ثقافة

سقوط الخواص وزهد أعمى

ما أجود طلحة:

كان سعيد بن العاص من بني أُمَيَّة، ومن أقارب عثمان، وقد ظهر على الساحة بعد الوليد بن عقبة بن أبي معيط، ليصلح ما كان قد أفسده الوليد. ذاتَ يومٍ، قال رجلٌ في مجلسه: “ما أَجوَدَ طلحة!”. ولا بدّ أنّ طلحة كان قد وهب أحداً مالاً أو تكرّم على شخص، فقال سعيد بن العاص: “إنّ من له مثل النشاستج لحَقيقٌ أن يكون جواداً”، وكانت “النشاستج”1 ضيعةً كبيرةً ذات محاصيل وافرة قرب الكوفة، يملكها صحابيّ الرّسول طلحة بن عبد الله، الذي كان يعيش حينذاك في المدينة، ثمّ أردف قائلاً: “والله، لو إنّ لي مثله لأعاشكم الله به عيشاً رغداً”.

فلا ضير أن تقولوا هو جواد، أي “ما أَجوَدَ طلحة!”.

قارنوا هذا الوضع مع حالة الزُّهد في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والفترة الأولى ما بعد رحيله، ولاحظوا طبيعة الحياة التي كان يعيشها الأكابر والأمراء والصّحابة في تلك السّنوات، وكيف كانوا ينظرون إلى الدّنيا.

وقد وصلت الأوضاع بعد مضيّ 10 سنوات أو 15 سنة إلى هذا الحدّ.

أبو موسى الأشعريّ وبِغَالُه الأربعون:

المثال الآخر هو أبو موسى الأشعري والي البصرة، وهو الأشعريّ صاحب الموقف الشّهير في قضيّة التحكيم. صعد المنبر ذات يوم، وكان النّاس يستعدّون لإحدى الغزوات، فأخذ يحضّهم على الجهاد، وذكر أحاديثَ في فضل الجهاد والتّضحية. وكثير من النّاس لم يكن لديهم دوابّ يركبونها للذّهاب، وكلّ واحد كان عليه أن يمتطي جواده ويذهب، ولِحَثِّّهم على الذّهاب مُشاةً، بالغ في ذكر فضل الجهاد مشياً، فقال: إنّ له قدراً كبيراً وأجراً جزيلاً! فما كان من كلامه الحماسيّ إلاّ أن دفع بعضهم فتركوا دوابّهم، وقالوا: لنخرج رجّالة، لماذا الخيل؟! طمعاً في الثواب. “فَحَمَلوا عل فرسهم”2، أيّ نهروها وأبعدوها عنهم لأنّها تحرمهم من الثّواب. إلاّ إنّ جماعة آخرين من العقلاء فضّلوا التأمّل ومشاهدة حقائق الأمور، وقالوا: لا نعجل في شيء حتى ننظر ماذا يصنع، “فإن أَشْبَهَ قولُه فعلَه”، فعلنا كما يفعل.

جاء في نصّ عبارة ابن الأثير: “فلمّا خرج، أخرج ثِقله من قصره على أربعين بغلاً”3. كانت تلك ممتلكاته الثّمينة، وكان مضطرّاً إلى اصطحابها حيثما حلّ وارتحل، حتّى إلى ميادين الجهاد. فلم تكن ثمّة مصارف أو بنوك في ذلك العصر، والحكومات لا اعتبار لها، فقد يأتيه الأمر من الخليفة بعزله من منصبه وهو في ساحة الجهاد، وإن حصل ذلك فلا يمكنه الرجوع إلى البصرة وأخذ تلك الأموال، لذلك كان مضطرّاً لحملها معه، فحمل ممتلكاته الثّمينة على أربعين بغلةً إلى ميدان الجهاد!.

ولمّا خرج، جاءه قومٌ وتعَلّقوا بعنان فرسه، وقالوا: “احملنا على بعض هذه الفضول”، أَركِبنَا على هذه البغال الكثيرة، فقد خرجنا مشاةً، فما تلك الأشياء التي جلبتها معك إلى ميدان المعركة؟! “وارغبْ في المشي كما رَغّبتنا، فضرب القوم بسوطه، فتركوا دابّته… فمضى”4، ذهبوا وتفرقوا، إلاّ أنّهم طبعاً لم يتحمّلوا ذلك منه، بل ذهبوا إلى المدينة وشكوه إلى عثمان، فعزله. مع أنّ أبا موسى كان من صحابة الرّسول صلى الله عليه وآله وسلم، ومن الخواصّ والكبار أيضاً، وكان على مثل تلك الحال.

سعد بن أبي وقاص ونهب بيت المال:

المثال الثالث، هو سعد بن أبي وقّاص، الذي عُيِّنَ والياً على الكوفة. كان قد اقترضَ مالاً من بيت المال. وفي ذلك العصر لم يكن بيت المال بيد الوالي، وكانوا ينصِّبون الوالي للقيام بأمور الحكومة وإدارة شؤون النّاس، وينصِّبون شخصاً غيره للشّؤون الماليّة، وهو مسؤولٌ أمام الخليفة مباشرة.

وحينما عُيِّن سعد بن أبي وقّاص والياً على الكوفة، كان خازن بيت المال عبد الله بن مسعود، وكان صحابيّاً جليلاً. وبعد أن اقترض الأوّلُ من بيت المال بضعة آلافٍ من الدنانير- لا أَذكُرُ كم على وجه الدّقّة -، ولم يفِ بدينه ولم يردّه، طالبه ابن مسعود فلم يتيسّر له قضاؤه، فارتفع بينهما الكلام، واشتدّ النّزاع، وكان هاشم بن عتبة بن أبي وقّاص حاضرًا، وهو من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، وكان رجلاً شريفًا، فقال: “إنّكما لصاحبا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يُنْظَر إليكما”5، لا تتنازعا، وحلاّ القضيّة بينكما على نحو ما.

فخرج ابن مسعود وكان رجلاً أميناً، ثمّ استعان بأُناسٍ على استخراج المال من دار سعد – وهذا يعني أنّ المال كان موجوداً -، ولمّا علم سعد استعان بأناسٍ آخرين وطلب منهم صدّهم عن ذلك، ونتج عن مماطلة سعد بن أبي وقّاص في ردّ الأموال منازعةٌ شديدة.

فإذا كان سعد – وهو من أصحاب الشّورى الستّة – قد وصل أمره إلى هذا الحدّ بعد بضع سنوات، بحيث وصف ابنُ الأثير تلك الحادثة بالقول: “فكان أوّل ما نُزغ به بين أهل الكوفة”6، فأوّل نزاع يقع بين أهل الكوفة – بتعبير ابن الأثير – سببه رجل من الخواصّ، تغلّب عليه حبّ الدّنيا إلى هذا الحدّ، وأظهر خضوعه لها.

الوليد بن عقبة والي الكوفة، فاسق!

أما الحادثة التّالية، فهي أنّ عثمان عزل سعد بن أبي وقّاص عن الكوفة، واستعمل الوليد بن عقبة بن أبي معيط، فعيّنه حاكماً عليها. وكان الأخير من بني أُمَيَّة، ومن أقارب الخليفة. ولمّا دخلها تعجّب أهلها من تولية هذا الشّخص عليهم، لأنّه كان معروفًا بالحماقة والفساد، وفيه نزلت الآية الشّريفة: ﴿إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾7، أي إنّ القرآن وصفه بالفاسق لأنّه جاء بخبرٍ عاد بالضّرر على بعض الناس في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

انظروا إلى المعايير والمقاييس وتَبَدُّل أحوال النّاس، فهذا الشّخص الذي سمَّاه القرآن – الذي كان النّاس يقرؤونه يوميّاً – فاسقاً، أصبح هنا والياً!

وحتّى أنّ سعد بن أبي وقّاص نفسه وعبد الله بن مسعود تعجّبا حين شاهداه قادماً إلى الكوفة والياً، وقال له عبد الله بن مسعود لمّا وقع نظره عليه: “ما أدري أصَلَحت بعدنا أم فَسدَ النّاس”. وكانت دهشة سعد بن أبي وقّاص من بُعدٍ آخر، حيث قال له: “أَكِسْتَ بعدنا أم حمقنا بعدك”؟ فأجابه الوليد: “لا تجزعنّ أبا إسحاق، كلّ ذلك لم يكن، إنّما هو المُلك يتغدّاه قوم ويتعشّاه آخرون”8، أي لا تحزن، فأنا لم أُصبح فطِناً وأنتم لستم حمقى، بل إنّ المسألة مسألة الملك.

فقد كان لتبديل الحكومة الإلهيّة والخلافة والولاية بالمُلك والملكيّة قصّة عجيبة، “يتغدّاه قوم ويتعشّاه آخرون”، فاليوم هو لذاك وغداً لغيره. فتألّم سعد بن أبي وقّاص من هذا الكلام، فهو من صحابة رسول الله، وقال له: “أراكم جعلتموها مُلكاً!”.

ذات يومٍ، سأل عمر بن الخطّاب سلمان: “أمَلِكٌ أنا أم خليفة؟” – وكان سلمان شخصيّة كبيرة ومحترمة، وهو مِن الصّحابة الكبار، ولرأيه وزنٌ -، فقال له سلمان: “إن أنت جَبَيتَ من أرض المسلمين درهمًا أو أقلّ أو أكثر، ووَضَعتَه في غير حّقه، فأنت مَلِكٌ غير خليفة”9.

وعليه، فقد بَيَّنَ له المعيار، قال ابن الأثير: “فبكى عمر”، لأنّ الموعظة كانت عميقة المغزى حقّاً. فالقضيّة قضيّة خلافة، والولاية والخلافة معناها الحكومة المقرونة بالمحبّة والارتباط بالنّاس، والمقرونة بالعطف والرحمة بكافّة أفراد الشعب، وهي ليست تسلّطاً أو تحكّماً، في حين أنّ المُلكيّة لا تحمل مثل هذا المعنى، ولا شأن لها بالنّاس، فالمَلِك حاكمٌ متسلّطٌ، يفعل ما يشاء.

كان هذا مآل الخواصّ. وهؤلاء وصلت أمورهم إلى تلك الحال في بضع سنين. وهذا ما حصل طبعاً في عهد الخلفاء الرّاشدين الذين كانوا ملتفتين وملتزمين ويهتمّون بالأحكام، وقد أدركوا لسنواتٍ متماديةٍ عصر الرّسول صلى الله عليه وآله وسلم، وصدى دعوته كان لا يزال يتردّد في المدينة، وكان شخص كعليّ بن أبي طالب عليه السلام حاضراً في ذلك المجتمع، ولكن بعد انتقال مركز الخلافة إلى دمشق، تجاوزت القضيّة مثل هكذا حديث بشكل كبير.

كانت هذه أمثلة متواضعة لما كانت عليه أحوال الخواصّ. ولو نَقّب شخصٌ في تاريخ ابن الأثير أو المصادر التاريخية الأخرى المعتبرة لدى إخواننا المسلمين، لعثر على آلاف الأمثلة من هذا القبيل.

فساد النفوس يُفرز كعب الأحبار:

من الطّبيعي حينما تُفتقد العدالة، وحينما تضمحِلّ العبودية لله، يصبح المجتمع مجتمعاً خاوياً وتفسد النّفوس، كالمجتمع الذي وصل فيه اكتناز الثروات والتهافُت على حطام الدنيا، إلى ذلك الحدّ، وأيضاً كالمجتمع الذي آلَ الأمر فيه لأن يَنقُل المعارف للنّاس شخصٌ مثل كعب الأحبار اليهوديّ الذي أَسلَمَ لاحقاً، ولم يُدرِك عهد الرّسول صلى الله عليه وآله وسلم، إذ إنّه لم يدخل الإسلام في عهد الرّسول ولا في عهد أبي بكر، وإنّما في عهد عمر، وتوفّي في عهد عثمان.

بعضهم يقول هو “كعب الأخبار”، وهذا خطأ، والصّحيح هو “كعب الأحبار”، والأحبار جمع حَبْر، والحبر هو عالم اليهود، فكعب هذا، الذي كان قطب علماء اليهود، نجده قد دخل في الإسلام، ثمّ نهض وأخذ يتحدّث في مسائله.

ذات يوم، كان جالسًا في مجلس عثمان إذ دخل أبو ذرّ، فقال كعب الأحبار قولاً أغضب أبا ذرّ، فقال أبو ذرّ: “ما أنت؟ وما ها هنا؟!”10 أتُعلّمنا الإسلام وأحكامه ونحن سمعناها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟!

حينما تُفتقد المعايير، وتتقوّض القيم، وتُفرغ القضايا من المحتوى وتقتصر على الظّواهر، وحينما يستولي حبّ الدّنيا وجمع المال على أناسٍ قضوا عُمراً مديداً بالعزّة، والزُّهد في زخارف الدّنيا، وقُيِّضَ لهم نشر تلك الرّاية عالياً، في ذلك الوقت يتصدّى لشؤون الثقافة والمعرفة مثل ذلك الشخص الذي اعتنق الإسلام لاحقاً، ويطرح باسم الإسلام ما يراه هو شخصيّاً، لا ما يقوله الإسلام، ثمّ يأتي بعضهم ليقدّم قوله على قول مسلِمٍ له سابقة في الإيمان.

تقوى المسؤولين أن يحفظوا غيرهم أيضاً:

اعلموا يا أعزّائي، أنّ المرء لا يقف على حقيقة مثل هذه التطوّرات الاجتماعيّة إلاّ بعد وقت طويل، فيجب علينا الانتباه والحذر. والتّقوى هي هذه، فالتّقوى معناها أن يراقب نفسه من له سلطان على نفسه. وأولئك الذين حَاكِمِيَّتهم أوسع من سلطانهم على أنفسهم، عليهم أيضاً أن يراقبوا أنفسهم وأن ينتبهوا لغيرهم. أمّا الذين يقفون على رأس السّلطة فيجب عليهم التحرّز على أنفسهم وعلى المجتمع كّله، لكي لا ينزلق نحو التّهافت على الدّنيا والتعلّق بزخارفها، وبالتّالي لا يسقط في هاوية حبّ الذّات.

وهذا لا يعني طبعًا الانصراف عن بناء المجتمع، إذ يجب عليهم بناء المجتمع وإنماء ثرواته، ولكن لا أن يطلبوا ذلك لأنفسهم، فهذا مُستقبح، فكلّ من لديه القدرة على زيادة ثروة المجتمع والقيام بإنجازات كبرى ينال ثواباً عظيماً.

لقد استطاع بعض الناس خلال هذه السّنوات بناء البلد ورفع راية الإعمار عالياً وإنجاز أعمال كبرى – وهذه مفخرة لهم -، ولا يدخل عملهم هذا في إطار حبّ الدّنيا. وإنّما يصدق حبّ الدّنيا فيما لو كان المرء يطلب النّفع لِذَاتِه ويعمل لنفسه، أو يفكّر في جمع الثروة لنفسه من بيت مال المسلمين أو من غيره. هذا هو السّيِّئ.

يجب إذاً الحذر من الوقوع في مثل هذه المنزلقات، وإذا انعدم الحذر، فالمجتمع سينحدر تدريجيّاً نحو التخلّي عن القيم ويبلغ مرحلة لا يبقى (من الإسلام والقيم) سوى القشور الخارجية. وقد يأتيه ابتلاءٌ شديدٌ على حين غرّة ويُفاجئُه، كالابتلاء الذي تعرّض له ذلك المجتمع حين اندلاع ثورة أبي عبد الله الحسين عليه السلام، فلا يخرج منه ظافرًا.

بين الريّ والشهادة:

قالوا له (لعمر بن سعد) نعطيك ولاية الريّ. وكانت الريّ آنذاك ولاية شاسعة وغنيّة. ولم يكن منصب الإمارة – في ذلك الوقت – كمنصب المحافظ في وقتنا الحاضر، فالمحافظون اليوم موظّفون حكوميّون، يتقاضون مرتّبات، ويبذلون جهودًا شاقّة. ولكنّ الأمر لم يكن حينذاك على هذا النّحو، فالشّخص الذي يُنَصَّب والياً، يكون مُطلَق اليد في التصرّف بجميع الثروات الموجودة في المدينة، يتصرّف فيها كيفما شاء بعد أن يُرسل مقدارًا منها إلى عاصمة الخلافة، ولهذا كان لمنصب الوالي أهميّة عظمى.

وشَرَطُوا على عمر بن سعد لذلك، الذهاب لقتال الإمام الحسين عليه السلام. وهنا لا يتردّد الإنسان النبيل وصاحب القيم لحظة واحدة في رفض مثل هذا العرض، فكأنّهم يقولون له: مُت وخُذ الريّ. إذاً فما قيمة الريّ؟! لو أعطيتُ الدنيا كلّها على أن أَعبِس بوجه الإمام الحسين عليه السلام، لا أفعل، ولا أكفهرّ بوجهه، فما بالك بالنهوض لمحاربة عزيز الزّهراء عليها السلام، وقتله هو وأطفاله؟ هكذا يقف الإنسان الذي يحمل قيماً. ولكن حينما يكون المجتمع خاوياً ومجرّداً من القيم، وحينما تضعف هذه المبادئ الأساسية بين أفراد المجتمع، حينذاك ترتعد الفرائص. وأكثر ما يستطيع المرء عمله في مثل هذا الموقف هو أن يستمهلهم ليلة واحدة للتّفكير في الأمر الذي لو فكّر فيه سنة كاملة لوصل إلى النتيجة نفسها، ولاتّخذ القرار نفسه، فلا قيمة لمثل هذا النّمط من التفكير. إلاّ أنّ الرّجل فكّر في الأمر ليلة، وأعلن في اليوم التّالي عن موافقته على ذلك العرض. ولكنّ الله تعالى لم يمكّنه من بلوغ تلك الغاية، وكانت نتيجة ذلك – أيّها الأعزّاء – أن وَقَعَت فاجعة كربلاء11.

الخوارج، زهّاد بلا بصيرة:

إن أهمل الإنسان في عبادته الحضور القلبيّ وروح العبادة – وهي نفس العبوديّة والأُنس بالله والتّسليم له – فسيكون عُرضةً لأخطارٍ مختلفة، أحدها هو التحجّر.

بعض الخوارج، الذين سمعتم أسماءَهم كثيراً، كانوا في حالةٍ من العبادة، يُصلّون ويتلون آيات القرآن بخشوع، إلى درجة أنّ بعض أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وقعوا تحت تأثيرهم.

ففي أيّام حرب الجمل نفسها، كان أحد أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام مارّاً، فشاهد أحدهم يتهجَّد في منتصف اللّيل، ويتلو بصوت شجّي حزين قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾12، فجاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام متحيّراً، منقلب المزاج. لذلك نرى أنّه حتى الأشخاص الأذكياء والعقلاء والمطّلعين – وكان أغلب أصحاب أمير المؤمنين المقرّبين كذلك – أيضاً يُخطئون، ومن هنا ندرك أنّ أمير المؤمنين لم يَقُل عبثاً: “أنا فقأتُ عين الفتنة، ولم يكن ليجرأ عليها أحدٌ غيري بعد أن ماج غيهبها”13، في خطبته المعروفة. والحقّ أنّ هذا الأمر يتطلّب سيفَ عليّ، وبصيرته، وثقته بنفسه، لأنّه حتّى الخواصّ أحياناً يتزلزلون.

وعلى ما ذُكر، فقد قال أمير المؤمنين لصاحبه: “سأنبئك فيما بعد”14. عندما انتهت حرب الخوارج، وبقي منهم أقلّ من عشرة أشخاص وقُتل الباقون، أراد أمير المؤمنين عليه السلام لأصحابه الاعتبار والاتّعاظ، فمشى بين القتلى، وهناك في تلك المواقع خاطب بعضهم، إلى أن وصل إلى أحد القتلى، فأشار لهم ليقلبوه، وكان ملقىً على وجهه، فقلبوه، ومن المحتمل أنّه قال لهم أجلسوه، عندها سأل صاحب: هل تعرفه؟ فلم يعرفه، فقال أمير المؤمنين عليه السلام إنّه مَن كان يُرتِّل القرآن، وأَسَر قلبك.

إذاً، ما هذه التّلاوة؟! وما نوع هذه العبادة؟! إنّه ابتعاد عن روح العبادة.

إن أدرك الإنسان روح العبادة والصّلاة والقرآن، وفهم أنّ وجود وحقيقة الإسلام ولبّه – الذي تجسّد في عليّ بن أبي طالب عليه السلام – قد استقر في طرفٍ ما، يُبعِد عن نفسه كلّ الشّبهات ويلتحق به. هذا الابتعاد عن القرآن والابتعاد عن الدّين يؤدّيان بالفرد إلى التشخيص الخاطئ لهذا الموضوع، وبالتّالي إلى إشهار سيفه بوجه عليّ عليه السلام.

إذاً، فأحد أبعاد القضيّة هو هذا التّحجّر، وعدم التّفكّر، والأخطاء الجسيمة التي شاهدناها طوال فترة حكم بني أميّة وبني العبّاس.

بعض الأشخاص كانوا مقدّسين ومتديِّنين ومن أهل العبادة والزُّهد، وذُكروا في كتب التّاريخ بأنّهم من العُبّاد والزهّاد، وذوي عقل ورزانة، إلا أنّهم كانوا مشتبهين، وخطؤهم كان بمستوى عدم تمييز جبهة الحقّ من جبهة الباطل. وأعظم الأخطاء هو أن يشتبه الإنسان بين جبهة الحقّ والباطل، فلا يستطيع التمييز بينهما. الأخطاء الصّغيرة قابلة للعفو، أمّا خطأ الخلط بين جبهتي الحقّ والباطل، وعدم معرفة جبهة الحقّ فهو غير قابل للعفو.

عظمة الخواص في العبودية واجتناب المعاصي:

وهنا تكمن عظمة أمثال عمّار بن ياسر، فعظمة خواصّ أمير المؤمنين عليه السلام تكمن في أنّهم لم يرتكبوا الأخطاء تحت أيّ ظرف من الظروف، ولم يُضلُّوا جبهتهم. وقد ظهرت هذه العظمة في العديد من المواقف خلال حرب صفّين، كما إنّها لم تكن منحصرة في هذه الحرب فقط، بل في العديد من المواقع التي التبست فيها بعض الأمور على جمعٍ من المؤمنين، وكان عمّار بن ياسر هو من يرفع الشبهة ببصيرته النّافذة وبيانه الواضح. وهنا نرى هذا الإنسان – صاحب القلب النيّر وعظيم الشأن – في العديد من القضايا المتعلّقة بأمير المؤمنين عليه السلام، ومن بينها حرب صفّين.

لقد استمرّت حرب صفّين لأشهرٍ عدّة، وكانت حرباً عجيبة، لأنّ النّاس كانوا يرون في مقابلهم أشخاصاً يُقيمون الصّلاة ويتعبّدون ويقرؤون القرآن، حتّى إنّهم رفعوا المصاحف على الرماح. وليكون باستطاعة إنسانٍ إشهار سيفه في وجه أفرادٍ يُقيمون الصلاة، يحتاج إلى قلبٍ شجاع وجرأة عالية.

جاء في الرّواية عن الإمام الصّادق عليه السلام “كان في قتال عليّ عليه السلام على أهل القبلة بركة، ولو لم يقاتلهم عليّ لم يدرِ أحد بعده كيف يسير فيهم”15، فعليّ بن أبي طالب عليه السلام هو من فتح الطريق، وأشار للجمع بكيفيّة التصرّف.

عندما كان أبناؤنا – أثناء الحرب المفروضة – يجتاحون مواقع الأعداء المهاجمين ويأسرونهم، كانوا يجدون في متاريسهم المسابح والسّجدات!

تماماً كالذين وقفوا مقابل أمير المؤمنين عليه السلام، وكانوا يُقيمون الصلاة، ولذلك وقعت مجموعة في الخطأ آنذاك، والشخص الذي تصدّى لهم كان “عمّار بن ياسر”، وهذا يحتاج إلى الفطنة والبصيرة، يحتاج إلى شخص مثل عمار.

فإذا لم تنجلِ للإنسان حقيقة الأعمال وروح العبادات – وهي هذا التوجّه والعبودية لله -، وإذا لم يَسعَ – في كلّ واحدة من هذه الواجبات – ليقرّب نفسه من العبودية لله، فأعماله تبقى سطحيّة. وإنّ العمل والإيمان السطحيّين معرّضان للخطر، وهذا ما نراه على امتداد تاريخ الإسلام.

الزُّهَّاد بلا بصيرة، ألعوبة بيد السلاطين:

ذكرتُ سابقاً أنّ بعض المتديّنين المقدّسين من العُبّاد والزهّاد، كانوا يذهبون إلى الخليفة الظالم الغاصب الفاجر الخبيث الكاذب والمتلوّن، فيجلسون عنده وينصحونه بعدّة كلمات، ويُحدّثونه بحديثٍ يَبكي له، وكان بكاؤه إمّا خداعاً ورياء، أو لعلّ شيئاً في زاويةٍ من قلبه كان يهزّه فيبكي. حتّى إنّ بعضهم يكون مخموراً وفي حالةٍ من السّكر الشّديد، فيقوم بإظهار بعض المشاعر، فيأتي بأحدهم ليحدّثه ببضع كلماتٍ فيبكي لها. في هذه الحال يصبح هؤلاء البسطاء الجهلاء – ولو كانوا عالمين بظواهر الدين – من مُريدي هذا الخليفة.

في تاريخ الإسلام، نرى الكثير من هذه الأمور العجيبة، فعمرو بن عُبيد، ذلك العابد الزّاهد المعروف، كان الخليفة العبّاسي (المنصور) يتظاهر بمحبّته له، فقال: “كلّكم طالب صيدْ، كلّكم يمشي رويدْ، غير عمرو بن عبيدْ”16، لكن إذا شاهدتم “عمرو بن عبيد” و”محمّد بن شهاب الزّهري” وأمثالهما، ترون أنّهم كانوا في زمانهم من المعوّقات الكبرى في طريق الحقّ، فهؤلاء كانوا بحضورهم يدعمون جبهة الباطل، ويتركون جبهة الحقّ – أي أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم – وحيدة مظلومة، وبسبب هذا الجهل كان الأعداء يتجرّؤون عليهم…

روح العبادة في العبوديّة لله سبحانه:

أيّها الإخوة والأخوات، علينا أن نسعى لإحياء روح العبوديّة في نفوسنا، لأنّ العبوديّة تعني التسليم لله، وتعني تحطيم تلك الأصنام الموجودة في أنفسنا. هذه الأصنام الداخليّة – أي الأنا – تبرز في الكثير من المواقع، ولا سيّما عندما تكون مصلحتك في خطر، أو عندما يخالفك أحد ما، أو يكون هناك شيء موافق لرغبتك، ولو كانت رغبتك مخالفة للشريعة، أو عندما تواجه مفترقَ طرق، فتكون المصلحة الشخصيّة في طرف والتكليف في طرف آخر، ففي هذه المضايق والميادين بالتّحديد تُخرجُ هذه “الأنا” رأسَها، وتُظهر نفسَها.

فإن استطعنا التحكّم بهذه الأنا الداخليّة – أي هوى النفس -، هذا الفرعون الباطنيّ، هذا الشيطان الموجود في داخلنا، أو على الأقلّ استطعنا كَبحها، فستصلح أمورنا كلّها، وقبل أيّ شيء سنرتقي نحن إلى مستوى الإنسانيّة، ونصل إلى الفلاح17.

مفتاح الخير، شذرات من عبق الإمام الخامنئي في الزهد والنزعة الدنيوية.


المصادر والمراجع

1- لعلّ كلمة “نشاسته” بالفارسية مشتقّة منها.
2- ابن الأثير، الكامل في التاريخ المجلد الثالث، ص99-100 / والطبري، تاريخ الطبري، ج3، ص320، عبارة الطبري: “حتى حمل نفر على دوابهم…”.
3- م. ن.
4- الكامل في التاريخ، م. س، ص99.
5- الكامل في التاريخ، م. س، ص82.
6- م. ن.
7- الحجرات، 6.
8- ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج3، ص83.
9- الكامل في التاريخ، م. س، ص59.
10- الكامل في التاريخ، م. س، ص115.
11- خطبة صلاة الجمعة – طهران، 08/05/1998.
12- الزمر، 9.
13-نهج البلاغة،ج1، ص182. غيهبها: ظلمتها الشديدة.
14- المقصود في الرّواية هو كُميل بن زياد، وقد جاءت الرواية في بحار الأنوار،ج33، ص399، بطريقة أخرى مع بعض الاختلاف، وهذا نصّها: “خرج أمير المؤمنين عليه السلام ذات ليلة من مسجد الكوفة متوجّهاً إلى داره، وقد مضى ربعٌ من اللّيل ومعه كُميل بن زياد، وكان من خيار شيعته ومحبّيه، فوصل في الطّريق إلى باب رجلٍ يتلو القرآن في ذلك الوقت، ويقرأ قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ بصوتٍ شجيٍّ حزين، فاستحسن كُميل ذلك في باطنه، وأعجبه حال الرّجل من غير أن يقول شيئاً، فالتفت صلى الله عليه وآله وسلم إليه، وقال: يا كُميل، لا تعجبك طنطنة الرّجل، إنّه من أهل النّار، وسأنبئك فيما بعد! فتحيّر كُميل لمكاشفته له على ما في باطنه، ولشهادته بدخول النّار، مع كونه في هذا الأمر، وتلك الحالة الحسنة. ومضى مدّة متطاولة إلى أن آل حال الخوارج إلى ما آل، وقاتلهم أمير المؤمنين عليه السلام، وكانوا يحفظون القرآن كما أُنزل، فالتفت أمير المؤمنين عليه السلام إلى كُميل بن زياد، وهو واقفٌ بين يديه، والسّيف في يده يقطر دماً، ورؤوس أولئك الكفرة الفجرة مرمية على الأرض، فوضع رأس السّيف على رأسٍ من تلك الرؤوس، وقال: يا كُميل، ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾، أي هو ذلك الشّخص الذي كان يقرأ القرآن في تلك اللّيلة فأعجبك حاله، فقبّل كميل قدميه، واستغفر الله”. (المترجم)
15- الشيخ الطوسي، تهذيب الأحكام، ج6، ص145، ح250.
16- السيد المرتضى، الأمالي، ج1، ص122.
17- كلمته في لقاء مع عامّة أفراد الشّعب، 26/04/1999.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى