المرأة في المنظور الإسلامي

لقد عظم الإسلام شأن المرأة ورفعها من ظل الظلم والهوان وجعلها ذات قيمة حيث لا يمكن للمجتمع الاستغناء عنها بعد ما كان التهميش والظلم يخيم عليها، ولم تكن تحظى بشأن أو مكانة تستحق التقدير والتاريخ يشهد بذلك حيث كانت في نظر الجاهلية تعتبر عاراً عليهم فتدفن حية ترزق وكانت تسمى في اليونان رجساً من عمل الشيطان وعند الروم أن ليس لها نفس وفرنسا إنها مخلوق لخدمة الرجل وكانت في انجلترا لا تعد من المجتمع الإنساني، وفي بعض المجتمعات تعتبر مصدر الشؤم ويحجر عليها والكثير الكثير مما يشهد بذلك وللأسف الشديد وفي عصرنا الحالي أيضاً البعض يتبنى الفكرة التي تقول بأن المرأة خلقت للأعمال المنزلية فقط ولا علاقة لها بباقي الأدوار…  طبعاً هذا لا يعني بأننا من دعاة انفتاح المرأة اللاشرعي وتحررها بالمنظور الغربي الساقط.

وبعد أن رفع الإسلام المرأة إلى هذه المنزلة يأتي دورها في الاستخلاف.

 الاستخلاف الإلهي للمرأة: من المفاهيم الأساسية التي عني بها الإسلام كثيراً وأعارها أهمـية بالغة، مفهوم الاستخلاف الذي يخص الإنسان بشـقيه الذكر والأنثى أي أنه يشمل الجنسين معـاً. 

ويرتبط مفهوم الاستخلاف بالمفاهيم الإسلامية الأخرى، ولعل أبرزها مفاهيم العبادة وعمارة الأرض في فهم رؤية الإنسان ووظيفته في هذا الكون من ناحية، كما أنه من ناحية أخرى مفهوم تحليلي تدرس في ضوئه حركة الإنسان لتحقيق وظيفته في هذه الحياة، حيث هو المسؤول عن أداء الأمانة و الخلافة والاستقامة على المنهج الحق.

وفي إطار الرؤية الإسلامية للمرأة يعد مفهوم الاستخلاف مفهوماً حاكماً، حيث إن استخلاف الإنسان يتضمن الرجال والنساء، حيث أن من الأمور الجديرة بالتأمل في اللغة العربية، لغة القرآن بأن لفظ (إنسان) وهو الواحد من بني آدم، ويذكر ويؤنث، فيقال هو إنسان، وهي إنسان.

ويدل على شمول الاستخلاف للرجال والنساء آيات عديدة في القرآن الكريم مثل قوله تعالى:  {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ}(1) {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}(2) فالاستخلاف هو الأساس الذي يقوم عليه توحيد المرأة و الرجل في ظل علاقة الولاية التي عبرت عنها الآية الكريمة: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ}(3) وفي ظل الرابطة الإيمانية في إطار الأمة، أي إن المساواة في الإنسانية هي الأصل بين الاثنين في ظل الأخوة في الله التي عبر عنها الحديث الشريف: (النساء شقائق الرجال)، مع التسليم بوجود الفوارق من حيث التركيبة العضوية، التي ينتج عنها الاختلاف في الوظائف والمهام، بما ينسجم مع كلٍ منهما.

منزلة المرأة وكرامتها في الإسلام: لقد كرم الإسلام المرأة بنحو لم يكن له سابقة في التاريخ حيث انتشل الإسلام المرأة من مجتمع كانت فيه لا تحرك ساكناً فكانت جسداً بلا روح، فجعلها إنسانة ذات رأي و كيان وشخصية مستقلة أصبحت المرأة في الإسلام إنساناً عظيماً، فهي مربية المجتمع، فمن أحضان المرأة يولد الرجال، ولهذا فسعادة البلدان وتعاستها منوط بالمرأة لأن تربيتها الصالحة تصنع الإنسان وتعمر البلاد، بعد هذه المنزلة تحتل المرأة نصف المجتمع إذا لم يكن أكثر، فلو جردوا الأمم من النساء الشجاعات والمربيات فسوف تهزم هذه الأمم وتؤول إلى الانحطاط لا محالة.

حقوق المرأة في الإسلام: نظر الإسلام إلى المرأة على قدم المساواة مع الرجل في الإنسانية ولا شك في وجود أحكام خاصة تتناسب وطبيعة الرجل، وأخرى خاصة بالمرأة تتناسب وخصوصياتها، إلا إن هذا لا يعني بأن الإسلام يفاضل بين الرجل والمرأة فهذه الأحكام جميعها تصب لصالحهما.

إن المرأة في النظام الإسلامي تتمتع بالحقوق ذاتها التي يتمتع بها الرجل، بما في ذلك التعليم والعمل، وفي مختلف المجالات التي يمارس الرجل دوره فيها مع التقيد بالأحكام الشرعية، للمرأة الحق في ممارسة دورها بيد أن هناك أمور تعد مزاولتها من قبل الرجل حراماً لأنها تقوده إلى المفاسد، وأخرى يحظر على المرأة مزاولتها لأنها توجد مفسدة، ومن هنا يتحقق بأن المرأة نصف المجتمع، لقد أراد الإسلام للمرأة والرجل أن يحافظا على كيانهما الإنساني فهو لا يريد للمرأة أن تصبح ألعوبة بيد الرجل، وإن ما يرددونه في الخارج من أن الإسلام يتعامل مع المرأة بخشونة وعنف، لا أساس له من الصحة، وهو دعاية باطلة يروج لها المغرضون، وإلا فإن الرجل و المرأة كلاهما يتمتع بصلاحيات في الإسلام، وإذا ما وجد تباين فهو لكليهما وذلك عائد إلى طبيعتهما.

إن الإسلام يأخذ بعين الاعتبار حقوق المرأة، مثلما يهتم بحقوق الرجال.

 دور المرأة في بناء المجتمع: تمتلك المرأة من وجهة نظر الإسلام دوراً حساساً، في بناء المجتمع الإسلامي، وإن الإسلام يسمو بالمرأة بما يؤهلها من استعادة مكانتها الإنسانية في المجتمع، والترفع عن الشيئية وعن كونها سلعة تتداول بين الأيدي، وتستطيع المرأة بما يتناسب بمكانتها هذه أن تأخذ على عاتقها مسؤوليات كثيرة في تركيبة المجتمع الإسلامي، وتشارك في بناء المجتمع شأنها شأن الرجل في جميع الميادين تحت الضوابط الشرعية، فعلى سبيل المثال التربية، فالأعداء يخشون أن ينشأ الأطفال على التقوى في أحضان الأمهات الملتزمات بالمنهج الإسلامي لأنهم يدركون جيداً أنه إذا ما تربى الأبناء على هذه التربية، فسوف تذهب جميع مساعيهم هدرا، وفي اعتقادي بأن لب المجتمع الإسلامي هو المرأة ومثال ذلك دور المرأة الإيرانية في انتصار الثورة الإسلامية.

تساوي الرجل والمرأة في القرآن: تفسير نور الثقلين عن مقاتل بن حيان: لما رجعت أسماء بنت عميس من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب دخلت على نساء رسول الله (ص) فقالت: هل فينا شيء من القرآن؟ قلن: لا، فأتت رسول الله (ص) فقالت: يا رسول الله، إن النساء لفي خيبة وخسار! فقال: ومم ذلك؟ قالت: لأنهن لا يذكرن بخير كما يذكر الرجال.

فأنزل الله تعالى هذه الآية: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ الله كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ الله لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}(4) نساء خالدات: خلد الإسلام ذكرى الكثير من النساء، لنتصفح تلك الصفحات المشرقة ونبدأ بالسيدة فاطمة الزهراء عيها السلام التي جسدت الهوية الإنسانية الكاملة، وابنتها السيدة زينب بطلة كربلاء (ع) وهي كانت الصوت الإعلامي الذي أوصل ثورة الإمام الحسين (ع) لأسماع العالم عبر مواقفها البطولية في كربلاء ثم خطابها الملتهب الذي طرقت فيه مجال الإعلام و السياسة الإسلامية من أروع أبوابها وهي واقفة ضد الظلم من دون خوف أو تردد، وتمر الأيام ويأتي لنا الإسلام ببطلة أخرى من أبطاله وهي حميدة البربرية زوجة الإمام الصادق وأم الإمام الكاظم(ع)، كانت مجتهدة في زمانها، إذ كانت الأفكار والمذاهب الدخيلة تغزو الأمة حينها وكان الصراع الفكري بين الإسلام ومناوئيه على أشده، فكانت حميدة الساعد الأيمن لزوجها على صعيد قضايا المرأة.

ومن تلك النساء اللاتي افتخر بهم شخصيا آمنة الصدر المعروفة ببنت الهدى أخت الشهيد الصدر، حيث رفعت لواء المعارضة ضد النظام السابق في العراق، وتعتبر بنت الهدى أول شهيدة في طريق النضال وتحرر المرأة من ألاعيب الاستكبار العالمي المتمثلة في مسخ الهوية الدينية والعفة الزينبية في العراق ونأمل أن يخرج من يمثلها اليوم وأخواتها من الشهيدات على ساحة العراق.

بعض كلمات الإمام الخميني (قدس سره) بمناسبة يوم المرأة: (إن أحضان المرأة منطلق جميع السعادات، ولكن للأسف جعلوا من المرأة ألعوبة). 

(تحظى المرأة بدور كبير في المجتمع، المرأة مظهر تحقق آمال البشرية، المرأة مربية النساء والرجال المحترمين، من أحضان المرأة ينطلق الرجل في عروجه، أحضان المرأة مهد تربية نساء ورجال عظام).

(السلام والتحية للأمهات اللاتي ضحين بأبنائهن بكل اعتزاز وفخر)  

المصادر والهوامش

  • 1 ــ آل عمران: 195.
  • 2 ــ النحل: 97.
  • 3 ــ التوبة: 71.
  • 4 ــ الأحزاب: 35.
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

أضف تعليق

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى