الولاية والتوحيد هما الإسلام والإيمان

ترجمة وتحقيق: الشيخ رائد عبد الكريم الخنيزي   قال الله الحكيم في كتابه الكريم: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}(1).

 وفي الزيارة الجامعة الكبيرة: «آتاكم الله ما لم يؤت أحداً من العالمين».

 هنا نريد أنَّ نرى ما هي الرابطة بين الولاية والتوحيد، والإسلام والإيمان.

 الولاية والتوحيد: عندما نراجع الأحاديث والروايات، نرى أنه لا يوجد بين التوحيد والولاية فرق وانفصال، وفي الحقيقة إن الولاية هي ظهور التوحيد وهي معرِّف التوحيد، ويمكن أن نستنتج أنَّ كل شخص لم ينضوِ تحت لواء الولاية ليس لديه توحيد (لا إله إلا الله) ولا يمكننا أن نقول له: أنت عبد لله وموحّد.

 لدينا روايتان، كل واحدة من هاتين الروايتين تُسمَّى (سلسلة الذهب)؛ بمعنى أن راووا هذه الرواية هم الأئمة المعصومون (عليهم السلام) وملائكة الله، وهاتان الروايتان من خصائصهما أنه إذا كتب شخص سندهما بزعفران وأذابهما في الماء، وشربهما المريض يتعافى بإذن الله(2). قيلت إحدى هاتين في نيشابور عن الإمام علي الرضا (عليه السلام): «كلمة لا إله إلا الله حصني، فمن قالها دخل حصني، وأمن من عذابي»(3).

يقول الله المنان كلمة (لا إله إلا الله) قلعة محكمة، كل شخص يقول: لا إله إلا الله، يدخل القلعة ويأمن من العذاب! تواصل الرواية: «بشروطها، وأنا من شروطها».

كلمة (لا إله إلا الله) لها أربعة عشر شرطاً باسم أربعة عشر معصوماً (عليهم السلام)، وأحدها هو الاعتقاد بولايتي وإمامتي أنا الإمام علي الرضا (عليه السلام).

 تقول الرواية الثانية: «ولاية علي بن أبي طالب حصني فمن دخل حصني أمن عذابي»(4).

ولاية علي (عليه السلام) كذكر (لا إله إلا الله)، قلعة محكمة، وأيُّ شخص يدخلها يكون محفوظاً من العذاب.

 السؤال هنا: هل لله قلعتان قلعة باسم التوحيد وقلعة باسم الولاية؟ نجيب: لا؛ لأن تجلي التوحيد في الولاية، يتحدث الله من خلال الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، إذاً أي شخص لم يعتقد بولاية أهل البيت (عليهم السلام)، لم يعتقد بتوحيد وفردانية الله.

جاء أحد الأشخاص وطلب من الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) شيئاً، أجابه (صلَّى الله عليه وآله): «إن شاء الله و-إن شاء- علي بن أبي طالب (عليه السلام)»(5).

بمعنى مشيئة وإرادة الله ومشيئة وإرادة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) واحدة، ولا بد من أن تشاء الولاية ويريد مقام المُظهريّة، ليتحقق الأمر، هنا أشير إلى مثالين: المثال الأول: نقرأ في حديث الكساء أن جبرائيل (عليه السلام) طلب الإذن للدخول إلى الكساء، وأجازه الله المنان، عندما نزل جبرائيل (عليه السلام) إلى الأرض، ونقل ما جرى في السماء للرسول (صلَّى الله عليه وآله)، قال للرسول (صلَّى الله عليه وآله) هل تأذن لي بالدخول في الكساء؟ إذا كان الله أَذنَ له بالدخول لماذا الإذن الثاني؟ لأنه لا بد من أخذ الإذن من مظهر الولاية والرسالة، وإذن أهل البيت (عليهم السلام) مرتبط بإذن الله! المثال الثاني: نقرأ في أواخر الزيارة الجامعة: «يا ولي الله إن بيني وبين الله عزَّ وجلَّ ذنوباً لا يأتي عليها إلا رضاكم».

لا تمحى الذنوب ولا تذهب الذنوب إلا برضا أهل البيت (عليهم السلام)، أعطى الله في الحقيقة هذا الشرط لأهل البيت (عليهم السلام).

تقول الزيارة الجامعة في مقطع آخر هكذا: «من أراد الله بدأ بكم، ومن وحَّده قبل عنكم، ومن قصده توجّه بكم».

 بمعنى أنّ أيّ شخص يريد أن تكون لديه إرادة الله، ويريد أن يعرف الله، يبدأ ويتحرك بكم أهل البيت (عليهم السلام)، أنا لا أعلم كيف أدخل مدينة الله؟ لا بد من أن أقول: يا أمير المؤمنين، يا فاطمة الزهراء، أيُّها الأئمة المعصومون، يا صاحب الزمان، أريد الدخول إلى مدينة الله ولا أعلم من أين! أعرف فقط أن لديكم معرفة بهذه المدينة، وأنتم باب هذه المدينة.

هل يمكن أن تأخذوا بيدي، وتدخلوني في هذه المدينة؟ كل شخص يوحِّد الله، أي يعرف الله واحداً أحداً فرداً صمداً، لا بد من أن تكون لدى هذا الشخص علامات، إحدى هذه العلامات أنه «قبل عنكم»، يعرفكم ويقبل ما تقولونه، ويقبل صفاتكم وفضائلكم وكلماتكم، وفي النتيجة لا يذهب خلف ووراء الغرب والشرق الذين لا يعرفون ما هي حقيقة الإنسان.

أيّ شخص لديه قصد القرب إلى الله، ولديه قصد رؤية الله، لا بد من أن يتوجَّه وينظر إليكم! هل مَنْ يصلّي، ويصوم، ويطوف بالبيت، قَصَد الله؟ يقال: لا؛ لأن المخالفين والمعاندين يصلّون أكثر منَّا بكثير، ويصومون، ويطوفون حول بيت الله! العلامة هي أن تذهب إلى جهة الأربعة عشر معصوماً (عليهم السلام).

 كل شخص لديه قَصْدُ أن يرى الله، أن ينظر في مرآة مظهر الله، أي أنْ يذهب إلى الأئمة (عليه السلام) ويرى صفات الله، عظمة الله، قدرة الله، رحمة الله و… في أهل البيت (عليهم السلام).

 نقرأ في الزيارة السابعة في تحفة الزائر للعلامة المجلسي (قدِّس سرُّه)، في الخطاب إلى الإمام علي (عليه السلام): «السلام على نفس الله تعالى القائمة فيه بالسنن»(6).

ما معنى السلام على نفس الله؟ بمعنى السلام على كل صفات الله، السلام على كل كمالات الله، السلام على كل أفعال الله الموجودة في الخارج التي هي في وجود أمير المؤمنين (عليه السلام).

 وفي رواية عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) يقول: «بنا عُبدَ الله، وبنا عُرفَ الله، وبنا وُحِّد الله تبارك تعالى»(7). هذه الجملة لها معنيان: المعنى الأول: أي لو أنَّ الله لم يخلقنا، لم يستطع أحد أن يعبد الله كما نعبد، ويعرف الله، ويصبح في فصل التوحيد! نحن عرفنا الله، وتوحيد الله بواسطتنا، وإلا لأصبح الناس في العبادة والمعرفة والتوحيد ضائعين في أودية الشرك الدقيقة، ولعبدوا غير الله! المعنى الثاني: لو لم نكن نحن الأئمة المعصومون (عليهم السلام)، لم يعرف الناس طريق العبودية والمعرفة وتوحيد الله المنان، وهكذا قالوا: «ومن البرّ التوحيد»(8).

أُخِذَ التوحيد منَّا سواء كانوا أنبياء (عليهم السلام) أم غير أنبياء، لأننا نحن: «أركاناً لتوحيده»(9).

يقول الإمام صاحب الزمان  (عجَّل الله تعالى فرجه الشريف) في دعاء رجب: «فبهم ملأت سماءك وأرضك حتى ظهر أن لا إله إلا أنت»(10).

 أي يا إلهي! مُلئَتْ السماء والأرض بصفات وأسماء وكمالات الأئمة المعصومين (عليهم السلام) حتى ظهر وبرز (لا إله إلا الله)، بالتوحيد والشهادة بالوحدانية.

 يقول الله المنان في الحديث القدسي: «كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أُعرف، فخلقت الخلق لكي أعرف»(11). أي إنَّ الله كان مخفياً، ولم يكن أحد يعرف وحدانية الله، ماذا حصل حتى عرفوا الله؟ ظهر وبرز توحيد الله المنان في وجه وصفات وكمالات وغلبة الأئمة المعصومين (عليهم السلام).

يأتي هنا سؤال وهو هل طلب منَّا توحيد الذات أو توحيد الصفات؟ نعلم أنه لا يوجد طريق لأحدٍ إلى ذات الله كما قالوا لنا: «لا تتفكروا في ذات الله»(12). إذاً؛ نحن مكلَّفون بالتوحيد في الصفات والأسماء، وهم الأئمة المعصومون (عليهم السلام)، أي أنَّ التوحيد القابل لإدراك وفهم الناس هو التوحيد الذي يظهر ويبرز بوجود الأئمة (عليهم السلام).

كل شخص ليس لديه هذه الولاية، فإنه ليس لديه التوحيد الذي طلبه الله منَّا، ونستطيع أن نقول له أنت لست موحِّداً، ولا تصدّق بالله! الأشخاص الذين يُطبّلون بالتوحيد، من دون أهل البيت (عليهم السلام) ليس لديهم التوحيد الواقعي؛ لأن التوحيد الواقعي هو الذي عرفه أهل البيت (عليهم السلام) فقط.

الولاية والإسلام: طبق الأحاديث المتواترة أنَّ الولاية ليست فقط ركن من أركان الإسلام، بل هي أعلى ركن في الإسلام، كمثال، الآية التي نزلت على النبي (صلَّى الله عليه وآله) بعد قضية الغدير وتُعرِّف الولاية: {اليَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً}(13). لم يقل في هذه الآية: مذهبكم بمعنى أنَّ الولاية هي مكمِّلة للدين؛ لماذا؟ لأنّه من دون الولاية نعمة الله ناقصة.

 يقول في آخر الآية الآن أصبحت راضياً أن يكون الدين الإسلامي دينكم.

 إذاً؛ تريد هذه الجملة أن تقول: إنَّ الولاية جزء الإسلام وركن الإسلام، وهي من أركان الإسلام الأصيلة أيضاً، ليست من أصول المذهب، لذا يقول: «بُنِيَ الإسلام على خمس: الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والولاية، ولم يُنادَ بشيء كما نودي بالولاية»(14).

 إنَّ الولاية التي هي في جنب الصلاة والصوم هي المحبة والإطاعة، لكن الولاية القلبية والإمامة في جنب التوحيد والنبوة.

 الولاية والإيمان: في نهاية الآية التي نزلت في يوم الغدير على النبي (صلَّى الله عليه وآله)، يقول الله فيها: {إِنَّ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}(15).

هل كان الأشخاص الذين تجمَّعوا في يوم الغدير غير مسلمين؟ بحسب الظاهر كان الكلُّ مسلماً، وقد أدَّوا أعمال الحج؛ لأن الكافر لا يذهب إلى مكة! ولا يقبل قضية مكة! إذاً مَنْ هم هؤلاء؟ هؤلاء هم الأشخاص الذين لا يقبلون الولاية، أي كل شخص لا يقبل الولاية، لا نستطيع أن نقول عنه إنه مسلم، بل نستطيع أن نقول عنه إنه كافر، هكذا جاء في الزيارة الجامعة: «ومن جحدكم كافر، ومن حاربكم مشرك، ومن ردَّ عليكم في أسفل درك من الجحيم». مَنْ أنكر ولايتكم وإمامتكم كافر.

قال سلمان المحمدي (رضيَّ الله عنه) سمعت حبيبي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول لعلي: «يا أبا الحسن مَثَلُكَ في أمتي مَثَلُ سورة التوحيد».

 لماذا شبّه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بسورة التوحيد؟ إحدى الجهات هي أنَّ ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)، من سنخ المعارف، ولا بد من أن توضع في جنب التوحيد والمعارف، وأصل الكلام (صلَّى الله عليه وآله) بعد ذلك: «فمن قرأها مرَّة فقد قرأ ثلث القرآن، ومن قرأها مرتين فقد قرأ ثلثي القرآن، ومن قرأها ثلاثاً فقد ختم القرآن، فمن أحبك بلسانه فقد كمل له ثلث الإيمان، ومن أحبك بلسانه وقلبه فقد كمل له ثلثا الإيمان، ومن أحبك بلسانه وقلبه ونصرك بيده فقد استكمل الإيمان»(16).

وكما قال النبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) أيضاً: «يا علي، حُبُّكَ إيمان، وبغضك نفاق وكفر»(17). وقال الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) بعد غزوة خيبر: «يا علي لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق إلى يوم القيامة»(18).

 يقول جابر بن عبدالله الأنصاري (رضيَّ الله عنه)بعد أن قال الرسول (صلَّى الله عليه وآله): «معاشر الأنصار اعْرِضُوا أولادكم على محبّة عليّ.

 قال جابر بن عبدالله: فكنَّا نَعْرضُ حبَّ علي (عليه السلام) على أولادنا، فمن أحبَّ علياً علمنا أنه من أولادنا، ومن أبغض علياً انتفينا منه»(19). الولاية والتقوى: يعرِّف الله المؤمنين في سورة البقرة المباركة: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ}(20).

السؤال هنا: ما هو هذا الشيء الذي أنزِلَ على الرسول (صلَّى الله عليه وآله)؟ ما هو {مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ}؟ تقول في الآية التي أُنْزِلَت في يوم الغدير: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ}(21).

اتفق الشيعة والسنة أنَّ هذه الآية نزلت في يوم الغدير، وهي نازلة لكي تعرِّف “أمير المؤمنين (عليه السلام)”(22)، يهدي القرآن الأشخاص الذين لديهم الإيمان بالولاية وبـ{مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ}؛ لأنَّه يقول: {هُدىً لِلْمُتَّقِينَ}(23).

 ولذلك النتيجة التي نتحصَّل عليها أنَّ الذين لا ينضوون تحت لواء الولاية:

 1- ليسوا مؤمنين.

 2- ليسوا قابلين للهداية.

 عندما يكونون غير قابلين للهداية فإنهم يمضون في وادي الضلالة والضياع!

الهوامش والمصادر

  • (1) سورة الروم، الآية 4- 5.
  • (2) ينقل المؤلف عن صحيفة الأبرار، ج 2 ص84.
  • (3) بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 3 ص 7.
  • (4) بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 39 ص 246.
  • (5) ينقل المؤلف عن القطرة من بحار مناقب النبي والعترة (عليهم السلام) ج 1 ص  193، إن كلمة إن شاء الثانية هي معنى الحديث فقط ليست من الحديث.
  • (6) بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 97 ص 331.
  • (7) الكافي، الشيخ الكليني ج 1 ص 145. عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام).
  • (8) الكافي، الشيخ الكليني ج 8 ص 242.
  • (9) مقطع من الزيارة الجامعة.
  • (10) من أدعية رجب، بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 95 ص 393.
  • (11) بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 84 ص 199.
  • (12) نخبة اللآلي شرح بدأ الأمالي، محمد بن سليمان الحلبي ص 19.
  • (13) سور المائدة، الآية 3.
  • (14) موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، الشيخ هادي النجفي ج 3 ص 440.
  • (15) سورة المائدة، الآية 76.
  • (16) الأمالي، الشيخ الصدوق ص 86.
  • (17) معاني الأخبار، الشيخ الصدوق ص 206.
  • (18) بحار الأنوار، العلامة المجلسي  ج 39 ص 287.
  • (19) بحار الأنوار، العلامة المجلسي  ج27  ص 151، انتفينا منه: أي تنصَّلنا منه، أي اعتبرناه ليس ابننا. (20) البقرة الآية، 4.
  • (21) المائدة الآية، 67.
  • (22) ينابيع المودة القندوزي ج 1 ص 359.
  • (23) سورة البقرة الآية 2.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى