طالب العلم والقضايا الابتلائية في المجتمع حوار مع سماحة الشيخ فاضل الزاكي

بسم الله الرحمن الرحيم.

مكانة طالب العلم في المجتمع من مكانة الدين، ويشكل طالب العلم القطب الذي تدور رحى المجتمع حوله؛ فلا تقتصر وظيفته على إجابة المسائل الفقهية بل نجد الناس تعتبره الملاذ الآمن، والحضن الدافئ، ومستودع الأسرار، والمصدر الموثوق عند جماهير الأمة، فإن المجتمع ينظر إليه على أنه وارث مقام النبوة ونائب منصب الإمامة، ومن ثمّ لما كانت مهمّة طالب العلم بهذه المثابة من الخطورة والحساسية فإنه يواجه مجموعة كبيرة من الصعوبات والتحديات التي إذا لم يحسن التصرف معها بحسن فعلي وفاعلي خارجي وباطني سلوكي ونفسي فإنه قد يؤدي إلى هلاك الأمة (وإذا فسد العاِلم فسد العاَلم)، من هنا كان هذا الحوار الذي يلقي بضلاله على عدة محاور تصب في سياق أهم القضايا التي يواجهها طالب العلم وآليات التعاطي معها، مع سماحة الأستاذ الشيخ فاضل الزاكي (حفظه الله) وسدد خطاه.

 المحور الأول: المسائل الفقهية عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «العلم خزائن ومفاتيحه السؤال، فاسألوا رحمكم الله فإنه يؤجر أربعة: السائل، والمتكلم، والمستمع، والمحب لهم»(2).

 يقضي طالب العلم فترة ليست باليسيرة في الغربة ليتشبع بالمصطلحات ويصاب بتخمة الاستدلالات الدقيقة ويُؤخذ في تجاذبات الآراء ونزاعات الأعلام فمن مستنقع أصالة الوجود والماهية إلى غور المعنى الحرفي ومقدمة الواجب، إلا أنه يصطدم عند رجوعه إلى البلد للتبليغ بأسئلة الناس الكثيرة والتفصيلية التي ربما لم يُعد العدة لها بالشكل المطلوب، من هنا لا بد من تسليط الضوء على هذا المحور المهم ألا وهو المسائل الفقهية الابتلائية في المجتمع.

كيف يهيئ طالب العلم نفسه من ناحية علمية لاستقبال أسئلة الناس؟ بسم الله الرحمن الرحيم، أشكر الإخوة الأعزاء في مجلة رسالة القلم على تسليطهم الضوء على هذه المسألة المهمة، كما أشكرهم على حسن ظنهم بي وأعتز بالمشاركة في هذا الحوار مع هذه المجلة العزيزة على نفسي والتي كان لي مع بعض الإخوة الأعزاء شرف تأسيسها وإدارتها لبضع سنوات.

 بالنسبة للسؤال أقول بأنَّ طالب العلم وفي مرحلة تحصيله العلمي مطالب بالجد والاجتهاد في هضم المادة العلمية التي يدرسها، وعلى الخصوص الرسالة العملية، وعند دراسته للرسالة العملية يراعي التالي: أولاً: أن يختار رسالة عملية موسعة ولا يكتفي بالرسائل العملية المختصرة، وإذا لم تكن الرسالة التي يدرسها موسعة بالقدر الكافي فلا بد من مطالعة كتاب العروة الوثقى في عرض لا في طول دراستها.

ثانياً: لا بد له من الاعتناء بالمباحثة العلمية مع زملائه وتخصيص وقت محدد لها من أجل استيعاب المسائل الفقهية بشكل جيد، وينبغي له التركيز على المصطلحات العلمية والعبائر المحكمة وعدم الفرار عنها.

ثالثاً: في عرض دراسته للرسالة العملية يحتاج الطالب لمطالعة الاستفتاءات الصادرة عن مكاتب الفقهاء؛ إذ أنها توضح الكثير من المسائل الغير واضحة في الرسالة كما أنها تحوي العديد من المسائل الجديدة.

رابعاً: في المراحل اللاحقة لدراسة الرسالة العملية خصوصا بعد إكمال السطوح ودخول البحث الخارج يحتاج الطالب لمطالعة تعاليق الفقهاء على الكتب الفقهية سيما العروة الوثقى؛ إذ أن ملاحظة تعاليقهم والمقارنة بين عبائرهم واستدراكاتهم تفتح الكثير من الآفاق لطالب العلم.

 هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن إلمام طالب العلم بالقواعد الفقهية والمسائل الأصولية بشكل جيد يدفع عنه الكثير من الأخطاء التي قد يقع فيها من لا يلم بهذه الأمور.

ما هي أهم المسائل الفقهية الابتلائية التي يكثر الابتلاء بها والسؤال عنها حيث أنها كثيرة الدوران لدى الفرد والمجتمع؟ المسائل الفقهية الابتلائية كثيرة ولا تنحصر بباب معين، وتختلف الحاجة لها من فئة إلى أخرى في المجتمع، وبشكل عام يمكن القول بأن أبواب العبادات ككل هي محل ابتلاء لعامة الناس وإن تفاوتت درجاتها قليلا: فمسائل التقليد والطهارة والصلاة والخمس مسائل ابتلائية جدا.

 وبجواب أكثر تفصيلا أقول بأنه ينبغي على طالب العلم أن يهتم بمسائل الطهارات الثلاث، وتطهير النجاسات لكثرة السؤال فيها، وكذا أحكام الخلل في الصلاة وأحكام صلاة المسافر، وإذا كان طالب العلم إمام جماعة فينبغي له التركيز على أحكام الجماعة، كما أنه في شهر رمضان ومواسم الصيام تكثر الأسئلة حول الصوم فينبغي له أن يتهيأ لذلك، وبالنسبة للنساء الكثير من أسئلتهن تنصب حول أحكام الدماء الثلاثة بالإضافة لطرق تطهير النجاسات في الثياب وأدوات المنزل.

وإذا كان وكيلا عن المراجع في قبض الخمس فتكثر الأسئلة عنده حول أحكام الخمس ومصارفه.

 وأما بالنسبة لأبواب المعاملات فالأبواب المهمّة هي أبواب النذر والأطعمة والأشربة والنكاح والبيع، وجملة من مسائل المعاملات قليلة الابتلاء نوعاً ما ولكن رغم ذلك هذا لا يقلل من أهميتها إذ أن الكثير من المسائل منوطة بفهمها، فعلى سبيل المثال هناك من الفقهاء من يفتي بوجوب الخمس في الهبة، وهذا الأمر يعرفه الجميع ولكن بعض أهل العلم ربما يغفل عن وجود الأركان المحققة لموضوع الهبة كالقبض مثلا، فما لم يحصل القبض لم تحصل الهبة، والأمثلة كثيرة.

 ففي كثير من الحالات نجد ارتباطاً وثيقاً بين أبواب المعاملات من جهة وبعض المسائل المهمة في أبواب العبادات.

هل يقتصر ذلك على المسائل الفقهية أم أن الطالب عرضة للأسئلة العقائدية أو الثقافية بشكل عام؟ لا شك أن المسائل الفقهية تشغل الحيز الأكبر من أسئلة الناس عادةً بالنسبة لإمام المسجد وعالم المنطقة، ولكن مع ذلك يبقى للأسئلة في أبواب التفسير والعقائد والتاريخ والثقافة العامة حيزاً مهما لا يمكن إغفاله، وهو ما يستدعي من طالب العالم أن يكون متهيئاً له بشكل جيد، وذلك لأن عجز الطالب عن الإجابة على هذه الأسئلة يعد تحجيماً للدور المتكامل الذي ينبغي أن يضطلع به، كما أنه يقلل من ثقة الناس فيه.

 كيف يتصرف طالب العلم حيال الأسئلة التي لا يستحضر الإجابة عليها؟ هذه مسألة ابتلائية بالنسبة لطالب العلم، وينبغي له أن يجيد التعامل معها حتى لا يَهلك ويُهلك، والحكمة تقول “نصف العلم قول لا أعلم”، فينبغي لطالب العلم أن يراقب الله في ذلك ولا يستحي من قول “لا أعلم” إذ ليس في ذلك ما يوجب الحياء، وعندما يلتفت لجهله بالمسألة فإنه حتماً سيسعى للمراجعة والبحث عن الجواب.

فالصحيح أنه عندما يسأل طالب العلم عن مسألة لا يعرفها ينبغي له أن أولا أن يبين للسائل بأنه لا يملك الجواب، وأنه سيسعى لاستحصال الجواب في وقت لاحق ويطلب من السائل مراجعته لاحقاً لأخذ الجواب، وعندما تكون المسألة ابتلائية وغير قابلة للتأجيل يمكن للطالب الحصيف أن يبين للسائل وجه الاحتياط العملي في المسألة لكي لا يبقى المكلف حائراً في مقام العمل، ولا شك في أن بيان وجه الاحتياط نحو من الإجابة، وبذلك يكون قد عالج المشكلة آنياً على الأقل.

هناك بعض الأفراد في المجتمع يحاول إحراج طالب العلم من خلال الأسئلة التي تحمل نوع من التحدي والاختبار والتعجيز، كيف يواجه طالب العلم أمثال هذه الأسئلة التي هدفها التعنت لا التفقه؟ هذه من الأمراض الخطيرة التي يبتلى بها بعض الناس، حيث ينتابه شعور بالنشوة عندما يتمكن من إحراج الآخرين أو تعجيزهم، والبحث عن عثراتهم في الإجابة وهو أمر مذموم، إذ أن فيه توهينا للمؤمن ببيان ضعفه وعجزه، وقد روي في الحديث القدسي: «من أهان لي وليا فقد أرصد لمحاربتي، وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي»(3) وغالبا ما يكشف هذا التحدي عن حالة من الكبر والاستعلاء في نفس السائل، وهو من الأمراض الخطيرة أيضاً، ولكن في كثير من هذه الحالات ينتج ذلك عن غفلة من السائل وبقصد التباهي بمعلوماته.

وعلى أي حال الذي ينبغي لطالب العلم إذا أحس من السائل شيئاً من هذه الأغراض أن يتريث ليتثبت من ذلك ولا يتعجل في الحكم، فإذا جزم بأن هذا هو غرض السائل فعليه أن ينصحه بأسلوب ليّن لينبهه إلى الصواب، فإذا بقي مصرا فحينئذ يذكره بالنصوص الواردة عن أهل بيت العصمة والطهارة من قبيل ما روي عن علي (عليه السلام): «إذا سَئلتَ فاسأل تفقهاً ولا تسأل تعنتا، فإن الجاهل المتعلم شبيه بالعالم، وإن العالم المتعسف شبيه بالجاهل»(4)، وبما رواه الشيخ الكليني من أن رجلا سأل الصادق (عليه السلام) عن طعم الماء، فقال: «سل تفقهاً ولا تسأل تعنتاً، طعم الماء طعم الحياة»(5)، فإن نفع ذلك وإلا فليعرض عنه، وليتجنب الدخول معه في المماراة.

المحور الثاني: قضايا الفرد والمنطقة والأمة قال تعالى حكاية عن شعيب: {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ}(6). القضايا والمشاكل تبدأ من الفرد فإذا تفاعل مع من حوله ومع الطبيعة أصبحت المشكلة أكبر لتأخذ النطاق العائلي، وهكذا تتسع دائرة المشكلة لتغطي على المنطقة التي بدأت منها المشكلة، وإذا زادت أطراف التفاعل تصبح المشكلة مشكلة أمة بأكملها وقضية يرتبط حلها بمصير أمة، ويقف طالب العلم أمام معترك هذه القضايا والمشاكل في تحد يعكس وعي وحكمة واتزان الطالب.

 لماذا تتجه أنظار الناس لطالب العلم لحل أمثال هذه المشاكل مع وجود الأكاديميين والمتخصصين في مجال التربية والقضايا العائلية والسياسية والنفسية؟ تتوجه أنظار الناس لطالب العلم في حل المشاكل لثقتهم به وبسلامة نواياه من جهة ولكونه مسموع الكلمة وصاحب تأثير بارز عند قطاع واسع من المجتمع، ولدرايته بالأحكام الشرعية التي قد تتطلبها بعض القضايا من جهة ثالثة.

 ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن طالب العلم أقدر من غيره على حل هذه المشاكل، إذ أن حل هذه المشاكل قد يتطلب أحياناً دراسات تخصصية وخبرة عملية بالإضافة إلى التفرغ وهذه الأمور قد يفتقدها هذا الطالب، أو لا يكون الأوفر حظاً فيها، وعلى هذا فلو وجد الأقدر على حل هذه المشاكل ينبغي لطالب العلم أن ينبه الناس إلى وجوده فيما لو لم يلتفتوا وينصحهم بالرجوع إليه، أو لا أقل أن يشاوره عندما يضطر للدخول لحل المشكلة بنفسه.

تكثر العقد النفسية لدى بعض الأفراد ككثرة الشك والوسواس فما هي أهم العقد والأمراض النفسية وما هي الطرق المثلى لحلها؟ العقد النفسية التي يعاني منها بعض أفراد المجتمع كثيرة، فمنها الوسواس والحسد والغيرة المذمومة والاستعلاء على الآخرين وغيرها، ولكن كثرة الشك ليس من العقد النفسية بل هو مجرد مشكلة تنجم عن سرعة النسيان لدى البعض، وهي مختلفة تماما عن الوسواس.

 وأما الطرق المثلى لحل تلك العقد فتختلف من مشكلة إلى أخرى، ولا يمكننا استعراضها لأن الحديث يطول ونخرج عن موضوع الحوار ولكن يمكن أن نوجز الكلام بمثال مقتضب على مشكلة الوسواس.

فالوسواس هو الاهتمام بموضوع ما والتدقيق فيه خارج الحد العقلائي.

والسبب الأساسي للوسواس هو كثرة التفكير بموضوع ما والرهبة والخوف الشديد من عواقبه بحد يجعل المكلف عاجزاً عن إبعاد تفكيره عن هذا الموضوع.

 وأهم مصاديقه الوسواس في الطهارة أو في تحقق النية أو في خلوصها أو في ألفاظ القراءة أو…. ولحل مشكلة الوسواس لا بد من اتباع الخطوات التالية:

 أولاً: لا بد من إقرار الوسواسي بوجود المشكلة، وأن طريقتها في التفكير خروج عن المسار العقلائي في التفكير فما دام ينكر وجود المشكلة فلن يتخلص منها، لأنها مشكلة نفسية وعلاجها بيده.

 ثانياً: أن يعلم بأن مشكلته هذه ليست عصيّة على الحل، وأن متابعة التعاليم الشرعية بشكل صحيح كفيل بعلاج مشكلته بشكل نهائي.

 ثالثاً: أن يكون لديه عزم أكيد على الانقياد للحكم الشرعي ومتابعته بشكل كامل.

 رابعاً: يتم إلفات نظره إلى الأحكام الشرعية العلاجية المتعلقة بموضوع وسواسه، ويُطلب منه الالتزام بها.

خامساً: بعد امتثاله للحكم الشرعي غالبا ما تعود الوساوس له وتسيطر عليه فيفكر في أن ما قام به قد تترتب عليه آثار معينة كالتنجيس مثلا، وهذا التنجيس قد يتسلسل بعد ذلك، ولهذا يجب عليه أن يتمرن على إبعاد تفكيره عن هذا الموضوع، فلو كان وسواسه في الطهارة مثلا عليه أن يتخيل أن ما حصل كان مجرد حلم لا يستحق التفكير فيه.

 إذا تمكن الوسواسي من إنجاز هذه الخطوات فسيتغلب على وسواسه إن شاء الله، وأنا شخصياً كانت لي بعض التجارب العلاجية مع بعض الأشخاص واتبعت معهم هذه الخطوات وقد آتت هذه التجارب أكلها والحمد لله.

 في القضايا العائلية والمشاكل الأسرية التي تواجه طالب العلم، ما هي الأساليب الناجحة لحلها بحيث لا تصل إلى الطلاق والعياذ بالله؟ ثقة الناس بطالب العلم تدفعهم لعرض مشاكلهم العائلية عليه، ولهذا تعرض على طالب العلم العديد من المشاكل الأسرية المعقدة التي تحتاج لأوقات طويلة وجهود متضافرة لحلها وطالب العلم في الغالب لا يجد الوقت الكافي لعلاج هذه المشاكل الكثيرة، ولهذا ففي العديد من الحالات نرى أن الأرجح لطالب العلم هو الاكتفاء بإسداء النصح والإرشاد العام بالتزام الأحكام والآداب الشرعية من دون الدخول في التفاصيل والجزئيات التي لا تكاد تنتهي، كما أنه وفي بعض الحالات ينبغي له توجيه الزوجين للعلاج القرآني: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا}(7).

على أن الطلاق وإن كان مذموماً ومرجوحاً شرعاً بحسب العنوان الأولي على ما يستفاد من الروايات وفتاوى الفقهاء ولعله لما قد يترتب عليه من تفكك أسري وخلافات اجتماعية، إلا أنه وفي بعض حالاته يكون الطلاق هو الدواء الشافي الذي لا بد منه لعلاج بعض الحالات المستعصية دفعاً لمحاذير أخرى قد تكون أشد خطورة وضرراً منه فينقلب عن عنوانه الأولي المرجوح إلى العنوان الثانوي الراجح، ولهذا لا ينبغي استبعاده كخيار بشكل مطلق كما قد يعتقد البعض.

 بالنسبة لمشاكل ونزاعات المنطقة التي يسكن فيها طالب العلم أو يكون المسئول والمعني بشؤونها بشكل أو بآخر.. قد يستغل البعض عمامة الطالب لجر النار إلى قرصه وجره ليكون جزءً من النزاع وطرفاً فيه، كيف يستطيع الطالب أن ينأى بنفسه عن هذه النزاعات بحيث لا يكون جزءً من المشكلة؟ ينبغي لطالب العلم أن يتوفر على وعي كبير كي لا يقع فريسة استغلال البعض لمكانته الاجتماعية في مآربهم أو نزاعاتهم الشخصية، فلا ينبغي أن يتم استغفاله واستدراجه للدخول والاصطفاف مع أحد طرفي النزاع من حيث لا يشعر.

 ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن يقف طالب العلم على مسافة واحدة من الجميع بشكل دائم، فهذا الأمر يختلف من حالة إلى أخرى، فطالب العلم إذا واجه نزاعاً اجتماعياً من هذا القبيل فعليه أولاً أن يشخّص طبيعة النزاع وأسبابه ومن ثم يبحث عن أفضل السبل لحله وبأقل التكاليف، وبعد ذلك يتحرى الدور الأمثل الذي يمكن أن يضطلع به شخصياً في حل هذا النزاع، فتارة يرى حاجة للدخول الشخصي كطرف وسيط في حل النزاع، وتارة أخرى يكون الأنسب أن يكتفي بإسداء الإرشاد والنصح من دون الدخول المباشر، وفي بعض الحالات النادرة فإنه وبعد استنفاذ كافة الوسائل المتاحة قد يحتاج طالب العلم لإعلان اصطفافه مع أحد الأطراف وإعلان دعمه.

وبشكل عام معالجة النزاعات الاجتماعية الشائكة تحتاج لنضج ووعي وخبرة ميدانية قد لا يتوفر عليها البعض، ولهذا لا محيص لطالب العلم من مشاورة الآخرين قبل الولوج في معالجة المشكلة، خصوصاً إذا كان جديداً على مثل هذه القضايا.

 ما هي المعوقات التي تصطدم مع هدف طالب العلم في توحيد المنطقة؟ وما هي السبل لتخطيها؟ المعوقات كثيرة وتختلف من منطقة لأخرى بحسب اختلاف أسباب النزاع، ويمكن الإشارة هنا إلى بعض العناصر المشتركة التي وجدنا أنها تتوافر في غالب القضايا، ولعل من أبرزها:

 1- طغيان العصبيات الفئوية والتي ربما تأخذ مبررات دينية أحيانا.

 2- حب الزعامة والمناصب لدى البعض حتى وإن كانت هامشية أو شكلية.

 3- الخشية من فقد بعض الامتيازات.

وهناك أسباب أخرى قد تذكر ولكن عمدتها ما ذكرناه.

 وسبل تخطي هذه العقبات متعددة ولعل من أبرزها:

 أ- الوعظ والإرشاد والتذكير بالآخرة.

 ب- بيان مخاطر الانقسام في المجتمع على المدى القريب والبعيد.

 ج- ابتكار وصنع الحلول التي لا تخلق غالب ومغلوب من أي فئة.

بالنسبة لقضايا البلد الأساسية ما هو الأفضل في نظركم سماحة الشيخ أن يتصدى الطالب لحلها بشكل فردي أم جماعي مؤسساتي؟ ولماذا؟ في الغالب فإن المشاريع الأساسية التي يحتاجها البلد سواء على الصعيد الاجتماعي أو الثقافي أو السياسي لا يمكن تنفيذها بالجهود الفردية فلا بد من تضافر الجهود لحلها، وكما يقول المثل الشعبي (اليد الواحدة لا تصفّق)، كما لا شك أن العمل الجماعي يضيع ما لم تكن هناك مؤسسة تديره وتنظمه وتوجهه، فلهذا يتحتم الاستعانة بالعمل المؤسساتي لحل القضايا الأساسية في البلد لكي لا تضيع الجهود وتتبعثر الطاقات.

 ويبقى أن نلتفت إلى أن العمل المؤسساتي له آفاته التي يبتلي بها أيضا وفي مقدمتها تلكؤ الأعضاء واتكاليتهم وترهل الجسم الإداري وزيادة الإجراءات الروتينية، فإذا لم يملك العمل المؤسساتي إدارة قوية وفاعلة توجهه وتنسق جهود أعضاءه وتخلصه من مشاكله المتعددة فإنه سيبقى يراوح مكانه، وستنخفض إنتاجيته وقد تنعدم أحياناً ليصير أشبه بعملاق ضخم معاق يعجز عن تحريك جسده، فيكون جسده الضخم عبئاً ثقيلاً يعيقه ويعيق حركته.

 المحور الثالث: مشاكل طالب العلم نفسه عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «ما ازداد عبد علما فازداد في الدنيا رغبة إلا ازداد من الله بعدا»(8).

 لما كانت مسؤولية طالب العلم ثقيلة جسيمة فإن التخلف عن أداء هذه المسؤولية يكون عنصراً من عناصر إضرار الأمة بل قد يكون سبباً لإضلالها، ولهذا التخلف أسبابه الأخلاقية والنفسية والخارجية، لذا فإن طالب العلم في معركة جهاد أكبر مع نفسه والشيطان فمن هذه الجهة هو بحاجة لتهذيب نفسه وإصلاح شخصيته وسلوكه.

كيف يستطيع طالب العلم تكييف نفسه للتعامل مع أمزجة الناس المختلفة؟ طالب العلم الذي يمارس دور التبليغ والإرشاد في منطقته يضطلع بوظيفة مهمة وهي تقتضي منه مقابلة أصناف الناس بأمزجتهم المختلفة وثقافاتهم المتعددة وأخلاقياتهم المتنوعة، ولذا ينبغي له أن يتوافر على جملة من الشروط لكي يؤدي دوره على الوجه الأتم، ولعل من أهمها:

 1- أن يكون واسع الصدر فلا يضيق صدره بأدنى سبب وإلا نفر الناس منه.

 2- أن يكون حليماً متجاوزاً عما قد يناله من أذى شخصي في بعض الأحيان.

 3- أن يتواضع في تعامله مع الناس، ليكبر في عين الله، وهو ما سيزيده رفعة بين الناس.

 4- أن يكون صبوراً غير متعجل ليتأكد من فهمه لكلام السائل وإحاطته بالحيثيات الدخيلة في الجواب، لأن فهم السؤال نصف الإجابة كما يقال، والتعجل في هذه الموارد له سلبياته الكثيرة.

5- أن يملك من الشجاعة والجرأة ما يكفي للمجاهرة بالحكم الشرعي، فلا تأخذه في الله لومة لائم.

كيف يتعامل طالب العلم مع الجانب النسائي؟ المرأة نصف المجتمع، والشريعة المقدسة وإن فرقت بين الرجل والمرأة في جملة من الأحكام، إلا أنهما لا يختلفان في أصل توجه الخطابات الشرعية لهما، على أن المساحة الأوسع من التكاليف الشرعية هي من الصنف المشترك بين الرجل والمرأة، وبطبيعة الحال فإن الكثير من المسائل الشرعية التي تصل لطالب العلم ترد من جانب النساء.

 وبالنظر للأحكام والآداب الشرعية التي أطرت التعامل بين الرجل والمرأة، ونظراً لكون هذا التعامل من الموارد التي قد يستغلها الشيطان لنصب حبائله فلذا أرى من الضروري أن يتوخى طالب العلم أقصى درجات الحيطة والحذر في هذا التعامل، فعلى صعيد التدريس أعتقد بأن تدريس الأحكام الشرعية للنساء ينبغي أن يتم على أيدي النساء فقط دون الرجال، وفي حالة عدم توفر الكفاءات النسائية يكون تدريس الرجل للنساء من وراء حجاب ما دام ذلك ممكنا.

وأما على صعيد الأسئلة الشرعية فأعتقد بأنه وعند توفر الكفاءات النسائية المؤهلة ينبغي لطالب العلم أن يوجه النساء للرجوع لهن في المسائل خصوصاً ما يتعلق منها بأحكام الدماء الثلاثة، وعند استدعاء الحاجة للإجابة المباشرة على الأسئلة ينبغي لطالب العلم أن يراعي الأحكام والآداب الشرعية بحذافيرها ليأمن مزالق الشيطان ويكون مثالاً يحتذي به المجتمع في كيفية التعامل بين الجنسين.

كيف يستطيع طالب العلم التوفيق بين العمل الميداني والمحافظة على مستواه العلمي؟ العمل الميداني في إرشاد المجتمع كثيراً ما يأخذ بتلابيب طالب العلم ليبعده عن أجواء الدراسة الحوزوية التي ألفها سنين عديدة، وهو ما يؤدي لهبوط مستوى الطالب، حيث يعاني من نسيان المسائل والمصطلحات والمعارف التي أخذها في ما سبق، وكما يقال (آفة العلم النسيان).

 ويمكن لطالب العلم أن يتفادى ذلك عبر بعض الوسائل: أولاً: ينبغي لطالب العلم بين الفينة والأخرى أن يقوم بمطالعة ومراجعة الكتب الدراسية التي درسها سابقا.

 ثانياً: ينبغي لطالب العلم أن يخصص له وقتا ليمارس فيه التدريس من خلال الحوزات المحلية، لكي يبقى قريباً من الأجواء الحوزوية.

ثالثاً: يمكن لطالب العلم استغلال لقاءاته بزملائه من أهل العلم للتباحث في المسائل التي تشحذ الذهن لكي تبقى المعلومات حاضرة في ذهنه. رابعاً: لا يستغني طالب العلم عن تخصيص وقت لمطالعة الكتب الحوزوية والثقافية بشكل عام.

ما هي أهم أسباب فساد وانحراف طالب العلم؟ وما هي طرق الوقاية منها؟ الأسباب المتصورة لانحراف طالب العلم كثيرة ولكن يمكن إيجازها في سببين رئيسيين هما حب الدنيا ونسيان الآخرة، وكما قال المرحوم الشيخ حسن الدمستاني البحراني:

 من يلهه المرديان المال والأمل                         لم يدر ما المنجيان العلم والعمل  

وأما الأسباب التفصيلية فلا حصر لها، كالجشع وحب الرئاسة والحسد والغرور والغضب والانصياع لشهوات البطن والفرج، ومصاحبة السلطان.

 وأما طرق الوقاية فهي أيضا كثيرة ومتعددة بتعدد الأسباب، ويمكن إيجازها في طريقين أساسيين هما مراقبة النفس وتذكر الآخرة، وأما الطرق التفصيلية فلا تكاد تحصر فمنها الحلم والتواضع والقناعة ولجم الشهوات ومجانبة السلطان.

 لشخصية طالب العلم الدور الكبير في تقبل الناس للمفاهيم التي يطرحها فكيف ينبغي لشخصية طالب العلم أن تكون، سواء في منزله أم في المجتمع؟ لا يمكن للمبلغ والمرشد أن يجعل لكلامه تأثيراً ووقعاً في نفوس الناس ما لم يبن فكره وشخصيته بناءً إسلامياً متكاملا، فيجدون فيه مصداقاً متحركاً لما ورد في تعاليم وأخلاق أهل البيت، فيعرفون في فكره النقاء والأصالة ويعرفون منه الإخلاص والتفاني في الدعوة إلى الإسلام ونصرته ويكون سلوكه تجسيداً عملياً لأخلاق الإسلام الحنيف، مبتعداً عن حب الدنيا والتعلق بمغرياتها، فيكون مصداقاً لما روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حينما سئل: أي الجلساء خير؟ قال:«من تذكركم اللهَ رؤيتُه، ويزيد في علمِكم منطقُه، ويرغبكم في الآخرةِ عملُه»(9).

 وربما تجد البعض تختلف شخصيته وأخلاقه في المنزل عن شخصيته وأخلاقه خارج المنزل اختلافاً كبيراً قد يصل لدرجة التباين، وهو ما يعني أن شخصيته غير سوية وتحمل خللاً ما، إذ أن الشخص السوي لا تختلف شخصيته وسلوكه في المنزل عن شخصيته وسلوكه خارج المنزل، ومتى ما التفت المجتمع لهذا التفاوت تبدلت نظرته لهذا الفرد وغير رأيه فيه.

ولا شك أن الصفات التي أشرنا لها من المفاهيم المشككة التي تتفاوت شدةً وضعفاً من فرد لآخر، فلهذا نجد طلبة العلم يتفاوتون في مقدار توافرهم على هذه الصفات، وهذا التفاوت يتضح أثره البالغ في مقدار تأثيرهم على مجتمعاتهم.

 لا يسعنا في ختام هذا الحوار إلا أن نشكر سماحة الأستاذ الفاضل الشيخ فاضل الزاكي (حفظه الله) على ما أفادنا به وعلى رحابة صدره، ونسأل الله تعلى أن يسدد خطاه وينفع به الأمة ويوفقه لما فيه خير وصلاح الإسلام وأهله إنه سميع مجيب.

 والحمد لله رب العالمين.

المصادر والهوامش

  • (1) ولد سماحة الشيخ فاضل عبد الجليل الزاكي في منطقة أبو صيبع في التاسع عشر من شهر شوال من عام 1394هـ.ق. الموافق للرابع من شهر نوفمبر من عام 1974م، ونشأ في أسرة متدينة كان لها دورها البارز في انخراطه في سلك الالتزام وطلب العلم. أكمل دراسته الابتدائية والإعدادية والثانوية في البحرين، حيث حصل على شهادة الثانوية العامة- فرع الأدبي- سنة 1992م. بدأ دراسته الحوزوية في البحرين حيث أنهى شطرا من المقدمات، بعدها وفي أوائل شهر شعبان المعظم من سنة 1415هـ.ق. انتقل إلى مدينة قم المقدسة عش آل محمد(صلّى الله عليه وآله) في الجمهورية الإسلامية في إيران ليغرف من بحر العلوم والمعارف الإسلامية، وكان سماحته إلى فترة قريبة في مدينة قم المقدسة عاكفا فيها على التحصيل دراسة وتدريسا وتحقيقا و…. وكان  يحضر أبحاث الخارج (الدراسات العالية في الحوزة العلمية) منذ العام 2002م. أساتذته في السطوح العالية: 1. سماحة الشيخ معين دقيق العاملي. 2.سماحة الشيخ حسان سويدان العاملي. أساتذته في البحث الخارج: 1. سماحة آية الله الشيخ مسلم الداوري. 2. سماحة آية الله السيد منير الخباز القطيفي. 3. سماحة آية الله السيد حسين الشاهرودي. 4. سماحة الشيخ حسان سويدان العاملي. حفظهم الله جميعاً… نشاطاته: من إنجازات سماحته العلمية: تأليف كتاب وقعة الحرة طبع سنة 2009م، تحقيق لكتاب فهرست علماء البحرين للشيخ سليمان الماحوزي طبع في بداية سنة 2001م، وكذلك قام بتحقيق كتاب رسالة في تحليل التتن والقهوة للشيخ سليمان بن علي الإصبعي، كما ساهم مع (دار المصطفى لإحياء التراث) في تحقيق كتابين هما منتظم الدُّرين للشيخ محمد علي التاجر البحراني، وكتاب تاريخ البحرين للشيخ محمد علي العصفوري، وهذه الكتب الثلاثة الأخيرة جاهزة للطبع. كما أن له بعض البحوث والمقالات المنشورة في بعض المجلات والمواقع الإلكترونية. شارك في إدارة البرنامج الثقافي للحسينية البحرانية في قم في فترات مختلفة، ومن المؤسسين المهمين لهذه المجلة (مجلة رسالة القلم) وإدارييها، كما يزاول الإرشاد الديني لقوافل الحج سنويا، يضطلع بإمامة الجماعة في قرية أبو صيبع، ويشارك  في إلقاء محاضرات في المعارف الإسلامية، وأخيرا مسؤول اللجنة الشرعية في الهيئة المركزية  للمجلس الإسلامي العلمائي في البحرين.
  • (2) ابن شعبة الحراني، تحف العقول ص41.
  • (3) الشيخ الكليني، الكافي ج2 ص351.
  • (4) نهج البلاغة ج4 ص 76.
  • (5) الكافي ج6 ص 381.
  • (6) هود: 88.
  • (7) النساء:35.
  • (8) العلامة المجلسي، بحار الأنوار ج2 ص38.
  • (9) الحر العاملي، وسائل الشيعة ج12 ص23.
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

أضف تعليق

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى