عاشوراء مدرسة الأجيال حوار مع السيد منير الخباز

إطلالة سريعة على حياة السيد  نلتقي في هذا الحوار مع سماحة السيد منير السيد عدنان الخباز (دامت بركاته)، أحد أساتذة البحث الخارج في حوزة مدينة قم المقدسة ومن الخطباء البارزين في منطقة الخليج، ومن الذين وفقوا للجمع بين مواصلة العطاء داخل الحوزة العلمية وبين الارتباط بهموم وقضايا المجتمع، وذلك من خلال المواسم التبليغية وعلى وجه التحديد موسم عاشوراء.  

فإن لسماحة السيد شريحة كبيرة من المحبين والمريدين من جميع طبقات المجتمع خصوصاً الطبقة المثقفة، حيث أنهم يحرصون على الاستماع إلى خطبه الحسينية، ويتابعون فعالياته الثقافية بشغفٍ وشوق، ويتواصلون معه بشتى الوسائل خصوصاً عن طريق الإنترنت.

وهنا لمحة سريعة على حياة السيد العلمية، حيث درس العلوم الأولية في بلده (القطيف) ثم انتقل سنة (1978م) إلى مدينة النجف الأشرف ليبدأ مشواره العلمي بجوار باب مدينة العلم، فقد تتلمذ هناك على يد كبار علماء وفضلاء الحوزة، حيث وُفق للحضور تحت منبر سماحة آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي (قده) وأيضاً حضر درس سماحة آية الله العظمى السيد علي السيستاني (حفظه الله) هكذا كان مشواره العلمي الأول.

 أما مشواره العلمي الثاني بدأ مع انتقاله إلى مدينة قم المقدسة في سنة (1994م) حيث حضر درس آية الله العظمى الشيخ حسين الوحيد الخراساني في (الأصول) ودرس أيضاً عند آية الله العظمى ميرزا جواد التبريزي في (الفقه والأصول). وحالياً يمارس تدريس البحث الخارج في مدينة قم المقدسة، نسأل الله عز وجل أن ينفع به العباد والبلاد.

 مدرسة عاشوراء وخط الولاء: في البدء نشكر سماحتكم على إتاحة هذه الفرصة، ونبدأ حوارنا بالسؤال التالي: س1:  تعتبر مدرسة عاشوراء هي التي حافظت على استمرارية خط الولاء للأئمة الأطهار (ع)، فما هي أهم الأبعاد التي مارستها من أجل بقاء خط الولاء عند الأجيال؟ بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.  

ج: لا يمكن لأي مشروع فكري وأي مذهب فلسفي أن يبقى فاعلاً ومؤثراً في الأجيال المتتابعة إلا إذا امتزج باللهيب العاطفي، فإن اقتران الفكر  بالتأجج العاطفي هو الذي يضمن له البقاء والاستمرار، وقد مر على البشرية كثير من الأيدلوجيات والمذاهب الفكرية كالفكر اليوناني وغيره ولكنه لم يصمد ولم يبق راسخاً في النفوس والعقول لأنه لا يمتلك رصيداًً وجدانياً ولهيباً عاطفياً يؤصله ويعمقه لدى الأجيال والأمم المختلفة، ولأجل ذلك طرح أهل البيت (ع) مجموعة من الأساليب الوجدانية من أجل ضمان بقاء الفكر الحسيني. 

الأسلوب الأول: أسلوب المسيرة وقد حث أهل البيت على زيارة الحسين (ع) بأسلوب المسيرة «من زار الحسين (ع) كان له بكل خطوة حجة» «ومن زار الحسين كان كمن زار الله في عرشه» وأمثال هذه النصوص التي تكشف لنا اهتمام أهل البيت بأسلوب المسيرة إلى قبر الحسين، وخصوصاً إذا أصبحت هذه المسيرة مليونية كما في أزمنتنا هذه فإنها تضفي زخماً عاطفياً ولهيباً وجدانياً في سبيل العلاقة والارتباط بالحسين (ع).

الأسلوب الثاني: الوهج العاطفي: نحن نلاحظ أن هناك مجموعة هائلة من الروايات التي تؤكد على أسلوب البكاء والإبكاء: «من ذكرنا عنده فسالت من عينيه مقدار  جناح بعوضة غفر الله له ذنوبه»  وورد: «من بكى أو أبكى فله الجنة» هذه النصوص التي تحاول أن تجعل قضية الحسين (ع) قضية يتكلم بها القلب قبل أن يتكلم بها العقل وأن تتناغم معها مشاعر الإنسان قبل أن يعتنقها ذهنه وفكره كل ذلك يرشدنا إلى أن الإثارات العاطفية وسيلة مؤثرة وفاعلة في ربط الساحة الإسلامية بالنفس الحسيني. 

الأسلوب الثالث: أسلوب العنفوان الأدبي، الأئمة من أهل البيت (ع) لم يكتفوا بالمخاطبة مع عامة الناس، وإنما تحدثوا مع النخبة أيضاً، وحاولوا تسخير الطاقات الأدبية لدى المسلمين في سبيل نشر وإذاعة صوت الحسين (ع)، فاستقبال الإمام الصادق للسيد الحميري وتشجيع الإمام الرضا (ع) لدعبل الخزاعي وأمثالهم من الأدباء والشعراء يؤكد لنا أنّ أهل البيت أرادوا أن يكون الشعر والأدب والحرف الجذاب طريقاً لعبور صوت الحسين (ع) إلى النفوس، لذلك ركزوا على الاستفادة من الطاقة الأدبية في سبيل ترسيخ فكر الحسين(ع).

الأسلوب الرابع: العقل الجمعي وهو المجالس التي تحدث  عنها الإمام الباقر (ع) كما روي عنه: «أتجلسون وتتحدثون؟ قلت: بلى سيدي، قال: إني أحب تلك المجالس فأحيوا فيها أمرنا، من جلس مجلساً يحيا فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب».

فربما لا يقتنع الإنسان بفكره يقرأها من كتاب أو بمبدأ يصله عن طريق خطابٍ أو حديث معين ولكنه إذا وصلته هذه الفكرة عن طريق المجالس الحاشدة وعن طريق الجماهير المتفاعلة فإن هذه الفكرة ترسخ في عقله ونفسه أكثر من أي صورة أخرى، وذلك لأن العقل الجمعي له تأثير واضح في إقناع الناس بأي فكرة كانت، فأسلوب المجالس هو أسلوب سياسي، وتخطيط من قبل الأئمة (ع) لمعرفتهم بمدى تأثير العقل الجمعي في إقناع الإنسان وفي السيطرة على فكره وعلى مشاعره.

إشكالية على الخطاب الشيعي المعاصر: س2: يواجه خطابنا الشيعي إشكالية تقول: لماذا يؤكد الخطاب الشيعي ـ دائماً ـ على «النهج الحسيني ـ النهج الثوري» ويتغافل هذا الخطاب « النهج الحسني ـ النهج  السلمي» فما هو ردكم على هذه الإشكالية؟ ج: أولاً هناك فرق بين المبدأ وبين الأسلوب في تجسيد هذا المبدأ وتطبيقه على أرض الواقع.

فالمبدأ لجميع أهل البيت مبدأ واحد، وهو رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تحدث عنها  الحسين  (ع) حيث قال: «ما خرجت أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجت في طلب الإصلاح في أمة جدي أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر»، ولكن الأسلوب في تجسيد هذا المبدأ، يتفاوت بتفاوت الظروف والمراحل الزمنية، فالملاحظ أن الإمام علي (ع) مارس حركة الأمر بالمعروف على أسلوبين أسلوب المسالمة وأسلوب المواجهة فقد أمضى 25 سنة في المدينة يمارس حركة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خلال نصائحه وإرشاداته وتربيته لثلة من تلامذته الذين قادوا حركة علمية أو عملية كسلمان وأبي ذر وعمار بن ياسر وأمثالهم. 

ومارس أسلوب المعارضة والمواجهة عندما وصل إلى دفة الخلافة وقال: «لو لا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم ولا على سغب مظلوم». 

والحسين (ع) أيضاً مارس حركة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بكلا الأسلوبين، فالحسين  منذ وفاة أخيه الإمام الحسن(ع) إلى أن أطلق ثورته وبدأ حركته أمضى عشر سنوات في المدينة يمارس أسلوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالنهج المسالم، ثم حول هذا الأسلوب لاختلاف المرحلة واختلاف الظرف إلى أسلوب المعارضة والموجهة، إن هناك كثيراً من الأقلام قد تتناول  الحسين (ع) بأنّهُ لم يكن شخصية حوارية بل كان شخصية صارمة تفرض قرارها وموقفها من دون أن تفتح لروح الحوار أفقاً ومجالاً، وهذا التحليل بعيد عن شخصية الإمام الحسين (ع) فالذي يقرأ تاريخ كربلاء يجد أن الحسين استخدم أسلوب الحوار حتى في أخر ساعات المعركة، فالحسين اجتمع مع  عمر بن سعد في ليلة عاشوراء وحاول أن يحاوره وأن يقنعه بأن نتيجة المعركة ليست في صالحه، وإذا قرأنا خطابة يوم عاشوراء نجد أنه في منتهى الحنان والرأفة والحوار الهادف لأولئك الذين أصروا على قتاله حيث قال «أيها الناس اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتى أعظكم بما هو حق لكم علي وحتى اعتذر في مقدمي عليكم فإن قبلتم عذري وصدقتم قولي وأعطيتموني النصف من أنفسكم كنتم بذلك أسعد» إذاً فالخطاب الشيعي عندما يعرض علياً والحسن والحسين (ع) إنما يعرضهم بأساليبهم المختلفة حسب المراحل الزمنية والظروف المتنوعة التي مروا بها وكانوا من خلالها يمارسون حركة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بكلا الأسلوبين اللذين ذكرناهما.

 ثانياً: من أدبيات علم السياسة روح المعارضة فإن روح الرفض والمعارضة هي روح جذابة للجماهير في أي مجتمع كان فإذا تأمل الإنسان سائر المجتمعات حتى المجتمعات المسالمة يجد أن أي مجتمع من هذه المجتمعات يضم فئة مسالمة وفئة معارضة ويرى الناس في أي مجتمع أكثر تفاعلاً وأكثر ميولاً للفئة المعارضة، ولذلك لا يوجد في زماننا هذا في أي بلد إلا وهناك طرف يعد رأياً آخر في مقابل الرأي السائد وغالباً ما تكون هذه الفئة هي أكثر قبولاً وتصديقاً من قبل جماهير تلك الأمة، ولعل ذلك هو الذي لحظه أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فعندما نقرأ ما ورد عنهم نجد أنهم يؤكدون على تأجيج الرأي الآخر.

 في مقابل الرأي السائد فإذا قرأنا الزيارات التي وردت عن أهل البيت (ع) للحسين (ع) فإننا نلمس ذلك بوضوح: «أشهد أنك قد قتلت مظلوماً وأن الله منجز لك ما وعدك»، «وأشهد أنك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر وجاهدت في الله حق جهاده».

«السلام عليكم أيها البدريون، السلام عليكم أيها المجاهدون»  «السلام على ثار الله وابن ثاره والوتر الموتور».

ولأجل ذلك نجد أن كثيراً من علماء الاجتماع يؤكدون على أن روح المظلومية هي الروح الجذابة للمجتمعات.

فنحن نسمع أن غاندي كان يقول: «تعلمتُ من الحسين كيف أكون مظلوماً فانتصر»، إذن تأكيد الخطاب الشيعي على النفس الحسيني الثوري ما هو إلا امتداد لهذه الفكرة التي ترى أن زرع الرأي الآخر في نفوس الأمة زرع له ثمارٌ يانعة، زرع يبقى مبدأ أهل البيت صلوات الله عليهم بصفه عامة مبدأ متحركاً وفاعلاً ومؤثراً في الأمة الإسلامية. 

الصيغ الأصيلة في أحياء عاشوراء: س3: توجد حاجة ماسة للتعرف على الصيغ الأصيلة في إحياء مراسم عاشوراء ولكي لا تحل محلها البدائل الفاقدة للأصالة فما هي بنظركم أهم تلك الأساليب والصيغ؟ ج: هناك خطوط عامة لإحياء ذكرى عاشوراء أسسها أهل  البيت (ع) وجرت عليها سيرة العلماء منذ زمان أهل البيت (ع) إلى يومنا هذا، وهي خطوط ثلاثة:  الخط الأول: الإثارة العاطفية: وهي خط لا يمكن التنازل عنه ولا يمكن تغافله أو تجاهله، وبلحاظ ما ذكرنا في الجواب عن السؤال الأول أن الإثارة العاطفية بالشعر أو النثر أو بأسلوب القصة أو بأسلوب المسرح أو بأي أسلوب من الأساليب الإثارة العاطفية ضمان لبقاء فكر الحسين (ع) على مدى الأجيال المتتابعة. 

الخط الثاني: ربط الأمة بشخصيات أهل البيت (ع) فلا بد لنا في كل موسم وفي كل يوم من أيام عاشوراء وفي كل مناسبة من مناسبات أهل البيت (ع) من ترسيخ تاريخ أهل البيت في النفوس وترويج مقاماتهم وطرح سيرهم بالتحليل والتعميق بحيث يرتبط المستمع والمشارك في إحياء ذكرى عاشوراء بالحسين وأنصار الحسين والأئمة من ذرية الحسين (ع) ارتباطاً وجدانياً من خلال قراءته لتاريخهم ومن خلال نفوذ فضائلهم في وجدانه وفي أعماق نفسه.

الخط الثالث: هو ترسيخ الظاهرة العبادية: كثيراً ما نتعامل مع مأتم الحسين أو مع مراسم إحياء عاشوراء بالتعامل العاطفي المحض، مع أن أهل البيت أكدوا على أن هذه المراسيم هي عبادة، ومن أفضل القربات ومن مظاهر الارتباط بالله عز وجل.

وكل خط من هذه الخطوط الثلاثة لـه أساليب متنوعة فالإثارة العاطفية قد تكون بقراءة الشعر وقد تكون بمواكب العزاء واللطم وقد تكون بالتمثيل المسرحي الذي يعكس مدى عمق الفاجعة ومدى هول المصيبة.

والخط الثاني وهو خط ربط الأمة بشخصيات أهل البيت (ع) أيضاً لـه أساليب مختلفة، فقد يتم ذلك عن طريق عقد الندوات والحوارات والمحاضرات ونشر الكتب، وحتى اللافتات فإن اللافتات التي نضعها في الأسواق والشوارع والمآتم يجب أن تتضمن شيئاً من أقوال أهل البيت وحكمهم وتاريخهم كي تساهم هذه اللافتات على ربط الأمة بشخصيات أهل البيت.

والخط الثالث وهو ظاهرة العبادية أيضاً لـه أساليب مختلفة، مثلاً ترويج ظاهرة الوقف؛ بأن نعلم الأمة على ظاهرة الوقف كوقف الأرض ووقف المحل للحسين (ع) فترويج هذه الظاهرة وتعليم الأمة على أن الوقف في سبيل الحسين وسائر الأئمة من أهم القربات ومن أعظم العبادات، يساعد على تأكيد هذا الخط الأصيل، وكذلك التشجيع على المآتم المنزلية، بحيث يكون كل منزل مأتماً لأهل  البيت (ع)، ولو من خلال أن يقيم الفرد مجلساً عزاءيا حتى مع أطفاله وعائلته، فنشر المآتم المنزلية بعنوان أنها عبادة ومظهر من مظاهر التقرب إلى الله تبارك وتعالى هو تأكيد لهذا الخط الأصيل الذي ذكرناه. 

إبداعات جديدة في إحياء المراسيم الحسينية: س4: كيف يمكننا أن ندخل فعاليات وإبداعات جديدة ـ تتلائم مع روح العصر ـ في إحياء المراسم الحسينية مع محافظتنا على أهداف وقيم كربلاء؟ ج: الأمة الرشيدة هي الأمة التي تفكر في مستقبلها، وهي التي تخطط على أن تبقى لمدى أطول ولفترة أبعد، من أجل ذلك لابد أن تفكر الأمة الحسينية في أنها كيف تحافظ على جاذبية المآتم الحسيني لما بعد خمسين سنة أو مئة سنه.

وعلمائنا منذ زمن الأئمة عليهم السلام إلى يومنا هذا كانوا يخططون لإبقاء المأتم على جاذبيته ولا بقاء الصوت الحسيني على فاعليته في النفوس، وقد وصلت الرسالة إلينا نحن أبناء هذا الجيل فعلينا أن نخطط كيف نبقي حرارة الحسين مشتعلة وصوت الحسين مدوياً على مدى الأجيال الآتية، وذلك لا يتم إلا من خلال التنويع لأساليب الاحتفال بذكرى الحسين (ع) من عدة جهات: الجهة الأولى: استخدام التقنيات الحديثة، فنحن نحتاج حاجة ماسة لاستغلال الإنترنت، واستغلال جميع الوسائل الحديثة في إيصال مبادئ الحسين وأقوال الحسين وقيم الحسين إلى اكبر عدد من جماهير العالم يمكننا الوصول إليه، ومن صور استغلال التقنيات الحديثة استخدام اللغات المختلفة وخصوصاً اللغة الانجليزية في إيصال صوت الحسين (ع) إلى كثير من الغربيين والشرقيين الذين لم يعرفوا عن قضية الحسين (ع) شيئاً.

الجهة الثانية: ربط المجتمع بالمأتم الحسيني في الثقافات الأخرى، فهناك حاجة إلى أن يرى المجتمع أن المأتم الحسيني مشعل نور، ومنارة فكر ومصدر عطاء، في جميع النواحي التي يحتاج إليها المجتمع، فمن الممكن استغلال المآتم الحسينية في غير أوقات الخطابة وفي غير أيام المواسم الحرارية كموسم عاشوراء، لإلقاء محاضرات في الطب وفي علم التربية وفي علم الاجتماع وفي أي ثقافة تنفع المجتمع بحيث يرتبط المجتمع بالمأتم الحسيني ارتباطاً عضوياً ويرى أنه جزء من شئونه اليومية التي يمارسها.

الجهة الثالثة: تنويع المأتم بأنواع المراحل التي يعيشها المجتمع، فإن اغلب المآتم التي نؤسسها ترتبط بمرحلة واحدة من السن، بينما نحن نحتاج إلى أن يكون لشبابنا مآتم ولأطفالنا أيضاً مآتم.

فظاهرة مأتم الطفل، ظاهرة يجب ترويجها وترسيخها والتأكيد عليها، وهو أن نشجع أطفالنا من سن الخامسة إلى سن الرابعة عشره على أن يقوموا بأنفسهم في تأسيس المآتم، وقراءة الشعر، وإلقاء الخطبة، وطرح الموضوع، وإعداد الوسائل المختلفة لإحياء ذكرى الحسين (ع) حتى يتفاعل كل جيل وكل طبقة من طبقات المجتمع مع الحسين  ومع أنصار الحسين (ع) الذين تفاعلوا مع الحسين بمختلف مراحلهم من شيخ وشاب وطفل ورجل وامرأة.

الجهة الرابعة: العناية بالمسرح الحسيني، فإن الاهتمام بالمسرح الحسيني ما زال اهتماماً ضئيلاً، مع أن قصة كربلاء لو ترجمت ترجمة مسرحية لأرسلت أصداء صاخبة إلى مختلف مناطق العالم ولمختلف أبناء الديانات الأخرى، ولكن ما زال الشيعة رغم ثرواتهم المادية وإمكاناتهم الفنية متأخرين في هذا الجانب إلى يومنا هذا.

 الجهة الخامسة: مرسم الحسين عليه السلام، إيصال قصة كربلاء عن طريق الصورة وعن طريق الرسم طريقة فاعلة ومؤثرة جداً في نفوس جميع المسلمين بل في نفوس جميع من يملك حساً إنسانياً، بل إن مرسم الحسين ومعرض الحسين لو أُعدّ لـه إعداد مادي جيد لجذب كثيراً من أهل الفن ولو لم يكونوا متفاعلين مع الحسين، إلا أنّ قصة كربلاء هي في حد ذاتها قصة تساهم في الإبداع وفي خلق روح فنية لدى الفنان أكثر من أي قصة أخرى.

 الجهة السادسة: منتدى الحسين بمعنى أن الطاقات الأدبية الموجودة في العراق وفي لبنان وفي الخليج وفي جميع المناطق الشيعية لو تعقد منتدى سنوياً يجمع أروع ما قيل في الحسين في كل سنه، وأجمل ما كتب في الحسين من شعر أو نثر لرأينا نهراً أدبياً حسينياً يتدفق كل عام.

 دور المراسيم الحسينية في تركيز قيم الإسلام: س5: تحمل الإمام الحسين (ع) كل العناء والبلاء والتضحيات والمحن والآلام من أجل الإسلام، ومن أجل أن يحدد (الخط الأصيل) في حركة الإسلام، فما هي دور المراسيم الحسينية في تركيز قيم الإسلام في واقع الأمة؟ ج: إذا أرادت الأمة أن تكون المراسيم الحسينية حسينية بمعنى الكلمة، فلابد أن تتضمن هذه المراسيم مجموعة من الظواهر والمبادئ، بحيث تجعلها أسلوباً من أساليب الدعوة إلى الله (تبارك وتعالى).

 أ- المبدأ الأول: الاهتمام المضمون العقائدي.

كثيراً ما يكون الشعر الذي يقال على المنبر أو في مواكب العزاء سواءً كان شعراً نبطياً أو فصيحاً إما سرداً عاطفياً للفاجعة أو أنه رسالة اجتماعية تعكس الواقع المعاصر بمشاكله وهمومه… وكلا هذين الأسلوبين مهم، لكن هناك ما هو أهم وهو (ترسيخ المضمون العقائدي) من خلال الشعر.

 الحسين (ع) وأهل البيت  (ع) بالنسبة لنا ليسوا مجرد فكر وعاطفة بل هم عقيدة أيضاً فلابد من ترسيخ القضايا العقائدية من خلال الشعر والكلمة.

 ولابد أن يعي الطفل حينما يسمع المرثية، وحينما يقرأ القصيدة أن الحسين إمام وأن الإمام معصوم وأن الإمامة لها صفات ولها خصال ولها شمائل معينة.

 إذاً ترسيخ (المضمون العقائدي) من خلال الشعر رسالة مهمة للمراسيم الحسينية.

 ب- المبدأ الثاني: استغلال الظروف في ترسيخ (مبادئ أهل البيت) (ع).

 نحن نجد كثيراً من منابرنا يخيّم عليها الواقع السياسي أو الواقع الاجتماعي فكثير من المراحل السياسية العصيبة التي تمر على مجتمعنا تستهلك منابرنا وتستهلك خطبنا وتستهلك علمائنا وتستهلك مفكرينا.

مع أن التخطيط الرشيد على عكس ذلك فالخطيب أو إمام المسجد أو المفكر أو الشاعر عليه أن يستغل الظروف من أجل ترسيخ مبدأ أهل البيت (ع) بمعنى أنه لو مرت مرحلة سياسية عصيبة، استغلت هذه المرحلة في ترسيخ، حكم أهل البيت (ع) وأقوالهم ومبادئهم، لأن الناس يتجاوبون مع المقالة ويتعاطفون مع الحكمة إذا رأوها منسجمة مع ظروفهم ومتطابقة مع حياتهم لا أن يطغى علينا الواقع السياسي فنحاول أن نتغافل أو نتناسى أو نهمش أقوال أهل البيت (ع) في سبيل أن نركز على واقعنا السياسي والاجتماعي.

 ج ـ المبدأ الثالث: مواكبة العلماء لمواكب العزاء.

مواكب العزاء هي من أروع مظاهر الزخم العاطفي والإعلامي لحركة الإمام الحسين (ع) وبما أنها مواكب تضم أكثر طبقه في المجتمع وهي (الشباب) لذلك فلابد أن نخطط لهذه المواكب فهي من جهة (وسيلة إعلامية) جبارة ومن جهة أخرى (تضم أكبر طبقه في المجتمع وهي فئة الشباب) ومن جهة ثالثه هي التي تعكس (ظاهرة التواصل الاجتماعي وظاهرة الترابط بين أبناء البلد الواحد والوطن الواحد) ومن أجل ذلك فلابد للعلماء أن يفكروا في تهذيب هذه الظاهرة وذلك من خلال مواكبتهم لهؤلاء الشباب ومن خلال إقامة العلاقات الوديّة والأخوية مع الشباب المسؤولين عن هذه المواكب ومن أجل زرع الموعظة قبل الموكب وبعده وأثناءه لربط هؤلاء الشباب بشباب الحسين عليهم السلام.

 ثورة الإمام الحسين (ع) ومواقف الأمة: س6: ثورة الإمام الحسين (ع) كانت الامتحان الصعب لمواقف الأمة، فكيف وقفت الأمة من ثورة الحسين (ع)، نرجوا أن تكون الإجابة فيها – شيء من التحليل -؟ ج: الحسين (ع) في خطابه يوم عاشوراء عكس موقف الأمة من ثورته، حيث قال  (ع): «ألا وإني زاحف بهذه الأسرة مع قلة العدد وخذلان الناصر».

موقف الأمة من الحسين (ع) كان موقف التخاذل وموقف اللامبالاة، ومع الأسف بقي هذا الموقف إلى يومنا، وما زال موقف الأمة من الثورة الحسينية هو موقف الخذلان وموقف اللامبالاة، وذلك من خلال عدة ظواهر إذا قرأناها وجدنا أن موقف سنه 61 هـ هو موقف سنه 1425 هـ ـ الظاهرة الأولى (انتصار الغريزة على المبدأ): كثير من الشيعة وحتى المخلصين للحسين (ع) عندما يقع في الصراع بين المبدأ والغريزة، فإن المنتصر هو الغريزة وعندما يتعرض لأجواء الإثارة للإغراءات التي تحركه نحو الرذيلة والإثم فإن الغريزة تنتصر على المبدأ في هذا الظرف.

 وعندما يقع الصراع بين الأموال وبين المبادئ، نجد أن الغريزة هي التي تنتصر في هذا الصراع؛ فكثير من مشاريعنا الإسلامية الثقافية ومشاريعنا التربوية تعتمد على عطاء الفقراء لا على ثروات الأغنياء، إذاً ما زالت القدسية والعبادة والتثمين للغريزة لا للمبدأ وهذا هو الجرح وهو المرض الذي انتشر في المجتمع الذي انطلقت فيه ثورة الحسين (ع)، إلا ثلةٌ من أنصاره ونخبةٌ من رجاله الذين انتصرت مبادئهم على غرائزهم وقدموا الهدف الاسمي وهو (الشهادة) وإحياء المبدأ على الدنيا بتمام مظاهرها وبمختلف زخارفها.

 ـ الظاهرة الثانية..( تحجيم ثورة الإمام الحسين (ع) تحجيما طائفياً): فما زال كثيرٌ من أبناء المذاهب الإسلامية يرون قضيه الإمام  الحسين (ع) قضية طائفية، وقضية ترتبط بمذهب معين، ولا ربط لها ببقية المذاهب الإسلامية الأخرى.

مع أن حركة الحسين (ع) هي حركة القرآن.. القرآن يقول: {ولتكن منكم أمةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} والحسين ابن بنت رسول الله (ص) يقول «أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر».

 وهذه ظاهرة من ظواهر الموقف التخاذلي من الأمة الإسلامية تجاه قضيه الإمام الحسين (ع).

 ـ الظاهرة الثالثة.. التعامل مع الذكرى معاملة المهنة لا معاملة الرسالة: كثير من يتعامل مع ذكرى الإمام الحسين (ع) تعاملاً مادياً لا تعاملاً رسالياً، فهناك من يؤسس المأتم لتخليد اسمه، وهناك من ينخرط في الذكرى من أجل أن يكتسب نصيباً من الشهرة، وهناك من يعتبر المنبر الحسيني حرفة ومهنة يمارسها من أجل اكتساب الثروة.. إذاً ما زالت كثير من النفوس لا تتعامل مع قضيه الحسين (ع) كرسالة ومبدأ وإنما تتعامل معها من زوايا مادية وزوايا مصلحية، بمعنى أنه ينطلق لقضية الحسين من خلال ذاته لا أنه ينطلق من قضية الحسين إلى إصلاح ذاته، وهذا مظهر من مظاهر الموقف التخاذلي للأمة اتجاه قضية الإمام الحسين (ع).

تطوير الخطابة الحسينية: س7: سيدنا الجليل بما أنكم تمارسون (الخطابة الحسينية)، فمن واقع التجربة هل تجدون أن المنبر الحسيني ـ بوضعه الحالي ـ استطاع أن يعكس الأهداف النبيلة التي خرج من أجلها الإمام الحسين (ع)، وإذا كان الجواب بالنفي فما هي الأسباب التي جعلته غير قادراً على ذلك؟ ج: المنبر الحسيني والخطابة الحسينية تحتاج إلى التطوير في عدة زوايا:

1- الزاوية الأولى (العمل المؤسسي): ما زال الخطباء لا يمتلكون مؤسسة، مع أن وجود المؤسسة التي تضم خبرات الخطباء المختلفة على مدي 50 سنة سابقة أو 100 سنة سابقة أمر ضروري للخطيب الناشئ، فوجود المؤسسة التي من خلالها يلتقي الخطباء ويتلقون المعلومات ويتبادلون الخبرات ويتعاطون الأساليب والطرق المتنوعة في سبيل النهوض بالمنبر الحسيني بات أمراً ضرورياً.

 2- الزاوية الثانية: (مراكز البحوث): كثير ما يتطرق الخطيب إلى موضوعات اجتماعية أو موضوعات تربوية… فإذا دخل الخطيب في هذه الموضوعات بشكل مرتجل وانطلاقة فردية وتفكير شخصي مستقل فإن أخطاءه أكثر من إصاباته.

لذلك يحتاج الخطيب إلى مراكز بحوث تعنى (بأعداد البحوث التربوية والاجتماعية والقانونية) إعداداً ميدانياً مدعوما بالشواهد والقراءات المتأنية المتأملة من أجل أن يرى الخطيب مادةً غنية إذا عرضها على المنبر كان لعرضها تأثير وفاعلية أكثر من التفكير الشخصي المرتجل.

 3- الزاوية الثالثة (عامل اللغة): الخطيب يتكلم في القرن الواحد والعشرين فلابد أن يتحدث مع الناس بلغة هذا القرن لا بلغة القرن العشرين ولا بلغة ما قبل خمسين سنة.

 فلابد أن تكون لغة الخطيب لغة حديثة لغة أدبية لغة جذابة لغة تستخدم من خلالها الأمثلة الواضحة والقصة الجذابة والشعر الجذاب… والألفاظ البراقة من أجل أن يستهوي الجماهير ومن أجل أن ينفذ إلى قلوبهم وأفكارهم.

 4- الزاوية الرابعة (الثقافة المعاصرة): يفتقر الخطيب إلى الثقافة المعاصرة، أي أن يكون لـه إلمام بالخطوط العامة للثقافة المعاصرة، إلمامٌ في علم النفس وعلم الاجتماع وعلم القانون وفيما يطرح في المؤتمرات العالمية و القنوات الفضائية و… حتى يكون على إحاطة بما يطرح من الثقافة المعاصرة، فإذا تكلم رأى الناس أنه قريب من أفكارهم ولغته قريبة من لغتهم، فهناك حاجة ماسة إلى استخدام الثقافة المعاصرة في سبيل تقريب فكر أهل البيت (ع) وتحبيب الناس لفكرهم ومبادئهم.

 5 ـ الزاوية الخامسة (الهموم المعاصرة): ربما يقفز الخطيب إلى موضوعات فكرية تعدّ هامشية بالنسبة لما يعيشه الناس من هموم وأفكار وأطروحات لذلك فلابد أن يرصد الخطيب في كل فترة ما يدور في أذهان الناس وما يثار في المجالس الخاصة والعامة وما يطرح في وسائل الأعلام حتى يعالج الخطيب في كل موسم أي أطروحة وأي شبهة وأي فكرة تثار، ليرى المستمع أن المنبر الحسيني منبر مواكب للواقع ومنبر يحاسب الواقع ومنبر يضع اللمسات الإسلامية على هذا الواقع المشوّه

المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

أضف تعليق

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى