مع القرآن في العقيدة والعمل حوار مع سماحة الشيخ أحمد الشهابي

الحمد لله تبارك وتعالى على نعمة القرآن، الذي أقام به الحجّة والبرهان، وجعله في أبهى صورة وأروع بيان، وأنزله باعثاً للسكينة والاطمئنان، وله الشكر وغاية الامتنان، على ما حبانا به من بركة الإيمان، فنرجوه الأمن والأمان، يوم تقشعرّ فيه الأبدان، وتهتز فيه الأركان، إلا من أتى الله بقلب سليم.

 القرآن هو رسالة السماء الخالدة، وأمانة الله الباقية، وهو الميثاق المحفوظ، والعهد المصون، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو وصيّة النبيّ العظيم، ووديعة الرسول الكريم، فهل أدّى المسلمون حقّ هذه الأمانة، وهل حفظوا حرمة هذه الوديعة، أم أنّها ضيعت فأهملت، وتركت فنسيت؟! من هنا تلتقي أسرة مجلّة رسالة القلم مع سماحة الشيخ أحمد الشهابي (حفظه الله) لتناقش معه مسألة الاهتمام بالقرآن على المستوى الفردي والاجتماعي، علّها تضع اليد على بعض نقاط الخلل فيُسعى لإصلاحها، أو تبيّن شيئاً من مواطن الزلل فيُعمل على التخلّص منها.

  سماحة الشيخ.. ما هي المكانة والمقام اللّذان جعلهما الإسلام للقرآن الكريم؟

 بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 لدينا عنوان قد عُنون به القرآن الكريم، وهذا العنوان عبارة عن كونه (الدستور) الذي أنزله الله تبارك وتعالى وخاطب به عباده، وهذا الدستور يشتمل على بعدين: (البعد العقائدي، والبعد العملي)، ففي مجال البعد العقائدي يتعرّض القرآن للأمور التي يريد الله (سبحانه وتعالى) أن يعتقد العبد بها، كما أنّه في مقام الجانب العملي يريد أن يوضّح السلوكيّات العمليّة التي يجب أن يقوم بها الإنسان في حياته الدنيا، سواء كانت هذه السلوكيّات مرتبطة بجانبه الفرديّ مع الله (سبحانه وتعالى)، أو بجانبه الفرديّ تجاه المجتمع، ولأنّ الإنسان في حياته وفي وجوده الذي يليق به أن يكون في مرتبة وفي مقام متقدّم جدّاً من الله، ويحصل على رضا الله (سبحانه وتعالى)، باعتبار أنّ الإنسان يبحث دائماً عن سعادته، وسعادته متوقفة على هذا الأمر، متوقفة على أن يكون قريباً من الله (سبحانه وتعالى)، وبقدر ما يكون قريباً يكون سعيداً، وبقدر ما يكون بعيداً عن الله يكون شقيّاً، فهذه التعاليم التي جاءت في القرآن الكريم هي التي توصل الإنسان إلى سعادته، فهو بالاعتقاد بالأمور الصحيحة التي يُمليها القرآن عليه، وبالإتيان بالأعمال التي يطلبها القرآن منه، يكون في مقام قرب من الله، ويتمتع برضا الله (سبحانه وتعالى)، عند ذلك يُمكن له أن يكون سعيداً، فبقدر ما يريد الإنسان أن يكون سعيداً عليه أن يرتبط بالقرآن، فالقرآن هو الذي يُحقّق له هذا الأمر، وبقدر ابتعاده عن القرآن يتعرّض للشقاء والعناء، سواء كان في الدنيا، أو في الآخرة، فإنَّ القرآن كما تُبيّن الآيات القرآنيّة بأنّه ليس كفيلاً بتحقيق السعادة في عالم الآخرة فقط، وإنّما يُحقّقها أيضاً في عالم الدنيا، فالذي يريد أن يسعد في الدارين عليه أن يرتبط بالقرآن فيما يتعلّق بالآخرة، وفيما يتعلّق بالدنيا، وبقدر ما يبتعد الإنسان عن القرآن يتعرّض للعناء الدنيوي والعناء الأخروي، فإذا كان هذا الكتاب يحقّق لنا هذه الأمور، فبالتالي تتضّح لنا الأهميّة التي يعكسها القرآن الكريم في حياة الإنسان، سواء كانت دنيويّة، أو أخرويّة.

ولا يُمكن أن تحصل على كتاب يُمكن أن يعتني به الإنسان في الدنيا يُمكنه أن يحقّق هذه السعادة الدنيوية والأخرويّة، كلّ كتاب من الكتب التي يكتبها كبار العلماء تتناول جانباً من جوانب الحياة فقط، ومع كونها مشتملة على جانب واحد فحسب فالمعلومات التي فيها يُمكن أن تكون صائبة وتوصل الإنسان للسعادة في هذا الجانب، ويُمكن أن تكون خاطئة فلا توصله للسعادة، وإذا أوصلته توصله بنحو ناقص، مهما تعب العالِم في تأليف وتصنيف هذا الكتاب، بينما عندما تشاهد القرآن فهو كتاب من الله (سبحانه وتعالى)، ومعنى ذلك أنّه لا يتطرّق إليه الخطأ في أيّ بعد من أبعاده، وباعتبار شموله للدنيا بكلّ نواحيها، وهكذا بالنسبة إلى الآخرة، فهو يُحقّق سعادة شاملة للإنسان، ومطلقة أيضاً، فإذا كانت شاملة ومطلقة فلا يُمكننا أن نحصل على أيّ كتاب من الكتب مشتملاً على هذا الأمر، فلا بدّ أن يكون الاهتمام بالقرآن بقدر ما يحمل من شموليّته وإطلاقه، وبقدر ما يُحصّل سعادة الإنسان.

 مفهوم (التدبّر) من المفاهيم التي جاءت كثيراً في الروايات، وقد ذكره القرآن الكريم أيضاً، فما هو المقصود منه؟  المطالب المذكورة في القرآن الكريم والتي يريد الله (سبحانه وتعالى) أن نستوعبها مرّة تكون كلّ هذه المطالب مذكورة مباشرة وعلى نحو الدلالة المطابقيّة، وهذا لا يُمكن؛ لأنّ ذلك معناه ألا يكون القرآن بهذا الحجم، وإنّما لا بدّ أن يكون دورة كبيرة جدّاً، هذا عندما يريد أن يبيّن كلّ شيء على نحو الدلالة المطابقيّة، هذا مع أنّ القرآن يدّعي لنفسه بأنّه تبيان لكل شيء، والله (سبحانه وتعالى) ما فرّط في الكتاب من شيء، فمعنى ذلك أنّ هناك شمولاً، فإذا هذا الشمول يريد أن يذكره الله (سبحانه وتعالى) كلّه على نحو الدلالة المطابقيّة فلا بدّ حينها أن يكون القرآن دورة كبيرة جدّاً، ليس بمستوى البحار بل تفوق البحار بأضعاف، فلا بدّ أن تشتمل على آلاف المجلدات، وإذا كان القرآن بهذه الصورة فإنّ القارئ لا يطلّع عليه، فالقرآن وهو بهذا النحو الذي يجمع ستمائة صفحة والنّاس زاهدة في قراءته، فما بالك إذا كان يضمّ آلاف المجلّدات، فلذلك فإنّ القرآن اتخذ هذا الأسلوب، بأنّه يذكر بعض الدلالات المطابقيّة، ولكنّه يعتمد كثيراً على الدلالة الالتزاميّة، والمداليل الالتزاميّة القارئ هو الذي يصل إليها، وهذا يحتاج إلى تفكّر، وتأمّل، وتدبّر، وربط الآيات مع بعضها البعض، حتّى يستفاد من هذه المعاني، ولذلك فمع التأمّل الذي يتأمله الإنسان لا بدّ أن تراجع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، باعتبار أنّهم باستطاعتهم استنباط هذه اللوازم، فعلى أيّ حال القرآن كتاب مملوء بالمعاني، ومفتاح هذه المعاني هو الاعتماد على الدلالة الالتزاميّة، ومفتاح الدلالة الالتزاميّة هو التأمّل والتفكّر، فعندما تنظر للآية لا تشاهد إلا معنى واحداً فقط تقوم بمعالجته، وهو منسجم مع المدلول المطابقيّ، ولكن إذا تأمّلت في الآية تنفتح لك أبواب كثيرة، ويتبيّن لك بأنّ الآية تريد أن تعالج الكثير من المشاكل، فبقدر ما تتأمّل في الآية تستطيع أن تتوصل لمعانٍ كثيرة لا يُمكنك أن تصل لها مباشرة على نحو الدلالة الظاهرة، بل لا بدّ من التأمّل، فنتيجة لأنّ القرآن مشتمل على معارف كثيرة، ولا يُمكن إيداعها جميعها بنحو مباشر، فلا بدّ أن يُستفاد من الطرق غير المباشرة، ولكي تستفيد المعنى المبيّن بالطريقة غير المباشرة، تحتاج للتأمّل، تحتاج للتفكّر، فكلّما استطعنا أن نفكّر أكثر استطعنا أن نستبنط معانٍ أكثر من القرآن.

 هل المنظور إليه في قراءة القرآن الكريم الكمّ أو الكيف؟  ليس هناك من إشكال في أنّ المراد من قراءة القرآن هو الاستفادة، والذي يريد أن يستفيد من القرآن لا بدّ أن يعتني بجانب الكيف، فليس هناك فائدة في الاهتمام بجانب الكم، وحينما أقول ليست هناك فائدة أقصد بذلك الفائدة التي تستحق أن يُلتفت إليها، فالإنسان إذا فتح القرآن فنفس فتحه للقرآن فيه فائدة، ونفس النظر إلى القرآن فيه فائدة، فالاهتمام بالقرآن ولو كان على مستوى الفتح فضلاً عن قراءته، فالفوائد موجودة، ولكن إذا أعطاك الله (سبحانه وتعالى) شيئاً ويُمكن أن تستفيد منه فائدة عظيمة جدّاً، فليس من الإنصاف أن تستفيد منه فائدة ضئيلة جدّاً، فكما لو أهدى إليك أحدهم سيّارة، وهذه السيّارة بإمكانها أن تأخذك آلاف الأميال في وقت قليل جدّاً، وتوصلك بمستوىً تكون فيه مرتاحاً دون أدنى تعب، فالاستفادة المناسبة من هذه السيّارة أن تركبها وتقطع هذه المسافات، أمّا لو أخذتها واكتفيت في الاستفادة منها أنّها تنقلك من المنزل إلى المسجد القريب من بيتك جدّاً، كما لو كان لا يتجاوز 500 متر، ففي هذه الحالة يُقال أنّك استفدت استفادةً، ولكنّ الذي أهدى لك هذه السيّارة وأوجد لك هذه السيّارة كان هدفه أن تستفيد منها الاستفادة المناسبة، وإذا استفدت من هذه السيّارة استفادة بسيطة جدّاً يُقال لك حينئذٍ أنّك ضيّعت هذا الشيء، والقرآن أيضاً عندما تأخذه وتحمله فيه فائدة، عندما تفتح القرآن-بدون قراءة- فيه فائدة، عندما تقرأه قراءة سريعة أيضاً فيه فائدة، ولكن ليست هذه الفائدة هي التي أرادها الله (سبحانه وتعالى) والتي يليق بك أن تستفيدها، فالقراءة مرّة تكون العناية فيها بالكمّ فقط، ومرّة أخرى بالكيف.

 فعن الإمام زين العابدين (عليه السلام) أنّه قال: «آيَاتُ الْقُرْآنِ خَزَائِنُ فَكُلَّمَا فُتِحَتْ خِزَانَةٌ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَنْظُرَ مَا فِيهَا»(2)، فلو فتحت الخزائن ولم تنظر فيها فلن تستفد شيئاً، فعندما تنتهي من فتح الخزائن يسألك شخص من الأشخاص: ماذا استفدت من هذه الخزائن؟ ماذا قرأت فيها؟ ما الذي وجدته فيها؟ فتقول له: لم أستفد شيئاً؛ لأنّي كنت أفتح وأمشي، فهذا العمل لا يعدّ عمل عاقل يهتمّ بالأمور الثمينة جدّاً، فعليك الاعتناء بالجانب الكيفيّ، فإذا فتحت القرآن فلا يكن همّك فقط أن تختم القرآن، وإنّما اجعل لك برنامجاً أن تقرأ يوميّاً صفحة واحدة-مثلاً-، وبعد قراءة هذه الصفحة تتوقف وتحاول أن تستذكر الذي يريده الله منك من خلال هذه الصفحة، فإن كان في جانب الاعتقاد فبماذا يريدني أن أعتقد، وإن كان في جانب السلوك العملي والوظائف العلميّة فماذا يريد منّي أن أفعل، وهكذا.

 كثير من المؤسسات القرآنيّة تركّز الاهتمام على الجانب الظاهري للقرآن الكريم من حفظه، وتجويده، ومقاماته، وقد تغفل عن الجانب التفسيري والمعنويّ للقرآن الكريم، فما هو رأيكم في ذلك؟  هذه الجوانب المذكورة تعدّ من المقدّمات، فالله (سبحانه وتعالى) عندما أنزل القرآن يريد منه شيئين: عقائد صحيحة يريد من الإنسان أن يعتقد بها، وسلوكيّات وأعمال صالحة يريد من الإنسان أن يقوم بها، وأعمال طالحة يريد من الإنسان أن يجتنبها، فالقرآن بهذا الهدف يعالج الجانب العقائدي ويعالج الجانب السلوكي، ونحن إذا أردنا أن نأتي بعلم من العلوم فلا بدّ أن ننظر أوّلاً بأنّ هذا العلم الذي نريد أن نعتني به هل مفيد لنا في تحقيق هذين الهدفين وهما معرفة الأمور العقائديّة، ومعرفة السلوكيّات العمليّة، أو أنّه لا يفيدنا في هذا الجانب، فإذا كان لا يفيدنا في هذا الجانب فلا بدّ لنا من تركه، وإذا كان يفيدنا في هذا الجانب فلا بدّ أن يكون كمقدّمة، وإذا كان مقدّمة فعلينا الاعتناء به بمستوى مقدّميته لذي المقدّمة، أمّا أن نبالغ فيه أكثر ونعطيه شيئاً أكثر فهذا ليس بفعل عقلائي، أي أنّ العاقل لا يصدر منه هذا الشيء، أنا أتيت لك بهذا الشيء كمقدمة لهذا الشيء لفهمه، فهذه المقدّمة ليست مطلوبة بالذات وإنّما مطلوبة بالعرض، فأنا أتناولها لأنّها تفهمني هذا الشيء، ولو استطعت أن أفهم هذا الشيء من غير هذه الأمور فأنا لا أعتني بهذه الأمور، فعندما أعطيك سيّارة فهي مقدّمة لتنقلّك بها، فإذا استطعت أن تتنقّل من دون هذه المقدّمة فالسيّارة سوف تكون حينئذٍ معيقة لك، فليس من العمل العقلائي أن تأخذ السيّارة معك، كذلك فيما نحن فيه فالمراد هو استيعاب القرآن في مجاله العقائدي والعملي، في المجال النظري والعلمي، فما هو مقدّمة له لا بدّ أن أعتني به بمستوى مقدّميته لا أكثر، فبعض الأشخاص يدخل في مجال التجويد، وفي هذا المجال ما تتوقف عليه القراءة الصحيحة للآية بحيث تكون له مدخليّة في فهم المعنى، فهذا المقدار لا بدّ من الاعتناء به، أما الأمر الذي ليس له مدخليّة في هذا الجانب فالاعتناء به مضيعة للوقت، ويشغلني عن الأمور الأهمّ، فلا بدّ من الالتفات لهذا الأمر، وهو ضابط يكون بيد الإنسان، فلا إشكال أنّ هذه العلوم الموجودة المرتبطة بالقرآن الكريم على بعض المستويات تكون مبالغة، وتكون لاهية ومشغلة للطالب، ومشغلة للمؤمن عن مطالعة بعض الأمور المهمّة التي يريدها من القرآن والتي يريدها الله (سبحانه وتعالى) للعبد.

 ما هي المقدّمات الأساسيّة المعينة في فهم القرآن الكريم وتحليل معانيه؟  اللغة العربيّة: بالنسبة للعلوم العربيّة باعتبار أنّ القرآن منزّل باللغة العربيّة فلا بدّ أن يكون هناك اعتناء باللغة العربيّة بالمقدار الذي له مدخليّة، {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}(3)، فعلماء التفسير يقولون هنا بأنّ معرفة اللغة العربيّة والإحاطة بها له مدخليّة في تعقّل أسرار القرآن ومعارف القرآن، بحيث أنّه لو ترجم القرآن إلى لغة أخرى أو نزل بلغة أخرى لما تمكّن الإنسان من تعقّل هذه الأسرار؛ لأنّه لن تكون هناك مقدرة على بيانها بالصورة المناسبة، وإن وجدت المقدرة لن يستطيع الإنسان تعقلها بصورة مناسبة، فحتى يتعقّل الإنسان هذه المعاني أنزل القرآن باللغة العربيّة، فهنا يجب على الإنسان إذا أراد أن يتعقلها بصورة جيّدة أن يطلع على اللغة العربيّة، ولكن نعيد ونكرّر بأنّ الاطّلاع على اللغة العربيّة يكون بالمستوى الذي له مدخليّة في هذا الجانب، أمّا المبالغة والمستوى الزائد الذي ليس له مدخليّة فهذا يكون مُلْهٍ للإنسان وشاغل له.

 وعندما أتكلم عن اللغة العربيّة فلا أقصد خصوص علم النحو أو الصرف، وإنما لا بدّ من ضمّ علم البلاغة لأننا نشاهد أنّ القرآن في بعض الأحيان يخاطب النبي (صلّى الله عيه وآله) ثمّ يعدل عن مخاطبة النبي (صلّى الله عيه وآله) إلى مخاطبة الجمع، أو بالعكس بأن يخاطب الجمع ثمّ يخاطب النبي (صلّى الله عيه وآله) وحده، هذه كلّها تريد أن تبيّن معانٍ معيّنة، نفس هذا الالتفات من الغائب إلى المخاطب والعكس له دلالات ومعانٍ خاصة تحتاج إلى دراسة علم البلاغة للتعرّف عليها.

علم المنطق: يحتاج الطالب لمعارف القرآن أيضاً لدراسة علم المنطق؛ لأنّ القرآن مملوء بالمحاججات والمخاصمات مع المشركين والكفّار، ولكي تستوعب هذه المخاصمات الاستيعاب الجيّد ولا تحملها على طريقة غير جيّدة لا بدّ أن يكون لديك علم تعرف من خلاله لماذا ذُكر الاستدلال بهذه الطريقة دون تلك، وأنّ هذه الطريقة مشتملة على الشروط المنطقيّة لصحّة القياس أو لا، فكلام المشركين ليس بكلام تام، بل هو مشتمل على المغالطة كثيراً، ومعرفة هذه الأمور تحتاج لدراسة علم المنطق بمستوى معيّن لا بدّ من الاهتمام به.

علم الفلسفة: ويحتاج كذلك لبعض المسائل الفلسفيّة والعقائديّة فهي تساعد في فهم القرآن بصورة جيّدة، فعندما تدرس في الفلسفة في قسم الإلهيات بالمعنى الأخص الصفات التي يجب أن تكون في واجب الوجود بحيث إذا لم يكن متصفاً بهذه الصفات يلزم منه نسبة النقص إليه، ويلزم أن تنسب إليه بعض الأفعال التي لا توافق الحكمة، فإذا درست هذه الأمور وطالعت فيما بعد الآيات القرآنيّة يتبيّن لك بأنّ الله كواجب وجود بالذات لا بدّ وأن يتصف بهذه الأمور قطعاً، باعتبار أنّ القرآن يحتاج للتدبر، ويحتاج للتفكّر، ويحتاج للتأمّل، فلا بدّ أن تدخل وأنت مهيأ إلى عملية التفكير، وحتّى تكون مهيأً لا بدّ أن تملك الآلات، وهي عبارة عن هذه العلوم، ومن ضمنها علم الفلسفة، علم المنطق، علم النحو، علم البلاغة، علم الصرف، وغيرها من العلوم الدارجة في الحوزة العلميّة، وبعض العلوم -للأسف الشديد- هناك زهد فيها مع أنّها لها مدخليّة في فهم القرآن، فلا بدّ أن يعتني بها طالب العلم حتّى يستطيع أن يولّد هذه المعاني الموجودة في القرآن، فهو لا يستطيع توليدها إلا بالاشتمال على هذه الآلات.

  نلاحظ وجود هجمات سافرة متكررة من الغرب، بل حتى من بعض المسلمين على قدسيّة القرآن الكريم، فما هو تفسيركم لهذه الظاهرة، وما هو واجب المسلمين تجاهها؟  الهجمات التي تكون على القرآن الكريم ليس كلّ أصحابها جاهلين بفضل القرآن الكريم ومكانته، بل هناك اعترافات كبيرة من علماء الغرب في هذا المجال، فهم يعترفون بشموليّة القرآن؛ لأنّهم عندما ينظرون لكتاب التوارة أو لكتاب الإنجيل وينظرون بعد ذلك لكتاب القرآن فبعض أهل العلم منهم عنده نظرة الإنصاف؛ فنشاهد بأنّهم دائماً يعترفون بأنّ القرآن متّصف بالشموليّة، فإذا كان هناك دستور للحياة ويعتني بالإنسان في جانبه الدنيوي وجانبه الأخروي من بين الكتب السماويّة الموجودة فليس هو إلا القرآن، فالكتب الأخرى كالتوراة والإنجيل لا تشاهد فيها هذه الشموليّة، فهم يعترفون بهذه الشموليّة.

 والذين يتصدون ويحاولون التعدّي والهجوم على القرآن الكريم، مرّة يكون هجوماً يعتقد فيه أصحابه أنّه منطقي، فيتناول آية من الآيات المعيّنة ويحاول أن يناقشها علميّاً، فيحاول ادّعاء وجود نقص في الآية أو ما شابه ذلك معتقداً أنّ ما ذكره يوافق العقل والمنطق، والبعض الآخر لا يناقش مناقشة منطقيّة وإنما ليس هو إلا كلام جهّال من منطلق عاطفة أو عصبيّة، فهو يريد أن يتكلّم ويهاجم القرآن، فبالنسبة للأشخاص الذين يعتقدون بأنّ لديهم جانباً علمياً في النقاش مع القرآن الكريم فلا بدّ من الاعتناء بكلامهم، ومحاولة بيان أنّ ما ذكروه مشتمل على مغالطة معيّنة أو إشكال معيّن، ونحاول أن نبيّن لهم مراد القرآن؛ لأنّ فهمهم قد يكون غير سليم إلى هذا القرآن نظراً للخلفيّة السقيمة الموجودة لديهم، فنحاول أن نصحّح لهم هذه الأمور بالطريقة العلميّة، وعلى طالب العلم أن يتسلّح بالسلاح المفيد له في هذا الجانب أي الجانب العلمي، فيبيّن على أيّ حال معاني القرآن بلغة اليوم، فهذا أمر ضروري لأنّ كثيراً من الإشكالات التي تأتي على القرآن ناشئة من عدم معرفة هؤلاء بمدلول القرآن، وأنت لا تستطيع أن تتكلّم معهم إلا بلغة اليوم، فلا بدّ أن تطلع على لغة اليوم وتعكس لهم معارف القرآن بلغتهم اليوم وبأسلوبهم؛ حتّى يتبيّن بأنّ المناقشة التي ذكروها ويزعمون أنّها مخالفة للقرآن خاطئة أو غير دقيقة، هذا بالنسبة إلى الذين يعتقدون بمنطقيّة وعقلانيّة مناقشتهم، وأمّا بالنسبة للأشخاص الذين يريدون أن يهينوا القرآن ويهاجموا القرآن بغير منطق سليم أو يُعتقد بأنّه سليم ويستخدمون اللغة غير المناسبة، فهم لأنّهم ضمن عواطف معيّنة أو ضمن عصبيّة معيّنة يحاولون أن يُحرقوا القرآن ويحاولوا أن يُهينوا القرآن، فالنقاش مع مثل هؤلاء ليس بالنقاش العلميّ، فلا بدّ من النظر إلى أشياء أخرى تكون رادعة إلى مثل هؤلاء النّاس، إن كان على مستوى طلبة العلوم الدينيّة أو على مستوى الجماهير أو الحكومات الإسلاميّة، فيبيّن بأنّ القرآن كتاب سماويّ وهناك قدسيّة إلى الكتب السماويّة، فكما أنّنا لا نجوز لأيّ مسلم أن يُهين كتاب التوارة أو الإنجيل -مع أنّنا نعتقد بأنّهما يشتملان على تحريفات ليست مستندة إلى الأنبياء (عليهم السلام) وليست مستندة إلى الله تبارك وتعالى- أو أي كتاب من الكتب السماويّة، فهذه الكتب وإن كان فيها تحريف ولكن ليست كلّها محرّفة، فبعض المعارف الموجودة فيها تنسب وتسند لله (سبحانه وتعالى) ولأنبيائه (عليهم السلام)، فلا نجوّز لأيّ مسلم أن يُهين هذه الكتب، فالكتب السماويّة يجب أن تكون مورد احترام لكلّ البشر ولكلّ أهل الديانات.

 هل هناك من كلمة أخيرة تقدمونها سماحة الشيخ؟  الكلمة الأخيرة هي أنّني أدعو طلبة العلوم الدينيّة أن يجعلوا في برنامجهم مسألة الاهتمام بالقرآن، وإذا وجد هذا الاهتمام بمستوى معيّن فعليهم أن يزيدوا هذا الاهتمام، أدعوهم أن يهتموا بالقرآن بقدر ما يريده الله (سبحانه وتعالى) في الاهتمام بهذا الأمر، ويكون الاهتمام بنفس الكيفيّة التي يريدها الله (سبحانه وتعالى)، فلا أريدهم أن يهتموا بالقرآن فقط على مستوى المقامات أو التجويد، أو على مستوى الوجوه الإعرابيّة، أو على المستوى التاريخي، أريدهم أن يهتموا ويعتنوا بالقرآن كما يريد الله (سبحانه وتعالى)، والله (سبحانه وتعالى) يريد من القرآن أن يكون دستوراً للنّاس، فدائماً إذا أراد الإنسان أن يعتقد بشيء فعليه أن يقتدي بالقرآن في اعتقاده، وإذا أراد أن يعمل شيئاً أيضاً يقتدي بالقرآن في مجال عمله، هذا هو الاهتمام الإيجابي الذي يريده الله (سبحانه وتعالى)، وعلى الإنسان ألا يصبر إلى أن ينتهي من الكتاب الفلاني والكتاب الفلاني ثمّ يعتني بالقرآن بعد انتهائه، القرآن حتّى تهتم وتعتني به ليس متوقفاً على مستوىً من المستويات؛ لأنّ الاستفادة من القرآن لها مستويات، فبعض المستويات يستطيع الإنسان بما أنّ لسانه لسانٌ عربي أن يهتم بالقرآن من خلالها حتّى في بداية دراسته الحوزويّة، فمثلاً طالب العلم أوّل ما يذهب للحوزة العلميّة يحاول أن يقرّر له يوميّاً صفحة من القرآن الكريم، فيحاول أن يقرأها ويطّلع فقط على معاني مفرداتها، فيهتم بالقرآن بهذا المستوى، فيكون في خلال سنة واحدة ختم القرآن وهو مطّلع على كلّ مفرادته، فلا يحتاج بعد ذلك أن يرجع للمنجد أو القاموس حتّى يعرف هذه المفردة، فطالب العلم في بداية دراسته الحوزويّة يستطيع أن يُحقّق هذا المستوى من الاهتمام، فإذا انتهى من هذا الشيء في أوّل سنة يجعل له اهتماماً بمستوى آخر في السنة الثانية كأن يقرأ هذه الصفحة ويطرح نفسه على هذه الصفحة ويلاحظ أنّ الله (سبحانه وتعالى) ماذا يريد منّي في مجال الاعتقاد وفي مجال العمل بلحاظ هذه الصفحة، وهكذا ينهي القرآن، ثمّ في السنة الثالثة ينتقل أيضاً إلى مستوى آخر، وهكذا، فلا يؤجل الأمر إلى أن ينهي كتاب الأجروميّة وكتاب القطر وكتاب المغني ثمّ يبدأ في القرآن، بل يبدأ في القرآن من المرحلة الأولى.

المصادر والهوامش

  • (1) أحد أساتذة الحوزة العلمية في البحرين.
  • (2) الكافي، ج2، ص609.
  • (3) سورة يوسف:2.

مقالات ذات صلة

أضف تعليق

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى