دور الحس والحدس في تقييمات الرجاليين عند الفريقين

 بناءً على المبنى القائل بقبول كلمات الرجاليين من باب الشهادة أو خبر الثقة لا بد أن يصدر التقييم عن حس أو المبادئ القريبة منه، وأما الشهادة والإخبار عن حدس واجتهاد فلا تقبل؛ إذ لا يجوز للمجتهد البناء على اجتهاد غيره، وإن فرضنا أن قبول أخبارهم الحدسية من باب الرجوع إلى أهل الخبرة فهو مشروط بكون إخبارهم موجباً للوثوق والاطمئنان، من هنا يقول الشيخ الأنصاري: “إن الأدلة الخاصة التي أقاموها على حجيّة خبر العادل لا تدل إلا على حجيّة الإخبار عن حس “(1).

 وقال أيضاً: “… فيما ذهب إليه المعظم، بل أطبقوا عليه، كما في (الرياض) من عدم اعتبار الشهادة في المحسوسات إذا لم يستند إلى الحس وإن علله في (الرياض) بما لا يخلو عن نظر من أن الشهادة من الشهود وهو الحضور، فالحس مأخوذ في مفهومها.

 والحاصل أنه لا ينبغي الإشكال في أن الإخبار عن حدس واجتهاد ونظر ليس حجة إلا على من وجب عليه تقليد المخبر في الأحكام الشرعية…”(2).

 قال الشوكاني في رسالته: (القول المفيد في حكم التقليد) موضحا الفرق بين قبول الرواية وقبول الرأي: “… إذ الراوي إنما أخبر المروى له بالدليل الذي رواه، ولم يخبره بما يراه من الرأي، وكذلك المخبر بدخول الوقت إنما أخبر بأنه شاهد علامة من علامات الوقت، ولم يخبر بأنه قد دخل الوقت برأيه، وكذلك المخبر بالطهارة، فإن المرأة مثلا أخبرت أنها قد شاهدت علامة الطهر من القصة البيضاء ونحوها، ولم تخبر بأن ذلك رأي رأته، وهكذا المخبر بالقبلة أخبر أن جهتها أو عينها ههنا حيثما تقتضيه المشاهدة بالحاسة، ولم يخبر عن رأيه، وهكذا الشاهد فإنه أخبر عن أمر يعلمه بأحد الحواس، ولم يخبر عن رأيه في ذلك الأمر، وبالجملة فهذا أوضح من أن يخفى، والفرق بين الرواية والرأي أبين من الشمس، ومن التبس عليه الفرق بينهما فلا يشغل نفسه بالمعارف العلمية، فإنه بهيمي الفهم وإن كان في مسلاخ إنسان”(3).

 والكلام يستدعي البحث في مسائل: المسألة الأولى: معنى التقييم الحسّي كل مخبر إذا أخبر عن خبر يمكن أن يكون على ثلاثة أنحاء(4): النحو الأول:- الإخبار الحسّي: وهو الخبر المستند إلى إحساس المخبر بالشيء المخبر عنه وملابسة ظروفه بالمباشرة، كالإخبار عن نزول المطر عن طريق رؤيته، وعن وجود الرعد عن طريق سماعه، ونحوه مما يدرك بالحواس.

 النحو الثاني:- الخبر القريب من الحس: وهو الخبر المستند إلى الإحساس بآثار الشيء المخبر عنه ولوازمه العرفية، كالإخبار عن نزول المطر استناداً إلى سماع صوت الرعد ورؤية ضوء البرق، أو الإخبار عن الغضب عن طريق الإحساس بالتوتر وحمرة العينين، والإخبار عن الشجاعة عن طريق رؤية الشخص مقتحماً للأهوال والمخاطر، فهنا الغضب والشجاعة وإن لم يكونا من الامور الحسية إلا أن مبادئهما حسّية.

النحو الثالث:- الخبر الحدسي: وهو الخبر المستند إلى الاجتهاد وإعمال النظر، كالإخبار عن نزول المطر استناداً إلى قواعد وقوانين الأحوال الجويّة، وإخبار الفقيه عن الحكم الشرعي استناداً إلى أدلة عقلية، أو إعمال نظره واجتهاده في الاستنباط من النص النقلي.

 وقد قامت أدلة حجية خبر الواحد على حجيّة الخبر الحسي أو القريب من الحس، دون الخبر الحدسي -ما لم يدل الدليل على حجيته في مورد خاص-، فإن الخبر الحسي إذا صدر ممن يوثق بقوله ولم تكن آفة في حاسته يكون كاشفاً نوعياً عن الواقع، بخلاف الخبر الحدسي فلا يكون لهذا الخبر كاشفية نوعية لتوقفها على تصويب حدسه واجتهاده(5)، وأما الخبر القريب من الحدس فإن السيرة العقلائية قد قامت على العمل به ولذلك لو قال المولى (العرفي) لعبيده: لا تكلموني عند غضبي، ثم جاء يوماً من يخبرهم بغضبه مستنداً في إخباره إلى آثار الغضب العرفية، فإنهم ينقطعون عن تكليمه بلا تردد، ولو فعلوا خلاف ذلك محتجين بعدم كون الغضب من الأمور المدركة بالحواس مباشرة، لما أصغى أحد إلى احتجاجهم، ولما كان المولى ملوماً -والحال هذه- لو عاقبهم(6).

 وفيما نحن فيه الأمر كذلك، فإنه يشترط لحجية إخبار الرجالي أن يكون إخباره مستنداً إلى الحس أو قريب من الحس، كالإخبار عن العدالة والوثاقة استناداً على الاجتناب عن الكبائر ونحوها من الأمور الكاشفة واللازمة للعدالة.

ولإخبار علماء الرجال الحسّي أو القريب منه ثلاث طرق: الطريق الأول:- المعاشرة: فالرجالي إذا لازم الراوي وعاصره، يمكن له الإخبار عن وثاقته أو ضعفه بالحس كما في الفسق والكذب أو بالمبادئ القريبة من الحس كما في الإخبار عن العدالة، ومنه يتضح عدم ورود ما عن المحدّث البحراني والعلامة المامقاني من أن العدالة لا يمكن إدراكها بالحس، حيث يقول المحدث البحراني: “إن العدالة بمعنى الملكة المخصوصة عند المتأخرين مما لا يجوز إثباتها بالشهادة، لأن الشهادة وخبر الواحد ليس حجة إلا في المحسوسات، لا فيما خفي كالعصمة، فلا تقبل فيها الشهادة”(7).

 ويقول العلامة المامقاني: “وحيث إنه قد أخذ في الخبر الابتناء على الحس المحض، وإخبارات أهل الرجال إخبار بأمر غير حسّي، ضرورة عدم تعقل محسوسية العدالة، تعيّن كون قبول إخباراتهم من باب الأخذ بقول أهل الخبرة المأخوذ في اعتباره الوثوق”(8).

 فإن الإخبار عن العدالة وإن لم يكن حسياً إلا أنه إخبار قريب من الحس، لأن إخبار الرجالي عن العدالة استناداً إلى حسن الظاهر واستقامة السلوك كاشف عن العدالة عرفاً وملازم لها، وهذا كافٍ لحجيّة أمثال هذا الإخبار.

 الطريق الثاني:- الشياع والشهرة: فإذا استفاض و شاع أمر راوٍ واشتهر بين الأصحاب، يمكن للرجالي الإخبار عن حاله استناداً إلى الشياع والشهرة، إذ من المعلوم أن الشياع والشهرة المفيدة للاطمئنان كاشفة عرفاً عن حال الراوي.

 الطريق الثالث:- الرواية: بأن يستند الرجالي في إخباره عن الوثاقة أو الضعف إلى ما وصله في هذا الشأن إلى من تقدمه ممن كان معاصراً للرواة، بحيث إما أن تكون الرواية المخبرة عن حال الراوي وصلت إليهم بالتواتر، أو استفاضة النقل، أو سماع اللاحق عن السابق كابر عن كابر وثقة عن ثقة، أو الرجوع إلى الكتب الرجالية التي ثبتت نسبتها إلى مؤلفيها بالطرق الصحيحة.

 المسألة الثانية: أصالة الحس اتضح مما سبق أن الخبر إذا كان محرز الحسيّة أو ما يقرب منها يكون حجة ويعمل به، وإن كان محرز الحدسيّة لا يعمل به، أما إذا شككنا في حسيّة الخبر من حدسيّته، فهل يلحق بالخبر الحسّي فيعمل به أو بالحدسي فيتوقف فيه ويسقط عن الاعتبار؟ ذكروا أن هناك أصل عقلائي محكّم في هذه المسألة، فعند الدوران بين الحس والحدس تجري أصالة الحس العقلائية، فلا يشترط الجزم بكون الإخبار حسيّاً، بل يكفي احتمال صدوره عن حس، فإن البناء العقلائي قائم على عدم الالتفات إلى احتمال الحدسّية(9)، فلو أخبر شخص بموت زيد -مثلاً- أخذ العقلاء بخبره وإن احتملوا أنه استند إلى حدسه، كما لو كان إخباره عن الموت استناداً إلى سماع صياحٍ من جهة داره فاعتقد أنه مات(10)، فإن الغالب في الأخبار التي يكون المخبر فيها مما يقبل الإدراك الحسي عادة كونها بداعي الإخبار عن حس لا عن حدس، مضافاً إلى كون ظاهر الإخبار هو ذلك، فإذا أخبر شخص بمجيء زيد مثلاً فإن المتبادر منه عرفاً هو أن المخبر رأى وأحس بالمخبر به وشاهده، لا أنه علم به بالحدس والاجتهاد.

نعم، لا تجري أصالة الحس في موردين(11): المورد الأول: إذا كان المخبر به لا يقبل الإخبار الحسي أو ما يقرب منه إلا نادراً، لانعدام الغلبة هنا. بل لا بد أن يكون لمضمون الخبر قابلية للإخبار الحسي عادة لإجراء أصالة الحس في حقه.

المورد الثاني: لو كان المخبر ديدنه الاعتماد على الحدس في إخباراته، كما لو كان شخص كثير الاعتماد على التنجيم والحسابات الفلكية في معرفة أوائل الشهور، وأخبر يوماً بدخول شهر رمضان، واحتمل في إخباره أن يكون عن حس ورؤية للهلال، فهنا العقلاء لا يجرون أصالة الحس في حقه.

المسألة الثالثة: أمارات التقييم الحدسي عند أهل السنة يكفينا لمعرفة طريقة المتقدمين من علماء الجرح والتعديل من أهل السنة في تقييم الرواة إلقاء نظرة سريعة إلى كتبهم المصنفة في هذا الفن، لنجد بأن الاجتهاد في التوثيق والتضعيف كان ديدناً بالنسبة لهم، بل هم صرحوا بذلك أنفسهم: قال الذهبي في ديباجة تذكرة الحفاظ: “هذه تذكرة بأسماء معدلي حملة العلم النبوي ومن يرجع إلى اجتهادهم في التوثيق والتضعيف والتصحيح والتزييف”(12).

علّق التهاوني على عبارة الذهبي بقوله: “وفيه تصريح بأن توثيق الرجال وتضعيفها وتصحيح الأحاديث وتزييفها أمر اجتهادي يحتمل الاختلاف، فلا يلزم من جرح واحد في رجل كونه مجروحاً عند الكل”(13).

 ويقول التهانوي: “تضعيف الرجال وتوثيقهم، وتصحيح الأحاديث وتحسينها أمر اجتهادي، فلكل وجهة.

 فيجوز أن يكون راوٍ ضعيفاً عند واحد ٍ ثقة عند غيره، وكذا الحديث ضعيفاً عند بعضهم صحيحاً أو حسناً عند غيره….. وتصريحات أئمة الحديث على كون الجرح والتعديل اجتهادياً أكثر من أن تحصى”(14).

 ويقول الباجي: “أحوال المحدثين في الجرح والتعديل مما يدرك بالاجتهاد ويعلم بضرب من النظر”(15). وقال المنذري: “وللحفاظ في الرجال مذاهب، فعلى كل واحد منهم ما أدى إليه اجتهاده من القبول والرد”(16).

 وقال بدر الدين الزركشي: “فلا شك أن في الجرح والتعديل ضربين من الاجتهاد؛ وأئمة النقل يختلفون في الأكثر فبعضهم يوثق الرجل إلى الغاية وبعضهم يوهنه إلى الغاية وهما إمامان إليهما المرجع في هذا الشأن”(17).

 وللتدليل أكثر على هذه المسألة نسوق بعض الأمثلة التي طفحت بها كتبهم التي تفوح منهاً جلياً رائحة الحدس والاجتهاد في التقييمات بل دخول التعصبات المذهبية والنعرات الطائفية والانحيازات اللامنطقية مضافاً إلى دخول التشهي والحسد والبغضاء واتباع الهوى في الجرح والتعديل عند أئمة هذا الفن عندهم فضلاً عمّن دونهم: 1- هناك طريقة سائدة عندهم في الحكم على الراوي وهي النظر في أحاديث الراوي فإن وجدت مستقيمة حكم بتوثيق راويها وإلا حكم بكذبه وضعفه، وإليك بعض الأمثلة على ذلك: – قال ابن أبي حاتم: “سألت أبي عن حديث رواه عبد الكريم بن الناجي، عن الحسن بن مسلم، عن الحسين بن واقد، عن ابن بريدة، عن أبيه عن النبي  (صلَّى الله عليه وآله) «من حبس العنب أيام القطاف ليبيع يهودي أو نصراني كان له من الله مقت» قال أبي: هذا حديث كذب باطل، قلت: تعرف عبد الكريم هذا؟ قال: لا، قلت: فتعرف الحسن بن مسلم؟ قال: لا، ولكن تدل روايتهم على الكذب”(18).

 – الذهبي يدعي أن يحيى بن معين يوثّق أبا الصلت الهروي› لأنه كان يكرمه حيث قال “أبو الصلت: الشيخ العالم العابد، شيخ الشيعة، أبو الصلت عبد السلام بن صالح الهروي، ثم النيسابوري مولى قريش، له فضل وجلالة، فياليته ثقة…. (قال عباس: سمعت ابن معين، يوثق أبا الصلت.

 فذكر له حديث: «أنا مدينة العلم»، فقال: قد حدث به محمد بن جعفر الفيدي، عن أبي معاوية… قلت جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وكان هذا باراً بيحيى، ونحن نسمع من يحيى دائماً، ونحتج بقوله في الرجال، ما لم يتبرهن لنا وهن رجل انفرد بتقويته، أو قوة من وهاه”(19).

 – سئل ابن معين عن روح بن عبادة فقال: “ليس به بأس، صدوق، حديثه يدل على صدقه”(20).

 ولذا قال المعلمي اليماني: “عادة ابن معين في الرواة الذين أدركهم أنه إذا أعجبته هيئة الشيخ يسمع منه جملة من أحاديثه، فإذا رأى أحاديث مستقيمة ظن أن ذلك شأنه فوثقه، وقد كانوا يتقونه ويخافونه، فقد يكون أحدهم ممن يخلط عمداً، ولكنه استقبل ابن معين بأحاديث مستقيمة ولما بعد عنه خلط، فإذا وجدنا ممن أدركه ابن معين من الرواة من وثقه ابن معين وكذبه الأكثرون أو طعنوا فيه طعناً شديداً فالظاهر أنه من هذا الضرب، فإنما يزيده توثيق ابن معين وهناً، لدلالته على أنه كان يتعمد”(21).

 2- ومن جملة أمارات الحدس عندهم توثيقهم رواة عرفوا بالفسق والضعف ومن جهة أخرى تضعيفهم لأعلام الثقاة والزهد والورع لأغراض مذهبية ومن أمثلة ذلك: – قال العجلي في حق عمر بن سعد¬ قاتل الإمام الحسين (عليه السلام): “كان يروي عن أبيه أحاديث، وروى الناس عنه. وهو الَّذِي قتل الحسين، وهو تابعي ثقة”(22).

فيا عجباً من هذا الدفاع عن قاتل سبط رسول الله  (صلَّى الله عليه وآله) وريحانته، وبأي وجه يلقى العجلي الزهراء البتول (عليها السلام) وهو يوثّق قاتل أهل البيت الطاهرين  (عليهم السلام)، يقول بن حبان: “وأخرج عبيد الله بن زياد عمر بن سعد إليه فقاتله بكربلاء قتالاً شديداً حتى قتل عطشاناً، وذلك يوم عاشوراء سنة إحدى وستين”(23).

 من هنا احتج كثير على هذا التوثيق فهذا ابن معين يقول: كيف يكون من قتل الحسين ثقة”(24).

 – توثيقهم لحريز بن عثمان الرحبي، الذي كان يصلي في المسجد ولا يخرج منه حتى يلعن علياً  (عليه السلام) سبعين لعنة في الغداة وسبعين لعنة في العشي، وكان شديد التحامل على أمير المؤمنين  (عليه السلام) ويشتمه على المنابر، وروي عنه أنه قال: “هذا الَّذي يرويهِ النَّاس عنِ النَّبِيِّ  (صلَّى الله عليه وآله) قال لعليٍّ: أنت منِّي بمنْزلَةِ هارون من موسى حقٌّ، ولكن أخْطَأَ السَّامع، قلت: فما هو؟ فقال: إِنَّما هو: أنْت منِّي مكان قارون من موسى”، ومع كل هذا النصب والعداء لأمير المؤمنين قد احتج بحديثه البخاري وأبو داود والترمذي وغيرهم، وقال عنه أحمد بن حنبل: ثقة، ثقة، ثقة، وفي الرياض النضرة: ثقة ولكن يبغض علياً، أبغضه الله (25).

 – تضعيفهم لصادق أهل البيت  (عليهم السلام)، قال يحيى بن سعيد القطان: “في نفسي منه شيء، مجالد أحب إليّ منه”(26)، ومجالد هذا معروف بالضعف عندهم(27).

 ولهذا السبب لم يخرج البخاري لإمامنا الصادق (عليه السلام) رواية في كتابه، يقول ابن تيمية “وقد استراب البخاري في بعض حديثه لما بلغه عن يحيى بن سعيد القطان فيه كلام، فلم يخرج له”(28).

 ولا يكاد ينقضي عجبي كيف بعثته الجرأة على التفوه بهذه الكلمة في حق أطهر من وطأ الثرى، فإن كان في نفسه عليه شيء، فنحن في أنفسنا على يحيى بن سعيد أشياء، ولهذا رد على هذه الكلمة القاسية في حق سيدنا مولانا الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) كثير من العلماء، فقال الذهبي: “هذه من زلقات يحيى القطان، بل أجمع أئمة هذا الشأن على أن جعفراً أوثق من مجالد ولم يلتفتوا إلى قول يحيى”.

وقال أبو حاتم: “جعفر لا يسأل عن مثله”، وعن عمرو بن أبي المقدام قال: “كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد، علمت أنَّه من سلالة النَّبيِّين، قد رأَيته واقفاً عند الجمرة يقول: سلُوني، سلوني”.

 وعن صالح بن أَبي الأسود قال: “سمعت جعفر بن محمَّد، يقول: سلُوني قبل أن تفقدونِي، فإِنَّه لا يحدِّثكم أحد بعدي بمثل حديثي” وسئل أبو حنيفة: من أفقه من رأيت؟ قال: ما رأيت أحداً أَفْقه من جعفر بن محمَّد”(29).

 3- هناك قاعدة معروفة مشهورة لديهم، بأن جرح الأقران لا يعبأ به للحسد والتحامل الناشيء من التنافس بين الأقران، وسنشبع المسألة في الشرط التالي إن شاء الله وأكتفي بنقل هذا السؤال الذي وجّه إلى الشيخ ابن جبرين وعنون تحت عنوان (مطاعن أهل الزمان المتقارب غير مقبولة) حيث سئل: من المعلوم أن الشيخ ربيع بن هادي المدخلي(30) هو شيخ الجرح والتعديل، وقد استمعت له شريطًا بعنوان (موقف أهل السنة من البدعة) وقد حذر في هذا الشريط من الشيخ عدنان آل عرعور الشيء الذي أحدث ضجة عندنا بالجزائر فما تعليقكم على هذا يا فضيلة الشيخ؟ الإجابة: “ربيع المدخلي ليس هو مقبول الكلام في الجرح والتعديل؛ فإن له أخطاء في كتبه تدل على جهله أو تجاهله بما يقول!!! وله مؤلفات يطعن فيها على الكثير من الدعاة والعلماء المشاهير ومنهم عدنان العرعور الذي هو من علماء أهل السنة، ولا نعلم عنه إلا خيرًا، ولا نزكي على الله أحدًا.

 وقد ذكر أهل العلم أنه لا يجوز قبول المطاعن من أهل الزمان المتقارب إذا كان بينهما منافسة كما حصل بين ابن إسحاق ومالك بن أنس وبين ابن حَجَر والْعِيني وبين السخاوي والسيوطي وأمثالهم، فلا يُقبل قول بعضهم في بعض، وعلينا أن نسعى في الإصلاح بينهم، والله الموفق. والله أعلم. عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين”(31).

 4- وهناك أمارات أخرى يلوح منها الاجتهاد والحدس عندهم ومن أمثلتها: – قال عبد الله بن أحمد: “قلت لأبي إن يحيى بن معين يطعن على عامر بن صالح، قال يقول ماذا؟ قلت: رآه يسمع من حجاج، قال: قد رأيت أنا حجاجاً يسمع من هشيم، وهذا عيب؟ يسمع الرجل ممن هو أصغر منه وأكبر”(32).

 – قال أبو داود: “قلت لأحمد: كيف حديث حميد -يعني ابن سليمان-؟ قال: ما أدري، إلا أنه ما أرى كان به بأساً، وكان مكفوفاً، وكان ينـزل مدينة أبي جعفر”(33).

 – قال أحمد بن حنبل في حق علي بن غراب: “ليس لي به خبر، سمعت منه مجلساً واحداً، وكان يدلس، وما أراه إلا صدوقاً”(34).

واختم هذه المسألة بكلمة لابن حجر تختزل هذه الشواهد وغيرها حيث قال: “وأعلم أنه قد وقع من جماعة الطعن في جماعة بسبب اختلافهم في العقائد، فينبغي التنبه لذلك وعدم الاعتداد به إلا بحق، وكذا عاب جماعة من الورعين جماعة دخلوا في أمر الدنيا فضعفوهم لذلك ولا أثر لذلك التضعيف مع الصدق والضبط، وأبعد ذلك كله من الاعتبار تضعيف من ضعف من الرواة بأمر يكون الحمل فيه على غيره، أو للتحامل بين الأقران، وأشد من ذلك تضعيف من ضعف من هو أوثق منه، أو أعلى قدرا، أو أعرف بالحديث فكل هذا لا يعتبر به”(35).

 المسألة الرابعة: أمارات التقييم الحسي عن الشيعة أما نقّاد الرجال من متقدمي علماء الشيعة الإمامية فقد جرت سجيّتهم على تقييم الرواة بالحس غالباً، وهناك عدّة من العوامل أفضت إلى جعل هذه التقييمات حسّية منها:

1- قرب عصرهم من عصر الرواة، مما يؤدي إلى كون الأمر عندهم أمر واضح في التوثيق والتضعيف، لشياع حال الرواة في تلك الأعصار واستفاضتها.

 2- اعتمادهم في النقل على مشايخهم وأساتذتهم، فهذه التقييمات منقولة كابر عن كابر وثقة عن ثقة إلى أن تصل إلى زمن الراوي الموثّق أو المضعّف، بل هناك شواهد عديدة على أن هذا الأمر كان سيرة عملية للطائفة، منها: قال الشيخ الطوسي: “أنا وجدنا الطائفة ميزت الرّجال الناقلة لهذه الأخبار، ووثقت الثقات منهم، وضعفت الضعفاء، وفرقوا بين من يعتمد على حديثه وروايته، ومن لا يعتمد على خبره، ومدحوا الممدوح منهم وذموا المذموم، وقالوا فلان متهم في حديثه، وفلان كذاب، وفلان مخلط، وفلان مخالف في المذهب والاعتقاد، وفلان واقفي، وفلان فطحي، وغير ذلك من الطعون التي ذكروها، وصنفوا في ذلك الكتب، واستثنوا الرّجال من جملة ما رووه من التصانيف في فهارسهم، حتى إن واحدا منهم إذا أنكر حديثا نظر في إسناده وضعفه برواته هذه عادتهم على قديم الوقت وحديثه لا تنخرم”(36).

 فهذه العبارة صريحة في أن الجرح والتعديل كان سجيّة للعصابة وديدناً لهم.

 وقال أيضاً: “فإذا ذكرت كل واحد من المصنفين وأصحاب الأصول، فلا بد أن أشير إلى ما قيل فيه من التعديل والتجريح، وهل يعوّل على روايته أولا؟”(37).

وهناك مجموعة من العبارات يظهر منها التلقي والنقل عن المشايخ، نذكر مجموعة من العبائر التي وردت في كتاب الفهرست للشيخ الطوسي على سبيل المثال لا الحصر: قال في ترجمة إبراهيم بن صالح: “ذكر أصحابنا أن كتبه انقرضت”(38).

 وقال في ترجمة إبراهيم بن هاشم: “وأصحابنا يقولون أنه أول من نشر حديث الكوفيين بقم، وذكروا أنه لقي الرضا  (عليه السلام)”(39).

 وقال في ترجمة أحمد بن الحسين بن سعيد: “ذكروا (يعني أصحابنا القميين) أنه غال وحديثه يعرف وينكر”(40).

 وقال في ترجمة جعفر بن محمد بن قولويه: “له فهرس ما رواه من الكتب والأصول، أخبرنا برواياته وفهرست كتبه جماعة من أصحابنا”(41).

وقال في ترجمة محمد بن عبد الله الشيباني: “كثير الرواية، حسن الحفظ، غير أنه ضعفه جماعة من أصحابنا”(42). وغير هذه العبارات كثير مما طفحت به كتبهم.

 3- اعتمادهم في النقل على الكتب المصنفة في مجال الجرح والتعديل الواصلة إليهم، فهم يعتمدون على التراث الواصل إليهم في هذا المجال لا ما أدّى إليه نظرهم واجتهادهم، قال السيد الخوئي: “قد كان تأليف كتب الفهارس والتراجم لتمييز الصحيح من السقيم أمراً متعارفاً عندهم… وقد بلغ عدد الكتب الرجالية من زمان الحسن بن محبوب إلى زمان الشيخ نيفاً ومئة كتاب على ما يظهر من النجاشي والشيخ وغيرهما”(43).

 ولذلك نجد بأن النجاشي والطوسي وغيرهما ينقلون عن كثير من الأشخاص، كالكشي، وابن عقدة، وابن نوح، وابن بابويه، وابن فضّال، والعقيقي، وغيرهم، ولهذا أمثلة وشواهد منها: – قال النجاشي في ترجمة زياد بن عيسى أبو عبيدة الحذّاء: “كوفي ثقة، روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام)، وأخته حمّادة بنت رجاء، وقيل: بنت الحسن روت عن أبي عبد الله (عليه السلام).

قال ابن نوح، عن ابن سعيد، وقال الحسن بن علي بن فضّال: ومن أصحاب أبي جعفر (عليه السلام) أبو عبيدة الحذّاء واسمه زياد، مات في حياة أبي عبد الله (عليه السلام).

وقال سعد بن عبد الله الأشعري، ومن أصحاب أبي جعفر (عليه السلام) أبو عبيدة زياد بن أبي رجاء، كوفي ثقة، صحيح واسم أبي رجاء منذر، وقيل، زياد بن أخزم، ولم يصح، وقال العقيقي العلوي: أبو عبيدة زياد الحذّاء وكان حسن المنـزلة عند آل محمد (صلَّى الله عليه وآله)، وكان زامل أبي جعفر (عليه السلام) إلى مكّة…”(44).

 – قال الطوسي في ترجمة محمد بن بحر الرهني السجستاني: “وله نحو خمسمائة مصنف ورسالة، وكتبه موجودة، أكثرها موجود بخراسان”(45).

 وقال أيضاً في ترجمة موسى بن القاسم: “له ثلاثون كتاباً مثل كتب الحسين بن سعيد، مستوفاة حسنة، وزيادة كتاب الجامع”(46).

 وقال أيضاً في ترجمة أحمد بن محمد بن نوح: “وله تصانيف منها: كتاب الرجال الذين رووا عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وزاد على ما ذكره ابن عقدة كثيراً، وله كتب في الفقه، غير أن هذه الكتب كانت في المسودة ولم يوجد منها شيء….”(47)، وهذه العبارة تدل بوضوح على أنه لا يروي ولا يذكر من الكتب إلا ما رآه منها(48).

 – قال النجاشي في ترجمة إبراهيم بن سليمان: “له كتب ذكرها بعض أصحابنا في الفهرستات، لم أر منها شيئاً”(49).

 وللنجاشي أيضاً مجموعة وافرة من التعابير في كتابه الفهرست المعروف بـ(رجال النجاشي) التي تعطي هذا المعنى مثل: “ذكره أصحابنا في الرجال”(50)، “ذكره أصحاب الرجال”(51)، “ذكره أصحابنا في رجال أبي عبد الله (عليه السلام)”(52)، “ذكره أصحاب كتب الرجال”(53)، “يروي عن الضعفاء، ويعتمد المراسيل، ذكره أصحابنا بذلك وقالوا كان أوثق من أبيه وأصلح”(54).

وغير هذه العبارات كثير مما يدل على وصول كمية وافرة من كتب الطائفة إليهم المشتملة على أحوال الرواة من ناحية الوثاقة والضعف، وهذا لا يعطي أدنى مجال للشك في حسيّة توثيقاتهم، وعلى أسوأ التقادير يدور أمر هذه التوثيقات بين الحس والحدس فيكفينا الاحتمال غير الموهون فتجري أصالة الحس العقلائية، ولا يضر بحسّية توثيقاتهم التعارض الحاصل بين تقييماتهم، فإن هذا الاختلاف لا يؤدي إلى اختلال في الوضوح في الجملة، إذ أن كثيراً ما ينشأ هذا الخلاف من الخلاف في معتقد الراوي أو بعض الأفكار التي يحملها، ففي موارد التعارض يكون الخلاف ناشئ من اجتهاد في شخصية الراوي فلا نأخذ بتقييماتهم في موارد التعارض لكونها اجتهادية واجتهادهم حجة عليهم.

 وهذا لا يضر بأصالة الحس في بقية الموارد.

نعم في خصوص أصحاب المباني الخاصة من علماء الرجال الذين يعلم من ديدنهم التقييم الحدسي فيتوقف في توثيقاتهم وتضعيفاتهم، كما قيل في حق الغضائري، والقميين أمثال أحمد بن محمد بن عيسى و محمد بن الحسن بن الوليد وغيرهم من المشايخ القميين، ولذا يقول السيد بحر العلوم: “وأما الطعن على هذا الأصل والقدح فيه بما ذكر فإنما الأصل فيه محمد بن الحسن بن الوليد القمي، وتبعه على ذلك ابن بابويه، على ما هو دأبه في الجرح والتعديل والتضعيف والتصحيح، ولا موافق لهما فيما أعلم وفي الاعتماد على تضعيف القميين وقدحهم في الأصول والرجال كلام معروف فان طريقتهم في الانتقاد تخالف ما عليه جماهير النقاد، وتسرعهم إلى الطعن بلا سبب ظاهر، مما يريب اللبيب الماهر.

 ولم يلتفت أحد من أئمة الحديث والرجال إلى ما قاله الشيخان المذكوران في هذا المجال، بل المستفاد من تصريحاتهم وتلويحاتهم تخطئتهما في ذلك المقال”(55).

وقال المحقق التستري: “وأكثر القدماء طعناً بالغلو ابن الغضائري وشهّر المتأخرون أنه يتسرع إلى الجرح فلا عبرة بطعونه”(56).

 وقال المحقق المامقاني في ترجمة الخيبري بن علي: “وأنت تدري أنّا لا نثق بتضعيفات ابن الغضائري لكونه كثير الجرح للثقات كما لا نثق برمي القدماء سيّما القميين بالغلو لعدّهم جملة مما هو من ضروريات المذهب اليوم غلواً في يومهم”(57).

 المسألة الخامسة: شبهة الإرسال في الجرح والتعديل أقصى ما ثبت في المسائل آنفة الذكر، هو كون التقييمات الرجالية حسيّة، إلا أنها لا تثبت كون هذا الحسن مما يمكن الاعتماد عليه أو لا، فإن النقل الحسّي كما تقدم له صور متعددة، فإن كان الإطراء الحسّي في حق الراوي المعاصر له فلا إشكال في الاعتماد عليه، وإن كان استناداً إلى الوضوح من خلال الشياع والشهرة فكذلك لا إشكال حتى بالنسبة لمن لم يعاصرهم من الرواة، إنما تأتي المشكلة في أنه قد يكون النقل الحسّي مستنداً إلى الرواية بمعنى إخبار الرجالي عن حال الراوي استناداً لمن سبقه من العلماء واحداً بعد واحد حتى تنتهي إلى المعاصر للراوي، من هنا تأتي الشبهة المشهورة وهي شبهة الإرسال في التوثيق والتضعيف، فكما ان العلماء يردون الرواية المرسلة في الأحكام، فلا بد أن ترد رواية النقّاد في حق الرواة لنفس النكتة، إذ أن الواسطة مجهولة بالنسبة إلينا، ولا بد من إحراز وثاقة الواسطة، فأي فرق بين مراسيل الحديث في الأحكام ومراسيل الأخبار في الجرح والتعديل كي تهجر الأولى وتقبل الثانية؟! ومن الواضح أن هذه الشبهة لا ترد إلا على المبنى القائل بقبول أقوال الرجاليين من باب خبر الثقة، فلا بد أن يكون الخبر مسنداً، أما بناءً على المبنى القائل بالرجوع إليهم من باب الرجوع لأهل الخبرة فيزول الإشكال من أساسه (58)، وكذلك الحال لو قلنا بالرجوع إليهم من باب الوثوق وحصول الاطمئنان (59).

 جواب أهل السنّة عن شبهة الإرسال لا شك في وجود تقييمات منقولة روايةً عن نقّاد الرجال في كتب أهل السنّة، وبالتالي قد تكون الواسطة في النقل ضعيفة أو مجهولة كما حدث كثيراً من نقل أقوال النقّاد في جرح الرواة وتعديلهم بروايات لم تصح عنهم لضعف رواتها، ومن ذلك نقل الدارمي عن يحيى ابن معين قوله في محمد بن ثابت العبدي: “لا بأس به”(60)، وفي رواية معاوية بن صالح: “ليس به بأس، ينكر عليه حديث ابن عمر في التيمم لا غير”(61)، وفي رواية ابن محرز: “ليس بذاك القوي، حدث بحديث عن نافع، عن ابن عمر في التيمم”(62)، وفي رواية ابن الهيثم: “ضعيف روى حديث التيمم”(63)، وفي رواية الدوري: “ليس بشيء”، وقال مرة: “ضعيف”، قال الدوري: “قلت ليحيى: أليس قلت مرة، ليس به بأس؟ قال: ما قلت هذا قط”(64).

 ومنها ما أخرجه ابن عدي عن طريق محمد بن يونس الكديمي، عن علي بن المديني قوله في خليفة بن خياط المعروف بشباب: “لو لم يحدث شباب لكان خيراً له، ثم عقبها بقوله: ولا أدري هذه الحكاية عن علي بن المديني صحيحة أم لا؟ وإنما يرويها عن علي بن المديني الكديمي، والكديمي لا شيء…”(65).

 ولأمثال هذه النماذج وغيرها يشترط في النقل صحته من خلال اتصاله وثقة رواته، فالنقل لنقد الراوي خبر كسائر الأخبار، ولذا قال المزي في مقدمة كتابه (تهذيب الكمال) وهو يتحدث عن نقله لأقوال النقّاد: “ولم نذكر إسناد كل قول من ذلك فيما بيننا وبين قائله -خوف التطويل..، فما كان من ذلك بصيغة الجزم فهو مما لا نعلم بإسناده عن قائله المحكي ذلك عنه بأساً، وما كان منه بصيغة التمريض فربما كان في إسناده إلى قائله ذلك نظر”(66).

 إلا أن المعضلة تبقى في التقييمات الكثيرة المرسلة في حق الرواة الذين لم يعاصرهم أولئك النقّاد فكيف يمكن حل هذه العويصة بناء على مباني أهل السنة؟ استغنى علماء أهل السنّة عن تجشم عناء البحث عن جواب لهذه المسألة، فقد حل علماء أهل السنّة هذه المشكلة من رأس، بإنكار كون تقييمات النقّاد من باب الرواية، وإنما هي من باب الاجتهاد وإعمال الحدس والنظر.

فإن أئمة الجرح والتعديل -غالبًا- ما يعتمدون في حكمهم على الرواة جرحًا وتعديلاً على سبر مرويات الرواة.

 يقول العلامة المُعَلِّمِي: “من الأئمة من لا يوثق من تقَدَّمه؛ حتى يَطَّلع على عدة أحاديث له، تكون مستقيمة، وتكثر حتى يغلب على ظنِّه أن الاستقامة كانت ملكة لذاك الراوي، وهذا كلُّه يدلُّ على أن جلَّ اعتمادهم في التوثيق والجرح إنما هو على سبر حديث الراوي”(67).

ولم يكن حكمهم على الرواة عن طريق السبر مقصورًا على من لم يدركوه منهم، فقد يتعدى ذلك إلى من عاصروه. قال المعلمي: “وربما يبني بعضهم على هذا حتى في أهل عصره، وكان ابن معين إذا لقي في رحلته شيخًا فسمع منه مَجلِسًا، أو ورد بغداد شيخٌ فسمع منه مجلسًا، فرأى تلك الأحاديث مستقيمة، ثم سئل عن الشيخ، وثَّقه.

 وقد يَتَّفق أن يكون الشيخ دجالاً، استقبل ابن معين بأحاديث صحيحة، ويكون قد خلَّط قبل ذلك، أو يخَلِّط بعد ذلك”(68).

وقد تقدمت أمثلة على ذلك في المسألة الثالثة، ونزيد عليها بعض الشواهد الأخرى: – ذكر ابن الجنيد أنه سأل ابن معين عن محمد بن كثير القرشي الكوفي فقال: “ما كان به بأس.

فحكى له عنه أحاديث تستنكر، فقال ابن معين: فإن كان الشيخ روى هذا، فهو كذَّاب، وإلا فإني رأيت الشيخ مستقيمًا”(69).

– ومنها أنه بلغ ابن معين أن أحمد بن الأزهر النيسابوريَّ يحَدث عن عبدالرزاق بحديث استنكره يحيى فقال: “من هذا الكذَّاب النيسابوري، الذي يحَدِّث عن عبدالرزاق بهذا الحديث؟!.

وكان أحمد بن الأزهر حاضرًا، فقام، فقال: هو ذا أنا، فتبسم يحيى، وقال: أما إنك لست بكذاب”(70).

جواب الشيعة عن شبهة الإرسال ذكر علماء الشيعة الإمامية عدّة أجوبة للتفصي من مشكلة الإرسال في التوثيق والتضعيف ببيان المائز الفارق بين الرواية المرسلة في الأحكام والرواية المرسلة في التوثيق والتضعيف، وذكروا أن قياس الإرسال في تقييم الرواة بالإرسال في الرواية قياس مع الفارق، ومن جملة الفروق بينهما(71): – إن الإخبار في باب التوثيق ليس مجرد إخبار بل إخبار مع التبني والاعتقاد بخلاف الروايات المرسلة، فإن إرسال مثل الشيخ، والنجاشي إنما يكون بعد سماعهم من مشايخهم جميعهم أو أكثرهم بحيث يحصل لهم العلم الوجداني أو التعبدي بذلك مما يوجب العلم بأن وسائطهم ثقات، وذلك لوضوح حرمة التشهير بالناس وفضحهم دون الاعتماد على مستند شرعي، ولذلك نجدهم ربما يتوقفون لأدنى شبهة، فلو كان لديهم أدنى شك واختلاف لنسبوا ما ذكروا إلى من نقلوه عنه، كما ورد ذلك في ترجمة النجاشي للنوفلي(72) فكيف يقاس ذلك بالإرسال في الرواية في الأحكام؟ فإن نقل الرواية لا يلازم الاعتقاد بصحة مضمونها، ومن هنا اشتهر بأن نقل الرواية أعم من الاعتقاد بها.

 فينتج أن الإرسال فيها لا يوجب العلم بوثاقة الواسطة.

 ولذا لو علمنا بأن المرسل لا يرسل إلا عن ثقة أمكن الاعتماد على مراسيله، كما في مراسيل ابن أبي عمير وصفوان بن يحيى والبزنطي.

فالحاصل أن إرسال الرجالي من قبيل من لايروي إلا عن ثقة.

– إن الناقل لأحوال الرواة إنما يخبر ليعمل هو وغيره بخبره، ولا يعقل أن ينقل التوثيق والتضعيف عن شخص مجهول أو ضعيف، بخلاف الرواية المرسلة فإنه يوجد دواعي عديدة لنقلها غير ما ذكر، كأن تكون موافقة للأصل العملي أو موافقة للكتاب أو موافقة لعمل المشهور أو تذكر لإعطاء نسبة احتمالية في حساب التواتر والاستفاضة وغيرها من الأسباب،

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المصادر والهوامش

  • (1) فرائد الأصول ج1 ص180.
  • (2) المصدر نفسه ج1 ص 184.
  • (3) ص37.
  • (4) انظر: محمد علي الأنصاري، الموسوعة الفقهية الميسرة ج1 ص515. ومعين دقيق العاملي، السوانح العاملية ص197.
  • (5) السيد محمد صادق الروحاني، فقه الصادق ج1 ص99.
  • (6) معين دقيق العاملي، السوانح العاملية ص197.
  • (7) الحدائق الناضرة ج1 هامش ص24. والدرر النجفية ج3 ص 337.
  • (8) تنقيح المقال ج1 ص157.
  • (9) السيد أبو القاسم الخوئي، معجم رجال الحديث ج1 ص41.
  • (10) السيد محيي الدين الغريفي قواعد الحديث ج1 ص73.
  • (11) معين دقيق العاملي، السوانح العاملية ص199.
  • (12) ج1 ص1.
  • (13) قواعد في علوم الحديث ص 54.
  • (14) المصدر نفسه ص49 – ص55.
  • (15) التعديل والتجريح ج1 ص 280.
  • (16) نقلا ًعن أرشيف ملتقى أهل الحديث
  • (17) النكت على مقدمة ابن الصلاح ج3 ص341.
  • (18) علل الحديث ج3 ص655.
  • (19) سير أعلام النبلاء ج11 ص 447.
  • (20) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد ج9 ص 385.
  • (21) تعليقة المعلمي اليماني على كتاب الفوائد المجموعة للشوكاني ص 30.
  • (22) يوسف المزي، تهذيب الكمال ج21 ص356.
  • (23) الثقات ج2 ص 309.
  • (24) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب ج4 ص283.
  • (25) انظر: يوسف بن عبد الرحمن المزي، تهذيب الكمال ج5 ص 568. و ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب ج1 ص467.
  • (26) شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء ج6 ص466.
  • (27) انظر: ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب ج8 ص45.
  • (28) منهاج السنّة ج4 ص 533.
  • (29) حكى هذه الكلمات وغيرها: شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء ج6 ص466.
  • (30) هو ربيع بن هادي بن محمد عمير المدخلي أحد علماء السلفية المعاصرة، وممن تتلمذ على يد عبد العزيز بن باز، ومحمد ناصر الألباني، تمسك بكلمة الألباني المشهورة في حقه بأنه (حامل لواء الجرح والتعديل في هذا العصر) فلم يسلم من لسانه أحد من علماء عصره بحجة الجرح والتعديل، وله جماعة متشددين تظهر أدبياتهم في موقعهم المعروف بـ( شبكة سحاب السلفية).
  • (31) الموقع الرسمي لابن جبرين http://ibn-jebreen.com رقم الفتوى (1108).
  • (32) الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية ص110.
  • (33) سؤالات أبي داود ص221.
  • (34) العلل ومعرفة الرجال ج 3 ص 297.
  • (35) فتح الباري ج3 ص 385.
  • (36) العدة في أصول الفقه ج1 ص 141.
  • (37) ص 32.
  • (38) ص 34.
  • (39) ص36. وقال النجاشي أيضاً في حقه: “وأصحابنا يقولون أول من نشر حديث الكوفيين بقم هو”، رجال النجاشي ص16.
  • (40) ص65.
  • (41) ص92.
  • (42) ص216.
  • (43) معجم رجال الحديث ج1 ص41.
  • (44) رجال النجاشي ص171.
  • (45) الفهرست ص208.
  • (46) المصدر نفسه ص 243.
  • (47) المصدر نفسه ص84.
  • (48) ميرزا غلام رضا عرفانيان اليزدي، مشايخ الثقات ص17.
  • (49) رجال النجاشي ص15. 
  • (50) ص24، ترجمة (41).
  • (51) ص27، ترجمة
  • (52) ص53،ترجمة (119).
  • (53) ص54، ترجمة (121).
  • (54) ص62،ترجمة (144).
  • (55) الفوائد الرجالية ج2 ص368.
  • (56) قاموس الرجال ج1 ص67.
  • (57) تنقيح المقال ج26 ص56.
  • (58) السيد محيي الدين الغريفي، قواعد الحديث ج1 ص230.
  • (59) عبد الله المامقاني، مقباس الهداية ج1 ص384.
  • (60) تاريخ الدارمي عن ابن معين ص216.
  • (61) محمد ابن عمرو العقيلي، الضعفاء الكبير ج4 ص39.
  • (62) معرفة الرجال ج1 ص72.
  • (63) من كلام ابن معين رواية ابن الهيثم ص94.
  • (64) تاريخ الدوري عن ابن معين ج2 ص507.
  • (65) الكامل في ضعفاء الرجال ج3 ص935.
  • (66) تهذيب الكمال ج1 ص153.
  • (67) التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل ج1 ص256.
  • (68) المصدر نفسه.
  • (69) ابن حجر العسقلاني، لسان الميزان ج7 ص458.
  • (70) شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء ج12 ص 367.
  • (71) انظر: مسلم الداوري، أصول علم الرجال ج1 ص 37. و معين دقيق العاملي، السوانح العاملية ص202. و حسّان سويدان العاملي، تنقيح المباني الرجالية ج1 ص 42.
  • (72) حيث قال في ترجمته: “وقال قوم من القميين إنه غلا في آخر عمره والله أعلم”، رجال النجاشي ص38.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى