آداب قراءة القرآن الكريم

آداب التلاوة هناك أمور لا بد لقارئ القرآن أن يراعيها في تلاوته للقرآن الكريم لمّا لها من أثر على القارئ والمستمع في التركيز ورغبة الاستماع ولفت الانتباه اتجاه القرآن.

 1- القراءة بصوت حسن: القراءة بالصوت الحسن من الأمور المهمة لما لها من أثر ووقع في نفوس الناس، وعادة الإنسان يستأنس ويرتاح إلى الصوت الحسن، وينجذب إليه ويشتاق إلى سماعه، ولذلك جاء في الروايات الحث على قراءة القرآن بالصوت الحسن. قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «حسنوا القرآن بأصواتكم فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً»(1).

 وعن الصادق (عليه السلام) قال: «كان علي بن الحسين (عليه السلام) أحسن الناس صوتا بالقرآن، وكان السقاؤون يمرون ببابه يسمعون قراءته وكان أبو جعفر (عليه السلام) أحسن الناس صوتاً»(2). وعنه (عليه السلام) أيضاً في حديثه عن أبيه وزيد بن الحسن أن الوالي على المدينة كتب إلى هشام لما طلب إليه أن يشخص الباقر (عليه السلام) “إن الرجل الذي طلبته ليس اليوم على وجه الأرض أعف ولا أزهد ولا أورع، وإنه ليقوم في محرابه يقرأ القرآن فتجتمع الطير والسباع تعجبا لصوته، وإن قراءته تشبه مزامير داوود”(3).

2- القراءة بالترتيل: قال تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلاً}(4).

الترتيل: القراءة بصوت حسن مع الإيضاح للحروف والكلمات. وفي مجمع البيان عن الصادق (عليه السلام) إن معنى الترتيل: «أن تتمكث فيه وتحسن به صوتك»(5). وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) في قوله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا} قال: «بينه تبيانا، ولا تهذه هذا الشعر، ولا تنثره نثر الرمل، ولكن اقرعوا به قلوبكم القاسية، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة»(6).

 وعنه (عليه السلام) في نهج البلاغة في صفة المتقين: «أما الليل فصافون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا»(7). وعلى المؤمن أن يقرأ القرآن بالترتيل ولا يقرؤه كما يقرأ أيّ كتاب آخر أو يقرؤه كما يقرأ الشعر، فإن مذاق القرآن وقراءته تختلف فهو كتاب عظة وإرشاد وعبرة، وليس كتاب معلومات يحفظها الإنسان وكفى، بل لا بدَّ أن تنعكس تلك القراءة على قلب الإنسان فتجعل فيه الخشوع والتذلل والانكسار إلى الله (عزّ وجلّ).

  3- الطهارة: أن يكون طاهراً من الحدث الأكبر والأصغر، أي يكون على وضوء حتى يجوز له أن يمس خط القرآن. عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «لا يقرأ العبد القرآن إذا كان على غير طهور حتى يتطهر»(8).

 وعن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «سألته أقرأ المصحف ثم يأخذني البول فأقوم فأبول وأستنجي وأغسل يدي وأعود إلى المصحف فأقرأ فيه فقال: لا حتى تتوضأ للصلاة»(9).

 4- الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم: قال تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}(10)، عن سماعة قال: سألت الإمام الصادق (عليه السلام) عن قوله تعالى: { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} كيف أقول؟ قال: «قل أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم»(11).

 وعن الإمام العسكري (عليه السلام) في تفسيره قال: «أما قوله الذي ندبك الله إليه وأمرك به عند قراءة القرآن: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، فإن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال وإن قوله: أعوذ بالله أي أمتنع بالله (إلى أن قال) والاستعاذة هي ما قد أمر الله به عباده عند قراءتهم القرآن بقوله: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} ومن تأدب بأدب الله أداه إلى الفلاح الدائم»(12). وعن الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن التعوذ من الشيطان عند كل سورة يفتتحها قال: «نعم فتعوذ بالله من الشيطان الرجيم»(13).

 5- البسملة: التسمية عند البدء بقراءة القرآن حتى لو كان الابتداء بغير أول السورة. قال الصادق (عليه السلام): «اغلقوا أبواب المعصية بالاستعاذة، وافتحوا أبواب الطاعة بالتسمية»(14). وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: «إذا قال العبد بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله عز وجل: بدأ عبدي باسمي، وحق علي أن أتمم أموره، وأبارك في أحواله»(15). وجاء في احتجاج الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) مع الرشيد أنه كلما أراد أن يستشهد بآية من القرآن قال: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم».

 6- الإنصات واستماع التلاوة: من آداب الحديث بين المؤمن وأخيه أن ينصت له إذا تكلم ويستمع له، هذا بين المؤمن وأخيه المؤمن، فكيف إذا كان المتحدث الله عز وجل، أليس القرآن هو كلام الله؟ فمن باب أولى الاستماع إلى كلام الله عز وجل، ففضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه(16) كما في الحديث.

 قال تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}(17).

وعن الفضل بن الحسن الطبرسي في مجمع البيان قال قيل: “إن الوقت المأمور فيه بالانصات للقرآن والاستماع له في الصلاة خاصة خلف الإمام الذي يؤتم به، وإذا سمعت قراءته وروي ذلك عن أبي جعفر”(18).

 وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قرأ ابن الكوا خلف أمير المؤمنين {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} فأنصت له أمير المؤمنين»(19).

 وعن عبدالله بن أبي يعفور عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: “قلت له: الرجل يقرأ القرآن أيجب على من سمعه الإنصات له والاستماع؟ قال: «نعم، إذا قرئ عندك القرآن وجب عليك الإنصات والاستماع»”(20).

 وعن زرارة قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: «يجب الإنصات للقرآن في الصلاة وغيرها وإذا قرئ عندك القرآن وجب عليك الإنصات والاستماع»(21).

 7- الخشوع في التلاوة: الخشوع رقة القلب وهي صفة من صفات أولياء الله إذا قرئ القرآن خشعت قلوبهم من ذكر الله، كيف لا يخشع قلب المؤمن من عظمة القرآن والله (سبحانه وتعالى) يقول: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ}(22)، وقال تعالى أيضاً: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ}(23).

 وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «اقرؤا القرآن وابكوا فإنَّ لم تبكوا فتباكوا»(24).

 وعن سليمان بن خالد عن الصادق (عليه السلام) قال: «إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أتى شابا (شبابا) من الأنصار فقال: إني أريد أن أقرأ عليكم فمن بكى فله الجنة، فقرأ آخر الزمر {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا}(25) إلى آخر السورة فبكى القوم جميعا إلا شبابا ( شابا) فقال: يا رسول الله قد تباكيت فما قطرت عيني، فقال: إني معيد عليكم فمن تباكى فله الجنة فأعاد عليهم فبكى القوم وتباكى الفتى فدخلوا الجنة جميعا»(26).

 وكان الرضا (عليه السلام) في طريق خراسان يكثر بالليل في فراشه من تلاوة القرآن فإذا مرَّ بآية فيها ذكر جنة أو نار بكى وسأل الله الجنة وتعوذ به من النار(27).

 وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «ما من عين فاضت من قراءة القرآن إلا قرَّت يوم القيامة»(28).

 8- التدبر في التلاوة: ينبغي للقارئ أن يقرأ القرآن بتدبر وإمعان في الآيات ولا يقرأ القرآن كقراءة الشعر أو ينثره نثراً؛ لأنّ الله عز وجل أمر عباده أن يتدبروا آياته وأن يستفيدوا من تلك الخزائن ويعتبروا ويتذكروا، وإنما يتذكر أولو الألباب.

 قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}(29)، وأيضاً: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}(30).

 وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبر، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه»(31). وعنه (عليه السلام) أيضاً: «تدبروا آيات القرآن واعتبروا به فإنه أبلغ العبر»(32).

 وقال علي بن الحسين (عليه السلام): «آيات القرآن خزائن العلم، فكلما فتحت خزانة فينبغي لك أن تنظر فيها»(33).

 فضل تعلم القرآن وتعليمه ينبغي للإنسان المؤمن أن يضع من أهم أولوياته في هذه الحياة أن يتعلّم القرآن أو يكون في تعلمه أو يعلّمه، ولا يوجد شيء أفضل من تعلّم القرآن؛ فإنه نور يستضيء به المؤمن في هذه الحياة، فمن وضعه أمامه قاده إلى الجنة، ومن وضعه خلفه ساقه إلى النار.

 فلا بدَّ أن يكون القرآن أهم شيء عندنا فلا نقدم عليه شيء وأن نتعاهد قراءته في كل يوم بل في كل ساعة، أليس هو كلام الله؟ وهل هناك شيء أفضل من أن يحدثك الله عز وجل، فإذا أردت أن يحدثك الله فاقرأ القرآن، وهو من أفضل العبادات التي يؤديها المؤمن، لذلك جاءت الأحاديث لحث المؤمن على تعلمه وتعليمه.

 فعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: «خياركم من تعلم القرآن وعلمه»(34).

 وعن النبي (صلّى الله عليه وآله): «ألا من تعلم القرآن وعلمه وعمل بما فيه فأنا له سائق إلى الجنة ودليل إلى الجنة»(35). وعنه (صلّى الله عليه وآله) قال: «من قرأ القرآن قبل أن يحتلم فقد أوتي الحكم صبيا»(36).

 وعن الصادق (عليه السلام) قال: «ينبغي للمؤمن أن لا يموت حتى يتعلم القرآن أو يكون في تعلمه»(37).

 وعن كليب قال: “كنت مع علي فسمع ضجتهم في المسجد يقرؤون القرآن فقال: «طوبى لهؤلاء كانوا أحب الناس إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)»”(38).

وعن النبي (صلّى الله عليه وآله): «يُقال لصاحب القرآن اقرأ وارقه ورتل كما كنت ترتل في دار الدنيا، فإنّ منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها»(39).

 وعنه (صلّى الله عليه وآله) أيضاً: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده»(40).

 فضل تعليم الأولاد القرآن الولد هو ثمرة الأب، فلا بدّ أن يعلمه ما يحسنه ويبعده عما يفسده، وأفضل ما يعمله الإنسان في هذه الحياة أن يُخلفَ له ولد صالح يطيع الله عز وجل ويعود فضل كل ذلك إلى أبيه في الدنيا والآخرة، وأفضل ما يؤدب به الأب ابنه في الحياة أن يعلمه القرآن وذلك حق من حقوق الولد على أبيه.

عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «حق الولد على أبيه أن يحسن اسمه ويحسن أدبه ويعلمه القرآن»(41).

 وعن النبي (صلّى الله عليه وآله): «من علم ولدا له القرآن قلده قلادة يعجب منها الأولون والآخرون يوم القيامة»(42).

 وعنه (صلّى الله عليه وآله) أيضاً: «إذا قال المعلم للصبي قل: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال الصبي: بسم الله الرحمن الرحيم، كتب الله براءة للصبي، وبراءة لأبويه، وبراءة للمعلم من النار»(43).

وعن الأصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إن الله ليهم بعذاب أهل الأرض جميعا حتى لا يتحاشى منهم أحداً إذا عملوا بالمعاصي واجترحوا السيئات فإذا نظر إلى الشيب ناقلي أقدامهم إلى الصلوات، والولدان يتعلمون القرآن، رحمهم فأخر ذلك عنهم»(44).

فضل حفظ القرآن القرآن الكريم هو الغنى الذي لا غنى عنه، وأفضل ما يُعطى الإنسان أن يُعطى حفظ القرآن، فمن أعطى حفظ القرآن فقد اُعطي أفضل شيء فلا يضيعه بالنسيان وعدم الاستذكار فإنها تكون عليه حسرة يوم القيامة حينما تتصور له تلك السورة الذي نسميها درجة عالية في الجنة فإذا ما رآها يقول ما أحسنك؟ فتقول له: أو ما تعرفني؟ أنا سورة كذا وكذا، ولو لم تنسني لرفعك الله إلى هذا المكان، حينها تصيبه الحسرة على ما فرط في نسيان تلك السورة، إذاً علينا أن نحفظ كتاب الله أولا، ثمّ نتذكره بعد ذلك حتى نحافظ عليه من النسيان، فعن النبي (صلّى الله عليه وآله): «من أعطاه الله حفظ كتابه فظنّ أنّ أحدا أعطى أفضل مما أُعطي فقد غمط أفضل النعمة»(45).

وعنه (صلّى الله عليه وآله) أيضاً: «إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخراب»(46).

وعن الصادق (عليه السلام): «الحافظ للقرآن العامل به مع السفرة الكرام البررة»(47).

وعن يعقوب الأحمر قال: “قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): إن عليَّ دينا كثيرا وقد دخلني ما كاد القرآن يتفلت مني، فقال أبو عبدالله (عليه السلام): «القرآن القرآن، إنّ الآية من القرآن والسورة لتجيء يوم القيامة حتى تصعد ألف درجة -يعني في الجنة- فتقول لو حفظتني لبلغت بك هيهنا»”(48).

وعن الصادق (عليه السلام) قال: «إن الرجل إذا كان يعلم السورة ثم نسيها أو تركها ودخل الجنة أشرفت عليه من فوق في أحسن صورة فتقول: تعرفني فيقول: لا فتقول: أنا سورة كذا وكذا لم تعمل بي وتركتني، أما والله لو عملت بي لبلغت بك هذه الدرجة، وأشارت بيدها إلى ما فوقها»(49).

وعن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: «بئسما لأحدكم أن يقول نسيت آية كيت وكيت، بل هو نسي، استذكروا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا من صدور الرجال من النّعم من عقلها»(50)، وعنه (صلّى الله عليه وآله) أيضاً قال: «مثل القرآن إذا عاهد عليه صاحبه فقرأه بالليل والنهار كمثل رجل له إبل فإن عقلها حفظها وإن أطلق عقالها ذهبت فكذلك القرآن»(51).

فضل حمل القرآن إن لحملة القرآن فضل كبير عند الله عز وجل، وهم أشراف هذه الأمة، وهم عرفاء أهل الجنة، وهم المقدمون على غيرهم، ولا يعذب الله عز وجل قلبا وعى القرآن، فلا بدَّ أن نقدر ونحترم ونجل حملة كتاب الله، وأن لا نهين أحدا منهم أو نحتقره؛ إجلالا لما يحملونه في صدورهم، ومن احترمهم فإنما احترم كتاب الله، ومن أهانهم فإنما أهان كتاب الله (عزّ وجلّ)، فعن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: «حملة القرآن هم المحفوفون برحمة الله، الملبوسون بنور الله عز وجل»(52).

 وعنه (صلّى الله عليه وآله) أيضاً: في غزوة أحد في دفن الشهداء: «انظروا أكثرهم جمعا للقرآن فاجعلوه أمام صاحبه في القبر»(53).

وبعث النبي (صلّى الله عليه وآله) وفدا إلى اليمن فأمّر عليهم أميرا منهم وهو أصغرهم، فمكث أياما لم يسر فقال له رجل: يا رسول الله أتؤمره علينا وهو أصغرنا؟ فذكر النبي (صلّى الله عليه وآله) قراءته للقرآن”(54).

 آداب حامل القرآن ينبغي لحامل القرآن ألا يكون كغيره من الناس، بل لا بدَّ أن يكون على درجة عالية من الأخلاق وصفات الخير؛ لأنّه يحمل كلام الله، وهو يدعوه للالتزام بالصفات الحسنة، ونبذ الصفات السيئة من شخصيته، ويكون نموذجا وقدوة للآخرين ولا يكون كالذي يصفه القرآن من حملة العلم ولكنهم لا يستفيدون من ذلك العلم إلا التعب.

قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}(55)، فلا بدَّ لحامل القرآن أن تتأثر شخصيته لما يقرأ أو يسمع، أن تكون عليه سيماء الصالحين من الخشوع والتذلل والقرب من الله عز وجل، وأن يكون حمله للقرآن لوجه الله تعالى.

 لكننا نرى أن هناك أناساً يحملون القرآن لأمور دنيوية لكي يدر عليهم المال، ويحفظ القرآن أو أجزاء منه لكي يحصل على جائزة مالية، ولذلك ترى هذا الإنسان بمجرد أن تنتهي هذه المسابقة أو يحصل على هذه الجائزة ينسى ما حفظه، فهدفه لم يكن حفظ القرآن لوجه الله تعالى، وإنما من كان من أجل أن يحصل على المال أو الجائزة، أو ذلك الذي يحفظ القرآن من أجل الرياء والسمعة فكل أولئك لا يمكن أن يستفيدوا من القرآن ولا يمكن أن يؤثر في شخصيتهم، وإنما مجرّد ترديد كلمات لا تتعدى الحناجر، وكما جاء في الرواية قال النبي (صلّى الله عليه وآله): «أنت تقرأ القرآن ما نهاك فإذا لم ينهك فلست تقرؤه»(56).

وقال النبي (صلّى الله عليه وآله): «إن أحق الناس بالتخشع في السر والعلانية لحامل القرآن، وإن أحق الناس بالصلاة والصيام في السر والعلانية لحامل القرآن»(57).

 وعن أنس قال: خرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ذات يوم فنادى بأعلى صوته: «يا حامل القرآن أكحل عينيك بالبكاء إذا ضحك البطالون، وقم بالليل إذا نام النائمون، وصم إذا أكل الآكلون، واعف عمن ظلمك، ولا تحقد فيمن يحقد، ولا تجهل فيمن يجهل»(58).

وعن الصادق (عليه السلام) قال: «إن من الناس من يقرأ القرآن ليُقال فلان قارئ، ومنهم ليطلب به الدنيا ولا خير في ذلك، ومنهم من يقرأ القرآن لينتفع به في صلاته وليله ونهاره»(59).

وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قرآء القرآن ثلاثة: رجل قرأ القرآن فاتخذه بضاعة، واستدرَّ به الملوك، واستطال به على الناس، ورجل قرأ القرآن فحفظ حروفه وضيع حدوده، وأقامه إقامة القدح، فلا كثّر الله هؤلاء من حملة القرآن، ورجل قرأ القرآن فوضع دواء القرآن على داء قلبه، فاسهر به ليله، وأظمأ به نهاره، وقام به في مساجده، وتجافى به عن فراشه، فبأولئك يدفع البلاء، فبأولئك يديل الله من الأعداء، فبأولئك ينزل الله الغيث من السماء، فوالله لهؤلاء في قراء القرآن أعز من الكبريت الأحمر»(60).

وعن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: «من قرأ القرآن يتأكل به الناس جاء يوم القيامة ووجهه عظم ليس فيه لحم»(61)، وعنه (صلّى الله عليه وآله) قال: «من تعلم القرآن للدنيا وزينتها حرّم الله عليه الجنة»(62)، وعنه (صلّى الله عليه وآله) أيضاً: «من قرأ القرآن يريد به السمع والتماس شيء لقى الله عز وجل يوم القيامة ووجهه مظلم ليس عليه لحم ومن قرأ القرآن ولم يعمل به حشره الله عز وجل يوم القيامة أعمى فيقول: {رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى}»(63).

أحكام القرآن يحرم على المحدث بالحدث الأكبر أو الأصغر إيصال شيء من بدنه إلى كتاب الله العزيز، ويحرم على الجنب والحائض والنفساء قراءة شيء من سور العزائم (وهي السور القرآنية التي تحتوي على السجدات الواجبة) وهي أربع: ألم فصلت، وحم السجدة، والنجم، واقرأ.

 يكره للجنب والحائض والنفساء قراءة أكثر من سبع آيات من غير سور العزائم، ويكره مس حواشي القرآن وغلافه وما بين خطوطه لكل من لم يكن على طهارة.

 توجد في كل سورة من سور العزائم آية واحدة يجب على الإنسان إذا قرأها أو سمعها أن يسجد بعد تمام الآية فوراً وإذا نسي أن يسجد في حينها سجد في أي وقت تذكر، ولا يلزم للسجود في سجدة القرآن الواجبة أن يكون على وضوء أو غسل أو مستقبلا القبلة.

 يكفي في سجدة القرآن الواجبة أن يضع جبهته على الأرض بقصد السجدة وإن لم يقرأ ذكرا، ولكن الإتيان بالذكر مستحب والأفضل أن يقول: لا إله إلا الله حقا حقا، لا إله إلا الله إيمانا وتصديقا، لا إله إلا الله عبودية ورقا، سجدت لك يا رب تعبدا ورقا، لا مستنكفا ولا مستكبرا، بل أنا عبد ذليل ضعيف خائف مستجير، أو يقول (سجدت لك يا رب تعبدا ورقا، لا مستكبرا عن عبادتك ولا مستنكفا ولا مستعظما، بل أنا عبد ذليل خائف مستجير)، أو يقول (إلهي آمنا بما كفروا، وعرفنا ما أنكروا، وأجبناك إلى ما دُعوا، إلهي فالعفو العفو).

 والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

المصادر والهوامش

  • (1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج1، ص75.
  • (2) البحار، ج46، ص70.
  • (3) البحار، ج46، ص330.
  • (4) المزمل / 4.
  • (5) مجمع البيان للطبرسي، ج10، ص162.
  • (6) الوسائل، ج6، ص207.
  • (7) نهج البلاغة، ج1، ص161.
  • (8) الوسائل، ج6، ص196.
  • (9) نفس المصدر.
  • (10) النحل، 98.
  • (11) البحار، ج60، ص255.
  • (12) الوسائل، ج6، ص197.
  • (13) نفس المصدر، ص198.
  • (14) المستدرك للنوري، ج5، ص304.
  • (15) عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج2، ص269.
  • (16) ميزان الحكمة، ج3، ص2069.
  • (17) الأعراف، 204.
  • (18) مجمع البيان ج4 ص791.
  • (19) الوسائل، ج6، ص214.
  • (20) مجمع البيان، ج4، ص419.
  • (21) الوسائل، ج6، ص215.
  • (22) الحشر، 21. (23) الحديد، 16.
  • (24) ميزان الحكمة، ج3، ص2528.
  • (25) الزمر، 71.
  • (26) الوسائل، 6، ص217.
  • (27) عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج1، ص196.
  • (28) ميزان الحكمة، ج3، ص2529.
  • (29) محمد (صلّى الله عليه وآله)، 24.
  • (30) النساء، 82.
  • (31) الكافي، ج1، ص36.
  • (32) ميزان الحكمة، ج3، ص2528.
  • (33) ميزان الحكمة، ج3، ص2528.
  • (34) ميزان الحكمة، ج3، ص2521.
  • (35) ميزان الحكمة، ج3، ص2522.
  • (36) نفس المصدر.
  • (37) الكافي، ج2، ص607.
  • (38) ميزان الحكمة، ج3، ص2521.
  • (39) الوسائل، ج6، ص191.
  • (40) ميزان الحكمة، ج3، ص2522.
  • (41) نفس المصدر.
  • (42) نفس المصدر.
  • (43) الوسائل، ج6، ص169.
  • (44) المستدرك، ج3، ص360.
  • (45) ميزان الحكمة، ج3، ص2522.
  • (46) ميزان الحكمة، ج3، ص2522.
  • (47) الوسائل، ج6، ص176.
  • (48) الكافي، ج2، ص608.
  • (49) نفس المصدر.
  • (50) ميزان الحكمة، ج3، ص2523.
  • (51) نفس المصدر.
  • (52) نفس المصدر.
  • (53) نفس المصدر.
  • (54) نفس المصدر، ص2524.
  • (55) الجمعة: 5.
  • (56) ميزان الحكمة، ج3، ص2529.
  • (57) الكافي، ج2، ص604.
  • (58) ميزان الحكمة، ج3، ص2524.
  • (59) الكافي، ج2، ص607.
  • (60) الكافي، ج2، ص627.
  • (61) ميزان الحكمة، ج3، ص2529.
  • (62) نفس المصدر، ص2530.
  • (63) ميزان الحكمة، ج3، ص2530.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى