إثبات السنن التاريخية في القرآن الكريم

المحور الأول: السنن والقوانين في العلوم المختلفة: السنة في اللغة: السنة في اللغة: السيرة، حسنة كانت أو قبيحة، وفي التنزيل العزيز: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ}(2)، قال الزجاج: سنة الأولين أنَّهم عاينوا العذاب، فطلب المشركون أن قالوا: {إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}(3).

وسننتُها سنّا، واستننتها: سرتُها. وسننتُ لكم سنةً فاتبعوها.

 وفي الحديث: من سنَّ سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها.

ومن سنَّ سنة سيئة يريد من علمها ليقتدى به فيها، وكل من ابتدأ أمراً عمل به قوم بعده قيل: هو الذي سنَّه. قال نصيب:

كأنِّي سننت الحبَّ أول عاشق                         من الناس إذ أحببت من بينهم وحدي  

وقد تكرر في الحديث ذكر السنة، وما تصرَّف منها، والأصل فيه: الطريقة، والسيرة، وإذا أطلقت في الشرع فإنَّما يراد بها: ما أمر به النبي(صلّى الله عليه وآله)، ونهى عنه، وندب إليه، قولا، وفعلا، مما لم ينطق به الكتاب العزيز(4).

 وقال الراغب الأصفهاني في (مفردات غريب القرآن): تنح عن سَنَن الطريق، وسُنَنهِ، وسِنَنِهِ، فالسُّنَن: جمع سنة. وسنة الوجه: طريقته. وسنة النبي: طريقته التي كان يتحراها.

 وسنة الله تعالى قد تقال لطريقة حكمته، وطريقة طاعته، نحو: {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً}(5)، {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً}(6)، فتنبيه أن فروع الشرائع -وإن اختلفت صورها- فالغرض المقصود منها لا يختلف، ولا يتبدل، وهو تطهير النفس، وترشيحها؛ للوصول إلى ثواب الله (تعالى)، وجواره(7).

السنن والقوانين العلمية: إنَّ العالم المحيط بنا مليء بالأحداث، فكل لحظة تمر بنا تتضمن تغيرات كثيرة في مختلف المجالات، فالفلك يدور، وكل شيء يدور معه، وقد اهتمَّ الإنسان بكل ما حوله، وحاول رصد حركته، واكتشافها؛ وذلك ليسخِّر كلَّ ما حولَه في خدمته ما استطاع، فرصد كلَّ حركة توصَّل لها، وصنفها، فنتجت عنده عدة علوم، ووجد أنَّ لكل مجال -وعلم- قوانين ثابتة، لا تتغير، هي التي تتحكم في مسير كل ما يرتبط بذلك العلم، فمن القوانين الثابتة في الفلك -مثلا- أنَّ لكل كوكب حركتين، حركة حول نفسه، وحركة حول النجم الذي ينتمي إلى مجموعته، كما هي الشمس نجم المجموعة التي تنتمي إليها أرضنا.

وتبعا للفلك، فإنَّ علم الفيزياء -أيضا- يقرر أنَّه لا يوجد جسم -أو عنصر- في العالم إلا وله حركة ما، ويستحيل تصور جسم معدوم الحركة، وهي حركة دوران، تشبه حركة الفلك كثيرا، وكأنَّ كلَّ ذرةٍ في هذا العالم تمثل مجموعة فلكية.

ومن الأسرار -والقوانين- التي تعامل معها الإنسان، وسعى إلى الكشف عنها، قوانين الجسم، فها هو يكتشف أنَّ للدم في عروقه حركة مستمرة، وبسرعة منتظمة، زيادتها تؤذيه، ونقصانها يفنيه، وأنَّ الدم -مثلا- يتكون من عناصر معينة، بنسب معينة، وغير ذلك من قوانين الجسم المعروفة والثابتة، فاستفاد منها الإنسان في معالجة ما يطرأ عليها من خلل، بمعادلة النقص، أو الزيادة.

 إلى غير ذلك من القوانين العلمية التي توصَّل إليها الإنسان، سواء في عالم الجماد، من تمدد المعادن، وتقلصها تبعا لدرجة الحرارة، أو في عالم النبات، ككيفية التنفس عنده اعتمادا على ضوء الشمس، والتي سميت بعملية البناء الضوئي، أو في عالم الحيوان، وحالاته المختلفة مع تعدد أنواعه، من برِّي، ومائي، وبينهما، وغير ذلك الكثير من العوالم -والقوانين- العلمية التي لا زال الإنسان يكتشف جديداً منها في كل يوم.

كل ذلك لم يكن الدين الإسلامي بعيدا عنه، ولا مهملا له، فقد أشار إليه القرآن الكريم إشارات سريعة، وعميقة، داعياً إلى التأمل فيه، وأخذ العبرة منه، خصوصا ما يتعلق بالقوانين الثابتة، والنظم الواضحة الراسخة، مستدلا بذلك على وجود الخالق، وقد تعرض القرآن الكريم إلى كثير من ذلك، وببلاغة إعجازية، فمن الآيات التي جمعت الكثير من تلك القوانين في كلمات قليلة قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}(8)، ففي هذه الآية الكريمة دعوة واضحة إلى التأمل في السماوات، والأرض، وإشارات إلى قوانين الليل، والنهار، وحركة السفن في البحر بالرياح، ونزول المطر، وحياة الأرض بالزرع، وإن ماتت سنين، وما لا يمكن ذكره باختصار إلا بنفس هذه الآية، وإلا فإنَّ ذلك لا يُحصى في عدة كتب.

 وقد ذكر القرآن الكريم -إضافة إلى السماوات، والأرض، والفلك- الجبال، والنبات، والحيوان، وقد جمع الكثير من ذلك في آيات قصيرة أيضاً، فقال تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ}(9)، فنجد الآية الكريمة ابتدأت من السماوات، والأرض، ومرَّت بالجبال، والحيوان، وانتهت بالنبات، وقال سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}(10).

 ثم إنَّ أئمة الهدى من أهل بيت العصمة(عليهم السلام) فصَّلُوا في ذلك كثيرا، خصوصا في زمن الإمام الصادق(عليه السلام)؛ إذ كان عصره عصر انتشار العلم، وانشغال بني أمية وبني العباس ببعضهم؛ تناحراً على السلطان، فنجد في كلمات الإمام الصادق(عليه السلام) الكثير من القوانين العلمية في شتى العلوم، والفنون، وقد خرَّج الكثير من الطلاب المتخصصين في مجالات متعددة، فكانت مدرسته هي السبَّاقة في علوم الفلك، والفيزياء، والطب، وغيرها، وقد أُلفت في ذلك كتب، كما هو كتاب: (الإمام جعفر الصادق(عليه السلام)، زعيم مدرسة أهل البيت)، للدكتور العراقي محمد حسين علي الصغير، إذ عقد فصلا تكلَّم فيه عن العلوم التجريبية في مدرسة الإمام(عليه السلام)، وآخر حول العلوم الإنسانية، بعد أنْ تكلَّم عن العلوم الشرعية، ومصادر علم الإمام الإلهية، وكذلك نجد كتاب: (الإمام الصادق(عليه السلام) كما عرفه علماء الغرب)، لمجموعة من الباحثين الغربيين، أثبتوا فيه سبق الإمام الصادق(عليه السلام) إلى كثير من النظريات العلمية الدقيقة، في الفلك، والفيزياء، والكيمياء، والطب، والفلسفة، وغير ذلك(11).

 المحور الثاني: القرآن الكريم والسنن التاريخية: علاقة القرآن بالتاريخ: لقد تحدَّث القرآن الكريم في قسم كبير منه عن قصص الماضين، فسرد قصصهم مع بعض من التفصيل بدرجة تثير انتباه القارئ لهذا الكتاب العظيم، فهو يذكر قصص الأنبياء من آدم(عليه السلام)، بل من قبل أن يخلقه، والاعتراضات التي كانت من قبل الملائكة، وقصته في الجنة، وقصة نوح، وإدريس، وهود، وصالح، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ولوط، ويوسف، ويعقوب، وشعيب، وصالح، وموسى، وهارون، وداوود، وسليمان، وأيوب، ويونس، وإلياس، واليسع، وذا الكفل، وعزير، وزكريا، ويحيى، وعيسى، حتى يصل إلى خاتم الأنبياء محمد(صلّى الله عليه وآله)، بل لمْ يكتف بذلك، حتى ذكر بعض قصص الأولياء، أمثال لقمان الحكيم، وطالوت، والخضر، وأصحاب الكهف، ويأجوج، ومأجوج، وحواريي عيسى(عليه السلام)، ومريم، وآسية بنت مزاحم، كما ذكر قصص بعض الطغاة الذين واجهوا الرسالات، وحاربوا حامليها، وتكبروا على الحقِّ، أمثال فرعون، ونمرود، وقوم لوط، وقوم نوح، وقوم صالح، ومشركي قريش، واليهود، وإخوة يوسف، إلى غير ذلك.

فأصبح لدينا مادة تاريخية كبيرة جداً في القرآن الكريم، وخصوصا مع وجود بعض السور بكاملها هي عبارة عن قصة، وبعض القصص التي ذكرت في أكثر من سورة، فالقسم التاريخي في القرآن الكريم يقارب الثلث، أو أكثر من ذلك، فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: ما علاقة القصة والتاريخ بالقرآن؟ ولماذا كل هذا الكم الهائل من الطرح التاريخي في القرآن؟ أجاب على هذا السؤال عدةُ باحثين في علوم القرآن والتفسير، نذكر بعضا منها: * قال الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في كتابه: (قصص القرآن): ليس القرآن المجيد كتاب تاريخ، أو قصص، أو علوم طبيعية، أو بيان أسرار السماوات، والأرض، وإنَّما هو كتاب: هداية للبشر.

وبما أن أفضل الدروس والعبر تكمن في تاريخ الماضين – لا سيَّما الأنبياء العظام، والأمم، والشعوب التي كانت تحكم مساحات كبيرة من الأرض ثم انقرضت، كما تتجلى أعظم دروس التوحيد – ومعرفة الله – في أسرار خلقة العالم – فقد تعرَّض القرآن لهذه الأمور وفق أسلوب خاص؛ ليقدم نماذج، ومثل لها أكبر تأثير في هداية الإنسان(12). * ويقول الشيخ محمد محمد طاهر الخاقاني -في كتابه: (القرآن والأصول الموضوعية العامة)- في هذا: نتحدث عن طبيعة الحركة التاريخية في القرآن، إذ ما نلاحظه في استعراض القرآن للأحداث التاريخية إما على سبيل القصص، أو استعراض حالة الأمم، وسلوكها… يكشف عن طبيعة الحركة التاريخية في القرآن، وإمكانية انتزاع قوانين ثابتة بين الماضي، والحاضر، والمستقبل.

 وبما أنَّ حركة القرآن في مقام إثبات القوانين العامة، والحكم بالمعيارية الثابتة التي لا يمكن أن تتغير باختلاف الظروف والحالات.

وبالجملة: إنَّ القرآن الكريم يشير إلى اختلاف الحضارات، والكشف عن الصراعات بين الأمم، ولكن ذلك يعطي إثبات القوانين العامة، والأصول الكلية الثابتة بين القوانين للجهة المشتركة، أو ما يعبر عنه: بالقاسم المشترك في جميع القوانين العامة بين الماضي، والمستقبل(13).

 السنن التاريخية، والهداية البشرية: كما تقدم، فإنَّ القرآن الكريم قد تعرض إلى السنن، والقوانين الكونية العلمية، مع أنَّه لم يكن كتاب اكتشاف يعرض مثل تلك القوانين، ويدرسها، وإنَّما هو كتاب هداية، نزل؛ ليخرج الناس من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام، صحيح أنَّ في القرآن الكريم إشارات إلى كل ذلك، ولكنَّها إشارات إليه بالحدود التي تؤكد على البعد الإلهي للقرآن، وبقدر ما يمكن أن يثبت العمق الرباني لهذا الكتاب، الذي أحاط بالماضي، والحاضر، والمستقبل.

 فالقرآن الكريم لم يطرح نفسه بديلا عن قدرة الإنسان الخلاقة، وقابلياته لخوض ميادين الحياة المعرفية، وإنَّما طرح نفسه طاقة روحية موجهة للإنسان، مفجرة لطاقاته، محركة له في المسار الصحيح.

 كذلك تعرَّض القرآن الكريم للساحة التاريخية الزاخرة بمجموعة من الظواهر التي تخضع لقوانين ثابتة، كتلك الساحات الكونية العلمية، تعرَّض لها بما يخدم هدفه الأسمى، بما يساهم في هداية البشر إلى الخالق، وترك التفصيل -والتبحر- لإنسان، بعد أن أعطاه الأسس.

ولكن مع هذا يوجد فرق جوهري بين الساحة التاريخية وبقية ساحات الكون، هذا الفرق يجعل من هذه الساحة -ومن سننها- أمرا مرتبطا -أشدّ الارتباط- بوظيفة القرآن ككتاب هداية، خلافا لبقية الساحات الكونية، والميادين الأخرى للمعرفة البشرية؛ ذلك أنَّ القرآن الكريم -كما قلنا- كتاب هداية، وعملية تغيير، عملية تغيير تمثل إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وهذه العملية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالسنن التاريخية، وإنْ كان لها جانب رباني مرتبط بالوحي، لكن هناك جانب آخر، فهي عملية اجتماعية متجسدة في جماعة من الناس، هم النبي(صلّى الله عليه وآله)، ومن تبعه، وسار على دربه، وهي عملية اجتماعية واجهت تيارات اجتماعية مختلفة، واشتبكت معها في ألوان الصراع، والنزاع العقائدي، والاجتماعي، والسياسي، والعسكري، فهي من حيث كونها عملا قائما على الساحة التاريخية، ومن حيث كونها جهدا بشريا، يقاوم جهودا بشرية أخرى، تعتبر عملا تاريخيا، تحكمه السنن التاريخية، وتتحكم فيه الضوابط العامة للساحة التاريخية.

 وقد عرض القرآن الكريم مشروعه الإصلاحي هذا بكلا جانبيه؛ الرباني، والبشري، فأشار إلى أنَّه خير ما نزل للبشر، وأنَّه محكم لا يشوبه الخطأ، وأنَّه ظاهر على كل المشاريع الأخرى لا محالة، كما أشار إلى أنَّ على الناس -وخصوصا أتباعه- أنْ يتمعنوا في تاريخ الأمم السابقة، وكيف أنَّها لم تستطع الخروج عن القوانين، والسنن التي تحكم التاريخ البشري(14).

 وهذا ما سنلاحظه فيما يأتي من الآيات التي تتحدث عن السنن التاريخية في المحور القادم، إن شاء الله تعالى.

المحور الثالث: نماذج من السنن التاريخية في القرآن الكريم: إذن، فقد اهتم القرآن الكريم بإرشاد الناس إلى طريق الحق، وكان من أبرز أساليبه في ذلك إرجاعهم إلى عقولهم، وفطرتهم، وحثَّهم على التأمُّل فيما حولهم، وقد ركَّزَ في ضمن ذلك -أيضا- على التأمل في تاريخ من سبقهم من الأمم، كما في قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}(15)، وقوله: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}(16)، وقوله: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}(17)، وقوله: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآَثَارًا فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}(18)، وقوله: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا}(19).

هذه الآيات -وغيرها- تحثُّ الناس على التأمُّل في تاريخ من سبقهم؛ لينظروا فيه، ويتمعنوا، فيعرفوا قوانين الحياة التي سارت على أولئك الناس، فيتبعوا في ذلك طريق النجاة، والحق.

 تعرَّض القرآن الكريم لبعض ما حصل للأمم السابقة، وحثَّ الناس على التأمل فيه، ولكن ذلك لم يكن بمجرد عرض تلك الحوادث، وبيان نتائجها، بل ركَّز القرآن الكريم على أنَّ ما يذكره لنا عبارة عن قوانين تسري على جميع الأمم، فقوم نوح، وقوم هود، وصالح، وإبراهيم، وغيرهم، -عليهم جميعا وعلى نبينا وآله أفضل الصلاة والتسليم- جرت على أقوامهم نفس تلك القوانين، التي في عمومها تعني أنَّ منْ يخرجْ عن طاعة الله، ويتحدَّى رسالاته، فيقفْ في وجهها، مصيرُه إلى الهلاك بعذاب أليم، وأنَّ النصر لله، والخير – كل الخير – في اتباع نهج الرسل، والإيمان به، فيؤكد القرآن الكريم أنَّ هناك قوانين ثابتة جرت على عدة أقوام ممن سبقنا، فهي لا محالة جارية علينا، هذه القوانين يمكن تسميتها بالسنن التاريخية، فقد عرفنا أنَّ السنن هي القوانين الثابتة.

 وقد اهتمَّ القرآن الكريم بتلك السنن، والقوانين؛ لأنَّها مرتبطة ارتباطا مباشراً بهدفه الرئيسي، الذي هو هداية الناس، فهو: {هُدًى لِلنَّاسِ}.

 فهو لم يتطرق لكثير من القوانين العلمية، كالمرتبطة بعلوم النباتات، والحيوانات مثلا، أو علوم الفيزياء، والكيمياء، من التمدد بالحرارة، أو سرعة السقوط، أو حالات الحيوانات المائية، والبرية، أو عملية تنفس النبات، والبناء الضوئي، كلُّ ذلك تركه لتجارب الإنسان؛ لأنَّه لا يرتبط ارتباطا مباشرا بهداية الإنسان، نعم، حثَّه على التأمل في مخلوقات الله، والاستلهام من دقتها، وقوانينها، وإبداعاتها، إلا أنَّه لم يصرح بتلك القوانين وما الغرض منها، بل اكتفى بالإشارة إلى وجودها، وهذا ما يرتبط بهدفه من هداية الإنسان، فهو بإرشاده الإنسان إلى السعي في اكتشاف قوانينَ ودقةِ الكون من حوله يهيئ فكرَه لقبول الخالق الواحد.

 أما السنن التاريخية فهي ترتبط ارتباطا وثيقا بهداية الإنسان؛ لأنَّها تبيِّن عاقبة من يتنكر للحق، وأنَّه سيلاقي عقابه في الدنيا قبل الآخرة، وأنَّ من يسير على الطريق المستقيم هو من سينجو في الدنيا والآخرة أيضاً، {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}.

القرآن الكريم أتى هاديا إلى سواء السبيل؛ ليغيِّر المجتمع الضال في فكره، وسلوكه، الضال في معرفته، عملية التغيير تلك تحتاج إلى جانبين: أحدهما شريعة، وطريقة حقَّة؛ للسير عليها، فتحمي من الضلال، والثاني: نخبة تطبِّق تلك الشريعة، وتبيِّن صلاحيتها، وفوائدها العملية.

وقد تكفَّلَ القرآن كلا الجانبين؛ لهدفه في الهداية، فجاء بالشريعة، والطريقة الصحيحة، التي يجب أن يتبعها الإنسان في مسير حياته، وفي طريقه نحو الحقِّ، والصلاح، فوضعها جاهزة، صادرة من الخالق الأعلى، كاملة، متكاملة، لا تحتاج إلا إلى استجابة الناس لها، والأخذ بها.

أما الجانب الآخر -والذي هو مرتبط في حقيقته بالإنسان المتلقي لتلك الشريعة- فقد تكفَّل القرآنُ الكريم بعرض النماذج الواضحة التي تَقبَّلتْ الشرائعَ السماوية، ومدى نجاحها في الرقي، والتكامل، وعرض -أيضا- نماذج أخرى حاربت تلك الشرائع، وأهملتها، فنالها جزاؤها، وآلت إلى الانحطاط، والدمار، وبيَّن بوضوح أنَّ كلَّ ذلك لم يكن خاصاً بعصر معيَّن، أو فئة معينة، بل هو سار على جميع الخلق بلا استثناء.

 وهنا نستعرض بعضاً من تلك السنن التاريخية التي وردت في القرآن الكريم بإيجاز، والهدف: بيان وجود تلك السنن في القرآن الكريم، وهي كثيرة، منها: سنة غلبة حزب الله على حزب الشيطان: إنَّ من سنن الله في التاريخ -والمجتمع- هي: سنة نصر -وغلبة- حزب الله على أعدائهم حزب الشيطان في ميدان الصراع، والمواجهة، وميدان الدفع، والتدافع، ومن طبيعة السنة الثبات، والاطراد، {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}(20)، {أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(21)، {أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ‏}(22).

إنَّ القرآن الكريم يطرح هذه السنن على نحو صيغتين: على شكل القضية الشرطية، وعلى شكل القضية الفعلية.

شكل القضية الشرطية: في هذا الشكل تتمثَّل السنة التاريخية في قضية شرطية تربط بين حادثتين، أو مجموعتين من الحوادث على الساحة التاريخية، وتؤكد العلاقة بين الشرط والجزاء، وأنَّه متى تحقق الشرط تحقق الجزاء، فمن هذه الآيات قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}(23).

فهذه الآية الكريمة تؤكِّد على أن النصر حليف المؤمنين، ولكن هذا النصر ليس اعتباطياً، بل لا بد من نصرة يقوم بها المؤمنون لدين الله؛ لكي يأتي المدد الإلهي، والنصر الإلهي.

فمنها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(24)، وقوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}(25).

 وقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُل‏ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا}(26).

شكل القضية الفعلية: وهناك آيات أخر تؤكد على نفس المضمون، وهو نصر -وغلبة- حزب الله على حزب الشيطان، ولكن على نحو القضية الفعلية المتحققة الناجزة. فمنها قوله تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ}(27).

 فإن هذه الآيات وإن أكدت نفس المضمون، إلا أنها لم تأت على نحو القضية الشرطية كما في الآيات السابقة الذكر، فهاتان صيغتان للسنن التاريخية في القرآن عن النصر، والغلبة للمؤمنين على حزب الشيطان، والمجرمين، ولكن النصر لا يأتي اعتباطا، بل له شروطه، وضوابطه، وعوامله المتمثلة في الصبر، والمصابرة، والمرابطة، والتقوى، والوحدة، وإعداد القوة، وطاعة للقيادة الميدانية المتمثلة في قوله تعالى: {أُولِي الأَمْرِ}، الامتداد الطبيعي للرسول(صلّى الله عليه وآله)، فيما يملكونه من علم بالرسالة، وعزم على تجسيدها، وعدل، وكفاءة، وليس كل من ملك، واستأثر، وحكم، وتجبر.

كما أنَّ طريق النصر معبَّدٌ بالبأساء، والضراء، وليس طريقا معبَّداً بالورود، والرياحين، بل هو طريق ذات الشوكة، {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ}(28).

 الاستقامة طريق الخير: من السنن التاريخية التي يقررها القرآن الكريم في عدة آيات: ما نجده مختصرا في قوله تعالى: {وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا}(29)، فهذه الآيات -وغيرها- تتحدث عن علاقة معينة بين الاستقامة وتطبيق أحكام الله، وبين وفرة الخيرات، وكثرة الإنتاج.

ومن الآيات التي أكَّدت على هذه السنة قوله تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا}(30)، هنا -بلسان نبي الله نوح (عليه وعلى نبينا وآله آلاف التحية والسلام)- يشير القرآن الكريم إلى هذه السنة التاريخية، فيجعل الاستغفار سببا مؤثرا في نزول المطر، وكثرة الأموال، وجريان الأنهار، ووفرة الأولاد، وموقف الاستغفار هنا موقف العلة التامة، أو المقتضي بالنسبة إليها، والآية تهدف إلى أنَّ الرجوع إلى الله -وإقامة دينه، وأحكامه- يسوق المجتمع إلى النظم، والعدل، والقسط؛ وذلك لأنَّ في ظلِّه تنصبُّ القوى في بناء المجتمع على أساس صحيح، فتصرف القوى في العمران، والزراعة، وسائر مجالات المصالح الاقتصادية العامة، كما أنَّ العمل على خلاف هذه السنة هو رجوع المجتمع عن الله، وعن الطهارة في القلب، والعمل ينتج خلاف ذلك، وللمجتمع الخيار في التمسك بأهداف أيٍّ من السنتين، فالكل قضاء الله، وتقديره(31).

ومن أحكام الله تلك ما يسمى بلغة اليوم: عدالة التوزيع، فهي الطريق في نظر القرآن الكريم نحو وفرة الإنتاج، كما يشير إلى ذلك السيد الشهيد، مستشهدا بقوله تعالى:{وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ}(32)، وقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}(33)، فشريعة السماء نزلت من أجل تقرير عدالة التوزيع، ومن أجل إنشاء علاقات التوزيع على أسس عادلة، فلو أنَّ الناس طبقوا عدالة التوزيع، لما وقعوا في ضيق من ناحية الثروة المنتجة، ولما وقعوا في فقر من هذه الناحية، ولازداد الثراء، والمال، وكثرت الخيرات، والبركات، لكنَّهم تخيَّلوا أنَّ عدالة التوزيع تقتضي التقسيم، وبالتالي تقتضي فقر الناس، بينما الحقيقة – والسنَّة التاريخية- تؤكِّد عكس ذلك، فتؤكِّد أنَّ تطبيق شريعة السماء، وتجسيد أحكامها في علاقات التوزيع، يؤدي دائما إلى وفرة الإنتاج، وزيادة الثروة، وإلى أنْ تُفتح على الناس بركات السماء، والأرض، إذن، هذه -أيضا- سنة من سنن التاريخ(34).

التغيير يبدأ من الإنسان أولاً: هنا سنة من سنن التاريخ يقررها القرآن الكريم في قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}(35)، هذه الآية الكريمة تتحدَّثُ عن نموذج من نماذج سنن التاريخ، يمثِّل العلاقة بين المحتوى النفسي الداخلي -والروحي- للإنسان، وبين الوضع الاجتماعي، فالمحتوى النفسي يمثل القاعدة التي يجب أن تكون سليمة، أو يجب إصلاحها؛ ليكون البناء العلوي للمجتمع سليما، أو ليصلح، فعلى الإنسان أنْ يبدأ من نفسه أولا؛ ليصلح من حوله، وعليه أنْ يبدأ من داخله؛ ليصلح خارجه، فكلُّ ما يظهر من الإنسان خارجا يكون نابعا من باطنه، وكلُّ ما يغلب على المجتمع يكون نابعا من بواطن أفراده، فإنْ صلح الباطن صلح الظاهر(36).

ويؤكِّد القرآن الكريم هذه القاعدة -والسنة التاريخية- في آيات أخرى أيضاً، فيقول: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}(37)، فهذه الآية تشير إلى نفس السنة، ولكن من جهة أخرى، هي تتحدث عن التغيير في الحال، وأنَّه إنَّما يبدأ من الإنسان نفسه، ومن داخله، وروحه، فتقول: إنَّ اللهَ لا يقطع نعمه عن الناس، ولا يغيرها إلا إذا تغيرت نفوسهم، وهي تربطنا بالسنة التي تحدثنا عنها سابقا، السنة التي تقرر: {وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا}(38)، فالاستقامة طريق الخير، والنعم مستمرة لا تنقطع، ما دام الإنسان مستمرا في مسيرته الصحيحة، إلا أنَّه إذا غيَّر ما في نفسه، وإذا غيَّر سلوكه الروحي، سيتغير حاله، فسيتغير سلوكه الخارجي، وسيتغير حال المجتمع، ثم ستتغير النعم التي أنعم الله بها عليهم.

إذن، هذه سنة تاريخية تربط بين التغير الداخلي، والتغير الخارجي على نحو القضية الشرطية، فهي تبين أنَّ هناك علاقة بين تغييرين: تغيير المحتوى الداخلي للإنسان، وتغيير الوضع الظاهري للبشرية، والإنسانية، مفاد هذه العلاقة قضية شرطية تقول: إنَّه متى ما وجد ذاك التغيير في أنفس القوم -إيجابا، أو سلبا-، وجد هذا التغيير في بناء القوم، وكيان القوم، متناسبا مع التغيير في النفس إيجابا، أو سلبا(39).

سنة التعميم: التعميم هو: أنْ يشمل العقاب -أو الثواب- جميع أفراد المجتمع بدون استثناء.

 والتعميم من السنن الإلهية التي لا تتخلَّف، وهي سنة عامة تشمل الدنيا والآخرة، ولها آثارها الدنيوية، وآثارها الأخروية، حيث إنَّ الخير والشر الذي تكسبه الأمةُ يعمُّ الأمةَ جميعا، ولا تفرق هذه السنة بين الصالحين، والمفسدين، ولا بين العاملين، وغير العاملين، إذا عموه بالرضا.

وعامل التعميم هو: الرضا، والسخط، الحبُّ، والبغض، الولاء، والبراءة، فإذا أحبَّ أحدٌ عملَ قوم حشر معهم، وموارد التعميم كثيرة، نذكر بعضاً منها: أ ــ التعميم في الإدانة، والمسؤولية، والعقوبة: قال تعالى: {سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ}، فإنَّ هذه الآية الكريمة تدين الأبناء بما فعل آباؤهم من جرائم، بل إنَّ الله يعاقبهم بها، ويقول: {ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ}، ويقول أمير المؤمنين(عليه السلام) في (نهج البلاغة): «وإنَّما قتل ناقة ثمود رجل واحد، فعمهم الله بالعذاب؛ لما عموه بالرضا، فقال سبحانه: {فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ}.

 ب ــ التعميم في الحجة: فالله تعالى ألزم اليهود المعاصرين لرسول الله(صلّى الله عليه وآله) بفعل آبائهم، واتخذه حجة عليهم، بأن يأتيهم بقربان تأكله النار، ليؤمنوا به، فحاجَّهم القرآن بمن جاءهم قبل رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، من الأنبياء، والرسل، بالبينات، والحجج، وبالقربان الذي طلبوه، فقتلوا الأنبياء، ولم يؤمنوا بهم، {الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}.

ج ــ التعميم في نسبة العمل: إنَّ الله تعالى ينسب جرائم الآباء في قتلهم الأنبياء إلى الأبناء اليهود المعاصرين لرسول الله(صلّى الله عليه وآله)، وليس فقط تحمل الأبناء مسؤولية جرائم الآباء، ويدينهم بها، ويعاقبهم عليها، وإنَّما ينسب فعل الآباء إلى الأبناء مباشرة، وبالصراحة، حيث قال: {فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}.

د- التعميم في النتائج: للطاعة والمعصية آثار، ونتائج في حياة الناس الاجتماعية، يقول تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}، إنَّ هذه الآثار لا تختص بالعاملين والحاضرين فقط، بل تشمل الحاضرين والغائبين، إذا كان يجمعهم الرضا، والسخط.

 وقوله تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ}(40).   

المصادر والهوامش

  • (1) شارك في إعداد الموضوع السيد إبراهيم الشخص.
  • (2) الكهف: 55.
  • (3) الأنفال: 32.
  • (4) لسان العرب ج 2، ص1916.
  • (5) الفتح: 23.
  • (6) الفتح: 43.
  • (7) مفردات غريب القرآن، ص 429.
  • (8) البقرة: 164.
  • (9) لقمان: 10.
  • (10) الرعد: 3.
  • (11) راجع الكتابين المذكورين؛ ففيهما الكثير حول أهل البيت(عليهم السلام) والعلوم المختلفة.
  • (12) قصص القرآن، ص 5.
  • (13) القرآن والأصول الموضوعية العامة، ج 1، ص394.
  • (14) المدرسة القرآنية، ص 45 – 53، بتصرف.
  • (15) التوبة: 70.
  • (16) يوسف: 109.
  • (17) الحج: 46.
  • (18) غافر: 82.
  • (19) محمد (صلّى الله عليه وآله): 10.
  • (20) المائدة: 56.
  • (21) المجادلة: 22.
  • (22) المجادلة: 19.
  • (23) محمد (صلّى الله عليه وآله): 7.
  • (24) آل عمران: 200.
  • (25) الأنفال: 46.
  • (26) يوسف(عليه السلام): 110.
  • (27) غافر: 51.
  • (28) البقرة: 214.
  • (29) الجن: 16.
  • (30) نوح: 10- 12.
  • (31) مفاهيم القرآن، ج 10، ص60 – 61، بتصرف.
  • (32) المائدة: 66.
  • (33) الأعراف: 96.
  • (34) المدرسة القرآنية، ص65 – 66، بتصرف.
  • (35) الرعد: 11.
  • (36) المدرسة القرآنية، ص 62، بتصرف.
  • (37) الأنفال: 53.
  • (38) الجن: 16.
  • (39) المدرسة القرآنية، ص92، بتصرف.
  • (40) مجلة بينات، العدد (6)، بتصرف، عن كتاب: «سنة التعميم في القرآن».
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى