كي يبقى الدم أداة للمصلحين في التغيير والإصلاح

تمهيدٌ: إنَّ استشراء الفساد في الأرض يمثّل كارثةً كبيرةً تتناقض والهدف الّذي خلق الله الإنسان لأجله، وأودعه هذه الأرض لتحقيقه، فوجود الإنسان في هذه الأرض وسَط إحاطته بمجموعةٍ من الابتلاءات المختلفة، سواء منها الابتلاءات الّتي تنتُج من طبيعة النفس ذاتها، وميلها الحيوانيّ وتصارعه مع الجانب الروحيّ، أو تلك الّتي تنتُج من ظروفٍ خارجيّةٍ تُضيف تعقيداً آخراً في صراع الإنسان مع طرفيه الحيوانيّ والروحيّ.

وعندما يتغلّب الجانب الحيوانيّ في أناسٍ، تصطنع لدينا شخصيّاتٌ، وإن كانت مختلفةً في شكلها عن الحيوانات، ولكنّها لا تفترق قيد أنملةٍ عنها، بل هي أكثر شراهةً وضرراً، يقول الباري (سبحانه وتعالى): {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً}(1).

 توصيفٌ إلهيٌّ دقيقٌ لتلك الفئة الّتي ضاعت منها الأرواح، وتلاشى الجانب الروحيّ من كلّ كيانها، بعدما سمحت للهوى وللبعد الحيواني من أن يتحرّك، ويصول، ويجول في كلّ كيانها، فما كان إلا أن انقلبت الإنسانيّة فيهم إلى الحيوانيّة.

وبعد هذا الانقلاب لم تكن هناك أيّ قيمةٍ للإنسان بحسب نظر المولى (سبحانه وتعالى)، ولذلك كان على مستوىً واحدٍ مع الأنعام، لا يتمتّع بأيّ امتيازٍ عند الله، وقد يكون أشدّ انحطاطاً منها، فلا يمثّل التطور المادّيّ، أو التكنولوجيّ، أو غيرها – من جنباتٍ أخرى- قيمةً عند الله، بعدما يذهب البعد الروحيّ ويتلاشى.

 كي لا تنحرف المسيرة: لكي يحافظ المولى على سير الإنسان نحو الهدف المنشود، أودع في نفس البشريّة عناصر ومقوّماتٍ تنهض ببعده الروحيّ، وتقوّيه متى ما أراد الإنسان ذلك.

 كما ويمثّل بعْث الأنبياء والرسل من قبل الله (سبحانه وتعالى) عوناً إضافيّاً لمكنونات النفس الخيّرة، وإمداداً من قبله للبشريّة؛ كي تبقى على خطّ الرشاد والهدى، ولا تحيد عنه، يقول الله (سبحانه وتعالى) (سبحانه وتعالى): {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}(2).

وتمثّل الشريعة السمحاء أيضاً – بكلّ ما تشتمل عليه من تكاليف وأحكامٍ – نوعَ إرشادٍ وهدايةٍ لصلاح الإنسان، والأحكام الّتي وردتْ في الشريعة الإسلاميّة يمكن لنا أن نقسّمها على قسمين مهمّين: الأوّل: هي تلك الأحكام الّتي تُلاحق حركة الفساد الداخليّ، النابع من ذات الإنسان ونفسه، وتحاول أن تبني عناصر ومقوّماتٍ تنهض بالإنسان نحو كماله الذاتيّ، ومثال تلك الأحكام كثيرٌ، منها: الصلاة، والصوم، والحج، وحرمة الزنا، واللواط، وغيره.

 الثاني: هي تلك الأحكام الّتي تلاحق حركة الفساد الخارجيّ الّتي تكون بالعادة إفرازاً طبيعيّاً من إفرازات فساد الأفراد، وتحاول هذه الأحكام أن تنهض بالمجتمع وبنائه نحو الكمال والفضيلة.

الأمر بالمعروف ملاحقةٌ للفساد: تعدّ فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهمّ التشريعات الإلهيّة الّتي يمثّل تفعيلها نوع ملاحقةٍ للفساد الذاتيّ، والمجتمعي، {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(3)، {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}(4).

وورد عن الإمام عليٍّ (عليه السلام) في وصيته للحسنين (صلَّى الله عليه وآله) عند الشهادة: «لا تتركوا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فيولّى عليكم شراركم، ثمّ تدعون فلا يُستجاب لكم»(5).

 نعم، إنّ تَرك الجوّ العامّ للفساد – ليتحرك حرّاً طليقاً كيفما يحلو له – يؤول أمره بعد ذلك – بلا شكٍّ – إلى سيطرةٍ تامّةٍ له، ولأصحابه، وتقلّد للمفسدين لأعلى المراتب في المجتمع، وفساد الأرض وخرابها، {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}(6)، هذه هي النتيجة الطبيعيّة متى ما أهملت الرقابة والملاحقة للفساد، والمفسدين.

طرق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مرتّبةً: يذكر الفقهاء في رسائلهم العمليّة مراتبَ لإنكار المنكر، والنهي عنه، تبدأ بالإنكار القلبيّ، وإظهار الكراهة القلبيّة، بمثل تقطيبات الوجه، أو السكوت، وترك الكلام، ثمّ إذا لم تنفع هذه الوسيلة انتُقل إلى مرتبة الإنكار القوليّ، وباللسان، من خلال النصيحة، أو الموعظة، أو التقريع، ونحوه، ثمّ الإنكار باليد، وبالفعل، من خلال الضرب، ونحوه.

ويرى بعض الفقهاء – كمثل السيّد الخوئيّ (قدِّس سرُّه)(7) – أنّ الظاهر أنّ المرتبة الأولى والثانية كلاهما في عرضٍ واحدٍ، فقد نستعمل الثانية ونترك الأولى، أو بالعكس، أو نستعملهما معاً، كلّ ذلك خاضعٌ لتقدير أيّ الطرق سيكون لها التأثير في ردع المرتكب للمنكر ونهيه. ثمّ إذا لم تنفع هذه الطريقة انتُقل إلى المرتبة الثالثة، وفي هذه المرتبة لابد من مراعاة الترتيب في مراتبها على الأحوط وجوباً، فلا يُبدأ بالأشدّ مع كون الأقلّ منه كافٍ في التأثير، والردع للمنكَر.

ثورة الطفّ.. حركةٌ نحو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: مع بداية حركة الإمام الحسين (عليه السلام) تحرّكت أهداف حركته معه؛ لتكون أهداف الثورة واضحة المعالم، ومحدّدة النقاط، تنطلق في ذلك من سنّة الله في إبانة الحقّ، وجعله واضح المعالم بإزاء الباطل وزيفه، {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ}(8).

 فما إن تقرأ الكلمات الّتي قالها الإمام الحسين (عليه السلام) في مواضع مختلفةٍ، حتّى تجد مثل هذه الكلمة شاخصةً للعيان واضحةً، وهي: «وأني لم أخرج أشراً، ولا بطراً، ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنمّا خرجتُ لطلب الإصلاح في أمّة جدّي (صلَّى الله عليه وآله)، أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي، وأبي عليّ ابن أبي طالب (صلَّى الله عليه وآله)»(9).

فهدف الإصلاح، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، هو هدف حركة الإمام (عليه السلام)، وثورته. لماذا وصلت المواجهة حتّى الشهادة؟! إذن حركة الإمام الحسين (عليه السلام) تعدّ تجربةً عمليّةً في مواجهة الانحراف، وصل بها الإمام (عليه السلام) إلى أقصى مراتب المواجهة، وهي المواجهة بالعنف، وبالدم.

 ومن هنا يجد المصلحون ثورة الإمام (عليه السلام) مادّةً مهمّةً للدراسة، تتحدّد على ضوئها معالم الرُتبية بين الأسلوب السلميّ في التغيير والإصلاح، وأسلوب المواجهة بالعنف.

 إذ الملاحظ للترتيب الّذي يذكره الفقهاء في مراتب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، يجد أنّ البداية بالطريقة السلميّة في معالجة المنكر – ما دامت محتملة المنفعة والجدوى في مواجهة الفساد – لا يُنتقل منها إلى المواجهة بالعنف، بل إنّ الانتقال إلى هذه المرتبة من المواجهة بحاجةٍ إلى إذنٍ من الفقيه، إن كان يستلزم جرحاً، أو خدشاً، ونحو ذلك من تفاصيل تُبحث في محلّها، تُشدِّد وتضيِّق في مجملها الخناقَ؛ كي لا نصل بالمسألة إلى هذه المرتبة.

ومن هنا ندخل في عمق المسألة الّتي أردنا أن نتناولها، وهي: إذا كانت المسألة كذلك، فإذن لماذا كانت ثورة الإمام الحسين (عليه السلام)؟! إذ قد يقول قائلٌ: إنّ ثورة الإمام تُعدّ مواجهةً للانحراف، وحركةً للتصحيح والإصلاح، عن طريق المواجهة، والعنف، وهذه المرتبة لا يُوصَل لها إلاّ بعد استنفاد المراتب الأخرى! هل كانت أمام الإمام (عليه السلام) خياراتٌ غير المواجهة؟ بتتبّع النصوص الواصلة لنا عن حركة الإمام الحسين (عليه السلام) نحو الثورة، يمكن لنا أن نذكر الخيارات الأخرى الّتي ذُكرت للإمام الحسين (عليه السلام) من قِبَلِ البعض، بغضّ النظر الآن عن تفصيل صحّتها وسقمها، وهي كالتالي: الأوّل: خيار المبايعة والتصالح: وهذا الخيار أشار به ابن عمر، عندما لقي الإمام الحسين (عليه السلام) وابنَ الزبير، إذ قال لهما: (أذكّركما الله إلاّ رجعتما، فدخلتما في صالح ما يدخل فيه الناس، وتنظرا، فإن اجتمع الناس عليه لم تشذّا، وإن افترق الناس عليه كان الّذي تريدان)(10).

وهذا الّذي أشار إليه ابن عمر في واقع أمره ينطلق من مبدأٍ قد سُيّس، واستفاد منه البعض قبل أن يستفيد منه مثل يزيد ومعاوية، وهو مبدأ الجماعة، والاجتماع، وعدم شقّ عصا الأمّة، ونحوها من مفاهيم حاول القوم شَرْعَنَة حكمهم من خلالها.

 الثاني: خيار الهروب والتريّث: وأبرز من اقترح هذا الخيار للإمام الحسين (عليه السلام) هو أخوه محمّد بن الحنفيّة (رضيَّ الله عنه)، حيث قال للإمام (عليه السلام) لمّا علم عزمه على الخروج عن المدينة: (يا أخي، أنت أحبّ الناس إليّ، وأعزّهم عليّ، ولست أدّخر النصيحة لأحدٍ من الخلق إلاّ لك، وأنت أحقّ بها، تنحَّ ببيعتك عن يزيد بن معاوية، وعن الأمصار ما استطعت، ثمّ ابعث رسلك إلى الناس، فادعهم إلى نفسك، فإن تابعك الناس وبايعوا لك حمدت الله على ذلك، وإن أجمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك، ولا عقلك، ولا تذهب به مروءتك، ولا فضلك، إنيّ أخاف أن تدخل مصراً من هذه الأمصار، فيختلف الناس بينهم، فمنهم طائفةٌ معك، وأخرى عليك، فيقتتلون، فتكون أنت لأوّل الأسنّة، فإذا خير هذه الأمة كلّها نفساً، وأباً، وأمّاً، أضيعها دماً، وأذلّها أهلاً.

 فقال له الحسين (عليه السلام): «فأين أذهب يا أخي؟» قال: انزل مكّة، فإن اطمأنّت بك الدار بها فسبيل ذلك، وإن نبت بك، لحقت بالرمال، وشعب الجبال، وخرجت من بلدٍ إلى بلدٍ، حتّى تنظر ما يصير أمر الناس إليه، فإنّك أصوب ما تكون رأياً حين تستقبل الأمر استقبالاً.

فقال: «يا أخي، قد نصحتَ، وأشفقتَ، وأرجو أن يكون رأيك سديداً موفّقاً». فسار الحسين (عليه السلام) إلى مكة)(11).

الثالث: خيار المواجهة والشهادة: وهو الخيار الّذي وقع، وسار إليه الإمام (عليه السلام)، وربما كان مكان المواجهة مردّداً حسب كلمات الناصحين للإمام (عليه السلام) بين ثلاث محلاّتٍ أساسيّةٍ هي:

1) مكّة المكرّمة.

 2) كربلاء العراق.

 3) اليمن.

اختيار خيار الشهادة بكربلاء عن علمٍ: خيار مكّة المكرّمة خيارٌ استبعده الإمام (عليه السلام) في قوله لأخيه ابن الحنفيّة: «يا أخي، قد خفتُ أن يغتالني يزيد بن معاوية في الحرم، فأكون الّذي يُستباح به حرمة هذا البيت»(12).

 فالإمام (عليه السلام) على علمٍ بما ستؤول إليه الأمور من خذلانٍ، وسكوتٍ، فأراد أن تكون الجريمة جريمةً تتعلّق بإهراق دمه دون أن تقترن بجريمة هتك بيت الله الحرام؛ لتبقى حُرم الله الأخرى محفوظةً، ولا يكون هو سبباً لهتكها، بعدما كانت هناك خياراتٌ أخرى في الخروج من مكّة، تحقّق نفس مستوى الأهداف الّتي أرادها الإمام (عليه السلام).

 كما وأنّنا لو فرضنا مكّة كانت هي الخيار، لأمكن ليزيد – بعد أن يُجهز على الحسين (عليه السلام) وأصحابه (رضيَّ الله عنهم) – أن يرمّم البيت، ويبني الكعبة، ويشوّه صورة الإمام الحسين (عليه السلام)، ويصوّر المسألة على أساس أنّه (عليه السلام) هو السبب في هتك حرمة بيت الله، كما فعل بابن الزبير.

 ويظهر من ترجيح الإمام لخيار السير لأهل العراق – مع علمه أنّهم قاتلوه بقوله (عليه السلام): «هذه كتب أهل الكوفة إليّ، ولا أراهم إلا قاتليّ»(13) – أنّ هناك حيثياتٍ مهمّةً ترتبط بالعراق ذاته.

فالمتتبّع لكلمات الإمام (عليه السلام) لا يمكن أن يصرف نظره عن الكمّ الهائل من الكلمات الّتي ينعى فيها الإمام (عليه السلام) نفسه، فالسير إلى العراق ما كان إلاّ سيراً نحو المصرع، ومحلّ الدفن.

 فها هو يخطب ويقول للناس: «خُطَّ الْمَوْتُ عَلَى ولْدِ آدَمَ، مَخَطَّ الْقِلادَةِ عَلَى جِيدِ الْفَتَاةِ، وَمَا أَوْلَهَنِي إلى أَسْلافِي اشْتِيَاقَ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ، وَخُيِّرَ لِي مَصْرَعٌ أَنَا لاقِيهِ، كَأَنِّي بِأَوْصَالِي يَتَقَطَّعُهَا عُسْلانُ الْفَلَوَاتِ، بَيْنَ النَّوَاوِيسِ وَكَرْبَلاءَ، فَيَمْلأَنَّ مِنِّي أَكْرَاشاً جُوفاً، وَ أَجْرِبَةً سُغْباً، لا مَحِيصَ عَنْ يَوْمٍ خُطَّ بِالْقَلَم»(14).

 وهي كلماتٌ صريحةٌ في أنّ مآل أمره إلى الشهادة، والقتل، فلذلك من غير المحتمل ما يذكره البعض من أنّ الشهادة فُرضت على الإمام (عليه السلام) فرضاً؛ نظراً لسوء اختيار الإمام لخيار العراق، نعم، هي بالمقاييس الشرعيّة كما سنوضّح لاحقاً فُرضتْ كتكليفٍ شرعيٍّ على الإمام (عليه السلام).

فليس من الصحيح ما يصوّره البعض من أنّ الإمام (عليه السلام) وكأنّه (عليه السلام) – حاشاه – لا خُبْرَ له بطبيعة الناس آنذاك، وبظروف الأوضاع العامّة، مع أنّ المسألة كانتْ جليّةً جدّاً، وواضحةً في رجحان الخذلان على النصر، حتّى لمثل محمّد بن الحنفيّة، وابن عبّاس، والفرزدق، وغيرهم، فكثيرٌ أولئك الّذين قالوا للإمام (عليه السلام) بأنّ أهل الكوفة يخذلونه، والإمام (عليه السلام) على علمٍ بالكوفة وأهلها أكثر من غيره، فهو الّذي خاض الحروب مع أبيه، وكان مع أخيه، فكيف يخفى عليه مثل ذلك؟! فلا نجد بعد ذلك كلّه إلاّ حصر مسير الإمام (عليه السلام) إلى العراق، إلاّ أنّه نوعٌ من اختيارٍ لمحلّ المصرع، وهي كربلاء، فهو القائل لأخيه محمّدٍ: «أتاني رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بعدما فارقتك، فقال: يا حسين، اخرج؛ فإنّ الله قد شاء أن يراك قتيلاً.

فقال له ابن الحنفيّة: إنّا لله، وإنّا إليه راجعون، فما معنى حملك هؤلاء النساء معك وأنت تخرج على مثل هذه الحال؟! قال: فقال له: قد قال لي (صلَّى الله عليه وآله): إنّ الله قد شاء أن يراهنّ سبايا»(15).

تخطيطٌ وإعدادٌ مسبّقٌ للشهادة، بخطىً ثابتةٍ، لم يثنها وصول خبر الخذلان، وقتل مسلم وهاني (رضيَّ الله عنهما)؛ ليزداد التأكيد على أنّ خطاه (عليه السلام) كان نحو لُقيا الله (عزَّ وجلَّ)، مع ثلّةٍ رابطت على الإيمان، وقد كان الإمام (عليه السلام) يتعاهدهم، ويصفّيهم، وينتقيهم، ويختبرهم في كلّ موضعٍ موضعٍ، حتّى بقي معه من بقي، وذهب عنه من ذهب، فما كان إلاّ أن أراهم مصارعهم، ومحالَّ دفنهم، فثبتوا، واستشهدوا.

 لماذا كربلاء العراق؟ فيمكن لنا أن نفهم السر من خلال تعبيرات الإمام (عليه السلام): «الموعد حفرتي، وبقعتي الّتي أستشهد فيها، وهي كربلاء، فإذا وردتُها فاءْتوني»(16)، «ومن ذا يكون ساكن حفرتي بكربلاء؟! وقد اختارها الله يوم دحا الأرض، وجعلها معقلاً لشيعتنا، ويكون لهم أماناً في الدنيا والآخرة»(17).

 السرّ في كربلاء كان خفيّاً ومغيّباً عند استشهاد الإمام (عليه السلام) رغم هذه الكلمات، ولكن باتت هذه الكلمات اليوم واقعاً نتلمّسه يوماً بعد يوم، وسيأتي يوم ظهور قائم آل بيت محمّدٍ (عجَّل الله تعالى فرجه الشريف)؛ ليصبح ما قاله الإمام الحسين (عليه السلام) بكلّ حذافيره واضحاً، جليّاً، لا ريب فيه. فالعراق أصبحت بسبب وجود هذه المشاهد المباركة ملاذاً للشيعة، وحصناً حصيناً لمذهب التشيّع وأهله.

  لماذا اختار الإمام خيار الشهادة؟ من يقرأ ثورة الإمام (عليه السلام) لا ينبغي أن يتجاهل بقيّة الأدوار الّتي قام بها الأئمّة (عليهم السلام)؛ فالشريعة واحدةٌ، اعتمد الله في بيانها على مراحل من التطوّر والتدرّج، فقد يُصدر إمامٌ حكماً عامّاً مطلقاً، ويأتي إمامٌ آخرُ يخصّصه ويقيّده.

 وهذا النحو من التدرّج ليس مقصوراً على جانب الأحكام الفقهيّة في جانب العبادات والمعاملات وحسب، وإنّما هو نحوٌ اعتمده الباري حتّى في مجال السياسة والدولة.

 فبعد المخالفة لنصّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) في الخلافة من بعده، ومآل الحكم للخلفاء، يأتي الإمام عليٌّ (عليه السلام) بعد حينٍ؛ ليعطي حكمه، ويبيّن نهجه، ويعيد الأمّة إلى سيرة الرسول (صلَّى الله عليه وآله).

 وهكذا الأمر، تأتي ظروفٌ خاصّةٌ تُجبر الإمام الحسن (عليه السلام) على الصلح مع معاوية، وتسير الأمور، وتذهب الظنون بمعاوية حتّى يُنصّب ابنه خليفةً من بعده، متجاهلاً لبنود الصلح مع الإمام الحسن (عليه السلام).

 وفعل معاوية هذا قد أنهى أمد – وصلاحية – الصلح المبرم، والإمام الحسن (عليه السلام) كان مدركاً لذلك، فلذا كان النصّ في الصلح على مآل الأمر للإمام الحسين (عليه السلام)، لا ليزيد من بعد معاوية.

 وهنا لابد من حركةٍ تسلب هذا التنصيب مصداقيتَه، وشرعيّتَه، فيأتي دور الإمام الحسين (عليه السلام) ليفصل الشرعيّة عن الحكم القائم، وهذا ما حصل، فلم يكتسب الحكم الأمويّ أيّ شرعيّةٍ في نظر الناس بعد مقتل الحسين (عليه السلام)، وشهادته.

 فثورة الإمام (عليه السلام) عزّزت في نفوس الناس، وأكّدت أنّ الخلافة حقٌّ لأبناء بنت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، إمامٌ بعد إمامٍ. وهذا المعنى استغلّه العبّاسيّون في الاستيلاء على الحكم، ولكن لمّا تكشّفت نواياهم زالتْ عن حكمهم الشرعيّة، وفعل المأمون من خلال تنصيبه الإمام الرضا (عليه السلام) في ولاية العهد محاولةٌ لاكتساب الشرعيّة والحاكميّة من قِبَلِ الله، ومن قِبَلِ رسوله (صلَّى الله عليه وآله)، بعدما زالت عن حكم آل العبّاس أيضاً.

 فهذا إذنْ ما أراده الإمام (عليه السلام)، سلب الشرعيّة لأي حكمٍ وخلافةٍ سوى خلافة أهل البيت (عليهم السلام)، ولأجل ذلك تعدّ ثورة الإمام (عليه السلام) تمهيداً لظهور الإمام الحجّة (عجَّل الله تعالى فرجه الشريف)؛ لأنّها رسمت هذا المفهوم، وأعطتْ الشرعيّة لحكم الإمام (عجَّل الله تعالى فرجه الشريف)، وضرورة خروجه قبل أن يولد، وقبل أن يخرج.

 أمّا الأمر الآخر فهو: أنّ ثورة الطفّ أعادت للأدوات والأساليب في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر تمازجها الّذي يجب أن يبقى، ويُحافظ على شخوصه، هذا التمازج يتمثّل في التأكيد على مسألةٍ في غاية الأهمّيّة، ورسالةٌ تُرفع في وجه كلّ ظالمٍ، وهي: كما أنّ هناك طريقاً سلميّاً يمكن للمصلحين أن يسلكوه، فكذلك هناك المواجهة، والعنف، والدم الّذي يمكن أن يفعّلوه، وينشّطوه، ويقدّموه متى ما اقتضت الحاجة.

كربلاء، ذلك البركان الّذي لا يهدأ، فما زالت ذكراها تُحدث رعباً في قلوب الظلمة والجبابرة، إحياؤها السنويّ يعطي شحذاً في نفوس المؤمنين والغيارى نحو التحرّك والتغيير، وإرخاص الغالي والثمين لهذا الدين الحنيف، فلا يكفي بالإنسان أن يقرأ الشهادة مفهوماً، وإنّما لابد له أن يعيشها قلباً، وفعلاً، وثورة الإمام (عليه السلام) تُعدّ الحاضن والمدرسة الّتي يتربّى فيها الإنسان على الشهادة، وتغرس في قلبه الشوق، والحبّ لها.

 فتحرّك الإمام (عليه السلام) نحو الشهادة كان بدافع التكليف الشرعيّ في بيان هذه الحيثيّات؛ إذ لو لم يتحرّك (عليه السلام) لحدثت في الدين مفسدةٌ لا يمكن جبرها، شرعيّةٌ للحكم الجائر، وسكوتٌ عن انتهاك حرمات الله، وعن ارتكاب معاصيه، فدفعاً لهذه المفسدة، كانت الضرورة لتحويل الأسلوب من السلم إلى المواجهة بالدم.

الخلاصة: آمل أنّي قد وُفّقتُ في بيان النقاط التالية:

 1) فاعليّة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر مطلوبةٌ دوماً، نحفظ أنفسنا ومجتمعنا من خلالها.

 2) إنّ حركة الإمام الحسين (عليه السلام) حركةٌ نحو التغيير، والإصلاح، وتطبيقٌ لفريضة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

 3) إنّ الإمام (عليه السلام) تحرّك في حركته من الأوّل نحو التضحية، والفداء.

 4) لابدّ أن تكون أداة الدم والمواجهة شاخصةً، كأداةٍ يلجأ لها المصلحون متى ما اقتضتْ الضرورة، وفقاً لضوابطها الشرعية، لا أنّها تُعطّل، وتُترك.

المصادر والهوامش

  • (1) سورة الفرقان، 43-44.
  • (2) سورة الصفّ، 9.
  • (3) سورة آل عمران، 104.
  • (4) سورة البقرة، 251.
  • (5) الري شهريّ، ميزان الحكمة، [1-4]، ط1، دار الحديث، قم- ايران، ج3، ص1945.
  • (6) سورة الروم، 41.
  • (7) راجع منهاج الصالحين، ج1، باب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
  • (8) سورة النساء، 165.
  • (9) معهد باقر العلوم (عليه السلام)، موسوعة كلمات الإمام الحسين (عليه السلام)، ط3، دار المعروف للطباعة والنشر، 1995م، ص354.
  • (10) ابن عساكر، ترجمة الإمام الحسين (عليه السلام)، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية، ط2، 1414هـ، قم-ايران، ص263.
  • (11) الشيخ المفيد، الإرشاد، تحقيق مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، دار المفيد للطباعة والنشر، [1-2]، ط2، 1993م، بيروت-لبنان، ج2، ص34.
  • (12) السيّد ابن طاووس، اللهوف في قتلى الطفوف، أنوار الهدى، ط1، 1417، قم- ايران، ص39–40.
  • (13) ابن عساكر، ترجمة الإمام الحسين (عليه السلام)، ص308.
  • (14) العلاّمة المجلسيّ، بحار الأنوار، تحقيق دار إحياء التراث العربي، [1-110]، ط2، مؤسّسة الوفاء، بيروت – لبنان، 1983م، ج44، ص366-367.
  • (15) السيّد ابن طاووس، اللهوف في قتلى الطفوف، ص40.
  • (16) معهد باقر العلوم (عليه السلام)، موسوعة شهادة المعصومين (عليهم السلام)، انتشارات نور السجاد، [1-3]، ط1، قم-ايران، ج2، ص96.
  • (17) المصدر نفسه.
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

أضف تعليق

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى