الكلام في فهم القرآن القسم الأول

بسمه تعالى، اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم.

 من الدراسات التي بُحِثَ فيها في الآونة المتأخرة دراسةٌ في فهم القرآن الكريم، وأن القرآن الكريم هل يمكن فهمه؟ إلى أي مدى يمكن فهمه؟ وهذا لا يعني أن الدراسات السابقة لم تتعرض لموضوع فهم القرآن الكريم، بل تعرضت إليه إجمالاً في ضمن بحث جواز التفسير، وإمكان التفسير، لما توجد من علاقة بين فهم القرآن الكريم وجواز التفسير وإمكانه، ولما وجد الفارق الدقيق من جهة إضافة بعض المواضيع، أو من جهة العموم والخصوص المطلق أو من وجه، استقلت دراسة فهم القرآن، ويمكن عد ذلك نوعاً من أنواع تنوع البحوث، وجعلها في إطار جديد بحلية جديدة.

 مفهوم فهم القرآن: الفهم في اللغة: تقول: فَهِمَ الشيءَ ـ بالكسرـ فَهْماً وفَهَامةً أي علمه، تَفَهَّمَ الكلام فهمه شيئاً بعد شيء(1)، الفهم معرفتك الشيء بالقلب.

(2) فهم القرآن الاصطلاحي: المراد منه العلم بمعاني آيات القرآن الكريم، ومقاصده وأغراضه، وما يتعلق بالآيات الكريمة من أهداف، مع غض النظر عن مستوى وحدود الإدراك لتلك الأمور، فيصدق على من يفهم بعض آيات القرآن بحدود جزئية ـ ولو على مستوى ظواهر الألفاظ ـ أن له فهم في القرآن الكريم، ويصدق أيضاً على من له فهمٌ أكبر من ذلك أن له فهمٌ في القرآن الكريم، نعم قد ينصرف إلى الذهن إطلاق جملة (فهم القرآن الكريم، ويفهم القرآن الكريم) إلى من له الفهم الكامل للقرآن الكريم، وهذا الانصراف قد يحصل لقرائن لفظية، وتارةً لقرائن حالية.

علاقة فهم القرآن بالتفسير: فهم القرآن الكريم يكون مقدمةً للتفسير، فمن لا يفهم القرآن الكريم لا يكون مفسراً، وليس بالضرورة أن كل من يفهم القرآن يكون مفسراً، لكن كل مفسر فهو لديه فهمٌ في القرآن الكريم ولو ادعاءً وتظاهراً، فالتفسير نتيجةٌ تطبيقيةٌ لبعض مراتب فهم القرآن الكريم لدى المفسر، نعم قد ينمو فهم القرآن لدى المفسر من خلال تدرجه واسترساله للتفسير، واكتشافه لمعانٍ كانت بالنسبة له في خفاء من قبل، فيكون فهمه النامي مقدمةً لتفسير أرقى من تفسيره السابق.

وبعض البحوث في مقدمات التفسيرـ مثل موضوع جواز التفسيرـ تدخل جزئياً في بحث فهم القرآن الكريم، وذلك أن من أدلة عدم جواز التفسير عدم إمكان فهم القرآن الكريم، إما لدلالة العقل، وإما لدلالة النص، وهذه من البحوث الداخلة في فهم القرآن الكريم، وكذلك المواضيع الداخلة في شرائط المفسر والتفسير، تكون في بحث شرائط فهم القرآن، وكل ذلك يرجع لكون التفسير مجالاً عملياً لفهم القرآن الكريم، وقد يوكل البحث مقدمات التفسير.

 أدلة فهم القرآن الكريم: الدليل العقلي: ويعتمد الدليل العقلي على مقدمة عقلية ومقدمتين إثباتيتين، وهي كما يلي: الله سبحانه وتعالى حكيمٌ لا يكون أمره من غير فائدة.

 إن الله سبحانه وتعالى جعل الكتاب هدايةً للعالمين، لا يختص بقوم دون قوم. حث الله سبحانه وتعالى الناس على قراءته آناء الليل وأطراف النهار.

وتنتج هذه المقدمة بأن الناس ممكن أن تهتدي بنور القرآن الكريم بفهم ولو من خلال تعلمه، فإذا كان الغرض الأساسي من القرآن هو الهداية وقد حثَّ الله سبحانه وتعالى على قراءته فلا يتعقل بأن الله سبحانه وتعالى لا يُمَكّن عبادَه من فهمه ولو في الجملة، وهو عز وجل عليم حكيم.

 وقد ذكر الفخر الرازي عدة أدلة عقلية(3) على فهم القرآن، ولكن يبدو أنها لا تخرج عن دائرة البرهان المتقدم.

 الدليل القرآني: جاء كثير من الآيات الكريمة الدالة مباشرةً على تدبر القرآن الكريم والتفكر فيه، وآيات تدل على أن القرآن الكريم بلسان القوم الذي نزل عليهم، وأنه فصيح ومبين، وآيات تبين أن القرآن للذكرى، إلى غير ذلك، وعلى ذلك فإن آيات القرآن الدالة على إمكان فهم القرآن بل وتحققه من عدة وجوه: الآيات الدالة على التدبر والتفكر في القرآن الكريم مثل: 1- {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا}.

(4) فكونهم لا يجدون في القرآن الاختلاف يدل على أن القرآن الكريم مفهومٌ لديهم. وقال الشيخ الطوسي: هذه الآية تدل على أربعة أشياء: أحدها: على بطلان التقليد، و صحة الاستدلال في أصول الدين، لأنه حث ودعا إلى التدبر وذلك لا يكون إلا بالفكر والنظر.

 الثاني: يدل على فسادِ مذهبِ مَنْ زعم أن القرآن لا يفهم معناه إلا بتفسير الرسول له من الحشوية والمجبرة؛ لأنه تعالى حث على تدبره ليعلموا به.

 الثالث: يدل على أنه لو كان من عند غير الله لكان على قياس كلام العباد من وجود الاختلاف فيه.

 الرابع: تدل على أن المتناقض من الكلام ليس من فعل الله؛ لأنه لو كان من فعله لكان من عنده لا من عند غيره.(5) وواضحٌ جداً أن هذه المعاني إنما تتحقق فرض فهمهم للقرآن الكريم.

 2- {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءهُمُ الْأَوَّلِينَ}.

(6) قال الشيخ الطوسي في تفسير الآية: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ} الذي أتاهم به من القرآن ويتفكروا فيه، فيعلموا أنه من قبل الله لعجز الجميع عن الإتيان بمثله.(7) وقال ابن الجوزي في تفسير الآية: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ} يعني القرآن، فيعرفوا ما فيه من الدلالات والعبر على صدق رسولهم.(8)

 3- {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}.

(9) قال الطبرسي في تفسير الآية: بأن يتفكروا فيه ويعتبروا به.(10) وقال الشيخ الطوسي في تفسيرها: معناه: أفلا يتدبرون القرآن بأن يتفكروا فيه ويعتبروا به أم على قلوبهم قفل يمنعهم من ذلك تنبيهاً على أن الأمر على خلافه، وليس عليها ما يمنع من التدبر والتفكر، والتدبر في النظر في موجب الأمر وعاقبته، وعلى هذا دعاهم إلى تدبر القرآن.

(11) وقال الفخر الرازي: أمرهم بالتدبر في القرآن الكريم، ولما كان غير مفهوم فكيف يأمرهم بالتدبر فيه؟(12) وقال القرطبي في تفسيره لهذه الآية: دلت هذه الآية على وجوب التدبر في القرآن ليعرف معناه، فكان هذا رداً على فساد قول من قال: لا يُأخَذ التفسير إلا ما ثبت عن النبي(ص) ومنع عن أن يتأول على ما يسوغه لسان العرب، وفيه دليل على الأمر بالنظر والاستدلال وإبطال التقليد، وفيه دليل على إثبات القياس.(13) وقال الزمخشري: أفلا يتدبرون القرآن ويتصفحونه وما فيه من المواعظ والزواجر ووعيد العصاة حتى لا يجسروا على المعاصي، ثم قال: {أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}، أم بمعنى بل، والهمزة للتقريع، للتسجيل عليهم بأن قلوبهم مقفلة لا يتوصل إليها ذكر.(14) وكل ذلك يبين أنهم كانوا يفهمون القرآن الكريم.

 4- قوله تعالى{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}.

(15) والذكر في الآية هو القرآن الكريم، ويشهد لذلك ما رواه ابن أبي الديلم عن أبي عبد الله(ع) نقل حديثاً طويلاً وفيه يقول(ع): (وقال عز وجل {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}، قال: الكتاب الذكر، و أهله آل محمد(ع)، أمر الله عز وجل بسؤالهم، ولم يؤمروا بسؤال الجهال، وسمى الله عز وجل القرآن ذكراً فقال تبارك و تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}، وقال عز وجل: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ}.)(16) وقال الشيخ مغنية في تفسير الآية: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}.

 الخطاب لمحمد(ص)، والمراد بالذكر هنا القرآن، ومن الواضح أن الغاية من إرسال الرسل وإنزال الكتب هدايةُ الناس إلى الحق والعدل، وإلى حياة الأمن و الرخاء، وقوله:{وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} معناه لعلهم يتدبرون القرآن ويدركون أسراره وأهدافه، ويعلمون أنه أنزل لخيرهم ومصلحتهم.(17) فيتضح بأن الناس لهم القابلية أن يتفكروا في القرآن الكريم.

الآيات الدالة على أنه بلسان عربي:

 1- قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ}.(18) فلو لم يكن مفهوماً بطل كون الرسول(ص) منذراً بالقرآن الكريم، وأشار إلى ذلك الفخر الرازي، والملا صدرا.(19) وقال الزحيلي: القرآن العظيم نزل بلسان عربي مبين، يقرأ بلغة العرب، فكان معشر العرب أولى الناس بالإيمان به وفهم معانيه، وتعلم معانيه.(20) وقال الشيخ الطوسي: قوله تعالى: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} وقال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ} وقال: {فِيهِ تِبْيَانُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ} وقال: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ}، فكيف يجوز أن يصفه بأنه عربي مبين؟ وأنه بلسان قومه؟ و أنه بيان للناس و لا يفهم بظاهره شي‏ء؟ وهل ذلك إلا وصف له باللغز والمعمى الذي لا يفهم المراد به إلا بعد تفسيره وبيانه؟ وذلك منزه عنه القرآن.‏(21) وجاء في تفسير كنز الدقائق:{بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ}: واضح المعنى، لئلا يقولوا: ما نصنع بما لا نفهمه؟(22) نعم قد ينقل الخلاف في معنى اللسان العربي في الآية الكريمة ولكن لا خلاف في دلالتها على أن هذا اللسان لأجل الإفهام، قال الشيخ الطبرسي: {لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} أي لتخوف به الناس و تنذرهم بآيات الله {بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} أي بلغة العرب مبين للناس ما بهم إليه الحاجة في دينهم، وقيل: أراد به لسان قريش ليفهموا ما فيه ولا يقولوا: ما نفهم ما قال محمد. عن مجاهد. وقيل: لسان جرهم. وإنما جعله عربياً لأن المنزل عليه عربي والمخاطبون به عرب؛ ولأنه تحدى بفصاحته فصحاء العرب، وقد تضمنت هذه الآية تشريف هذه اللغة لأنه سماها مبيناً ولذلك اختارها لأهل الجنة.(23)

 2- قوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}(24)، قال الشيخ الطوسي: أخبر الله تعالى أنه أنزل هذا الكتاب قرآناً عربياً لكي يعقل معانيه وأغراضه.(25) وقال الشيخ الطبرسي: {قُرْآناً عَرَبِيّاً} على مجاري كلام العرب في محاوراتهم…{لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي لتعلموا جميع معانيه، وتفهموا ما فيه.(26) وقال السيد الطباطبائي: فمعنى الآية ـ والله العالم ـ : إنا جعلنا هذا الكتاب المشتمل على الآيات في مرحلة النزول ملبساً بلباس اللفظ العربي محلى بحلية ليقع في معرض التعقل منك ومن قومك أو أمتك، ولو لم يقلب في وحيه في قالب اللفظ المقروء أو لم يجعل عربياً مبيناً لم يعقل قومك ما فيه من أسرار الآيات، بل اختص فهمه بك لاختصاصك بوحيه وتعلمه.(27) وقال السيد الشيرازي: ولقد شاء الله سبحانه أن ينزل هذا الكتاب بلغة العرب {إِنَّا أَنْزَلْناهُ} أنزلنا هذا الكتاب {قُرْآناً عَرَبِيّاً}، ولماذا؟ {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} وتفهمون، إذ هو بلغتكم.

(28) وقال ابن جرير الطبري: يقول تعالى ذكره إنا أنزلنا هذا الكتاب المبين قرآناً عربياً على العرب؛ لأن لسانهم وكلامهم عربي، فأنزلنا هذا الكتاب بلسانهم ليعقلوه ويفهموا منه، وذلك قوله عز وجل {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}.(29) وقال القرطبي: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي لكي تعلموا معانيه وتفهموا ما فيه.(30) وقال الزحيلي: {إِنَّا أَنْزَلْناهُ..} أي إنا أنزلنا هذا القرآن على النبي محمد العربي، بلغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها وأكثرها تأديةً للمعاني التي تقوم بالنفوس؛ لتتعلموا ما لم تكونوا تعلمون من قصص وأخبار، وآداب وأخلاق، وأحكام و تشريعات، ومناهج حياة سليمة في السياسة والاجتماع والاقتصاد وشؤون الدولة، ولتتدبروا ما فيها من معانٍ وأهدافٍ تبني الفرد والجماعة على أقوم الأسس.(31) فكل هذه التفاسير تشير إلى أن القرآن عربي حتى يعقلون، أي حتى يفهمون معانيه، الآية تدل على إمكان فهم القرآن الكريم.

 3- قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}.(32) كل ما جاء في تفسير الآية السابقة يأتي هنا أيضاً مما يدلل على إمكان فهم القرآن الكريم، وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة: والكتاب المبين أي البين الواضح الجلي المعاني والألفاظ؛ لأنه نزل بلغة العرب التي هي أفصح اللغات للتخاطب بين الناس، ولهذا قال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ} أي نزلناه {قُرْآناً عَرَبِيّاً} أي بلغة العرب فصيحاً واضحاً {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي تفهمونه وتتدبرونه، كما قال عز وجل: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ}.(33)

 4- قوله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ}(34)، جاء في تفسير الأمثل: {لِسَاناً عَرَبِيّاً} يفهمه الجميع ويستفيدون منه.(35) والشيخ الصادقي: {لِسَاناً عَرَبِيّاً} هذا كتاب مصدق حال كونه لساناً عربياً، واضحاً بيّناً بياناً لا غموض فيه رغم ما فيه من رموز «لساناً» لا «لغةً» فـ«عربياً» يعني واضحاً لا تعقيد فيه، وإذ كان بلغة عربية، فهو عربي بعربية.(36) وقال السيد السبزواري: أي أن القرآن نزل بلسان عربي مبين حتى تعرفوا ما فيه وتتم الحجة على المشركين من أهل مكة ونواحيها، وليخوف الذين ظلموا أنفسهم وغيرهم ويبشر الذين أحسنوا بالحسنى.(37) وقال الملا فتح الله الكاشاني: وفائدة هذه الحال الإشعار بالدلالة على أنّه مع كونه مصدّقاً للتوراة مفهوم المراد لكفّار قريش؛ لأنّه نزل بلغتهم على أفصح الكلام وأبلغ البيان.‏(38) 5- قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ}.(39) قال الشيخ الطبرسي: أي مثل ما أوحينا إلى من تقدمك من الأنبياء بالكتب التي أنزلناها عليهم بلغة قومهم، وأوحينا إليك قرآناً بلغة العرب، ليفقهوا ما فيه.(40) وقال الطبري: وهكذا أوحينا إليك يا محمد قرآناً عربياً، بلسان العرب لأن الذين أرسلتك إليهم قوم عرب، فأوحينا إليك هذا القرآن بألسنتهم، ليفهموا ما فيه من حجج الله وذكره، ولا نرسل رسولاً إلا بلسان قوم.(41) وقال ابن الجوزي في تفسير الآية: أي ومثل ما ذكرنا إليك قرآناً عربياً ليفهموا ما فيه.(42) وقال ابن خلدون: إن القرآن نزل بلغة العرب وعلى أساليب بلاغتهم، فكانوا كلهم يفهمون ويعلمون معانيه في مفرداته وتركيبه.(43)

 6- قوله تعالى: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}.(44) قال السيد الطباطبائي: وكيف يمكن أن يكون هناك أمر مراد من لفظ الآية ولا يمكن نيله من جهة اللفظ؟ مع أنه وصف كتابه بأنه هدى، وأنه نور، وأنه مبين، وأنه في معرض فهم الكافرين فضلاً عن المؤمنين، حيث قال: {تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ…}.(45) وقال أيضاً: والمراد بتفصيل آيات القرآن تمييز أبعاضه بعضها من بعض بإنزاله إلى مرتبة البيان بحيث يتمكن السامع العارف بأساليب البيان من فهم معانيه وتعقل مقاصده وإلى هذا يشير قوله تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}(46)، وقوله: {وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ}.(47) وقال الشوكاني في قوله تعالى: {عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَّعْلَمُونَ}: أي يعلمون معانيه ويفهمونها، وهم أهل اللسان العربي.(48) وقال المدرسي: {لِقَوْمٍ يَّعْلَمُونَ} القرآن كتاب علم و لا يبلغ آماده إلا العلماء، و إذا قصر عن وعيه إنسان فالنقص في معارفه.

 وكلّما تقدّم علم البشرية كلّما اقتربوا من محتوى القرآن وعرفوا عظمته، إلا أنّ ركب الإنسانية يسير قدماً نحو التكامل ويبقى القرآن أمامه أبداً.(49) وقال الفخر الرازي: وقال المتكلمون لا يجوز أن يحصل فيه شي‏ء غير معلوم، والدليل عليه قوله تعالى: {قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَّعْلَمُونَ} يعني إنما جعلناه عربياً ليصير معلوماً، والقول بأنه غير معلوم يقدح فيه.(50) وقال الزمخشري: فصلت آياته في حال كونه قرآناً عربياً لقوم يعلمون، أي لقوم عرب يعلمون ما نزل عليهم من الآيات المفصلة المبينة بلسانهم العربي المبين، لا يلتبس عليهم شي‏ء منه.(51)

 7- قوله تعالى: {قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ}.(52) قال الشيخ المفيد: القرآن نزل بلسان العرب ولغتهم، قال الله عزّ اسمه: {قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ}، فإذا ثبت أنّ القرآن نزل بلغة العرب، وخوطب المكلّفون في معانيه على اللسان، وجب العمل بما تضمّنه على مفهوم كلام العرب دون غيرهم.(53) ولا يمكن العمل بمحتواه قبل فهمه وفهم ما يريد، ولذا دلت الآية على فهم القرآن الكريم.

وقال الشيخ الطبرسي: أي غير ذي ميل عن الحق، بل هو مستقيم موصل إلى الحق.(54) وقريب منه تفسير السبزواري(55)، ولا يوصل إلى الحق إلا إذا كان مفهوماً لدى الناس، ولا تعرف الناس بأن القرآن ليس ذي اعوجاج إلا إذا كانت تفهم معانيه.

وقال محمد محمود: وصيرناه قرآناً عربياً غير ذي عوج في لفظه أو معناه كي تعقلوا وتفكروا فيه تفكيراً سديداً لتعلموا أنه من عند الله لا من عند محمد.(56)

 8- قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً}.(57) قال السيد السبزواري: {وَكَذلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً}، أي كما أنزلنا على الأنبياء السابقين كتباً بلسان قومهم، أنزلنا القرآن حكماً عربياً أي شريعة وأحكاماً بلغة العرب من قومك، يحكم بين النّاس ويبيّن الحق من الباطل، وجعلناه بلغتهم ليسهل عليهم حفظه وفهمه.‏(58) وقال الزحيلي: {وَكَذلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً} أي وكما أرسلنا قبلك المرسلين وأنزلنا عليهم الكتب، كذلك أنزلنا عليك القرآن الكريم محكماً لا زيغ فيه، معرباً بلسان قومك؛ ليسهل عليهم فهمه وحفظه.

 وهذا دليل على أن كلّ رسول أرسل بلغة قومه، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ}.(59)

 9- قوله تعالى: {وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ}(60) ويكون مبيناً للناس إذا أمكن للناس فهم معانيه.

 10- قوله تعالى: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا}(61) قال الشيخ الطبرسي: أي يسرنا القرآن بأن أنزلناه بلسانك، وهي لغة العرب؛ ليسهل عليهم معرفته، ولو كان بلسان آخر، ما عرفوه.(62) وقال حبيب الله السبزواري: {فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ} أي: إنّما سهّلنا عليك هذا القرآن بأن جعلناه بلغتك ولغة قومك لتسهل عليهم معرفة ما فيه فتتمّ الحجة عليهم، فتفرح المؤمنين بتبشيرهم بما وعدهم الله تعالى من الأجر والثواب.‏(63) وقال العاملي: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ} سهّلنا القرآن بلغتك ليفهموه لعلّهم يتذكّرون ويتّعظون، لكنّهم لم يتعظوا.(64) وقال الحائري الطهراني: قال: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ} أي يسّرنا القرآن بلسانك بأن أنزلناه بلسانك وهو لغة العرب ليسهل عليهم معرفته.(65) وقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: أي القرآن بيناه بلسانك العربي وجعلناه سهلاً على من تدبره وتأمله، وقيل أنزلناه عليك بلسان العرب ليسهل عليهم فهمه.(66)

 11- قوله تعالى: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}.(67) قال الشيخ الطوسي: قال لنبيه(ص) {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} يعني باللغة العربية ليفقهوا ويتفكروا فيه، فيعلموا على أن الأمر على ما قلناه.(68) وقال الفيض الكاشاني في تفسير هذه الآية: سهلناه حيث أنزلناه بلغتك، وهو فذلكة للسورة، {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} يفهمونه فيتذكرون به لما لم يتذكروا.(69) وقال ابن جرير الطبري في تفسير هذه الآية: يقول تعالى ذكره لنبيه(ص): فإنما سهلنا قراءة هذا القرآن الذي أنزلناه عليك يا محمد بلسانك؛ ليتذكر هؤلاء المشركون الذين أرسلناك إليهم بعبره وحججه، ويتعظوا بمواعظه، ويتفكروا في آياته إذا أنت تتلو عليهم، فينيبوا إلى طاعة ربهم، ويذعنوا للحق عند تبينهم.(70) وقال ابن كثير: أي إنما يسرنا هذا القرآن الذي أنزلناه سهلاً واضحاً بيناً جلياً بلسانك الذي هو أفصح اللغات وأجلاها وأحلاها وأعلاها لعلهم يتذكرون، أي يتفهمون ويعلمون.(71) الآيات التي تصف القرآن بأنه كتابٌ مبين وأنه تبيان: الآيات التي تصف القرآن بأنه مبين وأنه تبيان لكل شيء، وإذا كان كذلك فلابد وأن يكون مفهوماً، وقد تقدمت بعض الآيات الدالة على ذلك وفيما يلي الآيات التي لم تذكر آنفاً ونترك فيما يلي جانب التفسير؛ لوضوح الآيات من جهة وللاكتفاء بما تقدم من ذكر التفاسير:

 1- قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً}.(72)

 2- قوله تعالى: {قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَّكِتَابٌ مُّبِينٌ}.(73)

 3- قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ}.(74)

 4- قوله تعالى: {هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدىً وَّمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ}.(75)

 5- قوله تعالى: {طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَاب مُّبِين}.(76)

 6- قوله تعالى:{حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ}.

(77) الآيات الدالة على أن في القرآن هدى وموعظة وذكرى للعباد: ويكون القرآن كتاب هداية للناس فيما إذا كنت تفهم معناه وكذلك تتعظ بما في القرآن إذا فهمت معناه، وذلك يكون ذكرى إذا فهمت معناه ولو إجمالاً.

 1- قوله تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّذَّكِّرٍ}.(78) قد تكررت هذا الآية في سورة القمر أربع مرات هذه الآية وآية رقم 22، 32، 40.

 2- قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِّلْمُتَّقِينَ}.(79)

 3- قوله تعالى:{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ}.(80)

 4- قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}.(81)

 5- قوله تعالى: {هَذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ}.(82)

 6- قوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى عَبْدِهِ الْفُرْقَانَ لِيَكُونَ لِلنَّاسِ نَذِيراً}.(83)

 7- قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}.(84)

 8- قوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَّهُدىً وَّرَحْمَةً وَّبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}.(85)

الآيات الدالة أن في القرآن أمثال مضروبة للعباد: ويكون مثل للناس فيما إذا كانت الناس تفهم القرآن الكريم:

 1- قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَّمَثَلاً مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ}.(86)

 2- قوله تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ}.(87)

 3- قوله تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}.(88)

 4- قوله تعالى: { وَلَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}.(89)

5- قوله تعالى: {وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}.(90)

 6- قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً}.(91)

 7- قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً}.(92)

 وإلى غير ذلك من الآيات الكريمة وقد ذكر الله سبحانه بأن القرآن لم يفرط فيه شيء قال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمًّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ}،(93) وقد مدح القرآن قوم يستنبطون القرآن، قال تعالى: {لَعَلَّمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ}.(94)

 الآيات الدالة على إعجاز القرآن الكريم وتحديه آيات التحدي تدل على أن الناس تفهم معانيه ولو من ظواهره، ولو كان القرآن من قبيل الألغاز لم يصح تحدي القرآن البشر بمعارضته، ولتمكن المشركون من الاحتجاج على ترك المعارضة، ولكن شيء من ذلك لم يحدث مما يدلل على أن الناس الذين سمعوا القرآن كانوا يفهمون معانيه ولو من ظواهره وقد عجزوا على أن يأتوا بمثله، وفيما يلي آيات التحدي:

 1- قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ فَأتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}.(95)

 2- قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأتُوا بِعَشْرِ سِوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَّادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}.(96)

 3- قوله تعالى: {لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَّأتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً}.(97)

 4- قوله تعالى: {فَلْيَأتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ}.(98)

 5- قوله تعالى: {فَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}.(99)

 أدلة فهم القرآن من السنة: الأحاديث الدالة على التمسك بالقرآن الكريم: ومن أبرز هذه الأحاديث سنداً ـ حيث إنه متواتر من الفريقين ـ ودلالةً حديث الثقلين، والثقل الأكبر فيهما هو القرآن الكريم، ومعنى التمسك به هو أن يُجْعَلَ إماماً في جميع شؤون الحياة، وهذا لا يمكن من غير فهمه.

 وبعض العامة تتمسك بما رووه عن الرسول(ص) أنه قال: (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي).(100) ولكن الحق هو حديث الثقلين وللبرهنة على ذلك مقامٌ آخر.

الأحاديث الدالة على طرح الرواية إذا لم توافق الكتاب: وهي أحاديث متواترة أيضاً، وهي تأمر بعرض الرواية ـ ولو في حالات معينة ـ على الكتاب، فإذا كانت الرواية تخالف الكتاب فإن الرواية باطلة(101) أو أنها زخرف(102) وأنها لم تصدر عن الرسول(ص)(103) ولا عن أئمة أهل البيت(ع)(104)، وأنه ليس من حديثهم(105)، أو أن الذي أتى بالرواية هو أولى بها(106)، أو أنها لا يأخذ بها ولا يعمل بها(107)، فإن هذه الأحاديث واضحة الدلالة على أن القرآن الكريم مفهوم ولو في ظواهره، وأنه مما يفهمه كل عارف باللغة العربية.

 الأحاديث الدالة على عدم العمل بالشرط إذا خالف الكتاب: فإنها تدل على فهم ظواهر الكتاب حتى يمكن عرض الشرط على الكتاب وعدم العمل به إذا خالفه، وكيف يعرف أنه يخالفه أو لا يخالفه إذا لم يفهم القرآن؟ وهذه الروايات من قبيل رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(ع) قال: سمعته يقول: (من اشترط شرطاً مخالفاً لكتاب الله فلا يجوز له ولا يجوز على الذي اشترط عليه، والمسلمون عند شروطهم فيما وافق كتاب الله عز وجل).(108)

 سيرة الرسول والأئمة – صلوات الله عليه وعليهم أجمعين – في الاستدلال بالقرآن: فإن استدلال الإمام(ع) بالقرآن حتى يبين حجية كلامه لدى من استدل عنده، وهذا يعني أن من استدل عنده كان يفهم القرآن حتى يقبل احتجاج الإمام(ع)، وفيما يلي أمثلة على ذلك: منها: استدلال الإمام الصادق(ع) على عدم جواز نكاح العبد بقوله تعالى: {عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ}.(109)

 ومنها: قوله(ع) لابنه إسماعيل: (فإذا شهد عندك المؤمنون فصدقهم، مستدلاً بقوله عز وجل: {يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ}.(110)

ومنها: ما رواه الطبري بسنده عن أبي الديلم، قال: لما جيء بعلي بن الحسين (رضي الله عنهما) أسيراً فأقيم على درج دمشق، قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم وقطع قربى الفتنة، فقال له علي بن الحسين(ع): أقرأت القرآن؟ قال: نعم. قال: أقرأت آل حم؟ قال: قرأت القرآن ولم أقرأ آل حم! قال: ما قرأت {قُلْ لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}(111) قال: وإنكم لأنتم هم؟

 قال: نعم.(112) ومنها: عن موسى بن علي بن أبي رباح، عن أبيه، عن جده، قال: قال لي النبي(ص): (إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم، أما قرأت هذه الآية {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ}(113) فيما بينك وبين آدم(ع)).(114) ومنها: ما رواه الطبري عن ابن الديلمي قال: قال علي بن الحسين(ع) لرجل من أهل الشام: أما قرأت في الأنفال {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّنْ شَيْءٍ فَإِنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى}(115) الآية؟ قال: نعم. قال: فإنكم لأنتم هم؟ قال: نعم.(116)

 ومنها: ما عن أبي الديلم قال: قال علي بن الحسين(ع) لرجل من أهل الشام: أما قرأت في الأحزاب {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}(117)، قال: ولأنتم هم؟ قال: نعم.(118) ومنها: عن زرارة قال: (قلت لأبي جعفر(ع): ألا تخبرني من أين علمت أن المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فضحك، ثم قال: يا زرارة! قال رسول الله(ص) ونزل به الكتاب من الله؛ لأن الله عز وجل يقول: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} فعرفنا أن الوجه كله ينبغي أن يغسل، ثم قال: {وَأَيْدِيَكُمْ إلى الْمَرَافِقِ} ثم فصل بين الكلام، فقال {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} فعرفنا حين قال: برؤوسكم أن المسح ببعض الرأس لمكان الباء..).(119)

 والموارد كثيرة جداً ونكتفي بما قدمناه حتى لا يطول بنا المقام.

 الفرق بين الظاهر والظواهر: ظاهر القرآن الكريم تارةً يطلق ويراد به ما يقابل باطن القرآن، وتارةً يطلق ويراد به ما يقابل المجمل والمشترك المردد بين معنيين فما زاد، فالبحوث التي تقام في حجية ظواهر القرآن الكريم المراد منها الظاهر بالمعنى الثاني، وهو ظواهر ألفاظ الآيات الكريمة وما تؤدي إليه من معانٍ بمجرد الانصراف اللغوي والعرفي من غير احتياج إلى قرينة في إفادة تلك المعاني، وأما الظاهر المبحوث في بواطن القرآن الكريم وأسراره فالمراد به ما تشير إليه الآيات القرآنية من معانٍ من خلال ظاهرها ولو مع القرائن الحالية والمقالية المحتفة بالآيات الكريمة، فظاهر القرآن أعم من ظواهر آيات القرآن الكريم؛ لأن ظاهر القرآن الذي يقابل باطنه يشمل المجمل والمشترك، ويشمل موارد التنزيل أيضاً؛ لأنها قرائن حالية للآيات الكريمة، ويطلق على كلا القسمين بظاهر القرآن الكريم، ولكن لا تطلق ظواهر الآيات اصطلاحاً إلا على القسم الثاني.

ولابد في فهم الظاهر ـ سواء كان بالمعنى الأول أو بالمعنى الثاني ـ من معرفة اللغة العربية وما يتعلق بها من علوم لغوية من اللغة، والقواعد اللغوية، وعلم البيان والبديع، وكل ما له دخل في اللغة العربية مما يساعد على فهم الظاهر، وسيظهر من بعض المباني الآتية في فهم القرآن بين الفريقين أن هناك من يعتقد بإمكان فهم الظواهر القرآنية، ولا يعتقد إمكان فهم ظاهر القرآن الذي يقابل باطن القرآن في غير موارد الظواهر اللفظية إلا من خلال أحاديث المعصومين(ع)، ولذا كان من المهم التفريق بين ظاهر القرآن الذي يقابل باطن القرآن وبين ظواهر الآيات التي تقابل المجمل الذي يحتاج إلى تفصيل، والمشترك بين عدة معانٍ من غير انصراف إلى أحدها، الذي يحتاج تعينه في أحدها إلى دليل.

الهوامش والمصادر

  • (1) مختار الصحاح، ص215.
  • (2) لسان العرب، ج12، ص459.
  • (3) التفسير الكبير، ج1، ص251.
  • (4) النساء، الآية 32.
  • (5) تفسير التبيان، ج3، ص270.
  • (6) المؤمنون، الآية 68.
  • (7) التبيان في تفسير القرآن، ج7، ص381.
  • (8) زاد المسير، ج3، ص267.
  • (9) محمد(ص)، الآية 24.
  • (10) مجمع البيان، ج9، ص156.
  • (11) التبيان، ج9، ص303.
  • (12) مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير)، ج1، ص250.
  • (13) الجامع لأحكام القرآن، ج5، ص290.
  • (14) الكشاف، ج4، ص326.
  • (15) النحل، الآية 44.
  • (16) تفسير البرهان، ج3، ص425، تفسير نور الثقلين، ج3، ص57، تفسير الميزان، ج12، ص284.
  • (17) تفسير الكاشف، ج4، ص517.
  • (18) الشعراء، الآيات 192- 195.
  • (19) مفاتيح الغيب، ج1، ص250؛ تفسير ملا صدرا، ج1، ص206.
  • (20) تفسير المنير، ج12، ص202.
  • (21) التبيان، ج1، ص4.
  • (22) كنز الدقائق، ج9، ص506.
  • (23) تفسير مجمع البيان، ج7، ص320.
  • (24) يوسف، الآية 2.
  • (25) التبيان، ج6، ص92.
  • (26) مجمع البيان، ج5، ص355.
  • (27) الميزان، ج11، ص75.
  • (28) تقريب القرآن إلى الأذهان، ج2، ص661.
  • (29) جامع البيان، ج12، ص195.
  • (30) الجامع لأحكام القرآن، ج10، ص118.
  • (31) تفسير المنير، ج12، ص199.
  • (32) الزخرف، الآية 3.
  • (33) تفسير القرآن العظيم، ج7، ص200، والآية من سورة الشعراء: 195.
  • (34) الأحقاب، الآية 12.
  • (35) تفسير الأمثل، ج16، ص241، وطبعة أخرى ج16، ص256.
  • (36) الفرقان في تفسير القرآن، ج28، ص23.
  • (37) إرشاد الأذهان في تفسير القرآن، ص508.
  • (38) زبدة التفاسير، ج6، ص323.
  • (39) الشورى، الآية 7.
  • (40) مجمع البيان، ج9، ص38.
  • (41) جامع البيان، ج25، ص13.
  • (42) زاد المسير، ج7، ص72.
  • (43) تفسير الثعالبي( الجواهر الحسان في تفسير القرآن) ج1، ص47.
  • (44) فصلت، الآية 3.
  • (45) تفسير الميزان، ج3، ص35.
  • (46) هود(ع)، الآية 1.
  • (47) تفسير الميزان، ج17، ص359. والآية من سورة الزخرف: 4.
  • (48) فتح القدير، ج4، ص505.
  • (49) من هدى القرآن، ج12، ص159.
  • (50) مفاتيح الغيب( التفسير الكبير) ج9، ص540.
  • (51) الكشاف، ج4، ص184.
  • (52) الزمر، الآية 28.
  • (53) تفسير الشيخ المفيد، ص56.
  • (54) مجمع البيان، ج8، ص775.
  • (55) إرشاد الأذهان، ص466.
  • (56) التفسير الواضح، ج3، ص383.
  • (57) الرعد، الآية 37.
  • (58) الجديد في تفسير القرآن، ج4، ص132.
  • (59) تفسير المنير، ج13، ص183- 184، والآية من سورة  إبراهيم: 4.
  • (60) النحل، الآية 103.
  • (61) مريم، الآية 97.
  • (62) مجمع البيان، ج6، ص455.
  • (63) إرشاد الأذهان، ص317.
  • (64) تفسير الوجيز، ج3، ص190.
  • (65) مقتنيات الدرر وملتقطات الثمر، ج7، ص65.
  • (66) الجامع لأحكام القرآن، ج11، ص162.
  • (67) الدخان، الآية 58.
  • (68) التبيان في تفسير القرآن، ج9، ص243.
  • (69) تفسير الصافي، ج4، ص411، تفسير الأصفى، ج2، ص1157.
  • (70) جامع البيان، ج25، ص180.
  • (71) تفسير ابن كثير ( تفسير القرآن العظيم) ج4، ص159.
  • (72) النساء، الآية 174.
  • (73) المائدة، الآية 15.
  • (74) النور، الآية 34.
  • (75) آل عمران، الآية 138.
  • (76) النمل، الآية 1.
  • (77) القمر، الآية 5.
  • (78) القمر، الآية 17.
  • (79) البقرة، الآية 2.
  • (80) الإسراء، الآية 9.
  • (81) البقرة، الآية 185.
  • (82) إبراهيم(ع)، الآية 52.
  • (83) الفرقان، الآية 1.
  • (84) النمل، الآية 76.
  • (85) النحل، الآية 89.
  • (86) سورة النور، الآية 34.
  • (87) سورة الروم، الآية 58.
  • (88) الزمر، الآية 27.
  • (89) الحشر، الآية 21.
  • (90) إبراهيم(ع)، الآية 25.
  • (91) الإسراء، الآية 89.
  • (92) الكهف، الآية 54.
  • (93) الأنعام، الآية 38.
  • (94) النساء، الآية 83.
  • (95) يونس(ع)، الآية 38.
  • (96) هود(ع)، الآية 12.
  • (97) الإسراء، الآية 88.
  • (98) الطور، الآية 34.
  • (99) البقرة، الآية 23.
  • (100) التفسير الكبير، ج1، ص251، المستدرك على الصحيحين، ج1، ص172.
  • (101) المحاسن، ج1، ص221، ح129.
  • (102) أصول الكافي، ج1، ص69، ح3و4، وسائل الشيعة، ج27، ص110، ح33345و33347.
  • (103) جاء في المحاسن بسند صحيح عن أبي عبد الله(ع) قال: قال رسول الله(ص): (إذا حدثتم عني بالحديث فأنحلوني أهنأه وأسله، وأرشده فإن وافق كتاب الله فأنا قلته، وإن لم يوافق كتاب الله فلم أقله). المحاسن، ج1، ص221، ح131، وقريب منه ح130، وفي أصول الكافي بسنده عن هشام بن الحكم وغيره، عن أبي عبد الله(ع) قال خطب النبي(ص) بمنى فقال: (أيها الناس ما جاءكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله). أصول الكافي، ج1، ص69، ح5.
  • (104) وسائل الشيعة، ج27، ص111، ح33348.
  • (105) قرب الإسناد، ص92.
  • (106) أصول الكافي، ج1، ص69، ح2.
  • (107) أصول الكافي، ج1، ص69، ح1، وسائل الشيعة، ج27، ص119، ح33367.
  • (108) الكافي، ج5، ص169، ح1، تهذيب الأحكام، ج7، ص22، ح11.
  • (109) الاستبصار، ج3، ص215، باب 134، ح3.
  • (110) الكافي: ج5، ص299، ح1.
  • (111) الشورى، الآية 23.
  • (112) تفسير الطبري، ج25، ص25، تفسير ابن كثير، ج4، ص113.
  • (113) الانفطار، الآية 9.
  • (114) تفسير الطبري، ج30، ص87، الجامع لأحكام القرآن، ج19، ص247.
  • (115) الأنفال، الآية 41.
  • (116) تفسير الطبري، ج10، ص5.
  • (117) الأحزاب، الآية 33.
  • (118) تفسير الطبري، ج22، ص8، تفسير ابن كثير، ج3، ص487.
  • (119) الكافي، ج3، ص30، باب المسح على الرأس، ح4.
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

أضف تعليق

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى