ثقافة

الجاهلية قبل بعثة النبي الأكرم (ص)

 تمهيد: عنيت كتب السيرة النبوية ودراساتها من خلال أبعاد وزوايا ثلاث، الزاوية العقائدية والزاوية التشريعية والزاوية التربوية، والقرآن حينما تناول قصص الأنبياء تناولها أساساً لأجل الهدف العقائدي والتربوي دون التشريعي، أما عنايته بوقائع سيرة خاتم الأنبياء(ص) فقد استهدف الأهداف الثلاثة مع ملاحظة كون المصدر الأوسع في الجانب التشريعي تركه القرآن لسنة النبي(ص)(1).

نحاول هنا أن نبحث الأبعاد الموضوعية من خلال التعرّف على حياة النبي(ص)، والتي تشكلت في مراحل ثلاث:من ولادته إلى بعثته، ومن بعثته إلى هجرته، ومن هجرته إلى رحلته، وهذه الفصول الثلاثة درسها أصحاب السير والتواريخ ووقفوا على تفاصيلها.

 في المراحل الثلاث لسيرة النبي(ص) نختار موضوعاً كلياً يعكس الأبعاد والزوايا التي ذكرت، مثلاً الزاوية التربوية في المرحلة الأولى لحياة النبي(ص) إلى بعثته، وهو القسم الأول من البحث حول (الوضع الجاهلي قبل البعثة)، إضافةً للزوايا الأخرى العقائدية والتشريعية التي سنتناولها في المراحل التالية من حياة النبي الأكرم(ص)، إذ لا يمكن الدخول في مسيرة النبي الأكرم(ص) وسبر غورها من دون التعرف على التحول الهائل الذي أحدثته بعثة نبينا الأكرم(ص) على واقع البشرية آنذاك، إذ يصعب أخذ الصورة كاملةً عن البعثة المحمدية الهادية من دون معرفة الوضع السائد في الجاهلية من خلال المرحلة الأولى من حياة النبي الأكرم(ص) من ولادته إلى بعثته، نتناول موضوع (الجاهلية) التي تقابل مصطلح (الإسلام) في معناها وأساليبها ومظاهرها على الواقع الإنساني.

مفهوم الجاهلية في الإسلام: كلمة (الجاهلية) مشتقةٌ من (الجهل)، وهي كمصطلحٍ تغاير الجهل، إذ الجهل يُرَادُ به ما يقابل العلم فيُقَال:علمٌ وجهلٌ، أما الجاهلية فيُرَاد بها أعم من ذلك، فالجاهلية كمصطلحٍ يقابل المصطلح الإسلامي:وهو مجموعة الأفكار والعواطف والأعمال والمواقف والسلوكيات المضادة لشريعة الإسلام والحضارة الإنسانية بوجهٍ عامٍّ(2).

يذكر الشيخ شمس الدين في كتابه (الجاهلية والإسلام): (إن الجاهلية في حقيقتها اسمٌ للضلال والانحراف عن العقلانية الصحيحة والمناهج المستقيمة، وهي صفةٌ لعالم ما قبل الإسلام كله بما فيه من عربٍ وغيرهم، وهي أيضاً صفةٌ للمبادئ والمثل التي تعثر بها المادية المعاصرة على اختلاف مظاهرها وأشكالها)(3).

 الجاهلية في القرآن الكريم: ذكر صاحب الميزان العلامة الطباطبائي(ره):(القرآن يسمي عهد العرب المتصل بظهور الإسلام بالجاهلية، وليس إلا إشارةً منه إلى أن الحاكم فيهم يومئذٍ الجهل دون العلم، والمسيطر عليهم في كل شيءٍ الباطل، وسفر الرأي دون الحق، وكذلك كانوا على ما يقصه القرآن من شؤونهم)(4).

 وذكر القرآن الجاهلية في عدة آياتٍ: ـ {يَظُنُّوْنَ بِاللهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجَاْهِلِيَّةِ}(5).

 ـ {إِذْ جَعَلَ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا فيِْ قُلُوْبِهِمُ الحَمِيَّةَ حمَِيَّةَ الجَاْهِلِيَّةِ}(6).

 ـ {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاْهِلِيَّةِ الأُوْلَىْ}(7).

 ـ {أَفَحُكْمَ الجَاْهِلِيَّةِ يَبْغُوْنَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُّوْقِنُوْنَ}(8).

 وفي تفسيره لهذه الآية يقول(ره):(إذا كانت الأحكام والشرائع الحقة نازلةً من عند الله تعالى لم يكن وراءها حكم الحق لا يكون دونها إلا حكم الجاهلية الناشئة عن اتباع الهوى، فهؤلاء الذين يتولون عن الحكم الحق ماذا يريدون بتوليهم وليس هناك إلا حكم الجاهلية؟ أفحكم الجاهلية يبغون والحال أنه ليس أحدٌ أحسن حكماً من الله لهؤلاء المدعين الإيمان، في الآية استفهامٌ توبيخيٌّ {أَفَحُكْمَ الجَاْهِلِيَّةِ يَبْغُوْنَ}، {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً} استفهامٌ استنكاريٌّ، أي لا أحد أحسن حكماً من الله تعالى، وإنما يُتَّبَعُ الحكم لحسنه(9).

 عن أمير المؤمنين(ع) أنه قال:(الحكم حكمان: حكم الله وحكم الجاهلية، فمن أخطأ حكم الله حكم بحكم الجاهلية)(10).

 الجاهلية في نهج البلاغة: هناك جملةٌ من النصوص الشريفة الواردة عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالبٍ(ع) وعن سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء(ع) تصوّر الحالة الجاهلية التي كانت سائدةً بين العرب، النصوص كثيرةٌ منها ما يقول(ع) في خطبةٍ له يقرر فضيلة الرسول الأكرم(ص): ـ (بعثته(ص) والناس ضُلاَّلٌ في حيرةٍ، وحاطبون في فتنةٍ، وقد استهوتهم الأهواء واستزلتهم الكبرياء واستخفتهم الجاهلية الجهلاء، حيارى في زلزالٍ من الأمر وبلاءٍ من الجهل، فبالغ(ص) في النصيحة ومضى على الطريقة، ودعا إلى الحكمة والموعظة الحسنة)(11).

 أراد في هذه الخطبة بيان بعض فضائل النبي(ص) وجهاده وما أتعب نفسه الشريفة من أجله، فعندما بعث الله نبيه محمداً إلى الناس كانوا في انحرافٍ وتيهٍ لا يهتدون السبيل، ولا يدركون ما ينفع مما يغير، لقد جذبتهم الأهواء إليها فكلٌّ يمشي على مقتضى هواه وما يرغب فيه وإن كان فيه فساد الأوضاع واضطراب الأحوال، فالكبرياء والجاهلية المظلمة القاتمة قد أخذتهم في الفساد والغارات والظلم والاعتداء، فالجهل هو سبب بلائهم ومصائبهم(12).

 كما قال(ع):(أضاءت به(ص) البلاد بعد الضلالة المظلمة والجهالة الغالية والجفوة الجافية، والناس يستحلّون الحريم ويستدلّون الحكيم، يحيون على فترةٍ ويموتون على كفرةٍ)(13).

 مظاهر الجاهلية قبل الإسلام: لاشك أن الجاهلية لم تكن مقتصرةً على منطقة البعثة بل كانت الجاهلية مسيطرةً على أكثر مناطق العالم (الروم ـ الفرس ـ الهند ـ الصين…) ولكن التركيز على الجاهلية في هذه المنطقة باعتبارها (منطقة البعثة).

 أ- الوضع الديني: ـ الشرك في الربوبية: كان الدين السائد عند العرب هو (الشرك بالله تعالى، فهم وإن كانوا موحدين في مسألة الخالقية {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات وَالأَرْضَ لَيَقُوْلُنَّ اللهَ} ولكنهم مشركين في المراحل الأخرى للتوحيد كما في أمر الربوبية وتدبير العالم(14). ـ عبادة الأصنام: العبادة التي كانوا يعبدونها هي الأصنام زاعمين أنها تقربهم من الله زلفى. وغيرها من العقائد المنحرفة كما في خلق الملائكة إناثاً.

 ب- الانهيار الخلقي: ـ الفواحش والزنا: رُوِيَ عن ابن عباس(ره) (إن أهل الجاهلية كانوا يحرمون ما ظهر من الزنا ويقولون إنه لؤمٌ ويستحلون ما خفي ويقولون لا بأس)، ولتحريم القسمين يشير قوله تعالى {وَلاَ تَقْرَبُوْا الْفَوَاْحِشَ مَاْ ظَهَرَ مِنْهَاْ وَمَاْ بَطَنَ} وكانوا يُكْرِهُونَ إماءهم على الفاحشة والزنا وعلى التكسب من خلاله.

 ـ تعاطي الخمر والميسر: كان رأيٌ بين العرب تناول الخمر منذ زمنٍ بعيدٍ، وقد بلغ شغفهم به حتى جعلوه أحد الأطيبين، لذا حين أراد الإسلام أن يشرع تحريم الخمر شرّعه بالتدريج، مع أن النبي(ص) قد حرّمه قبل الهجرة ولكنه لم يتحقق إلا بعد سنواتٍ من هجرته إلى المدينة.

قال تعالى:{إِنمَّاَ يُرِيْدُ الشَّيْطَاْنُ أَنْ يُّوْقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاْوَةَ وَالْبَغْضَاْءَ فيِْ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنْتَهُوْنَ}(15). ـ وأد البنات: كانوا يئدون بناتهم لأعذارٍ واهيةٍ ومختلفةٍ، فتارةً يتذرعون بخشية الأخلاق والأخرى بحجة الاجتناب عن العار، وقد حكى القرآن عنهم {وَإِذَاْ بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَىْ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَّهُوَ كَظِيْمٌ} الآية تصور أحدهم حينما يبشر بولادة أنثىً له فإنه يتغيّر إلى السواد ويظهر عليه الحزن والكراهية.

 وإلى غيرها من المظاهر الخلقية الساقطة والمنحطة لإنسانية الإنسان في الجاهلية.

 ج- التمزق الاجتماعي: كان يعيش أغلبهم عيشة القبائل والعشائر والبداوة، فخساسة العيش ودناءة المعيشة بحيث يعيشون على الغزوات وشن الغارات واختطاف كل ما في أيدي الآخرين من متاعٍ أو عرضٍ، فلا أمن ولا أمانة ولا سلم ولا سلامة، والأمر إلى من غلب والملك لمن وضع عليه يده، وكانت العرب يومئذٍ تجاور جنوبها الحبشة وهي نصرانيةٌ، وفي مغربها إمبراطورية الروم وهي نصرانيةٌ، وفي شمالها الفرس وهم المجوس وغير ذلك، وفي أرضهم طوائف من اليهود، هذا كله هو الذي أوجد لهم اجتماعاً همجياً بدوياً فيه أخلاطٌ من رسوم اليهود والنصرانية والمجوسية وهم سكارى جهالتهم.

ويعبر صاحب الميزان(ره)(16):(بأن الفضيلة بينهم سفك الدماء والحمية الجاهلية والكبر والغرور واتباع الظالمين، وهضم حقوق المظلومين، والتعادي وتعاطي الربا).

هذه بعض ملامح ومظاهر الحياة الجاهلية التي اصطبغت بالدين ولوثت روح الإنسان، وأسست لها كياناً هاوياً، تلك الجاهلية الأولى، لكن أصولها وجذورها في يومنا هذا باقيةٌ في كل مساحةٍ وبقعةٍ لا تسودها ولا تحكمها البعثة المحمدية الهادية التي أُرْسِلَتْ رحمةً للعالمين ومنقذةً لها، لأن الجاهلية تبقى تصارع عقول الناس وأرواحهم وحياتهم. سنتناول في القسم الثاني (دعوة النبي(ص) في مكة).

المصادر والهوامش

  • (1) السيرة النبوية: 23، السيد سامي البدري.
  • (2) تاريخ ما قبل البعثة النبوية المشرفة: 10، الشيخ فاضل المالكي.
  • (3) بين الجاهلية والإسلام: 19، الشيخ محمد مهدي شمس الدين.
  • (4) تفسير الميزان:4: 156، العلامة الطباطبائي(ره).
  • (5) آل عمران: 154.
  • (6) الفتح: 26.
  • (7) الأحزاب: 33.
  • (8) المائدة: 50.
  • (9) تفسير الميزان: 6: 364، العلامة الطباطبائي(ره).
  • (10) نور الثقلين: 1: 640.
  • (11) نهج البلاغة، خطبة (95) في وصفه فضائل الرسول(ص).
  • (12) شرح نهج البلاغة: 2: 136، السيد عباس الموسوي.
  • (13) نهج البلاغة، خطبة (151) في تحذيره الناس من الفتن.
  • (14) مفاهيم القرآن: 7: 27، الشيخ جعفر السبحاني.
  • (15) المائدة: 91.
  • (16) تفسير الميزان: 4: 157، العلامة الطباطبائي(ره).
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى