كوثر الرسالة حوار مع سماحة الشيخ غازي السمّاك

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله أعلم العلماء، وأحكم الحكماء، مَن خشيت منه قلوب العلماء فخضعت صاغرة لعظمته، وعجزت عن بلوغ كنهه عقول الحكماء فخرّت ساجدة لجلاله، والشكر له شكراً يزيد ولا يبيد؛ فأنعمه جمّة لا تقبل الإحصاء، وأفضاله ظاهرة تأبى عن الإغضاء.

 وأشرف الصّلاة وأزكى التّسليم على نبيّه مدينة العلم ومنبع المعرفة، وعلى وصيّه باب الله وحكمته البالغة، وعلى بضعته الصّدّيقة الشّهيدة، المحدَّثة العليمة، وعلى أهل بيته عناصر الأبرار، ودعائم الأخيار، واللعنة الدّائمة على أعدائهم أجمعين، من الآن إلى قيام يوم الدّين.

 وبعدُ، فلا شكّ ولا ريب في أنّ الاطّلاع على سيرة أهل البيت (عليهم السلام)، والوقوف على منزلتهم العظيمة، والتعرّف على مقامهم السّامي، من أعظم القربات، وأفضل المكرمات، فهم حبل الله المتين وصراطه المستقيم، من تمسّك بهم سلك سبيل الرّشاد والهدى، ومن تخلّف عنهم غرق وهوى.

 وإحدى شموس هذه السلسلة الإلهيّة مولاتنا فاطمة الزّهراء (عليها السلام)، فهي كوثر الرّسالة، والواسطة بين النبوّة والإمامة، الحوراء الإنسيّة، الرضيّة الزكيّة، ويكفينا في بيان شأنها ما ورد عن النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله) في حقّها، حيث قال: «إنّ الله يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها»، وقال أيضاً: «فاطمة بضعة منّي من آذاها فقد آذاني، ومن أحبّها فقد أحبّني»، وقال أيضاً: «فاطمة قلبي وروحي التي بين جنبيّ».

وفي هذا الصدد تلتقي أسرة مجلّة رسالة القلم بسماحة الشيخ غازي السّمّاك (حفظه الله)، لتبحث معه بعض الجوانب المرتبطة بمقامات السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) وفضائلها.

 هل بيّن القرآن الكريم مقامات الزَّهراء (عليها السلام) ومنزلتها العظيمة؟  هناك الكثير من الآيات القرآنيّة وردت في حقّ سيّدتنا ومولاتنا فاطمة الزّهراء (عليها السلام)، تنزيلاً أو تفسيراً أو تأويلاً أو تطبيقاً، نذكر بعضاً منها:

 1- آية (التَّطهِير)، وهي قوله (عزّ وجلّ): {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطهِيراً}(2)، فقد كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يَمُرُّ على دار فاطمة صباح كلّ يوم عند خروجه إلى المسجد للصلاة، فيأخذُ بِعُضَادَةِ الباب قائلاً: «السَّلامُ عَليكُم يَا أَهْلَ بَيتِ النُّبُوَّة»، ثمّ يتلو هذه الآية المباركة.

 2- آية (المُبَاهَلَة)، وهي قوله (عزّ وجلّ): {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلمِ فَقُلْ تَعَالُوا نَدْعُ أَبنَاءَنَا وَأَبنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُم وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُم ثُمَّ نَبْتَهِلُ فَنَجْعَلُ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الكَاذِبِينَ}(3)، وقد نزلت حينما جاءَ وفد نَجْرَان إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لِيتحدَّثَ معه حول عِيسى، فقرأ النبيّ عليهم الآية التّالية: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}(4).

فلم يقتنع النّصارى بذلك، وكانت عقيدتهم فيه أنَّه ابنُ الله، فاعترضوا على النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فنزلت آية المُبَاهلة، وهي أن يَتَبَاهَلَ الفريقان إلى الله تعالى، وَيَدعُوَانِ اللهَ تعالى أن يُنزل عذابَهُ وغضبَه على الفريق المُبطِل منهما، واتّفقا على الغد كيومٍ للمباهلة.

ثمّ تَحاوَرَ أعضاءُ الوفد بعضهم مع بعض، فقال كبيرهم الأسقف: إنْ غَداً فجَاء بِوَلَدِهِ وأهل بيته فلا تُبَاهلوا، وإِن جَاء بغيرهم فافعلوا، فَغَدَا الرسول الأكرم مُحتَضِناً الحسين، آخذاً الحسن بيده، وفاطمة تمشي خلفه، وعليٌّ خَلفَها، ثمّ جثى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قائلاً لهم: «إذا دَعَوتُ فَأَمِّنُوا»، أمّا النَّصارى فرجعوا إلى أسقَفِهِم فقالوا: ماذا ترى؟، قال: أرى وجوهاً لو سُئِل اللهُ بِها أن يُزيلَ جَبَلاً مِن مكانِهِ لأَزَالَهُ، فخافوا وقالوا للنبي: يا أبا القاسم، أقِلنَا أقال الله عثرتَك، فَصَالَحُوهُ على أن يدفعوا إليه الجِزية.

 3- سورة (الكَوثَر)، وهي قوله (عزّ وجلّ): {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الكَوثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ}(5)، فالأبتر هو المنقطع نَسلُه، وقد استفاضت الرّوايات في أنّ هذه السورة إنّما نَزَلَتْ ردّاً على من عاب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بالبتر (أي عدم الأولاد) بعد ما مات ابنا الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وهما: القاسم، وعبد الله.

وقصّة هذه السورة هي: أنَّ العاص بن وائل السهميّ كان قد دخل المسجد بينما كان النبيّ خارجاً منه، فالتقَيَا عند باب بني سَهْم، فَتَحَدَّثَا، ثمّ دخل العاص إلى المسجد، فسأله رجال من قريش، كانوا في المسجد: مع من كنت تتحدّث؟ فقال: مع ذلك الأبتر.

 فنزلت سورة الكوثر على النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فالمراد من الكوثر هو: الخير الكثير، والمراد من الخير الكثير: كَثرَة الذُّرِّيَّة، لِمَا في ذلك من تَطْييبٍ لِنَفْسِ النبي.

 وَرُوِيَ أنّه قال لخديجة قبل ولادة فاطمة: «هَذا جِبرَئِيلُ يُبَشِّرُنِي أَنَّها أُنثَى، وأَنَّهَا النَّسمةُ، الطاهرةُ، المَيْمُونَةُ، وأنَّ الله تبارك وتعالى سيجعل نَسلِي مِنها، وسيجعل مِن نَسْلِهَا أئمة في الأمة، ويجعلُهُم خلفاء في أرضه بعد انقضاء وحيه»(6).

 4- سورة الدّهر -الإنسان- في آية (الإِطعَام)، وهي قوله (عزّ وجلّ): {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً}(7)، وقصّتها كما في تفسير الكشّاف للزّمخشري عن ابن عباس: أنّ الحسن والحسين مَرِضَا، فعادهما رسول الله في ناس معه، فقالوا: يا أبا الحسن، لو نَذرتَ على ولديك، فَنَذَر عَليٌّ وفاطمةُ وجَارِيَتُهُما فِضَّة إن برءا  ممّا بِهِما أن يَصومُوا ثلاثة أيّام، فَشُفِيَا وما معهم شيء، فاستقرض عليٌّ من شَمْعُون الخيبريّ اليهوديّ ثلاث أَصْوُعٍ من شعير،  فَطحنت فاطمة صاعاً، واختبزت خمسة أقراص على عددهم.

 فوضعوها بين أيديهم لِيُفطِرُوا، فَوقَفَ عليهم (مِسكين) وقال: السَّلام عليكم يا أهلَ بيتِ محمدٍ، مِسكينٌ مِن مَساكِين المُسلمين، أطعِمُونِي أطعمكمُ اللهُ من موائد الجنّة، فآثروه وباتوا لم يذوقوا إلا الماء، وأصبحوا صياماً، فلمّا أمْسَوا ووضعوا الطّعام بين أيديهم وقف عليهم (يَتِيم)، فآثروه، ووقف عليهم (أسيرٌ) في الثالثة، ففعلوا مثل ذلك.

 فلمّا أصبحوا أخذَ عليّ بيد الحسن والحسين، وأقبلوا إلى رسول الله، فلمّا أبصرهم وهم يرتعشون كالفِرَاخ مِن شِدَّة الجوع قال: مَا أشدّ مَا يَسُوؤُنِي ما أرى بكم، فانطلق معهم، فرأى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها، وغارت عيناها، فساءه ذلك، فنزل جبرائيل وقال: خذها يا محمد، هَنَّأَكَ اللهُ في أهل بيتك، فَأقرَأَهُ السورة.

 وقد قال الزمخشريّ في الكشّاف عند تفسيره لهذه السّورة: “إنَّ الله تعالى قد أنزلَ (هَلْ أَتَى) في أهلِ البيت، وَلَيس شَيءٌ مِن نعيم الجَنَّةِ إِلاَّ وَذُكِرَ فيها، إِلاَّ (الحُور العِين)، وذلك إِجلالاً لفاطمة”.

 5- آية (المَوَدَّة)، وهي قوله (عزّ وجلّ): {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْراً إِلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى}(8)، وقد أخرج أبو نعيم، والديلمي، من طريق مجاهد، عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله  (صلّى الله عليه وآله): «لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى أن تحفظوني في أهل بيتي، وتَوُدُّوهُم لِي».

 6-آية القربى، وهي قوله تعالى: {وَآَتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ}(9). قال شرف الدّين في كتابه النّصّ والاجتهاد: “إنّ الله عزَّ سلطانه لما فتح لعبده وخاتم رسله (صلّى الله عليه وآله) حصون خيبر، قذف الله الرعب في قلوب أهل فَدَك، فنـزلوا على حكم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) صاغرين، فصالحوه على نصف أرضهم -قيل: صالحوه على جميعها- فقبل ذلك منهم، فكان نصف فَدَك مُلكاً خالصاً لرسول الله (صلّى الله عليه وآله)، إذ لم يوجف المسلمون عليها بِخَيلٍ ولا رِكَاب.

وهذا ممّا أجمعت الأمّةُ عليه، بلا كلام لأحدٍ منها في شيء منه”.

 فعندما أنزل الله (عزّ وجلّ) قوله: {وَآَتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ}، أنحلَ فاطمةَ فدكاً، فكانت فَدَك في يدها -الزهراء (عليها السلام)- حتّى انتُزِعَتْ منها غَصباً في عهد أبي بكر.

 وأخرج الطبرسي في مجمع البيان عند تفسيره لهذه الآية فقال: “المُحَدِّثون الأَثبَاث رَوَوا بالإِسناد إلى أبي سعيد الخدريّ أنّه قال: لما نزل قوله تعالى: {وَآَتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ}، أعطى رسولُ الله فاطمة فدكاً، وتجد ثَمَّةَ هذا الحديث مِمَّا ألزم المأمون بِرَدِّ فَدَك على وُلد فاطمة (عليهم السلام)”. إلى غيرها من الآيات القرآنيّة الشريفة.

 ورد في نصوص كثيرة عن النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله) عند المؤالفين والمخالفين بأنّ الله -تبارك وتعالى- يرضى لرضا فاطمة (عليها السلام)، ويغضب لغضبها.

 فما هو المراد من ذلك؟  قبل ذكر الإجابة على هذا السؤال نبيّن بعض الأحاديث التي تفيد هذا المعنى: أ- روى البخاريّ في صحيحه في باب مناقب المهاجرين وفضلهم عن أبي الوليد عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة، عن المسور بن مخرمة، أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: «فاطمة بضعة منّي، من أغضبها فقد أغضبني»(10).

 وقد صحّح هذا الحديث الذهبي الذي هو أنقد نقّاد الحديث عند أهل السّنّة والجماعة، وأيضاً صحّح الذهبيّ حديث: «إنّ الربّ يرضى لرضا فاطمة ويغضب لغضب فاطمة».

 ب- وجاء في صحيح مسلم في حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «فاطمة بضعة مني يؤذيني من آذاها ويغضبني من أغضبها»(11).

 ج- وجاء في مستدرك الحاكم للنيشابوريّ: «قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لفاطمة (عليها السلام): إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك. هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه»(12).

 د- وفي مجمع الزوائد: «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك.

 رواه الطبرانيّ وإسناده حسن»(13).

 هـ- وقال الصالحيّ في سبل الهدى والرشاد: “الرابع: في أنّ الله تبارك وتعالى يرضى لرضاها، ويغضب لغضبها.

روى الطبراني بإسناد حسن، وابن السني في معجمه وأبو سعيد النيسابوريّ في الشرف، عن عليّ -رضي الله تعالى عنه- أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لفاطمة: «إنّ الله تعالى يغضب لغضبك ويرضي لرضاك»”(14).

 هذا بالنسبة لمصادر أهل السّنّة والجماعة، وهي أحاديث مستفيضة في مصادر مدرسة أهل بيت العصمة والطّهارة (عليهم السلام)، وفيها دلالة واضحة على عصمة الزّهراء الصّدّيقة (عليها السلام).

فمضمون الحديث الذي رواه البخاري هو أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) يغضب لغضب فاطمة (عليها السلام)، وهو الذي لا ينطق عن الهوى {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى}(15)، بينما المضمون الثاني الذي ورد في بقيّة المصادر بأنّ الله (عزّ وجلّ) يغضب لغضب فاطمة (عليها السلام)، وفرق بين أن نقول: فاطمة (عليها السلام) تغضب لغضب الله (عزّ وجلّ)، وبين أن نقول: الله (عزّ وجلّ) يغضب لغضب فاطمة (عليها السلام)، ومتعلّق غضب فاطمة محذوف، وحذف المتعلّق يفيد العموم، أي أنّ الله (عزّ وجلّ) يغضب لكل ما يغضب فاطمة (عليها السلام).

 وواضح أنّ من يغضب فاطمة (عليها السلام) فهو يؤذيها، ومن آذاها فقد آذى الله (عزّ وجلّ) ورسوله (صلّى الله عليه وآله)، وقد قال عزّ من قائل في كتابه المبين: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا}(16).

 فإذاً هذه الأحاديث تدلّ على عصمة الزهراء (عليها السلام)، وأيضاً تدلّ على خطأ كلّ من يخاصم الزهراء (عليها السلام) ويغضبها.

 مصحف فاطمة (عليها السلام) من الأمور التي تكرّر ذكرها في روايات الأئمّة الأطهار (عليهم السلام)، فما هي حقيقته؟ وهل هو مختصّ بالأئمة (عليهم السلام)؟  كثر اللّغط والتّشنيع في هذه المسألة من قبل أعداء الإسلام الذين يتربّصون به بغية تمزيق المسلمين وإثارة الخلاف والشّقاق بينهم لإضعافهم وجعلهم لقمة سائغة لأسيادهم المستكبرين، فقد شنّعوا على المسلمين الشيعة من خلال اتّهامهم بأنّ لهم قرآناً آخر يأخذون منه أحكام الدّين غير القرآن الكريم يُسمّونه مصحف فاطمة.

 والواقع الخارجيّ يدحض هذه الفرية والاتّهام الرخيص، حيث إنّ مساجد المسلمين من كافّة المذاهب وبيوتهم لا تعرف قرآنا منزلاً على النبيّ الخاتم محمّد (صلّى الله عليه وآله) غير القرآن الكريم المتعارف عند كافّة المسلمين.

 بطبيعة الحال فإنّ المتتبّع للتّاريخ والروايات المأثورة يرى هذه المسألة أثيرت أيضاً في عهد الدولة الأمويّة والعباسيّة، وقد تصدّى الأئمة (عليهم السلام) لردّ هذه التهمة بشكل قاطع ومتكرّر، رغم كلّ ذلك نرى بعض الذين في قلوبهم مرض والذين استولى على عقولهم الجهل لا زالوا يتشدّقون بهذه التّهمة من خلال فضائيّاتهم وكتاباتهم المسمومة.

فهنا نتساءل: ما هو المقصود من مصحف فاطمة (عليها السلام) عند أهل البيت (عليهم السلام) وعند المسلمين الشيعة الذين تمسّكوا بالثقلين امتثالاً لأمر النبي (صلّى الله عليه وآله)؟ لكي نجيب على هذا التّساؤل لابدّ من أن نتعرّف على المعنى اللغويّ لكلمة المصحف، وبعدها نتعرض إلى الروايات والأخبار الواردة عن أهل بيت العصمة والطهارة؛ كي نتعرّف على حقيقة مصحف فاطمة (عليها السلام).

أ‌- المصحف لغة: قال الفرّاء في لفظ المصحف: “وقد استثقلت العرب الضمّة فكسرت ميمها وأصلها الضم، من ذلك مِصحف…، لأنّها في المعنى مأخوذة من أصحف جمُعت فيه الصُحف”.

 وقال أبو الهلال العسكري في الفروق اللغوية: “الفرق بين الكتاب والمصحف، أنّ الكتاب يكون ورقة واحدة ويكون جملة أوراق، والمصحف لا يكون إلا جماعة أوراق صحفت، أي جمع بعضها إلى بعض”.

 فالمصحف: هو ما جُمع من الصحف بين دفتي الكتاب المشدود، ولذلك قيل للقرآن مصحف.

 ب- مصحف فاطمة (عليها السلام): ومصحف فاطمة الزّهراء (عليها السلام) هو كتاب عظيم المنزلة أملاه جبرائيل الأمين على السيّدة الطاهرة فاطمة الزّهراء (عليها السلام) بعد وفاة أبيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وذلك تسلية وتسكيناً لها على حزنها لفقد أبيها (صلّى الله عليه وآله).

 والذي كتب هذا المصحف بخطّه المبارك هو الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام). ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) عندما سئل عن مصحف فاطمة (عليها السلام) قال: «إنّ فاطمة مكثت بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خمسة وسبعين يوماً، وكان دخلها حزنٌ شديد على أبيها، وكان جبرئيل يأتيها فيُحسن عزاءَها على أبيها، ويُطيّب نفسها ويخبرها عن أبيها ومكانِه، ويخُبرها بما يكون بعدها في ذريّتها، وكان عليّ (عليه السلام) يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة».

وقال (عليه السلام) في رواية أخرى: «أما إنّه ليس فيه شيء من الحلال والحرام، ولكن فيه علم ما يكون».

 وقال (عليه السلام) في رواية أخرى: «وإنّ عندنا لمصحف فاطمة (عليها السلام) وما يدريهما مصحف فاطمة، مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد، إنّما هو شيء أملاه الله وأوحى إليها».

وقال (عليه السلام) في رواية أخرى: «… وعندنا مصحف فاطمة، أما والله ما هو بالقرآن». ومصحف فاطمة (عليها السلام) يُعتبر من جملة ودائع الإمامة، فقد قال الإمام الرضا (عليه السلام) -و هو يَعُدّ علامات الإمام المعصوم (عليه السلام)-: «… ويكون عنده مصحف فاطمة (عليها السلام)».

وهو موجود حاليّاً عند الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف). ويُعتبر هذا المصحف أوّل مصنّف في الإسلام، حيث إنّ الزّهراء (عليها السلام) توفّيت في العام الحادي عشر من الهجرة، ولم يكتب قبل هذا التاريخ كتاب في عصر الإسلام.

ولا غرابة في ذلك إذ إنّ الزّهراء (عليها السلام) كانت محدَّثة، وليست الزّهراء هي الوحيدة التي حدّثتها الملائكة، فقد كانت مريم بنت عمران محدَّثة أيضاً، كما كانت أمّ موسى بن عمران (عليه السلام) محدَّثة، وسارة زوجة النبي إبراهيم (عليه السلام) أيضاً كانت محدَّثة فقد رأت الملائكة فبشروها بإسحاق ويعقوب.

 فإذاً مصحف فاطمة هو وحي إلا أنّه غير معجز، نظير الحديث القدسي، بخلاف القرآن الكريم، فهو وحي مقرون بالإعجاز.

 ورد في الحديث المرويّ عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في حقّ جدّته الصّدّيقة فاطمة الزهراء (عليها السلام): «نحن حجج الله على خلقه، وجدّتنا فاطمة حجّة الله علينا»(17)، فما المراد بكونها حجّة على الأئمة الأطهار (عليهم السلام)؟  الحجّة هي عبارة عن الدليل والمعرّف على الحقائق، والأئمّة (عليهم السلام) حجَّة على الناس لأنّهم الأدِلاءُ على الله (عزّ وجلّ) والمعرِّفون للنّاس أحكامه وتعاليمه، والسيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) حجَّةٌ على الأئمة (عليهم السلام)؛ لأنّها أحد الوسائل المعرفيّة الإلهيّة التي أوصلت الحقائق إلى الأئمّة (عليهم السلام) من خلال مصحف فاطمة (عليها السلام)، فقد كان مصحفها يشتمل على الكثير من العلوم والحقائق والمعارف الإلهيّة والمغيّبات والملاحم والفتن.

 ويؤيّد هذا التوجيه الروايات التي تشير إلى أن مصحف فاطمة (عليها السلام) من ودائع الإمامة.

 خطبة مولاتنا فاطمة (عليها السلام) كشفت عن جزء يسير من منزلتها الرفيعة، ورتبتها العالية، فما هي الأبعاد العامّة التي تميّزت بها هذه الخطبة الدّالة على المقام الشامخ لسيدة النساء (عليها السلام)؟  تتضمّن هذه الخطبة الغرّاء التي قلّ نظيرها سبعة محاور أساسية، وكلّ محور من هذه المحاور كفيل في بيان عظمة الزّهراء (عليها السلام) وعلوّ مقامها ومنزلتها وعلمها وعصمتها.

 المحور الأول: المسائل المرتبطة بتوحيد الله (عزّ وجلّ) وصفاته وأسمائه والهدف من الخلقة.

 قالت (عليها السلام): «الحمد الله على ما أنعم وله الشكر على ما ألهم والثناء بما قدّم، من عموم نعم ابتدأها، وسبوغ آلاء أسداها، وتمام منن أولاها، جمَّ عن الإحصاء عددها، ونأى عن الجزاء أمدها، وتفاوت عن الإدراك أبدها، وندبهم لاستزادتها بالشكر لاتّصالها، واستحمد إلى الخلائق بإجزالها، وثنى بالنّدب إلى أمثالها، وأشهد أن لا إله إلاّ الله، وحده لا شريك له، كلمةً جعل الإخلاص تأويلها وضمّن القلوب موصولها، وأنار في التّفكّر معقولها، الممتنع من الأبصار رؤيته، ومن الألسن صفته، ومن الأوهام كيفيّته.

 ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها، وأنشأها بلا احتذاء أمثلةٍ امتثلها، كوّنها بقدرته، وذرأها بمشيئته، مِن غير حاجةٍ منه إلى تكوينها، ولا فائدةٍ له في تصويرها إلاّ تثبيتاً لحكمته، وتنبيهاً على طاعته، وإظهاراً لقدرته، وتعبداً لبريّته وإعزازاً لدعوته ثم جعل الثواب على طاعته ووضع العقاب على معصيته، زيادةً لعباده عن نقمته وحياشةً لهم إلى جنته».

 واقعاً هذه الكلمات النّورانية كفيلة في إثبات مقامها الشامخ، ومنزلتها الرّفيعة، وعصمتها، وعلمها، وأنّها سيّدة نساء العالمين من الأوّلين والآخرين. المحور الثاني: المسائل المرتبطة بالنبوّة وبيان منزلة النبي (صلّى الله عليه وآله) ومسؤوليّاته وأهدافه.

 قالت (عليها السلام): «وأشهد أنّ أبي محمّداً عبده ورسوله، اختاره قبل أن أرسله، وسمّاه قبل أن اجتباه، واصطفاه قبل أن ابتعثه، إذ الخلائق بالغيب مكنونةٌ وبستر الأهاويل مصونةٌ، و بنهاية العدم مقرونةٌ، علماً من الله تعالى بما يلي الأمور، وإحاطةً بحوادث الدّهور، ومعرفةً بمواقع الأمور، ابتعثه الله إتماماً لأمره و عزيمةً على إمضاء حكمه، وإنفاذاً لمقادير حتمه، فرأى الأمم فِرَقاً في أديانها، عُكفاً على نيرآنها، عابدةً لأوثانها، مُنكرةً لله مع عرفانها، فأنار الله بأبي محمّد (صلّى الله عليه وآله) ظُلَمها، وكشف عن القلوب بُهَمَها و جلّى عن الأبصار غُمَمَها، وقام في النّاس بالهداية فأنقذهم من الغواية و بصَّرهم من العَماية، وهداهم إلى الدّين القويم ودعاهم إلى الطّريق المستقيم، ثم قبضة الله إليه قبض رأفةٍ واختيارٍ، ورغبةٍ وإيثارٍ، فمحمدٌ (صلّى الله عليه وآله) مِنْ تعب هذه الدار في راحةٍ، قد حُفّ بالملائكة الأبرار، ورضوان الربّ الغفّار، ومجاورة الملك الجبّار، صلّى الله على أبي نبيِّه، وأمينه على الوحي وصفيِّه وخيرته من الخلق ورضيِّه والسلام عليه ورحمة الله وبركاته».

 المحور الثالث: منزلة القرآن الكريم وتعاليم الإسلام وفلسفة أحكامه.

 قالت (عليها السلام): «أنتم عباد الله نُصُبُ أمره ونهيه، وحمَلَة دينه ووحيه، وأُمناء الله على أنفسكم، و بُلغاؤه إلى الأمم، زعيم حقِّ له فيكم، وعهدٌ قدّمه إليكم، وبقيّةٌ استخلفها عليكم: كتابُ الله الناطق، والقرآنُ الصادق، والنورُ الساطع، والضياء اللامع، بيِّنةٌ بصائره، منكشفةٌ سرائره، مُنجليَةٌ ظواهره، مُغتبطَةٌ به أشياعُه، قائداً إلى الرضوان اتِّباعه، مؤدٍّ إلى النجاة استماعه، به تُنال حجج الله المنوَّرة، وعزائمه المفسرَّة، ومحارمه المحذَّرة، وبيِّناته الجاليَة، وبراهينه الكافية، وفضائله المندوبة، ورُخصه الموهوبة وشرايعه (شرائعه) المكتوبة».

المحور الرابع: المقارنة بين عصر الجاهليّة المظلم وعصر الإسلام المضيء. قالت (عليها السلام): «أيّها النّاس اعلموا: أنِّي فاطمة، وأبي محمّد (صلّى الله عليه وآله)، أقول عوداً وبدواً، ولا أقول غلطاً، ولا أفعل ما أفعل شططاً: {لقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أنْفُسِكُم عَزيزٌ عَلَيْه ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَليْكُم بالمُؤْمِنينَ رَءُوفٌ رَحيمٌ}، فإن تعزّوه وتعرفوه تجدوه أبي دون نسائكم، وأخا ابن عمِّي دون رجالكم، ولنعم المَعزيُّ إليه صلّى الله عليه وآله وسلّم، فبلغ بالرّسالة، صادعاً بالنّذارة، مائلاً عن مَدرَجة المشركين ضارباً ثَبجَهُم، آخذاً بأكظامهم، داعياً إلى سبيل ربِّه بالحكمة والموعظة الحسنة، يَجِفُ الأصنام، وينكت الهام، حتى انهزم الجمع وولّوا الدُّبُر، حتّى تفرَّى الليل عن صبحه، وأسفر الحقُّ عن محضه، ونطق زعيم الدّين، وخَرِسَت شقاشق الشّياطين، وطاح وشيظ النّفاق، وانحلّت عُقَد الكفر والشِّقاق، وفُهتُم بكلمة الإخلاص في نفرٍ من البيض الخماص، {وَكُنتُم على شَفا حُفرَةٍ مِنَ النّار}، مَذقَة الشارب، ونُهزَة الطّامِع، وقَبسَة العَجلان، وموطئ الأقدام، تشربون الطَّرقَ، وتقتاتون القِدّ، أذِلّةً خاسئين، {تَخافُون أن يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ} مِن حولكم، فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمد (صلّى الله عليه وآله) بعد اللتيا والتي، بعد أن مُنيَ بِبُهم الرجال، وذؤبان العرب، ومردةِ أهلِ الكتاب {كُلَّمَا أَوقَدُوا ناراً لِلحَربِ أَطفَأَهَا الله}، أو نَجَمَ قرنُ الشّيطان، أو فَغَرَت فاغرةٌ من المشركين، قَذَف أخاه في لهواتها، فلا ينكفئ حتّى يطأ صماخها بأخمَصِه، ويخمد لهبها بسيفه، مكدوداً في ذات الله، مجتهداً في أمر اللّه، قريباً من رسول اللّه، سيّداً في أولياء الله، مشمراً ناصحاً، مجدّاً كادحاً، لاتأخذه في الله لومة لائم، وأنتم في رفاهية من العيش، وَادِعون فاكهون، آمنون تتربّصون بنا الدوائر، وتتوكّفون الأخبار، وتنكُصُون عند النِّزال، وتفرون من القتال.

 المحور الخامس: المسائل المرتبطة بما بعد التحاق النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله) بالرّفيق الأعلى ومخطّطات المنافقين لمحو الإسلام. قالت (عليها السلام): «فلمّا اختار الله لنبيه (صلّى الله عليه وآله) دار أنبيائه، ومأوى أصفيائه، ظهر فيكم حَسْكَة النّفاق، وسَمُلَ جلبابُ الدّين، ونطق كاظم الغاوين، ونَبَغَ خامِل الأقلّين وهَدَر فنَِيقُ المبطلين، فخطر في عَرَصاتكم، وأَطْلَع الشّيطانُ رأسه من مَغرِزِه، هاتفاً بكم، فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللعِزَّة فيه ملاحظين، ثم استنهضكم فوجدكم خِفافاً وأحْشَمكُم فألفاكم غِضاباً، فوسَمْتُم غير إبِلِكم، وَوَرَدتُم غير مَشرَبِكم.

 هذا، والعهد قريب، والكَلْمُ رحيب، والجرح لَمَّا يندمل، والرَّسول لما يقبر، ابتداراً زعمتُم خوف الفتنة {ألا في الفِتْنَةِ سَقَطوا وإنَّ جَهَنَّمَ لمحيطَةٌ بالْكافِرينَ} فهيهات منكم، وكيف بكم، وأنَّى تؤفكون، وكتابُ الله بين أظهركم أموره ظاهرة، وأحكامه زاهرة، وأعلامه باهرة، وزواجره لايحة، وأوامره واضحة، وقد خلّفتموه وراء ظهوركم! أرغبةً عنه تريدون؟ أم بغيره تحكمون؟ {بِئسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلا}، {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِْسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}».

 المحور السادس: المسائل المرتبطة بقضيّة فدك وتفنيد الحجج الواهية التي جعلت مبرراً لغصب فدك. قالت (عليها السلام): «ثُمّ لم تلبثوا إلا ريثَ أن تسكُن نَفْرَتُها، ويَسْلَس قِيادُها، ثمّ أخذتم تورُون وَقْدَتَها، وتُهيِّجون جَمْرَتها، وتستجيبون لِهُتاف الشّيطان الغويّ وإطفاء أنوار الدّين الجليّ، وإخماد سنن النّبي الصّفيّ، تشربون حسواً في ارتغاء، وتمشون لأهله وولده في الخَمَرَةِ والضّرّاء، ونصبر منكم على مثل حزّ الْمُدى ووخز السّنان في الحشا، وأنتم الآن تزعُمُون: أن لا إرث لنا، أفحكم الجاهلية تبغون {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْمَاً لِقَوْمٍ يُوْقِنُونَ}؟! أفلا تعلمون؟ بلى تجلّى لكم كالشمس الضّاحية: أنّي ابنته.

 أيّها المسلمون، أَأُغلب على إرثي؟! يا ابن أبي قحافة، أفي كتاب الله ترث أباك ولا أرث أبي؟ لقد جئت شيئاً فريّاً! أفعلى عَمْدٍ تركتم كتاب الله ونبذتُمُوه وراء ظهوركم؟ إذ يقول: {وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ}، وقال -فيما اقتصّ من خبر يحيى بن زكريا إذ قال-: {فَهَبْ لي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبِ}، وقال: {وَأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله}، وقال: {يُوصِيْكُمُ الله في أَوْلادِكُم لِلذّكَرِ مِثلُ حَظِّ الأنثَيَيْنِ}، وقال: {إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ}، وزعمتم: أن لا حُظْوة لي ولا إرث من أبي؟ ولا رحم بيننا؟ أفخصّكم الله بآية أخرج أبي مِنها؟ أم هل تقولون: إنّ أهل ملتين لا يتوارثان؟! أَوَ لَستُ أنا وأبي من أهل ملّة واحدة؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟ فدونَكها مخطومةً مرحولةً، تلقاك يوم حشرك، فنِعم الحكمُ اللهُ والزعيم محمد (صلّى الله عليه وآله)، والموعد القيامة، وعند الساعة يَخْسَر المبطلون ولا ينفعكم إذ تندمون».

المحور السابع: إتمام الحجّة على أصحاب النّبي (صلّى الله عليه وآله) واستنهاضهم لنصرة الحقّ وإنذارهم بالعذاب الأليم عند التّخاذل. ثمّ رمت بطرفها نحو الأنصار فقالت (عليها السلام): «يا معشر النَّقِيبَة وأعضاد الملّة وحَضَنَة الإسلام، ما هذه الغَميزَةُ في حقّي والسِّنَةُ عن ظلامتي؟ أما كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أبي يقول: «المرء يحفظ في وُلده»!؟، سرعان ما أحدثتم، وعجلان ذا إهالة، ولكم طاقةٌ بما أحاول، وقوّةٌ على ما أطلُب وأُزاوِل! أتقولون مات محمّد (صلّى الله عليه وآله)؟ فخطبٌ جليلٌ: استوسع وَهْنُه واستنهر فَتقُه، وانفتق رَتقُه، وأظلمت الأرض لغيبته، وكسفت الشمس والقمر، وانتثرت النّجوم لمصيبته، وأَكْدَت الآمال، وخشعت الجبال، وأُضيعَ الحريم، وأُزيلت الحرمة عند مماته، فتلك والله النَّازلة الكبرى، والمصيبة العظمى، لا مثلَها نازلةٌ، ولا بائقةٌ عاجلةٌ، أعلن بها كتاب الله جلَّ ثناؤه، في أفنيتكم، وفي مُمْسَاكم ومُصْبَحِكم يهتفُ في أفنيتكم هتافاً وصراخاً وتلاوةً وألحاناً، وَلَقَبْلَهُ ما حلّ بأنبياء الله ورسله حكمٌ فصلٌ، وقضاءٌ حتمٌ، {وَمَا مُحمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ}، إيهاً بني قيلة! أأُهضمَ تراثُ أبي؟ وأنتم بمرأى منّي ومسمع، ومنتدى ومجمع؟ تَلْبَسُكم الدعوة، وتشملكم الْخُبرة، وأنتم ذوُو العدد والعدّة، والأداة والقوّة، وعذركم السّلاح والْجُنَّة، تُوافيكم الدّعوة فلا تجيبون، وتأتيكم الصّرخة فلا تُغيثون، وأنتم موصوفون بالكفاح، معروفون بالخير والصّلاح، والنُّخبة التي انتخبت والخيرة التي اختيرت لنا أهل البيت، قاتلتم العرب، وتحمَّلتم الكدّ والتّعب، وناطحتم الأمم وكافحتم البُهَم، لا نبرحُ أو تبرحون، نأمركم فتأتمرون، حتى إذا دارت بنا رحى الإسلام ودرّ حَلَب الأيّام، وخضعت ثغرة الشّرك، وسكنت فورة الإفك، وخمدت نيران الكفر، وهدأت دعوة الهرج، واستوسق نظام الدّين! فأنّى حِرتم بعد البيان؟ وأسررتم بعد الإعلان؟ ونكصتم بعد الإقدام؟ وأشركتم بعد الإيمان؟ بؤساً لقومٍ {نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ} من بعد عهدهم {وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّة أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ}.

 ألا وقد أرى أن قد أخلدتُم إلى الخَفضِ، وأَبعدتُم من هو أحقّ بالبسط والقبض، وخَلَوتُم بالدَّعة ونجوتُم بالضّيق من السّعة، فمججتُم ما وعيتم، ودَسَعْتُم الذي تسوَّغتم، فـ {إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الأرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ}.

 ألا وقد قُلتُ ما قُلتُ على معرفةٍ منّي بالخَذْلَة التي خامرَتْكُم والغَدرَْة التي استشعرتها قلوبكم، ولكنّها فَيْضَةُ النّفس، ونَفْثَةُ الغيظ وخور القناة، وبثّة الصّدر وتَقدِمة الْحُجّة، فدونكموها فاحتقبوها دَبِرةَ الظّهر، نَقِبَة الخُفّ، باقية العار، موسومةً بغضب الجبّار، وشَنَارِ الأَبَد، موصولةً بنار الله الموقدة {الَّتي تَطَّلِعُ عَلى الأَفْئِدَةِ}، فبعين الله ما تفعلون، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَب يَنقَلِبُونَ}، وأنا ابنة نذير {لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيْدٍ}، فاعملوا إِنَّا عامِلُون {وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ}».

 طبعاً هذه إطلالة سريعة وإجماليّة على هذه الخطبة الغرّاء، والكلام في تفاصيلها طويل الذيل، والمقام مبنيّ على الاختصار.

  بعد ارتحال النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) إلى جوار ربّه، مُنعت سيّدتنا فاطمة (عليها السلام) من حقّها الثّابت إليها في فدك، فخرجت مطالبة بالحقّ المأخوذ ظلماً وجوراً، فهل كانت مطالبتها محض مطالبة بالإرث، أم كانت تهدف لمقاصد أعظم من ذلك؟  فدك قرية بالحجاز -قريبة من خيبر- تبعد عن المدينة بمسافة مقدارها مائة وأربعون كيلو متر تقريباً، أفاءها الله على رسوله (صلّى الله عليه وآله)، وفيها عين فوّارة ونخل كثير، وتعدّ مركزاً مهمّاً لليهود في أرض الحجاز بعد خيبر.

 وقد انتقلت إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعد فتح حصون خيبر، حينما أرسل أهل فدك إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن يصالحهم على نصف «فدك»، فقبل الرسول (صلّى الله عليه وآله) ذلك منهم وأمضى ذلك الصّلح، فهي أرض لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، فتكون خالصة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وقد نصّ القرآن الكريم على ذلك في قوله (عزّ وجلّ): {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْل وَلاَ رِكَاب وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيء قَدِيرٌ}.

وقد أشار الكثير من المؤرخين إلى أنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) قد منح ابنته الزّهراء (عليها السلام) فدكاً في حياته.

 وقد نقل «جلال الدّين السيوطيّ» في كتاب (الدرّ المنثور) في ذيل الآية السادسة عشرة من سورة الإسراء حديثاً عن «أبي سعيد الخدريّ» يقول فيه: “لما نزل قوله تعالى {وآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّه} أعطى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فاطمة فدكاً”(18). وأيضاً أشار أمير المؤمنين الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) في نهج البلاغة إلى ذلك، حيث قال: «بلى كانت في أيدينا فدك من كلّ ما أظلّته السماء، فشحّت عليها نفوس قوم وَسَخَت عنها نفوس قوم آخرين، ونِعْمَ الحكمُ اللهُ».

وبالإمكان التعرّف على سبب مطالبة الزهراء (عليها السلام) بفدك من خلال معرفة الدوافع السياسيّة للخصوم في غصب فدك، فالمسألة لا تختص بالجانب الماديّ فحسب، وهي ليست مسألة إرث، بل هي مسألة ترتبط بالواقع الإسلاميّ العامّ، حيث إنّ وجود فدك عند أهل البيت (عليهم السلام) يمثّل ميزة لعلوّ مقامهم وشرفهم وقربهم من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وتبرز معرفتهم بالنّبي (صلّى الله عليه وآله) وأحقيّتهم في خلافته من خلال التّنصيب الإلهيّ والنصّ النبويّ، فحقيقة قضيّة فدك تتمثّل في مسألة خلافة المسلمين بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فالزّهراء (عليها السلام) أرادت أن تذكّر الأمّة بمقام أهل البيت (عليهم السلام) وأحقيّة أمير المؤمنين (عليه السلام) في خلافة النّبي (صلّى الله عليه وآله) من خلال النّصوص النّبويّة كحديث الغدير الثّابت سنداً والواضح دلالة، وغيره، بخلاف منهج القوم، فهم أرادوا تجريد هذه الأمور عن أهل بيت العصمة والطّهارة (عليهم السلام) من خلال تجريد الزّهراء (عليها السلام) عن حقّها في فدك.

 وقد أشار إلى هذه المسألة الجوهريّة في قضيّة فدك (ابن أبي الحديد المعتزلي) في شرحه لنهج البلاغة حيث قال: “سألت علي بن الفارقي مدرّس المدرسة الغربيّة ببغداد، فقلت له: أكانت فاطمة صادقة؟ قال: نعم، قلت: فلم لم يدفع إليها أبو بكر فدك وهي عنده صادقة؟ فتبسّم، ثمّ قال كلاماً لطيفاً مستحسناً مع ناموسه وحرمته وقلّة دعابته، قال: لو أعطاها اليوم فدك بمجرّد دعواها لجاءت إليه غداً وادّعت لزوجها الخلافة، وزحزحته عن مقامه، ولم يكن يمكنه الاعتذار والمدافعة بشيء، لأنّه يكون قد سجّل على نفسه أنّها صادقة فيما تدّعيه كائناً ما كان من غير حاجة إلى بيِّنة ولا شهود”.

 وبعدها يضيف ابن أبي الحديد قائلاً: “وهذا كلام صحيح، وإن كان أخرجه مخرج الدّعابة والهزل”(19).

المصادر والهوامش

  • (1) رئيس تحرير سابق في المجلّة، وأحد أعضاء هيئتها الاستشارية حاليّاً، أستاذ في الحوزة العلميّة، له برامج علميّة وثقافية متنوّعة، عضو في مجلس إدارة جامعة آل البيت (عليهم السلام) العالميّة بقم المقدّسة.
  • (2) سورة الأحزاب:33.
  • (3) سورة آل عمران:61.
  • (4) سورة آل عمران:59.
  • (5) سورة الكوثر.
  • (6) بحار الأنوار، المجلسي، ج16، ص80.
  • (7) سورة الإنسان:8-9.
  • (8) سورة الشّورى:23.
  • (9) سورة الإسراء:26.
  • (10) صحيح البخاريّ،ج4، ص210.
  • (11) صحيح مسلم، ج2، ص376.
  • (12) المستدرك للنيسابوريّ، ج3، ص154.
  • (13) مجمع الزوائد، ج9، ص203.
  • (14) سبل الهدى والرّشاد، ج11، ص44.
  • (15) سورة النّجم:3-4.
  • (16) سورة الأحزاب:57.
  • (17) الأسرار الفاطمية، المسعودي، ص87.
  • (18) الدرّ المنثور، ج 4، ص 177.
  • (19) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد المعتزلي، ج4، ص 78.

مقالات ذات صلة

أضف تعليق

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى