كلمة إلى رجال الله

أنتم وعوائلكم الطاهرة قدوة:

لا ينبغي السّماح للتَّرف والرّفاهية والتّلّهي – البعيدة وبحمد الله عن بيئة (رجال الله) – بالنّفوذ تحت أيّةّ حجّة إلى تلك المجموعة الطّاهرة والمُضحّية. ولا ينبغي لعزيمة طلاّب الحقّ أن تُزلزلها الوساوس. أنتم وعوائلكم الطّاهرة المُضحيّة لائقون بأن تكونوا قدوةً لكلّ الأشخاص الخدومين والأعزّاء، لذلك عليكم الحفاظ على هذه اللّياقة.

ممّا لا شكّ فيه، أنّ المظاهر الرّخيصة والبرّاقة لن تستطيع أن تُسقِط القامات الشّامخة لرجال الله في الحُفَر، وأن تُبدِل القيم الأصلية بالقيم التقليديّة والفارغة1.

العدو يعمل على إذابة البنية الإسلامية:

لدي شعور بأنّ الخطَّة الأساس لأعداء الجمهوريّة الإسلاميّة، هي العمل على إذابة بُنية الجمهوريّة الإسلاميّة، وهي مهمّتهم الأصلية.

ولن يستطيعوا القيام بأيّ شيء، طالما أنّ هذا التشكيل بهذه البنية وهذه العناصر القادرة موجود داخل النّظام بشكل طبيعي. إذا أرادوا المواجهة والمعارضة، فالحلّ الوحيد هو التخطيط لإذابة هذه البنية.

وإن استطاعوا ذلك، يمكن للضّغوطات السياسيّة، من قبيل مسألة الطّاقة النوويّة، أن تطيح بالنّظام، كما يمكن لهجوم عسكريّ، لا على نحوٍ واسع، بل على النّحو التّقليدي، الإطاحة بالنّظام والتّشكيل العسكريين أيضاً، في حال تمكّنوا من إذابة هذه البُنية الأساسيّة.

فما لم يستطيعوا تضعيف هذه البُنية والقوى المُكَوِّنة لها وإذابتها، فلن تقدِرَ أيّة ضغوطاتٍ أو قوى أن تَقهَر النّظام وتتغلّب عليه.

الانحلال الثقافي، التحدّي:

ما هو السّبيل الذي يسعى الأعداء من خلاله إلى إضعاف بنية الجمهوريّة الإسلاميّة؟ وفي الواقع ما هو العمل الذي يقومون به لكي تَفقِد الجمهوريّة الإسلاميّة بنيتها الأساسيّة؟

العناوين الأربعة الآتية، والتي لها بالطبع الكثير من الفروع والحواشي، تُشكّل البنود الأساسيّة لعملهم:
– الانحلال الثّقافي.
– الضّغوطات الاقتصاديّة المستمّرة.
– إيجاد تشكيلات سياسيّة واجتماعيّة داخل الدّولة خاضعة لنفوذ العدوّ.
– تعطيل العَضُد المُقتدِر والفعّال للنّظام.

الانحلال الثّقافي ليس بالعمل الذي يستطيع الأعداء إنجازه بسهولة. هناك غزو ثقافي – كما قلتُ قبل سنوات، والآن الكلّ يعترف بهذا الأمر- لكنّ الغزو لا يعني بالضّرورة الانتصار فيه. ممّا لا شكّ فيه، أنّنا تعرّضنا لضربات عديدة من جانب الأعداء في ميدان الغزو الثّقافي، إلاّ إنّ ذلك كان سبباً أيضاً في إيجاد حركات ونشاطات، لم تكن لتَظهَر في الأوساط النخبويّة وفي السّاحات الجامعيّة والحوزويّة لولا اليقظة والوعي لوجود هذا الغزو.

وعليه، فباستطاعة العدوّ الهجوم، ولكن إيجاد الانحلال الثّقافي في نظام الجمهوريّة الإسلاميّة عملٌ صعبٌ للغاية. وهذا هو هدف العدوّ، وهو يسعى لتحقيقه، ويستثمر الإمكانات لأجله بسخاء دون خجل، ويصرف الأموال علّه يستطيع القيام بهذا العمل.

هذه العناوين الأربعة، كلّ منها على حِدَة، يُسبّب لأعداء الجمهوريّة الإسلاميّة الكثير من الأعباء والمشاكل، لكنّهم يسعون لتحقيقها. في المقابل، علينا المواجهة في جميع هذه الجبهات، ونحن نقوم بذلك… هناك جهود طيّبة وحثيثة تُبذل في هذه المجالات لمواجهة محاولات العدوّ والتّصدّي لها.

النزعة الدنيويّة تودي بتاريخ الإسلام:

لقد رَسَم نفوذ القوى العظمى وتدخّلها السياسي والعسكري تاريخاً لمصير عشرات الملايين من أفراد شعوب منطقة الشّرق الأوسط، وتَرَك آثاره بشكلٍ أو بآخر على العالم أجمع…

إنّ أحد أعظم الموانع في هذه المنطقة هو روح النّهضة الإسلاميّة، والتي تُشكّل إيران نُواتها ومركزها.

علينا أن ندرك اليوم -كلُّ واحدٍ منا – هذا الأمر، وأن نعرف أنّ استسلامنا في مقابل الأهواء النفسيّة، طلب الدّنيا، الرّفاهيّة، واللّذات المُنحَطَّة والحقيرة، لا يعني أن يخسر شخصٌ ما هويّته فقط، إنّما نساهم – بحسب حجم تأثير كلٍّ منّا – في خسارة العالم الإسلامي، وخسارة منطقة عظيمة من العالم، وبالتّالي سنخسر تاريخ الإسلام. علينا الالتفات جيّداً إلى هذا الأمر.

لا تسمحوا أن يُبتلى الحرس بفقدان الدّافع. لا تسمحوا بابتعاد الحرس عن الرّوحيّة الثّوريّة والدّينيّة التي تُشكِّل المُكوِّنات الأساسيّة له. فمن وجهة نظري، تعدّ هذه من أهمّ المسؤوليّات والمهامّ المُلقاة على عاتق مسؤولي الحرس.

لا تتورّطوا بالانتفاع والتفكير المصلحي:

البذخ داخل تنظيم الحرس غير مرغوب فيه أبداً. كما أنّ الاستفادة الشّخصيّة للقادة – ‌أنتم بالذّات – والانتفاع والتفكير المصلحي أمور مرفوضة بالكامل. انتبهوا كي لا تتورّطوا، وكي لا تتلوّثوا.

قد يكون سماع هذه العبارات صعباً على بعض الآذان، لأنّهم يرون أشخاصاً في مجالات الاستفادة الشخصيّة يبذلون ماء وجوههم، وكلّ ما لهم من حيثيّة، ويبذلون شخصيّتهم وجهدهم الفكري والعملي للحصول على ربح مادّي حقير. في الواقع، هذا الأمر فيه الكثير من التحقير للإنسان المسلم، المجاهد، والمقاوم. هذا ما فعله أهل الدنيا على امتداد التّاريخ، استفادوا بمقدارٍ قليل، ثمّ تركوه بعد ذلك ورحلوا.

بالنسبة للأشخاص الذين يمتلكون فكراً راقياً، وآمالاً عظيمة إلهيّة وإسلاميّة، وتشرّفوا بالجهاد في سبيل الله، وتشرّفوا بالحضور في أهمّ ثورة تحمل راية الإسلام في هذا العصر وما زالوا، فإنّه لمن المُعيب بعد مرور هذه الأعوام، أن يسلكوا الطريق المعوج الذي سعى إليه طلاّب الدّنيا والمهووسون بها.

فالعزّة هي – وعندما ترون بعض الناس يتنازع على جيفة الدّني، وهم حاضرون لإنكار جميع الحقائق لأجلها- أن تقفوا وتنظروا باحتقارٍ لهذه الجيفة وتحفظوا أنفسكم من التلوّث بها. هذه هي العزّة، وهذا ما يُوجب الثواب الإلهي والأجر الإلهي، ويُورث العزّة الدنيويّة والأخرويّة، وثناء ملائكة الملأ الأعلى واغتباطهم. هذا ما يجب السّعي إليه.

ما له قيمة هو هذا الأمر.

إلاّ أنّه يجب أن أقول لكم أيضاً: أحياناً لا يُدرك الإنسان ولا ينتبه إلى أنّه يتحرّك في مثل هذا المسير الخاطئ، لذا يجب تنبيهه، والتحدّث إليه.

عندما نقول: البذخ، سيقول الكثيرون: كل، الحمد لله، نحن لا نسعى وراءه، إلاّ أنّهم في الواقع غير مُلتفتين. وإذا ما دقّقنا في طبيعة عيشهم يمكن ملاحظة إشارات ونماذج تدلّ على هكذا خطأ وهفوة في حياتهم، في حين يكون الإنسان نفسه غير ملتفتٍ لذلك.

هذا النوع من الهَفَوات والسَّقطات التي يقع فيها الإنسان، لا تظهر تأثيراته بسرعةٍ، بحيث تجعله ملتفتاً ومدركاً لها.

على أيّ حال، نسأل الله أن يحفظنا بالبصيرة من الانزلاق في المزالق التي سقط الكثيرون فيها.

عليكم أن تحفظوا الحرس بقدرته المعنويّة الخاصّة به. وهذه القدرة المعنويّة لا تحصل إلاّ بحفظ تلك الروحيّة التي تَشَكَّل الحرس على أساسها، عندها يصبح الارتباط بمعسكر الحسين بن عليّ عليه السلام ارتباطاً واقعيّاً، وتكون نوعيّة وقيمة انتسابكم لسيّد الشهداء أكثرَ واقعيّةً وفخراً من انتساب أبناء ذلك العظيم له، ‌لأنّ الكثيرين كانوا أبناءً حقيقيّين لأولئك العظماء، لكنّهم لم يعرفوا حقّهم، وأحياناً رفعوا السيف في وجههم، أو تحرّكوا بعكس حركتهم.

‌أسألُ الله التّوفيق لكم جميعاً2.

راقبوا قلوبكم وقلوب من معكم:

والأمل الوحيد لدى هؤلاء (الأعداء) هو زرعُ الشكّ بهذه المفاهيم والمبادئ في قلوب الناس، وقَبلَ الناس في قلوب مسؤوليهم…

فالنظام الذي يدّعي قيادة العالم الآن، وتقف على رأسه أمريكا، لا يترشّح عنه سوى الظّلم، وسفك الدّماء، وإهدار الحقوق، والتمييز، وأعمال العنف التي نظير له، ولا يمكنه أن يبرهن عن نفسه بأمرٍ آخر، ولا يمكنه إيجاد الثّقة في قلبِ أَحَد، لذا فَهُم يفتقرون إلى الاستدلال، وهم يحاولون من خلال الإعلام، وشراء الضّمائر، ورشوة هذا وذاك، زعزعة كيان النّظام الإسلاميّ من الدّاخل. فلا بدّ من الحذر إزاء ذلك. وليس ذلك مختصّاً بكم فقط، بل يشملنا جميع، وعلى كلّ منّا أن يراقبَ قلبَه بالدّرجة الأولى، ومن ثمّ قلوبَ مجموعته والمُرتبطين به.

حياة الدّعّة والرّفاهية تنبت الشّكّ:

إنّ القلوب المفعمة بالإيمان والبصيرة والمعرفة لا تُهزم ولا يعتريها الخوف أبداً.

بالنسبة لهؤلاء (الأعداء)، لا بدّ أولاً من زرع الشكّ في القلوب من أجل بثّ الرّعب والانهزاميّة والخنوع والمهادنة. وهذا الشكّ لا يَرِد دائماً عن طريق العقل، فأحياناً يدبّ عن طريق البدن، حيث إنّ الشّهوات والأهواء البدنيّة وحبّ المال “المال الفتون” – في الدّعاء الوارد في الصّحيفة السّجّاديّة “اللّهم حصِّن ثغور المسلمين”، هذا الدّعاء الذي كان الكثير من شبابنا يقرؤونه أيّام الجبهات، ورد فيه أن يُمحى عن قلوبهم خطرات المال الفتون3 – وطلب الجاه، والمقام، ورفاهيَة العيش والتّرف، كلّها من الأمور التي تُلقي الشكّ في قلب الإنسان وعقله من خلال بدنه وشهواته، فاحذروها.

إنّني لا أدعو أحداً للتحلّي بالزُّهد العلويّ، فالزُّهد العلويّ أعظم وأكبر من كلامنا وأذهاننا، لكنّني أدعو للقناعة، وأن لا تسمحوا للمطامع والمطامح أن تُباغتكم، فهذه تحتاج إلى المراقبة، فحبّ الدّعة والرّاحة والرّفاهية، أمورٌ تَترُك بالتّدريج آثاراً سيّئة على الإنسان، حيث لا يُدركها في بداية الأمر، فإذا همّ الإنسان بالحركة، سيجد أنّه لم يعد قادر، وإذا أراد العروج فلا يستطيع.

احرسوا العقول والقلوب والأذهان والإيمان بدقّة:

احذروا وحافظوا على جمعكم. احرسوا العقول والقلوب والأذهان والإيمان بدقّة. هذه هي وصيّتي الدّائمة. واعلموا في هذه الحالة، أنّه لا وجود لأيّ عاملٍ أو قوّةٍ تحت السماء يمكنها أن تقهركم. وهذه التّصريحات والحشود والتّهديدات التي تُمارَس ليست بالأشياء التي تَقوَى على أن تَقهَرَ شعباً مؤمناً – يَضُمُّ في أوساطه مجاميع صلبة مثلكم- أو أن تُلحِق الهزيمة بكم.

الهزائم تطال القلوب أولاً:

إنّ تأثير السّلاح المُدمِّر معروف، ولكن الهزيمة لا تَنزِل بأيّ شعب عن طريق ذلك، فالهزائم إنّما تطال القلوب أوّل، وعندئذٍ يُهزم البشر.

ففي بداية الحرب، كان بعضهم – بسبب قلّة الإمكانات التي كانت لدينا – يقول: “يجب مقابلة كلّ مئة دبّابة بمئة مثله، ودون ذلك يستحيل خوض الصّراع”. لكنّ هؤلاء الشّباب – وهم أنتم- أثبتوا عكس ذلك، فَلِمُقابلة كلّ مئة دبّابة يستلزم وجود مئة قلب، مئة إنسان مضحٍّ يضع روحه على كفّه. ولطالما تكرّر أن تَقَهْقَرَت مئات الدّبّابات أمام الشّباب البُسلاء ممّن كانوا يحملون سلاح “RBG”، أو سلاحاً مشابه، وبالتالي أفلحوا في دحر العدوّ الذي قَدِمَ مدجّجاً بما لديه من تجهيزات ودعمٍ دولي، والآن أخذوا يعترفون به شيئاً فشيئاً، فقد أُرغم على التقهقر والانسحاب خائباً ذليلاً إلى خلف الحدود.كان هذا التوفيق بفعل الاستبسال والإيمان، فلا بدّ من الحفاظ عليه جيّداً.

حافظوا على وحدتكم، فمن المآرب التي يطمع بها الأعداء وأشباههم زعزعة الوحدة داخل الحرس، فحافظوا على وحدتكم وتآلفكم، وإذا وُجدت هنالك خلافات ثانويّة في مِفصلٍ ما، فعليكم تنحيتها جانب، ونظِّمُوا جِهة مساركم، وامضوا إلى الأمام بكلّ شجاعة واقتدار متوكّلين على الله. فهذا واجبكم الأساس. وإنّ المحافظة على الثّورة إنّما تتحقّق من خلال هذا الطّريق4.

الفرق بين الإعمار والنزعة المادّيّة:

الإعمار هو ذلك العمل الذي كان يقوم به الإمام عليّ عليه السلام واستمرّ به إلى ما قبل خلافته – وربّما حتّى في عصر خلافته أيضاً، وإن كنت غير جازم به، أمّا قبل خلافته فهذا من المقطوع به – فلقد كان يزرع النّخيل بيديه، ويُصلح الأرض، ويغرس الأشجار، ويحفر الآبار، ويسقي المزروعات. هذا هو الإعمار. أمّا اللُّهاث وراء الدّنيا وطلب المادّة فهو عمل عُبيد الله بن زياد ويزيد، فهؤلاء ماذا قدّموا للنّاس وماذا صنعوا لهم؟ هؤلاء كانوا يخرّبون ويستهلكون، ويسرفون في الأمور الكماليّة الظاهريّة، وهنا ينبغي أن يُفرَّق بين هذين المفهومين.

اليوم، أغرق بعضُ الأشخاص أنفسهم، باسم الإعمار والبناء، في المال والدّنيا وعبادة المادّة، فهل هذا من الإعمار في شيء؟!

إنّ ما يُفسد مجتمعنا اليوم هو الانغماس في الشّهوة وفقدان روح التّقوى والتّضحية، تلك الروحيّة الموجودة في التعبويّين5.

مفتاح الخير، شذرات من عبق الإمام الخامنئي في الزهد والنزعة الدنيوية.


1- رسالة الإمام الخامنئي إلى المؤتمر الرّابع لقادة ومديري ومسؤولي الحرس، 16/09/1991.
2- كلمة قائد الثورة الإسلامية الإمام الخامنئي دام ظله في المؤتمر السّنوي لقادة وضبّاط الحرس الثّوري الإسلامي، 18/9/2004.
3- “وامحِ عن قلوبهم خطرات المال الفتون”، الصّحيفة السّجّاديّة، دعاء الثغور.
4- كلام الإمام الخامنئي مع المجاهدين، 13/09/2002.
5- لقاء مع جمع من قوّات التعبئة وقادة الألوية والفرق، 13/07/1992.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى