسالة لا تُفتي أبداً بالاستغراق في الواقع المنحرف، والركون إليه، والمساعدة على إشادته وتثبيته، وإنما فتواها دائماً بالدرء منه، وتصحيحه بهذا اللون من الموقف أو ذاك، وبالصورة العاجلة الحاسمة، أو التدريجية، مع تقدير دقيق للأولويات، والتزام صادق بترتيبها(24).

 إذاً ما هي الوظيفة الرساليّة في جميع المواقف؟ الإنسان المؤمن: هو الذي تحكمه الرسالة، فهو رساليّ بالأصل، ولكن هل يمكن أن يكون رسالياً كيفما اتّفق؟ وبعبارة أخرى: هل الرساليّة تعني أن تكون دوافعه وظاهر أفعاله موافقة للرسالة فحسب؟ الجواب: لا؛ لأنّه لا يكفي أن يكون الإنسان رسالياً أن يظهر بعناوين رساليّة فحسب، لأنَّ الرساليّة الحقيقة هي التي تحكمها الرساليّة وتخضع لمعاييرها والتي منها مقتضيات الواقع، وأذكر للأخوة العاملين (حفظهم الله وباركهم وأيدهم وأعزّهم) بأنّ الواقعيّة بلا مثاليّة ولا رساليّة كفر، وبأنّ المثاليّة بلا واقعية على الإطلاق خيال، والصحيح هو الواقعيّة المحكومة للرسالية ومن أجل المثاليّة.

والإسلام وسيرة أهل الهدى والعصمة (صلوات الله عليهم أجمعين) ثرّان بالدروس في هذا الموضوع، فلقد كان رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يجمع في منهجه بين المثاليّة والواقعيّة، وكلّ معصوم من المعصومين (عليهم السلام) يجمع في منهجه وفي سيرته بين المثاليّة والواقعيّة(25).

وقفة مع هذه الكلمة: هذه العبارة القصيرة في كلماتها الكبيرة في معناها، التي تنبع من نظرة فقهية وتحليلية لسيرة المعصومين (عليهم السلام) بما يمثّلون من تشريع إلهي على المستوى العملي بالإضافة إلى المستوى النظري، وكذلك تنبع من خبرة ميدانية طويلة، لا بدّ من أن نتوقّف عندها ونتأمّل فيها ملياً.

قال (حفظه الله): “بأن الواقعيّة بلا مثالية ولا رسالية كفر”، يُحتمل هنا أن المقصود من الواقعيّة أحد معنيين إما الواقعيّة بالمعنى الأول وإما الواقعيّة بالمعنى الثاني -الذَين مرّ ذكرهما- وهما الواقعيّة الذاتية التي لا يمكن حمل كلام وفعل المؤمن عليها؛ وهي أن ينظر إلى مصلحة ذاته من دون مراعاة مصلحة الرسالة، والواقعيّة الانهزامية وهي أن ينهزم أمام الواقع المنحرف ويستسلم له ويقبله بانحرافاته.

وعلى كلا الاحتمالين يكون وصف الواقعي هنا بالكافر وارد؛ لأنَّ الكفر بالرسالة على الاحتمال الأول واضح، أمّا على الثاني فيمكن أن يضعف المؤمن وينهزم أمام الواقع المنحرف فيستسلم له وحينئذٍ لا يمكن القول بكفره النظري ولكنّه في ذلك الموقف كافر عملياً، فكما يقولون أنّ العاصي لا يعصي الله وهو مؤمن، لأنّه في لحظة المعصية ليس مؤمناً عملياً.

والأقرب أنّ المقصود بالواقعيّة هنا هو المعنى الثاني -أي الواقعيّة الانهزامية-؛ لأنَّ الخطاب لجماعة المؤمنين، إلا أنّ احتمال الأعمّ منهما ممكن جداً أيضاً بالنظر إلى الأعمّ من المخاطبين.

قال (حفظه الله): “بأنّ المثاليّة بلا واقعيّة على الإطلاق خيال”، واضحٌ أنَّ طلب كمال العمل من دون النّظر إلى مساحة الممكن من حيث دائرة العمل المتاحة له ومراعاة إمكاناته وطاقاته ضربٌ من الخيال والوهم؛ لأنَّه كمَن يطمح في الوصول إلى القمر وهو لا يملك قمراً اصطناعياً وغيره من مستلزمات السفر للقمر.

وقيد: (على الإطلاق) فيه إشعار بأنّنا لا نريد للإنسان أن لا يكون مثالياً ولا يكون طموحاً، وإنّما ندعوه دائماً إلى الواقعيّة وفي نفس الوقت إلى السعي إلى الحالة الأكمل والأفضل والأمثل.

قال رعاه الله تعالى: “الصحيح هو الواقعيّة المحكومة للرسالية ومن أجل المثاليّة”، بما أنَّ الخطاب للمؤمنين فإنّ المؤمن -كما قلنا- رساليّ بالأصل، إلا أنَّه لا يمكن أن ينفصل عمّا حوله وواقعه، ولكن إذا وقع التزاحم بين ما تتطلّبه رساليّة المؤمن وبين ما يقتضيه الواقع فأيّهما الحاكم وأيّهما المحكوم، واضحٌ أنّ الحاكمية للرساليّة على الواقعيّة، والحاكمية لا تساوق التقديم؛ يعني أنّ حاكمية الرساليّة على الواقعيّة لا تعني تقديم الرساليّة على الواقعيّة دائماً؛ لأنّ الرساليّة قد تقتضي تقديم الواقعيّة إذا رأت أن مصلحتها في ذلك، ولكن السؤال المهم: مَن هو الذي يشخّص الوظيفة الرساليّة عند التزاحم؟ سيأتي الجواب عليه.

 والإسلام والرسالة كما تأمر بالواقعيّة تأمر بالأخذ بالأمثل من الخيارات؛ لأنّ الإسلام دين الفطرة، والفطرة تدعو إلى الكمال، والكمال لا يحصل إلا بمراعاة مقتضى الحال، فالإسلام يأمر أن توظّف الواقعيّة في سبيل الرساليّة ومن أجل الوصول إلى المثاليّة.

قال (حفظه الله): “والإسلام وسيرة أهل الهدى والعصمة (صلوات الله عليهم أجمعين) ثرّان بالدروس في هذا الموضوع، فلقد كان رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يجمع في منهجه بين المثاليّة والواقعيّة وكل معصوم من المعصومين (عليهم السلام) يجمع في منهجه وفي سيرته بين المثاليّة والواقعيّة”، الدليل على ما مرّ من فقرات هي مصادر التشريع الإلهي، وبما أنَّ المسألة مسألة شرعية عملية فلا بدّ للاستدلال عليها من النظر إلى سيرة الشارع العملية، والنبي (صلَّى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) وقد بيّنوا لنا بما هم شارع من خلال سيرتهم العملية على ذلك، ولذلك شواهد عديدة يقرؤها المتتبع لتاريخ الإسلام من يومه الأول؛ فابتداءً من بداية الدعوة المحمدية المباركة سرية في مكة المكرمة وبعد اختلاف الظروف بإعلانها، مروراً بالهجرة إلى المدينة وإقامة الحكومة، ثمّ مهادنة اليهود وعقود التفاهم معها، ثمّ عقد الصلح مع مشركي قريش، ثمّ تتالي الغزوات والمواجهة العسكرية، كلّ هذا التغيّر والتبدّل في المواقف لا لشيء إلا لتغيّر الظروف والأوضاع داخل الإطار الإسلامي وخارجه لدى الأطراف الأخرى.

وهكذا سيرة ومسيرة أئمة الهدى من أهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام) فمواقف أمير المؤمنين (عليه السلام) المتباينة ظاهراً تجاه الخلافة بعد رحيل النبي (صلَّى الله عليه وآله) من سكوتٍ لربع قرن مع كلّ الفساد الذي كان يحصل في شؤون الحكم فضلاً عن أصل إقامته، إلا أنّه (عليه السلام) لم يرض أن يبق يوماً واحداً بعد تسلّمه الحكم والخلافة الظاهرية ومعاوية بن أبي سفيان متربّع على كرسيٍ يمثّل فيه الخلافة الإسلامية كوالٍ على الشام، حتى أعدّ جيشاً لمواجهته.

وبملاحظة مواقف الإمامين الحسنين (عليهما السلام) التي يرى فيها البعض تبايناً ظاهرياً من دون ملاحظة حقيقة المواقف وكنهها الذي يرتفع بمعرفتها ذلك التوهّم بالتباين الذي يمكن لنا من خلاله أن نحلّ معضلة كبرى بمعرفة أنّ المواقف مبنية على التشخيص الموضوعي للواقع وظروفه وملابساته.

ومن هنا نعرف لماذا لم يثُر أيّ إمام من الأئمة من بعد سيد الشهداء (عليه السلام)، وكذلك هو (عليه السلام) في فترة حكم معاوية ومُدَّ عشر سنوات إذ لم تكن الظروف والأوضاع تسمح له ولهم بذلك، وأنّه ما دام الإسلام محفوظاً بمقدار -من ثبات أصوله وتطبيق مجمل فروعه- فلا مسوّغ لإراقة الدماء.

التشخيص والترجيح بيد مَن؟ يتميّز مذهب أهل البيت (عليهم السلام) بالوضوح على المستوى الفقهي والفكري وكلّ المستويات، ومن أوضح واضحاته وضروراته أنَّ القيادة والرئاسة والإمامة من بعد رحيل النبي الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) هي لأمير المؤمنين (عليه السلام) ومن بعده الأئمة الأحد عشر (عليهم السلام) من ولده وخاتمهم الإمام الحجة المنتظر (عجَّل الله تعالى فرجه الشريف)، وهي قيادة ورئاسة في أمور الدين والدنيا، هذا في حضورهم.

 أمّا في غيبتهم -كما اليوم- فقد أمروا النّاس أن يرجعوا في الحوادث الواقعة إلى رواة حديثهم، وهم الفقهاء الصائنون لأنفسهم المطيعون لأمر مولاهم المخالفون لهواهم.

وتشخيص وتمييز الواقع والتوفيق بين أن يكون الإنسان في الوقت الذي يراعي الواقع هو محتكم للرسالة وهو بذات الوقت يُقدم على الفعل الأمثل، هذه القدرة الخاصّة على التشخيص والتمييز تحتاج إلى مواصفات خاصة وفهم خاص للدين، وليس كلّ من قرأ في الإسلام وقرأ شيئاً من سيرة المعصومين (عليهم السلام) كانت له القدرة على تشخيص المواقف وتمييزها وقدرة الترجيح؛ لأنَّ قراءته ناقصة وفهمه مبتور فإذا كانت المقدمات خاطئة فالنتائج كذلك -بلا أدنى شك- خاطئة، وإن أصابت فحكمها كحكم الخاطئة؛ لأنَّ الطريق لها لم يكن مشروعاً ولا مستنداً إلى حجة شرعية معتبرة عند الشارع، وقد ذكر سماحة الشيخ: مَن بيده التوفيق بينها وما هي شروطه: والتوفيق الدقيق بين المبدئيّة(26) والواقعيّة واحدٌ من الأمور التي استوجبت في إمام المسلمين بعد المعصوم (عليه السلام) شروطاً عالية، من الفقاهة(27) الشاملة الواعية المستوعبة لمساحة الحكم الشرعي، والبنية العامة للإسلام، ومفاهيمه ورؤاه، وأهدافه وأولوياته وأساليبه إلا واحدٌ منها.

فمع ذلك المستوى من الفقاهة: التقوى، والتاريخ النظيف البعيد عن الشبهات، والشاهد على النضج والإخلاص، والمبدئيّة وصحة الرؤية، والرصيد الضخم من التجربة والخبرة، والصلابة النفسيَّة، والفهم المتوازن للمبدئيّة والواقعيّة.

والإسلام يؤكد على المبدئيّة، ويأخذ بالواقعيّة وله نظرُهُ الدقيق الحكيم الواسع الذي يوظِّف الواقعيّة في خدمة المبدأ، ولا يجعلها تنال منه أو تتّخذُ منه مركبا لتحريفه، وتشويهه، والتلاعب به(28).

حين نخطئ الفهم: مسائل الدين حين لا يتقنها الإنسان، أو لا يستقيها من منابعها الأصيلة، أو يجتهد فيها من دون أدوات الاجتهاد يقع في متاهات ومنزلقات ومنحدرات ومنسحقات خطيرة؛ لأنّه يريد حينئذٍ أن ينفع باسم الدين فيضرّ، ويريد أن يهدي فيضلّ، وكلّ ذلك باسم الدين.

 التوظيف الخاطئ للرساليّة: فأحياناً يرفع شعار (الرساليّة) ويغلِّفه بعناوين كـ(التكليف الشرعي، والغيرة على الدين) وهو يعتقد بصحة ما يقوم به ومن حرقة داخلية، ولكنّه في الحقيقة كارثة على الدّين، وفي هذا لسماحة الشيخ حديث: كم حصد شعار الرساليّة والمبدئيّة والغيرة على الدين -والمفصولُ عن حسِّ الواقعيّة- مِن خَلْق، وضيَّع من مصالح، وأفسد من أمور، وأضرَّ بالدين، وسبّب من كوارث؟! يقول لك الرساليّ المندفع: هذا منكر، ولا بدّ من اقتلاعه، فتقول له: هذا صحيح، ولكنّك لا تملك أسباب اقتلاعه في يومين، وأسلوبك في اقتلاعه لا يقتلعه، ويحطِّم كلّ المصالح.

 إلا أنّ غيرته على الدين لا تسمح له بأن ينظر في الواقع، وتدفعه لتجاوز كلّ دلالات الواقع وحساباته، ليرى النتيجة غير رابحة، وأن تحرّكه قد أضرّ بالرسالة الضرر الكبير.

 وقد يقول لك: إنَّه التكليف.

 ولكن لا بدّ من أن يُفهم أنّ التكليف لا يتحوّل من إنشائيّته كما يعبِّرون إلى حال كونه تكليفاً فعليّاً إلا بتحقق موضوعه في الخارج، ومن تحقّق الموضوع أن يتحقق الشرط وعدم المانع.

نعم، قد يكون التكليف في بعض الأحيان مجرّد إظهار كلمة الحقِّ وإن غلا الثمن، ولم تتحقق نتائج غيرُ إظهاره، وذلك لئلا تسقط قيمة الدين بصورة أكبر.

 وقد تكون النتائج المنظورة للتكليف مستقبليّة بعيدة، والتضحيات حاضرة قريبة فلا يُعترض على التضحيات. يمكن أن تضحّي اليوم مرتقباً النتيجة بعد عشر سنوات، فالتضحية هنا مقبولة ومطلوبة.

(29) التوظيف الخاطئ للواقعيّة: وأخرى يتذرّع البعض ببريق عنوان الواقعيّة، وأمَّا شعار الواقعيّة فكم قَبَرَ من مصالح للإسلام، وأزهق من حقّ، وأحيا من باطل، وفتح الطريق للظلّم والقهر والعبث بالدِّين، وأذلّ المؤمنين وأعان عليهم، وجهَّلهم، وبلَّههم، واستغفلهم، وذيَّلهم، وكان العذرَ لكلّ قاعد ومتقاعد، وواهن ومتهاون، ومبهور بالدنيا وطامع؟! وهو شعار مسؤول عن خسارة المسلمين هويتهم وأصالتهم أمام الغزو الغربي الكافر وعن روح الانحلال الخلقي التي سرت في مجتمعاتنا، والتبذُّل المنتشر بين صفوف أبناء الأمّة وبناتها.

وكثيراً ما يخلط شعورنا المأسور للواقع، المذعور أمامه بين الواقعيّة الصحيحة وبين الاستسلام للواقع والانبطاح له. وما أكثر ما تُملي علينا روح الاسترخاء، وروح الانتفاع الذي تشتهيه النفس من الواقع بأن نرفع شعار الواقعيّة، ونتحمَّس له، ونحوِّله ثقافة جماهيريّة على مستوى الفكر والشعور والموقف العمليّ، مما يمثّل حال تخدير عام يهيمن على الساحة الإسلامية، ويفتح الطريق لكلّ مشاريع الهيمنة الأجنبيّة الجاهليَّة(30).

 ثمرات هذا البحث وبعض تطبيقاته: هذا البحث التأصيلي إسلامياً والذي يعدّ الخلفية الفكرية للمواقف السياسية للحركة الإسلاميّة والعلمائيّة في البحرين عند التمعّن في مفرداته جيداً سوف تُحلّ كثير من العُقد والإشكالات التي لم يتضّح للكثير حقيقتها شريطة التحلّي بالإنصاف ومعرفة الأسس العقائدية والفكرية للمذهب، ومن جهة أخرى سوف تزيد في عقيدة المتّبع للعلماء وأنَّ حركتهم ليست عشوائية أو تعيش حالة من الإرباك القائم على ردّات الفعل غير المدروسة، كما هي عليه حركة غيرهم.

ويمكن فهم بعض القرارات والمواقف التي اتخذها العلماء وعلى رأسهم سماحة الشيخ(حفظه الله وزاد في تأييده) -مع ملاحظة أنّ هذه الأركان تسري في جميع المواقف بلا استثناء- والتي منها على سبيل المثال لا الحصر: قرار التسجيل في قانون الجمعيات: وهذا الموقف بالخصوص تجلّت فيه بوضوح معاني هذا البحث حيث إن الموقف الرساليّ في وقت من الأوقات كان يقتضي مواجهة القانون والتمرّد من أجل إسقاطه وبشتى الوسائل والطرق(31)، إلا أنّه -أي الموقف الرساليّ- ينقلب ويتبدّل بتبدّل الظروف الموضوعية حيث بقيت جمعية الوفاق والعمل الإسلامي لم تسجّلا وعدم تسجيلهما بالخصوص هو الغاية والأمنية التي تتمنّاها الدولة كما صرَّح بذلك صلاح البندر الذي كان قريباً من مركز صنع القرار حينها وسمع تمنّيهم بعدم التسجيل لتبقى هاتان الجمعيتان تغردان خارج السرب وهنا تتحقق غاية المنى وهي: التهميش وإلى الأبد(32)، إلا أنّ القرار الحكيم لسماحة الشيخ كان صدمة للحكومة وخابت آمالهم -كما يقول البندر-.

قرار المشاركة في برلمان 2006م: فمع التسليم بأنّ توزيع الدوائر الانتخابية ظالم ومجحف، وأنّ التركيبة البرلمانية وقوانينه مضيّقة إلا أنَّ الواقعيّة المحكومة للرسالية والرساليّة الواقعيّة قد أوجبتا المشاركة من باب دفع الضرر المحتمل الذي يوجبه العقلاء على أنفسهم، وأن لا يكبَّل الشعب والإسلام بقوانين تصدر عن المجلس مع إمكان دخولنا فيه المحتمِل دفع الضرر عن الإسلام وأهله ولئلا نلدغ من جحر مرتين حيث صُوت بإقرار القوانين الجائرة التي صرنا ضحيتها في برلمانٍ لم نشارك فيه بمحض إرادتنا كقانون التجمعات الذي نعتقد بأنّ جذوره كانت في الميثاق، وقد أشار إلى ذلك سماحة الشيخ في محاضرة حول الميثاق قبل التصويت عليه في قم المقدسة عندما قارن بين دستور1973م والميثاق ويقول تحت عنوان «نشاط المجتمع المدني» -في كلٍّ من الدستور والميثاق مع المقارنة بينهما- ما نصّه:” -نشاط المجتمع المدني: نقرأ المادة (28) في الدستور في البند (أ-ب)، يقول: (أ) (للأفراد حقّ الاجتماع دون حاجة لإذن وإخطار سابق، ولا يجوز لأحد من أفراد الأمن حضور اجتماعاتهم الخاصة).

(ب): (الاجتماعات العامة والمواكب والتجمعات مباحة -هنا غير الدينية، النص السابق كان (المواكب الدينية) هناك ما هو أعم- وفقاً لما للشروط والأوضاع التي يبينها القانون على أن تكون أغراض الاجتماع ووسائله سلمية ولا تنافي الآداب).

أمّا في مشروع الميثاق ذكر عنوان: -نشاط المجتمع المدني: (تكوين الجمعيات والنقابات) وهو الشيء الذي تعرضت له الفقرة (2) في المادة (27) من الدستور؛ هذا المفاد في الدستور جاء تحت عنوان (المجتمع المدني) في مشروع الميثاق، أضاف الدستور للمادة التي سأقرأها وهي المادة المشتركة بينه وبين مشروع الميثاق، أضاف المادة (28) بفقرتيها السابقتين التي تتكلم عن الاجتماعات العامة والمواكب وما إلى ذلك… المادة (28) بفقرتيها لا ذكر لها في مشروع الميثاق، واقتصر مشروع الميثاق على مفاد هذه المادة.

(حرية تكوين الجمعيات والنقابات على أسس وطنية وأهداف مشروعة وبوسائل سلمية مكفولة؛ التي يبيّنها القانون ولا يجوز إجبار أحد على الانضمام إلى أي جمعية أو نقابة أو استمرار فيها)، هذا نص الدستور وهناك ما يقابله في مشروع الميثاق، مع إهمال ما يدخل في جوّ المجتمع المدني من القضيتين اللتين تطرحهما المادة (28) ببنديها (أ-ب)، وهذا تفاوت له دلالات مشكلة”(33).

الهوامش والمصادر

  • (1) تطرّق سماحة الشيخ في خطبتين سياسيتين من خطب الجمعة –بينهما فاصل زمني يقرب من السنة- إلى ثلاثة مصطلحات، في الخطبة الأولى منهما بَحَثَ مصطلحي (الواقعيّة والرساليّة) بحثاً شبه مفصّل، أمّا الخطبة الثانية منهما فلم يكن البحث حولها وإنما كان الكلام حول موقف سياسي عقّب عليه تعقيباً تأصيلياً ذكر فيه المصطلحات الثلاثة جميعاً… وتفصيل الكلام وتوضيحه: في خطبة الجمعة السياسية رقم (176) المصادف 13 شوال 1425هـ والموافق 26 نوفمبر2004م بحث سماحة الشيخ بحثاً حول مصطلحي (الواقعيّة والرساليّة)، وكما هو واضحٌ أنّ سماحته لا يطرح موضوعاً ليس له غاية أو ليس له ارتباط بالواقع الخارجي، مع مراعاته الدقيقة للأولويات والأهمية، وقد ظنّ قوياً بعض طلبة العلم أنَّ البحث كان موجَّهاً لأحد علماء البلد حيث كان حينها قد أجري لقاء صحفي من قبل إحدى الصحف المحلية معه حول دخوله في القضاء ثم المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية فعلل ذلك متذرّعاً بالواقعيّة؛ وأنَّ الإنسان لا بد من أن يكون واقعياً بحيث يخضع للواقع الموجود ويتكيّف معه وفي نفس الوقت هو يؤدّي وظيفته الرساليّة والشرعية، وأنَّه إن لم يدخل هو وغيره فمن يتصدّى لمثل ذلك. فكانت الخطبة العالية المضامين ردّاً واضحاً وصريحاً على هذا الفهم وما وافقه، وقد رفض سماحته الواقعيّة هنا، وأنّ الرؤية الشرعية أن لا يخضع ولايستسلم العالم وغيره إلى الواقع الفاسد. في خطبة الجمعة السياسية رقم (211) في 4 شعبان 1426هـ الموافق 9/9/2005م تطرّق سماحة الشيخ إلى المصطلحات الثلاثة معقّباً على ما اتّخذه من رأي حول قانون الجمعيات، وبعد أن أوضح رأيه السابق ورأيه الفعلي وقد اختلف الحكم لاختلاف الموضوع، وكان واضحاً في أنَّ الكلام موجّه لأحد طرفين قد اختلفا كثيراً حول التسجيل في القانون وعدمه. وقد دعا سماحته هنا للواقعيّة. يحبّذ مراجعة الخطبتين وقراءتهما قراءة كاملة بتأمّل.
  • (2) خطبة الجمعة رقم (176)، 13 شوال 1425هـ، 26 نوفمبر 2004م.
  • (3) خطبة الجمعة رقم (176)، 13 شوال 1425هـ، 26 نوفمبر 2004م.
  • (4) خطبة الجمعة رقم (176)، 13 شوال 1425هـ، 26 نوفمبر 2004م.
  • (5) المعجم الوسيط، ص854.
  • (6) المنجد في اللغة، ص747.
  • (7) خطبة الجمعة (317) 13 ربيع الأول 1429هـ 21 مارس 2008م.
  • (8) آل عمران: 64.
  • (9) بحار الأنوار ج18 ص202.
  • (10) آل عمران: 64.
  • (11) الأنبياء: 107.
  • (12) الحديد: 25.
  • (13) الجمعة: 2.
  • (14) الأحزاب: 45، 46.
  • (15) البقرة: 257.
  • (16) الأعراف: 85.
  • (17) الأعراف: 56.
  • (18) الروم: 41.
  • (19) محمد: 22، 23.
  • (20) النحل: 90.
  • (21) النحل: 125.
  • (22) خطبة الجمعة (317) 13 ربيع الأول 1429هـ 21 مارس 2008م.
  • (23) خطبة الجمعة رقم (176)، 13 شوال 1425هـ، 26 نوفمبر 2004م.
  • (24) خطبة الجمعة رقم (176)، 13 شوال 1425هـ، 26 نوفمبر 2004م.
  • (25) خطبة الجمعة رقم (211) في 4 شعبان 1426هـ الموافق 9/9/2005م.
  • (26) يستعمل سماحته هذا المصطلح بدلاً من (الرساليّة) والمقصود منهما واحدٌ.
  • (27) الفقاهة بهذا المعنى الواسع واحد من مرتكزات مطلوبة في إمام المسلمين بعد المعصوم (عليه السلام). (منه دام ظله).
  • (28) خطبة الجمعة رقم (176)، 13 شوال 1425هـ، 26 نوفمبر 2004م.
  • (29) خطبة الجمعة رقم (176)، 13 شوال 1425هـ، 26 نوفمبر 2004م.
  • (30) خطبة الجمعة رقم (176)، 13 شوال 1425هـ، 26 نوفمبر 2004م.
  • (31) راجع خطبة الجمعة رقم.
  • (32) المصدر (ش).
  • (33) حول: إصدار مشروع ميثاق العمل الوطني، قم المقدسة، الحسينية البحرانية 18-12-2000م.
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى