أبعاد الارتباط بأهل البيت (ع)

معنى الارتباط : كما نعلم بأن حياة الإنسان ونشأته قائمة على أنماط من الروابط والعلاقات، والتي تفرضها طبيعة الإنسان وخلقته، فهو يأنس بالآخرين ويتبادل مصالحه معهم، وكلما إشتدت هذه العلقة والرابطة إشتدت المحبة والعطاء.

 والإنسان المؤمن كغيره في الحياة – تتوزع ارتباطاته وعلاقاته – في العلاقة مع ربه ومع نفسه وعلاقته بالناس ورؤيته الكونية.. هذه العلاقات ترسم حركة الإنسان المؤمن وتتفاعل معه بحيث يتسامى بينها، يتشكل واقعه من خلالها، هذا مع شرط الترابط الصحيح والإنسجام المتبادل بينها، وهذا المعنى لا يتم إلا بالإرتباط مع “العلقة الحقيقة ” وهو الله (سبحانه وتعالى)” الذي بالإرتباط به يتحقق ترابط الإنسان مع الوجود وما حوله، ويتوحد في وجوده نحوه (عز وجل).. وبانفكاك الإنسان عن –هذه العلقة- يتفكك وجوده وكل أجزاء علاقاته.. لذا يعدّ (رباط العقيدة) أٍسمى رباط في حياة الإنسان وأشد علقة حتى من “الرباط النسبي”، فهو يعقد قلب الإنسان ويشدّه كلما إشتد معرفة وقرب، بحيث يعطي أُثره النفسي والسلوكي.

 قال تعالى : (وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ)(1) – مع هذا الترابط في العلاقات، نسأل.. أين يكمن رباط  ” أهل البيت(ع) ” وماهي أبعاده؟ – الله (سبحانه تعالى) بلطفه ورحمته لما خلق خلقه لم يخلقهم عبثاً، وهو العالم الحكيم العارف بمصلحة عبيده، ولم يترك حياتهم سدىً، بل أبان لهم الطريق وجعل بعنايته الدليل الموصل إليه “وهم الأنبياء والأئمة صلوات الله عليهم “.

 ورباط أهل البيت (صلوات الله عليهم)” كما تعبر عنه- الزيارة الجامعة – في أبهى صوره، هم “أبواب الإيمان وأمناء الرحمن وقادة الأمم وأولياء النعم..وساسة العباد وأركان البلاد.. أئمة الهدى ومصابيح الدجى..الدعاة إلى الله والأدلاء على مرضاة الله..” (2) هذا مقطع من الأبعاد العظيمة.. والتي لو تمعن “العاقل البصير” فيها لا يجد شكاً في أن ينطلق بالبحث عن هذا “الحبل العاصم والعروة الوثقى” ويتمسك به بكل إطمئنان، ويشكر الله على إتمامه نعمه بولاية أهل البيت(ع)، ونحن نعلم بأن أرتباطنا بأهل البيت (ع) يمثل رابطة حقيقة ترتبط بمصير الأنسان وعلاقته مع ربه وحياته وحتى مماته، وليس كارتباطنا بشخصيات تاريخية، سُطرت حياتها.. وأخذنا نذكر سماتها كغيرها من الشخصيات!، هذا المستوى من معرفة السيرة لا شك في تأثيره الخاص، لكنه قد لا يؤسس لعلاقة مترابطة محكمة تتفاعل حياتها مع خط أهل البيت (ع) وبما هم أرادوه (صلوات الله عليهم).. لذا نحاول أن نكتشف هذه الأبعاد ونبحث في جنباتها، بحيث نعطي الإرتباط ” معنى وحركة وشعور متصل بحياة المعصوم (ع) ” أبعاد الإرتباط الحقيقي بأهل البيت (ع) (أ) الإرتباط المعرفي (العقيدي) :-  البحث عن المقام الرباني للمعصوم  (ع) معرفة الجعل الرباني لمقامات أهل البيت (ع) والمكانة الإلهية التي أختصوا بها عن غيرهم، وذلك عبر معرفة “حقيقة الإمامة وشرائطها” والموضوعات المتعلقة بها مثل أصول المذهب والتشيع والعصمة والشفاعة ومعرفة حياتهم وأدوراهم وغيرها.. البحث عن هذه المسائل والبراهين التي حولها لها أثرها في ترسيخ وتعميق الأرتباط وصياغته ببصيرة ووعي.  

قال تعالى (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً…)(3).

(وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُون)(4). (ب) الإرتباط العملي (الرسالي) :-  تجسيد الإرتباط الحقيقي بالمعصوم(ع) هذا الإرتباط له مفرداته العملية، التي من خلالها “يُمتحن الإرتباط” في حقيقته، ويتجسد المعنى الواقعي للإرتباط بأهل البيت (ع)، وتتشكل هذه العلاقة من خلال الأمور التالية : – المرجعية التشريعية والفكرية : هذا الرابط يتعلق “بالتكاليف الشرعية والأحكام العملية” التي رسمها أهل البيت (ع)، وصاغوا من خلالها عبادات الناس ومعاملاتهم، إضافةً إلى بيانهم آياته وشرائع أحكامه وتعريفهم العقيدة الحقة، وكل صغيرة وكبيرة تتعلق بأمور الناس وشؤونهم، وفي عصر الغيبة جعلوا (صلوات الله عليهم) النيابة عنهم ” الفقهاء الأعلام” ممن عرفوا كلامهم وشرائع أحكامهم.. لذا الإرتباط بالفقيه الجامع للشرائط وأخذ الأحكام منهم في إمتداد الإرتباط بالمعصوم(ع) “والراد عليه كالراد علينا”.

 – القيادة السياسية الشرعية : هذا الموقع لم يُترك لأهل البيت (ع) الذين هم “ساسة العباد وأركان البلاد وأمناء الرحمن”، وكل ما مر على الأمة من فتن ومحن بسبب مصادرة هذا الموقع الرباني، لذا تميز أتباع مدرسة أهل البيت (ع) في هذا الجانب عن غيرهم، حيث كانت ” الحيطة والحذر ” في وصايا أهل البيت (ع) وأفعالهم شاهدة على ذلك، لذا كانوا يوصون بأن يتحاكموا في أمورهم عند من “يأتمنون به على دينهم ودنياهم” لا إلى الطاغوت.. وكل من شذ عن هذا الرابط تهاوى وسقط.

– الإقتداء بسيرتهم وأثرهم : هذا الارتباط شدد عليه أهل البيت(ع) في حياة شيعتهم لأنه يعتبر ” الدعوة العملية ” التي ترسم تعاليمهم، وأي شذوذ عن الإقتداء بهم يكون شيناً عليهم .. عن رسول الله (ص): إن شيعتنا من شيعنا وأتبع آثارنا وأقتدى بأعمالنا)(5)، (..كونوا زيناً لنا ولا تكونوا شيناً علينا).. (..كونوا لنا دعاةً بغير ألسنتكم..) (ج) الإرتباط الوجداني (الروحي) :-  الحياة المعنوية مع المعصوم (ع) هذا الإرتباط له مذاقه الخاص، الذي لا ينعم به إلا من ذاق “كوثر الولاية” وشرب من معينه، وذلك عبر الشعائر التالية، التي لها أثرها في ” تقوى القلوب” وفي الإقتراب منهم (صلوات الله عليهم) : – أفراحهم وأحزانهم (ع) : عن الإمام علي (ع) :(إن الله أطلع إلى الأرض فأختارنا واختار لنا شيعة ينصروننا ويفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا ويبذلون أنفسهم وأموالهم فينا فأولئك منا وإلينا وهم معنا في الجنان)(6).

 – كلماتهم ومواعظهم (ع) : عن الإمام الباقر(ع) (إن حديثنا يحيي القلوب )(7).. الإمام الرضا (ع) (لو علم الناس محاسن كلامنا لأتبعونا ) – أدعيتهم ومناجاتهم (ع) : (.. اللهم إني لو وجدت شفعاء أقرب إليك من محمد وأهل بيته الأخيار لجعلتهم شفعائي فبحقهم الذي أوجبت لهم عليك أسائلك أن تدخلني في جملة العارفين بهم وبحقهم وفي زمرة المرحومين بشفاعتهم..)(8) – زيارة قبورهم والتوسل بهم (ع) : (… اللهم إني أعتقد حرمة صاحب هذا المشهد الشريف في غيبته كما أعتقدها في حضرته وأعلم أن رسولك وخلفاءك عليهم السلام أحياء عندك يرزقون يرون مقامي ويسمعون كلامي ويردون سلامي…)(9).

– إنتظار فرج وليهم (عج) : عن رسول الله (ص) : (وقد سُئل : هل ينتفع الشيعة بالقائم (عج) في غيبته ؟ قال (ص) : إيّ والذي بعثني بالنبوة إنهم ينتفعون به، ويستضيؤون بنور ولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس إن جلّلها السحاب)(10). عن الإمام الصادق(ع) :(لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت )(11).

هذه الأبعاد إذا تحركت في إمتداداتها الواسعة، قد تعطي للارتباط حقيقته وفاعليته بشرط الوعي بأهميتها وأثرها – لا أن نقتصر على ظاهرها -،” بل نحاول أن نقترب منها أكثر ونتزود منها بحيث إذا لم نتمسك بحبالها هوينا وسقطنا، لأنهم سفن النجاة ومصابيح الدجى  بحق…. (اللهم أحيانا حياة محمد وآل محمد، وأمتنا ممات محمد وآل محمد)..

المصادر والهوامش

  • (1) سورة البقرة : 165.
  • (2)  الزيارة الجامعة.
  • (3)  سورة البقرة : 124.
  • (4)  سورة السجدة  : 24.
  • (5) ميزان الحكمة : 1539.
  • (6)  ميزان الحكمة :.1539.
  • (7)  ميزان الحكمة : 546.
  • (8)  الزيارة الجامعة.
  • (9)  دعاء الاستئذان للزيارة.
  • (10) ميزان الحكمة : 184.
  • (11)  ميزان الحكمة : 118.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى