طبيعة الدعوة وشخصية الداعي

قال الإمام زين العابدين عليه السلام: (والحمد لله الذي من علينا بمحمد نبيه صلى الله عليه وآله)1. الإسلام إصلاح للحياة في إرشاده، وهدايته، وحق، وصدق في مصدره، لأنه يخاطب العقل، ويأمر بأتباع العلم، وينهى عن الأخذ بالظن، والمحاكاة، والتقليد، وقال كاتب معاصر: “إذا تتبعنا في القرآن الكريم لفظ العقل، ومشتقاته، ومترادفاته، وجدنا ذلك يبلغ 80 مرة، أما لفظ العلم، وما يتفرع منه فقد بلغ ( 880 ) مرة، وكل مدلولات العلم، والعقل في كتاب الله ترتبط بالدين، والتشريع، والحياة، وآداب السلوك”.

وفي الحديث: “العقل أصل ديني”2، وفي أخر: “العقل دليل المؤمن”3، “ومن كان عاقلاً كان له دين”4. ومن دان بدين العقل، والعلم لا يحتاج إلى شاهد على دينه، وإيمانه وإلا تحول الدليل على غيره مدلولاً عليه، وإنما يطالب بالدليل على أنه يدين بهذا الدين القويم، وشاهد الإسلام كتاب الله، وسنة نبيه، وأقوال العلماء، والمفكرين من المسلمين، وغيرهم المنصفين.

ولكن هل تثمر الدعوة، وتنتشر لمجرد أنها سداد، ورشاد ؟ فقد أرسل سبحانه مئات الأنبياء للأمم الماضية قبل محمد صلى الله عليه وآله فكذبوا بآياته، ونكلوا برسله ـ قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ المائدة:70 ـ فأهلكهمم بالخسف، أو الطوفان، أو الصيحة، وما أشبه حيث لا علاج على الإطلاق إلا الهلاك، لأنه تعالى يكره العذاب لعباده، ومن هنا فتح باب التوبة للمذنبين. وفي أصول الكافي عن الإمام الصادق عليه السلام: “إن الله جل وعز أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة”5

وهنا سؤال يطرح نفسه: لماذا استجابت النفوس لدعوة الإسلام، وتفاعلت معه حتى انتشر في شرق الأرض، وغربها في أمد لا يتجاوز نصف قرن، وما ظفرت أية دعوة من قبل بمثل هذا الفتح، وأمده، فما هو السر يا ترى ؟.

الجواب: السر كل السر يمكن في عظمة الإسلام، وأسراره، وفي شخصية محمد التي دانت لها الرقاب طوعاً، وأدهشت الألباب بذاتها المؤثرة، وبصيرتها النافذة، وحكمتها الرزينة، وسموها على الهوى والفردية، ولو جاء بالإسلام غير محمد، أو جاء محمد بغير الإسلام ما كان للرسالة، ولا للرسول هذا الثقل، والأثر الذي عرفه تأريخ الإنسانية للإسلام ونبيه، ولا قال فيه المنصفون الأجانب الذين يهتمون بالدراسات الإنسانية ما قالوه، ومن ذلك ـ على سبيل المثال ـ قول ديورانت: “إذا حكمنا على العظماء بما كان للعظيم من أثر في الناس، قلنا كان محمد أعظم العظماء” (قصة الحضارة: 3 / 570). وقول برناردشو: “إن رجلاً مثل محمد لو تسلم زمان الحكم المطلق اليوم في العالم كله لتم له النجاح في حكمه، وقاده إلى الخير، وحل مشكلاته بوجه يحقق للعالم السلام، والسعادة المنشودة” (تأريخ الفلسفة لفندلبند: 552).

لقد ذكر المسلمون لمحمد صلى الله عليه وآله ألف معجزة كما في مجمع البحرين للشيخ الطريحي 6 من يوم ولادته إلى يوم انتقاله للرفيق الأعلى، ولمجرد التيمن، والتبرك نذكر واحدة منها، قالت حليمة السعدية: “ناولت محمداً، وهو في المهد، وللمرة الأولى، الثدي اليمنى فأقبل عليها، ثم أعطيته اليسرى فأبى وتركها لأخيه، وكان هذا دأبه لا يأخذ إلا الواحدة، ويترك لأخيه الأخرى”7،أي لأخيه من الرضاع. وعلق على ذلك عالم معاصر بقوله: “لله أنت يا محمد ! هكذا فطرت على القناعة، والعدل، وعلى كراهية الإستثار بالفضل، لقد طبت في المهد صبياً كما طبت رجلاً سوياً” وبهذا العدل، وكل الخلال الفضلى جلب محمد الناس إلى الإسلام بشهادة القرآن: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ آل عمران:159.

ولو انفظوا من حوله لكان الإسلام مجرد كلام في كلام، ومن هنا كان محمد رحمة مهداة للعالمين، ونعمة كبرى على المسلمين، وجزاءاً متمماً للإسلام، كما أن الإسلام جزء متمم لمحمد. 8

اللهم فصل على محمد أمينك على وحيك، ونجيبك من خلقك، وصفيك من عبادك، إمام الرحمة، وقائد الخير، ومفتاح البركة، كما نصب لأمرك نفسه، وعرض فيك للمكروه بدنه، وكاشف في الدعآء إليك حامته، وحارب في رضاك أسرته، وقطع في إحياء دينك رحمة، واقصى الأدنين على جحودهم، وقرب الأقصين على استجابتهم لك، ووالى فيك الأبعدين، وعادي فيك الأقربين.9


المصادر والمراجع

1- من فقرات الدعاء الثاني من الصحيفة السجادية.
2- الكافي/ الكليني باب العقل والجهل.
3- الكافي/ الكليني باب العقل والجهل.
4- الكافي/ الكليني باب العقل والجهل.
5- الكافي / الكليني باب التوبة.
6- مجمع البحرين: 3 / 126.
7- سبل الهدى والرشاد: 9 / 409.
8- في ظلال الصحيفة السجادية / العلامة محمد جواد مغنية ص115_117.
9- من فقرات الدعاء الثاني من الصحيفة السجادية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى