التبليغ بين العمل الفردي والمؤسساتي حوار مع الشيخ باقر الحواج

{ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ الله وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا الله وَكَفَى بِالله حَسِيبًا}(1).

نلتقي في هذا الحوار المتجدد لنسلط الضوء على جنبة من جنبات الوظيفة الأساسية لطالب العلم، ألا وهي تبليغ الرسالة الإسلامية.

وهذا الموضوع متشعب جداً، ولكن ارتأينا أن نتناول جانباً مهماً منه اغتناماً للفرصة المتاحة.

 فكان الحديث عن التبليغ بين العمل الفردي والمؤسساتي مع شخصية مخضرمة في هذا المجال. فسماحة الشيخ باقر الحواج قد زاول التبليغ الفردي شأنه شأن أغلب العلماء في الحقبة الماضية، وأيضاً هو يزاول حالياً العمل المؤسساتي من خلال إدارته لواحدة من أكبر المؤسسات التبليغية في البحرين.

 لكن في الحقيقة لم نستكمل الحوار نظراً لضيق وقت سماحته، حيث زاحمناه في سفره إلى مدينة قم المقدسة، وهو مع ذلك لم يبخل علينا بشطر من الإجابات القيّمة، فلا يسعنا إلا أن نشكره على سعة صدره وتفاعله.

لكل من العمل الفردي والمؤسساتي إيجابيات وسلبيات، بنظركم ما هي أهم تلك السلبيات والإيجابيات؟ سؤالكم يسلِّم أو يفترض وجود سلبيات للعمل المؤسساتي ولعل ذلك نتيجة بعض التجارب غير الموفقة، حيث أخفقت بعض المؤسسات في تحقيق أهدافها، أو نتيجة ما يجده البعض من أعمال وإنجازات قامت على جهود فردية.

ومع كل ذلك فالتسليم بأن العمل المؤسساتي له سلبيات أمر غير واضح إن لم يكن غير صحيح، وذلك لأمرين: الأول: التطبيق الخاطئ لا يقلل من القيمة الذاتية للعمل المؤسساتي، وفشل التجربة لا يدل على فشل الفكرة والنظرية، وهذه مسألة سيالة في أمور كثيرة، فكثيراً ما يقع بون شاسع بين النظرية والتطبيق ثم حين تفشل التجربة ولا تتحقق الأهداف المرسومة تُحاكم النظرية! وهذا خطأ. علماً بأن التطبيق إما خاطئ أو ناقص لم يتوفر على كل عناصر وقيود النظرية خارجاً.

سأذكر لكم مثالاً: هناك أعمال وبرامج يقولون عنها أنها عمل مؤسساتي، ومنطلقة من مؤسسة، وتُلبَّس هذا اللباس، وفي الواقع إن روح الفردية والذاتية هي التي تحكمها. وعندما تفشل يُتَّهم العمل المؤسساتي مع أنه من الأساس والبداية عمل فردي.

 الثاني: التجارب الموفقة والنتائج الباهرة وفي حقول شتى للعمل المؤسساتي، وما النقلة النوعية التي يشهدها العالم، والتطور السريع، إلا وراء ثقافة العمل المؤسساتي التي تنطوي على احترام التخصصات ـ والكلام هنا في الأعم من المؤسسات الدينية ـ إذن فالتجربة والواقع لها رأي آخر والتجارب الفاشلة ليست بشيء أمام التجارب الناجحة.

 أعود إلى أصل السؤال.. ما هي إيجابيات العمل المؤسساتي؟ أولاً: بما أن العمل المؤسساتي هو اجتماع أفراد تحت مظلة واحدة، وبذل جهود منسقة وموجهة نحو تحقيق أهداف معينة ومحددة.

ففي إسلامنا وثقافتنا ما يدعو  ويرغِّب إلى مثل هذا الاجتماع، بل تجدون أن الترغيب في الاجتماع يصل حتى إلى العبادات.. الإسلام يعطي قيمة للصلاة جماعةً مع أنها علاقة خاصة بين العبد وربه، أي علاقة ثنائية، وفريضة الحج كذلك يطلبها في موسمٍ محدد ومكان محدد، أي بشكل جماعي.. وهناك مفردات أخرى يمكن أن تكون شواهد.

وهذه في الحقيقة تربية إسلامية رائعة، فحين تشير الروايات إلى أن المعطيات والآثار المعنوية الكاملة للعبادات تتوقف على اجتماع والتقاء وأداء جماعي فهي من جهة أخرى تنمّي الإحساس بوجود الآخر وطاقة الآخر، وأنك جزء ولست الكلّ.

 إذا كان ذلك في مجال العبادات فكيف إذن في مجال العمل الاجتماعي والثقافي، فصريح القرآن يدعو إلى التعاون.

 أما الإيجابيات اختصارا فهي:

 1. إيجاد برامج ومشاريع مدروسة وغير مرتجلة، فالمشروع وقد شارك في صياغته ودراسته أكثر من عقل، يختلف عن المشروع الذي صاغه ودرسه عقل واحد.

 2. استمرارية العمل، فالعمل المؤسساتي يتميز في العادة بالنفس الطويل والاستمرارية، وعدم توقّفه على فرد، وغياب الفرد لا يعطّل المشروع. وهذا بخلافه في العمل الفردي.

 3. تعزيز التخصص، فالمناخ والمكان المناسب لتعزيز ثقافة التخصص هو المؤسسة والعمل المؤسساتي.

 4. توفير الوقت.

 5. تنسيق الجهود.  

وأجد مثالاً حياً لإسقاط الإيجابيات المذكورة، وهو هذه المجلة الوليدة، أعني (رسالة القلم).. فهل كانت ستخرج بهذا الشكل لولا التنوع في الوظيفة وتنسيق الجهود.. وهل.. وهل؟ بالطبع لا.

أما سلبيات العمل الفردي، فقد اتضحت من خلال ذكر إيجابيات العمل المؤسساتي. المؤسسة التبليغية لها خصوصية تختلف بها عن باقي المؤسسات.. حيث أنها تمثل بؤرة للدعوة إلى الله تبارك وتعالى وإلى القيم والأخلاق الفاضلة، فهي ليست كباقي المؤسسات التي تخضع في نجاحها وفشلها إلى مجرد قوة الإدارة والنظام وما شابه.

 بنظركم ما هي أهم المقومات الأخلاقية والدينية التي تكفل نجاح المؤسسة في أداء رسالتها الإلهية؟ وكيف يمكن أن تترجم تلك المقومات بشكل عملي في واقع هذه المؤسسة؟ كما تفضلتم، هناك خصوصية للمؤسسة التبليغية الدينية، ولا يكفي الاطلاع على علم الإدارة أو التوفر على التجربة والخبرة الإدارية لنجاح المؤسسة الدينية، وإنما تنضاف لذلك شروط أخرى، منها:

 1. أن يكون المنطلق للتأسيس والحاكم على عمل المؤسسة هو تقوى الله عز وجل: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ الله وَرِضْوَانٍ}(2). فخلوص نية القائمين يعطي المؤسسة قوة ومتانة ومصداقية. إذن فالكفاءة الإيمانية والتدين شرط مهم.

 2. الوزن العملي والثقافي يشكل عاملاً من عوامل نجاح المؤسسة، وكلما كان المؤسس أو من يدير المؤسسة من الوجوه المعروفة في هذا الجانب فذلك يعطي ثقلاً للمؤسسة، ويؤدي إلى قناعة الناس بالمؤسسة وببرامجها.

 3. درجة وعي القائمين على المؤسسة، ولذلك دخل في تحديد البرامج والمشاريع والأولويات.ووجود هذا الأمر يجنب المؤسسة والكثيرين من المشاكل والانشغال بما لا يهم ولا ينفع المجتمع.

 4. روحية التطوّع، ومهما قيل من أن الحوافز المادية ضرورية للعمل المؤسساتي إلا أن ذلك لا يلغي فاعلية وأهمية هذا الشرط.. العمل الديني لا يحسب بالساعات والدقائق حتى يقدّر ثمنه على أساس ذلك.. نعم، يُؤمَّن هذا الجانب وتُغطّى حاجة العامل والمؤسسة ولكن ليس بالطريقة الموجودة في المؤسسات الأخرى.

 ولو أن الدعوة إلى الله والعمل الديني توقف على المقابل المادي لما قامت للإسلام قائمة. فالتطوع لعب دوراً في الماضي ولا زال. سؤالان: ماذا ينتظر المجتمع من المؤسسة التبليغية؟ وماذا تنتظر المؤسسة التبليغية من المجتمع؟ المجتمع ينتظر من المؤسسة برامج ومشاريع قائمة على دراسة وتخطيط.. المجتمع ينتظر مشاريع تلامس همومه وتقدّم حلاً لما يعانيه.. ينتظر برامج خلاّقة تساهم في خلق مناخ وأجواء إيمانية.. ينتظر برامج تلاحق الانحراف الذي يهدد سلوكيات وأخلاقيات أبنائه.

أما المؤسسة فتنتظر من المجتمع أن يؤمن ويقتنع بالعمل المؤسساتي، وما لم يكن ذلك فالفاصلة تكون كبيرة.. المؤسسة تنتظر الدعم مادياً ومعنوياً.. تنتظر رفدها بطاقات كفوءة وواعية.. تنتظر التواصل والتفاعل مع برامج ومشاريع العمل المؤسساتي. استقلالية أي مؤسسة تشكّل عنصراً أساسياً في حفظ المصداقية.

 ولا تكاد تسلم مؤسسة من اتهامها بأنها في قراراتها تابعة لفلان وفلان. برأيكم ما هي الضابطة في تحديد مفهوم الاستقلالية؟ وهل أن خضوع المؤسسة في قراراتها المصيرية أو توجيهها العام لعالم من العلماء مثلاً يمثل حالة سلبية بالمطلق، وهل يخدش ذلك في مصداقية المؤسسة؟ المشكلة اليوم أن هناك استعمال لمفاهيم بلا حدود وضوابط، وعليك أن تحدد رأيك وموقفك قبولاً أو رفضاً، وهذه مشكلة.

فاستقلالية المؤسسة هل يناقضها أن تخضع في قراراتها لمرجعية دينية أو لا يناقضها؟ تارة لا يوجد اختيار وتفويض لهذه المؤسسة والقائمين عليها في تحديد سياستها وآلية العمل وإنما تدخّل مفروض من جهة تتدخل في القرارات.. واضح أن هذه المؤسسة غير مستقلة.

وصورة أخرى هي أن يرى القائمون على المؤسسة ويتفقون على الاسترشاد برأي عالم أو مرجعية دينية ويصيغون نظاماً داخلياً، مثلاً أحد بنوده: أنهم لا يخالفون رأي هذا العالم أو ذاك المرجع، فهنا حالة من الاختيار والاتفاق، ولا يخدش ذلك في مصداقية واستقلالية المؤسسة.

هل تؤيدون ذوبان جميع المبلغين في بوتقة العمل المؤسساتي، أم أن هناك ضرورة للحفاظ على العمل الفردي أيضاً إلى جانب العمل المؤسساتي؟ بعيداً عن التأييد وعدمه، التنوع في الأسلوب والأداء لا يمكن إلغاؤه.

 فهناك أمور لا تقوم بها إلا المؤسسة. ولا يستطيع الفرد أن ينجزها لوحده، وهناك أمور أخرى باستطاعة الفرد إنجازها والقيام بها. بطبيعة الحال فإن هناك من لا يؤمن بالانخراط في العمل المؤسساتي من المبلغين.

والسؤال هو: ما هي العلاقة التي ينبغي أن تسود الطرفين؟ الإيمان بضرورة التبليغ موجودة عند من يؤمن بالعمل الفردي والمؤسساتي، وهذه أرضية مشتركة. ثم لا يوجد طرفان أصلاً حتى يكون هناك تخوّف وبالتالي تكون الحاجة إلى رسم علاقة تؤمن أي تصادم، فالعلاقة الإيمانية هي التي تحكم وتسود، والفارق إنما هو في الأسلوب.

كثيراً ما توسم المؤسسات بأنها كثيرة التنظير ومتشعبة اللجان، ولكنها قليلة الإنتاج وضعيفة التأثير في الواقع الحياتي للناس.

بنظركم ما هي أهم العوامل التي تؤدي إلى مثل هذه النتيجة؟

أولاً ليس كل مؤسسة قائمة هي ضعيفة الإنتاج والتأثير. نعم، في الجملة المشكلة التي تشيرون إليها موجودة وترجع لأمور منها:

 1. انعدام أو ضمور ثقافة العمل المؤسساتي لدى بعض الأعضاء. فتجد أن خياراته المفضلة وأولوياته واهتماماته ووقته لغير المؤسسة أكثر منه للمؤسسة. فلا تفرّغ كافٍ من قبل العضو للمؤسسة.

 2. انشغال أفراد المؤسسة وأعضاء اللجان في أكثر من مؤسسة ولجنة.

 3. عدم المعرفة والمهارة الإدارية.

 4. عدم التجربة الكافية للعمل المؤسساتي.. فأنتم تعلمون أن ما يقارب ثلاثة عقود والوضع السياسي لا يسمح بتكوين وإنشاء جمعيات واتحادات ومؤسسات.

إذن التجربة حديثة لدى الكثير من الأعضاء. ما هي قراءتكم لمستقبل التبليغ المؤسساتي؟ قراءة إيجابية ونظرة متفائلة لوجود مناخ مشجّع.. ثم إن هذه التجربة آخذة في النضج.

المصادر والهوامش

  • (1) الأحزاب: 39.
  • (2) التوبة: 109
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

أضف تعليق

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى