العقل والتربية مع العلم

 تـمـهـيـد بسم الله الرحمن الرحيم، الحَمدُ لِلهِ الّذِي عَلّمَ بِالقَـلم، عَـلّمَ الإنسَانَ مَا لَم يَعـلَم، وصَلَّى اللهُ عَلَى حَبيبِه وعَبدِهِ ونَبيِّهِ مُحَمَّدٍ، أفضَل مَن عُلّم، وعَلَى آلِهِ وأصحَابِه المُتَأدّبينَ بِآدَابه وسَلّم.

 لا يخفى على كل ذي وجدان أنَّ الإنسان بحسب فطرته الأصيلة وجبلّته الذاتية يعشق الكمال التامَّ المطلق، ويتوجـه قلبه شطر الجميل على الإطلاق والكامل من جميع الوجوه.

 وهذا من فطرة الناس التي فُطروا عليها، وبهذا الحب للكمال تتوفر إرادة الملك والملكوت، وتتحقق أسباب وصول عشّاق الجمال المطلق إلى معشوقهم.

فإنَّ كمال الإنسان إنما هو بالعلم، الذي يضاهي به ملائكة السماء، ويستحقُّ به رفيع الدرجات في العقبى مع جميل الثناء في الدنيا، ويفضُل مدادُه على دماء الشهداء، وتضع الملائكةُ أجنحتها تحت رجليه إذا مشى، ويستغفر له الطير في الهواء والحيتان في الماء، وتفضُل نومة ليلةٍ من لياليه على عبادة العابد سبعين سنةً، وكفى بذلك جلالة وعِظَماً.

 الإسلام دين يبدأ بالتوحيد، والتوحيد قضية عقلية لا يجوز فيها التقليد والتسليم التعبدي، بل لا بدَّ فيها من التعقُّل والاستدلال.

 ولو كان الإسلام قد ابتدأ بالثنائية أو التثليث لما استطاع إطلاق الحرية في هذا البحث، وما كان له إلا أن يعلن عنه كمنطقة محرّمة ممنوعة.

 ولكنه إذ بدأ بالتوحيد، فقد أعلنه منطقة مفتوحة، بل واجبة الارتياد، ومدخل المنطقة -في نظر القرآن- هو الكائنات برمتها، وبطاقة الدخول هي العلم والتعلّم، ووسيلة التنقل في هذه المنطقة هي قوة الفكر والاستدلال المنطقي.

 وبهذه البطاقة والوسيلة يتفاضل النَّاس في الحياة، لا بالأموال والأصول وغيرها من الأمور، فعن الإمام علي (عليه السلام): «يتفاضل الناس بالعلوم والعقول، لا بالأموال والأصول»(1).

 وعلى هذا الأساس نجد الناس مذاهب في سعيهم لتحصيل العلم والمعارف، وكلٌ له فكره وعقله واستدلاله، ولكن ليس السعي كالهمج الرعاء، بل السعي برجاء الوصول إلى الحقيقة الحقّة، والأمر الواقعي عند الله

ليزداد قربهم من خالقهم بهذه البطاقة والوسيلة الموصلة.

 وبالنظر لنفس العلم مجرداً عن الحيثيات المتعلقة به فهو أمرٌ يُعدّ السعي لتحصيله فضيلة، والساعي في دربه محفوفٌ بالبصيرة، وملازمٌ للنور، وماشٍ على أجنحة الملائكة لعظم ما يقوم به طالب العلم.

 أيضاً مع غض النظر عن نوع العلم وكيفية تحصيله فإن ّالعلم بحدّ ذاته دليل وحجاب من الآفات، والعلم مصباح لعقل الإنسان يسترشد به الطريق ويقتحم به الجهل وينير به ظلام البصيرة.

 كما أنّ بني البشر كلٌ له أنيس فإنّ طالب العلم منهم يستأنس بالعلم ويستمتع بهذا الكنز الرفيع عن كل اللَّذات والراحة لما يستشعر طالبه من تعالٍ في المعنويات ورقيٍّ في الدرجات كما قال الله (عزّ وجلّ) في محكم كتابه وجليل خطابه: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (2).

 وعليه فإذا أدرك الإنسان قيمة العلم ومنزلته من بين كل الفضائل قدّمه عليها كلِّها وجعل من وقته نصيب الأسد لتحصيل العلوم والمعارف النافعة له والهادية لكل خير في الدنيا والآخرة.

 والعلم ضروب شتّى، والعارف نفسه ومصلحتها يسعى لاكتساب النافع واجتناب العلم الفاسد الذي يوقع الطالب في البلاء ويحيطه بالمشاكل ويشعره بالهوان أكثر من أن يرفعه إلى الدرجات العليا ويقربه من رضا الخالق الله. لم يفتح الإنسان عينيه على هذه الدنيا إلا وله تكليفٌ يجهد لأدائه على أفضل وجه بالكمال والتمام، حيث وُجِد هذا المخلوق ليمتثل لخالقه ويخضع لأوامره لأن الخالق أدرى بشؤون المخلوقين وأعلم بصلاح أمرهم كله، فأَمَرَ اللهُ الخالقُ (عزّ وجلّ) الإنسَ والجنَّ بالعبادة وجعلها هدف الخِلقة وعليها فليتنافس المتنافسون ويسعى الكلُّ لتحصيل الرُّتَب وإخلاص النيات وشحذ الهمم لعبادةٍ قوامها التوحيد، ومزيَّتها أنّها تقوم من ألفها إلى يائها بأعلى نية خالصة لوجهه  (عزّ وجلّ).

ولا يتبادر إلى ذهن أحد أنّ العبادة لأجل العبادة فقط، بل الأمر أكبر من هذا، فإن الله جعل من التعبّد غاية؛ ألا وهي معرفته، فهذه العبادات التي يأتي بها العباد هي الطريق ليعلو شأن المرء في الحياة إذا ما أوصلته للكمال ومنه إلى معرفة الله. والمعرفة تحتاج إلى دليل يأخذ به سالك الطريق ليجد الثمرة وليكون في الجادّة المستقيمة، والعلم خير دليل، يقول الإمام علي (عليه السلام): «ثمرة العلم معرفة الله»(3)، وعنه  (عليه السلام): «العلم نعم دليل»(4).

 الإنسان مجبولٌ بفطرته الطاهرة الصافية من الشوائب والأدناس على أن يبعد عن نفسه الضرر، وبما أنّ العلم منه الصالح ومنه الطالح فلا بدَّ من تمييز الزَّيْن منه عن الشَّيْن لتصفية النافع من الفاسد.

 فهذا بديهيّ ومعروف لدى النَّاس أن ليس كل ما يقال ويكتب صحيحٌ، فطالب العلم يجب عليه أن يتفحَّص ويقيس ويجعل الموازين الفكرية والمنطقيّة في إطار المنظومة الإسلامية الشاملة، وهذا لا يقوم إلا بالعقل السليم.

 إضافة إلى العقل السليم الذي يتمُّ من خلاله انتقاء الأصلح من بين العلوم، فهناك ثمة شيء لا بدّ وأن يكون مؤطِراً لطالب العلم ومتوجاً لشخصيته المراد بناؤها وتربيتها وفق الدين الإسلامي المحمدي الأصيل، ألا وهو التربية، وللتربية عوامل يأخذ بها السالك ليصل إلى برّ الأمان، الأمان من الانزلاق والتهاوي في مزالق الآفات الأخلاقية والسلوكيات المذمومة.

 وعليه فلا بدّ من تقوّم العلم بأمرين مهمين جداً ألا وهما العقل والتربية، إذ بهما يكون السير أقرب للحقيقة وأنقى للسريرة، وبهما يضمن الطالب صواب جادته من خطئها.

 وهذان الأمران كلّ واحد منهما له مباحث مطوّلة وروايات كثيرة وردت في مجاميع الأحاديث والروايات، وليس بقليل هم الذين تطرقوا لبحث العقل والتربية، وليس بشحّة هم الذين سبروا هذا الطريق بين حيثيات هذين الأمرين من أصول وفروع.

 فما كان هذا البحث إلا تقصٍ لبعض ما كُتب في هذا المجال، ولعل أروع ما كُتب، هي كتابات الشهيد السعيد الشيخ مرتضى مطهري (رحمه الله)، وهذا معاين بالعين المجردة أنَّ كتاباته لها قوة وأسلوب في الإقناع، ولها ما لها من منطق وأساس يقوم على فكر محمدي أصيل محاطٍ بالإخلاص لخدمة الدين الأكمل والأكثر شمولاً، دين محمد (صلّى الله عليه وآله).

 البحث يقوم بالتعرض لعنوانَين رئيسَين مع بيان المتعلق بهما: العنوان الأول: ترشيد عقل الإنسان. العنوان الثاني: عوامل التربية الصحيحة.

1- تـرشـيـد عـقـل الإنـسـان البحث في التعليم والتربية هو بحث في كيفيّة بناء شخصية الإنسان.

فإنّ الدين الذي يرسم للإنسان أهدافاً مشخّصة ومقرّرات شاملة في جميع الجوانب، لا يمكن أن يُعدم أسلوباً وطريقة للتعليم والتربية والتعقّل.

 مسألة العلم هي التعليم لا التربية ولا التعقّل، فالمتعلّم هو الشخص المستلم للعلوم فقط، فيكون ذهنه بمثابة مخزن يجمع فيه سلسلة من المعلومات، ولكن التربية والتعقل لا يكفي فيهما هذا الهدف فقط، وليس من الصحيح في هذا الزمان أن يكون هدف المعلِّم حشو ذهن التلميذ بسلسلة من المعلومات والمعارف والاصطلاحات فقط، فيكون ذهنه كالحوض الذي يجمع مقداراً من الماء، إذ لا بدّ أن يكون هدف المعلّم أسمى من هذا، وهو أن يربّي فيه القوة الفكرية، ويحيي فيه قوة الابتكار، فعمل المعلّم في الواقع هو إعطاء جذوة للطالب، فهناك فرقٌ بين التنّور الذي تصله النار من الخارج حتى يحمرّ، والتنّور الذي تجمع فيه الحطب وتأتي بجذوة من الخارج وتضعها تحته حتى يشتعل هو لوحده تدريجياً.

 الإمام الكاظم (عليه السلام) يقول في الرواية: «يا هشام، العقل مع العلم»(5) أي أنّ العقل والعلم توأمان، فالعلم بمنزلة تحصيل المواد الأولية، والعقل والتفكّر هو الاستنتاج، والتحليل والتمييز.

 وبعبارة أخرى هو وجوب أن يتلازم العقل مع العلم، فلو أنّ الإنسان كان يفكّر كثيراً، ولكن معلوماته قليلة، فمثله مثل المصنع الذي يفتقد المادة الخام، أو أن مواده الأوليّة قليلة، وبالتالي يكون محصوله قليلاً، لأن المنتجات الصناعية مرتبطة بالمواد الخام، ولو كانت المواد الأولية كثيرة ولكن المصنع متوقف عن العمل فسوف لا ينتج أيضاً.

 يجب أن يكون العقل غربالاً من الواضح أنّ أُذُني السامع لا تقتصر على سماع واستماع سليم الكلام وصحيح الحديث حتى لا نألو جهداً وعملاً في غربلة ما يُقال، بل الأمر مغايرٌ لذلك، فممّا نستمع إليه حسنٌ ومنه ما هو خلاف ذلك.

 قال الله تعالى: {… فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} (6). هذه الآية تبشّر العباد على استماعهم للقول، ولكن ليس كل استماع، وليس التصديق والأخذ بكل ما سمعوه والعمل به، بل لا بدّ من أخذ أحسنه، فيتّضح وجود حثّ على غربلة الكلام وتمحيصه وترجيح بعضه على الآخر، ثم الأخذ بالأحسن والأفضل وإتّباعه، ثم هؤلاء هم الذين هداهم الله، يعني أنّ الهداية الإلهية هي الاستفادة من قوة العقل.

 من هذه الآية يتضح أنّ إحدى الصفات البارزة في الإنسان هي القدرة على تمييز الكلام الكاذب من الصادق، والضعيف من القوي، والكلام المنطقي من غير المنطقي، والنتيجة أنّه يقوم بعملية غربلة، وهنا يكون للإنسان عقلاً، أي أنَّه يمتحن كل ما يرِد إليه فيطرح الضارّ ويحتفظ بالنافع ويرمي بالطالح ويعقل الصالح.

 نقد الكلام من يطلب الحقيقة لا يغفل عن نقد الكلام، أي تحليل الكلام، وهو يعني تمييز العناصر السليمة من غير السليمة، وفرق بين الإنسان الذي يسمع كلامين فيأخذ بالصحيح ويطرح السقيم، وبين تحليل الكلام الواحد إلى عناصر صحيحة وعناصر غير صحيحة فيطرحها ويأخذ بالصحيح، يعني أن يكون الإنسان ذا قدرة على تشخيص الكلام الواحد ويقول هذا القسم صحيح وهذا القسم خطأ.

 ورد عن المسيح (عليه السلام) أنه قال: «خذ الحق من أهل الباطل، ولا تأخذ الباطل من أهل الحق وكونوا نقّاد الكلام»(7). أي لا تلتفت إلى المتكلم، بل عليك أن تفكّر في نفس الكلام، فعندما تسمع الحقَّ من أهل الباطل فخذه، وعندما تسمع الباطل من أهل الحقَّ فلا تأخذه.

النظر إلى العاقبة مسألة النظر إلى العاقبة أمرٌ يجب تفعيله، فيجب على العقل أن يُعمِل حسابه للمستقبل، ويتدبر في عواقب الأمور، وقد ورد التأكيد على هذه المسألة في التربية الإسلامية، فهي تدعوك إلى أن لا تحصر نفسك في زمان الحال، بل انظر إلى المستقبل والعواقب والنتائج النهائية في أعمالك.

 ومن ضمن الشواهد التي تؤيد هذا المعنى الوصية المعروفة للرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) للشخص الذي جاءه طالباً موعظته، حيث قال له مكرراً كلامه ثلاثاً: «إذا أنت هممت بأمرٍ فتدبر عاقبته»(8).

تحرير العقل من العادات الاجتماعية العقل نور وبصيرة ولكنه قد يكون مقيَّداً بحكومة المحيط ومأسوراً بالعرف والعادة، وما يصطلح عليه اليوم من نفوذ العادات الاجتماعية وإيحاءات البيئة والتقاليد.

 القرآن الكريم يذمّ الذين وقعوا أسرى التقليد للآباء والأجداد ولم يستخدموا عقولهم وأفكارهم ليحرّروا أنفسهم من هذه التقاليد، وهدف القرآن من هذا الذمّ هو التربية، يعني يريد أن يوقظ الأفراد بأن يكون معيار ومقياس الإنسان هو تشخيص العقل والفكر لا اتّباع الآباء في أعمالهم وأقوالهم، قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} (9).

 عدم اتّباع الأكثرية موهوم من يعتقد بصحة مذهب الأكثرية في كل الأحوال، بل اتّباع الكثرة قد ذمّها الله فقال: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ} (10). لا ينبغي للعاقل أن تسيطر عليه حكومة العدد فالأكثرية ليست هي الملاك، ولا ينبغي للإنسان أن يسلك الطريق الذي سلكه أكثر الناس ويقول بما أنّ هذا الطريق سلكه أكثر الناس، فإذن فهو الصحيح، فهذا تقليدٌ، فكما أن الإنسان بطبيعته منجذب نحو تقليد الآخرين، فكذلك منجذب إلى تقليد الأكثريّة.

هذا هو المراد من كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلّة أهله»(11). فلو كان أمامك طريقان ووجدت أكثر النَّاس يسيرون في أحدهما زرافاتٍ زرافات، بينما الطريق الآخر لا تجد فيه إلا القليل من الناس، فأحياناً يستوحش الإنسان من ذلك ويقول: لابدّ أن نسلك طريق الأكثريّة وما يجري عليهم يجري علينا أيضاً، بينما الإمام (عليه السلام) يقول: بألا نستوحش طريق الحق إذا ما رأينا عدد سالكيه قلّة.

 التأثر بحكم الآخرين من الأمراض الشائعة التي يُبتلى بها أغلب الناس هو التأثر بحكم الآخرين، فلا ينبغي أن يكون حكم الناس هو الملاك بلا تعقل وتبصّر في الأمور، والأمر يصبح أكثر تعقيداً إذا ما كان مرتبطاً بالشخص نفسه، فلا ينبغي أن يكون ضحيّة تشخيص الآخرين وحكمهم بالنسبة للقضايا المختصة بنفس الإنسان.

الإنسان أدرى بحاله من كل أحد، وهو الذي له القدرة على أخذ القرار النهائي المرتبط به لعلمه بصلاح نفسه وأمره.

 2- عوامل التربية الصحيحة التربية بشكل عام تختلف عن الصناعة بفارقٍ أساسي وهو أن الصناعة عبارة عن جعل الشيء أو الأشياء خاضعة لما يريده الإنسان منها، فيجعل بين الأشياء وبين القوى التي تحكمها رابطة معيّنة، فيقطع أو يوصل، أو يركب الصورة المطلوبة للإنسان ومن ثم يكون ذلك الشيء مصنوعاً للإنسان، كما يصنع من الذهب خاتماً أو قلادة ذهبية، فيعطي الصورة المطلوبة لهذا المعدن ويجعلها بوضع مخصوص.

 ولكنّ التربية عبارة عن إحياء القابليّات الباطنية الموجودة بالقوّة في الشيء وإخراجها إلى الفعليّة، لهذا لا تكون التربية إلا في موارد (الأحياء) يعني النبات والحيوان والإنسان، فهذا النوع من التربية بمعنى تفتّح القابليات الباطنيّة والفطرية الموجودة، ولا تكون إلا في الموجودات الحيّة.

 ومن هنا تعلم أن التربية لا بدّ وأن تكون تابعة للفطرة، أي أنّها لا بدّ أن تتبع طبيعة الشيء وفطرته، فلو أريد إحياء القابلية في شيء يجب السعي إلى إظهار وإحياء تلك الاستعدادات والقابليات الكامنة فيه، فلو لم تكن لديه القابلية على شيء معيّن، فلا يمكن تربيته على أمر غير موجود فيه من الأساس.

 وسنتعرض الآن بشكل مختصر لعوامل التربية الصحيحة وكسب الأخلاق السليمة التي وقعت مورد اهتمام الإسلام.

 تقوية الإرادة يُوجد فرقٌ بين الإرادة، وبين الميول والرغبات، الإرادة هي قوة وقدرة أخرى في الإنسان، مرتبطة بعقل الإنسان، بخلاف الميل والرغبة التي ترتبط بالطبيعة المادية للإنسان، الميل هو نوع من الجاذبية إلى الأشياء التي يحتاجها الإنسان، وكلّما يزداد الميل شدّة فإن اختيار الإنسان يقلّ، يعني أنَّ الإنسان يقع تحت سيطرة قدرة أخرى خارجة عن ذاته، بعكس الإرادة التي هي قوة باطنية، والإنسان يمكنه أن يستقلّ عن تأثير الضغوط والقوى الخارجية بإرادته كلما كانت الإرادة قوية.

سلطة الميول الغريزية على الإنسان تؤثر على إرادته واختياره، فعقل الإنسان يريد، وميوله وغرائزه تريد، فينشأ الصراع في أخذ القرار، ففي هذه الحالة لا بدّ من ضمانات تنفيذية لهذا الأمر، والإرادة هي القوة التنفيذية للعقل، والعقل والإرادة لا بدّ وأن يحكما وجود الإنسان، وتخضع الغرائز لحكومة العقل، ولكن ما الذي يضمن تنفيذ حكومة العقل والإرادة على الميول؟ إذن فما لم يوجد شيء يدفع الإنسان إلى ما وراء مصالحه الشخصية، ويتجاوز منافعه، فإنَّ العقل والإرادة لا يستطيعان صنع شيء، وذلك الشيء هو (الإيمان) الذي يستطيع أن يحدّ من مطامع الإنسان المادية إلى حدٍ كبير، وكذلك يؤمّن له الأغراض والميول الاجتماعية وغير الأنانية، فهو يخلق في الإنسان الهدف المطلوب، ثمَّ يأتي دور العقل ويحرّك الإنسان نحو ذلك المطلوب.

 العبادة للروح الإنسانية أبعادٌ أو غرائز مختلفة، منها بُعْدُ البحثِ عن الحقيقة لأجل الحقيقة، ومنها البعد الأخلاقي والمراد منه هو العاطفة الإنسانيّة والشعور بالمحبّة للآخرين.

 وأنّه يعتقد بأصالة هذه العاطفة. والبعد الآخر هو العبادة، أي بمعنى أصالة الشعور الديني. فإذا ما أريد من التربية أن تكون تامّة ومتكاملة، فيجب تقوية هذا الحسّ الإنساني.

 فالإنسان المتكامل أو المشرف على التكامل لا يمكن تعطيل هذا الجانب من وجوده. ممَّا لا شك فيه أنَّ النظر إلى العبادة على أنها مجرد معاملة بين خالق ومخلوق تستوجب للعابد الجنة أو الفرار من النار، هذه النظرة القاصرة لا تؤثر في التربية لأن الملحوظ فيها المصلحة الشخصية -وإن كانت حسنة بشكل عام-، بل يجب أن ينظر إلى العبادة على أنها أكبر وأرقى من أن تكون مجرد وسيلة وصول، فلا عبادة الطمع أكمل ولا عبادة الخوف أسمى، إنَّ العبادة التي لها الحظ الأوفر في التربية هي تلك القائمة على مبدأ الحب واستشعار لذة الوصال مع المحبوب، وهي عبادة الأحرار.

ونحن نعلم أن العبادة في نظر الإسلام لها درجات ومراتب، وإحدى مراتبها هي العبادة طمعاً في الجنّة، ومرتبة أخرى العبادة خوفاً من جهنَّم، وأعلى من ذلك العبادة لا للجنة ولا للنار، والعبارة المعروفة في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللَّهَ رَغْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ التُّجَّارِ، وإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللَّهَ رَهْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْعَبِيدِ وإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللَّهَ شُكْراً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الأَحْرَارِ»(12).

 والنتيجة أنّ الإنسان إذا ما أراد تربية نفسه أو أبنائه أو الآخرين تربية إسلامية فلا بدّ من الاهتمام بمسألة الدعاء والعبادة والمناجاة، وأساساً فإن مسألة العبادة -بغضّ النظر عن تقويتها للجانب الأصيل والفطري في الفرد- تؤثر تأثيراً كبيراً على سائر نواحي الإنسان. المحبة إنَّ من جملة الأمور في التعليم والتربية في الإسلام عنصر (المحبة)، وطبعاً يقابل المحبة الحقد والكراهية، وأثر المحبة هو الإحسان والعطف، وأثر الحقد هو الخشونة، ومن كمال الدين الإسلامي أنه دعا للمحبة والعداء معاً ولكن كلٌ في مكانه، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «أحبب لغيرك ما تحبّ لنفسك وأكره له ما تكره لنفسك».

 المحبة نوعان، أوّلهما المحبّة المنطقية والعقلية المساوية للمصلحة، والمقصود ما فيه الخير والسعادة واقعاً، فكما أنّك تريد الخير والسعادة لنفسك دائماً، فينبغي عليك أن تريد الخير والسعادة لسائر الناس، فليس من الصحيح أن نحب ما لغيرنا مثل ما لأنفسنا بشكل عام وفضفاض، بل يجب أن يكون مورد المحبة مورد مصلحة للغير لا عموم المحبة المماثلة.

 والنوع الآخر للمحبة هو المحبّة الموافقة للمصلحة والشاملة لزمان الحال والمستقبل أيضاً، فتلك المحبّة الواقعيّة والإحسان الواقعيّ. تارةً يُنظر للمحبة بمنظار الفرد، وأخرى بمنظار المجتمع، وكلاهما له مصلحة خاصة، وفي نفس الوقت تجمعهما مصلحة عامة، أي بمعنى آخر هناك موارد توافق وموارد تقاطع بالنسبة لمحبّة الفرد والمجتمع، فلا بدّ من النظر إلى مصلحة المجموع أيضاً، ولا ينكر أحدٌ أنَّ هناك أوقاتٌ لا بدّ فيها من التضحية للمجتمع على حساب الفرد، لأنَّ الفرد يبقى عنصراً واحداً والمجتمع يمثل كيان الأمة الأكبر، وخير مثال على ذلك هو فلسفة القصاص، فعلى الرغم من أنَّ القصاص يجيز لنا إعدام القاتل عمداً للنفس البريئة، ولكنه لا يُعدّ كراهية وحقداً بل اعتبره القرآن حياة؛ لما فيه من حفظ مصلحة المجتمع وحياة أفراده، قال الله (عزّ وجلّ): {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(13).

 وأمَّا هذا الذي يُنادى به في العالم وفي العصر الحديث من (حب الإنسانية)، فهو أمر ذو بعدين، أي يكون الحبُّ مرةً للإنسان على أنَّه إنسان؛ أي حيوانٌ ذو رأس وأذنين ومستقيم القامة ومتكلّم، وأخرى يكون الحب على أساس القيم الإنسانية.

 الأول ليس مطلوبا بلا أدنى إشكال، فالنظر له على أنّه حيوان أي قد يصدر منه ما يترجم حيوانيته من ظلم وجور وفواحش لا يستوجب الحب.

 وأمَّا الإنسان بلحاظ القيم فهنا مورد الحبّ والمحبّة، لأنَّه يحكّم القيم والأخلاق الحسنة في حياته ويوظفها خير توظيف، توظيفاً يخدم بني البشر ويرقى بهم لمعرفة خالقهم ودينهم الحق ليتكاملوا ويقطعوا المسافات لنيل القرب.

تقوية شعور البحث عن الحقيقة الحقيقة ظمأ العطاشى ومقصد الطلاب، والبحث عن الحقيقة بل تقويته صار من عوامل التربية، فيقول الباحثون: إنَّ في كلّ إنسان غريزة البحث عن الحقيقة، لذلك يطلب الإنسان العلم.

 والمجاهدة في طلب العلم بعيداً عن قصد الحقيقة والأمور الحقّة الواقعية هو ضياع وقتٍ وعمرٍ على السواء، فيجب على الطالب أن ينوي السلوك في تحصيل العلم لينال الحقيقة وليس أيّ أمرٍ آخر من شهرة ومكانة ومنصب وجاه وما شابهها.

ولعله من أهمّ عقبات طريق العلم هو التعصّب، ونحن نعلم أنَّ الإسلام حارب التعصّب والعصبية بشدّة. فالتربية لها دخلٌ في البحث عن الحقيقة لأنها تؤدِّبُ السالك على السير لطلب ما هو حقٌ، والحقُ فضيلةٌ وطالب الفضيلة كأنَّما يطلب تربيةً، فالنتيجة أنَّ الطالب يتربّى على هذا الخُلُق القويم، فيغدو همّه الحقيقة والبصيرة.

المراقبة والمحاسبة معروفٌ بأنّ مسألة المراقبة والمحاسبة أكّد عليها علماء الأخلاق والعرفاء بشكل خاصّ. والقرآن عبّر عنها (بالنظر إلى ما قدّمت النفس) حيث قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}(14). ويستوحي علماء الأخلاق الإسلاميّون من هذه الآية أنّ أمَّ المسائل الأخلاقية هي المراقبة، وتعني أنّه لا بد من الاحتراس والاحتراز في أي معاملة وعمل، والإنسان مطلوبٌ منه المراقبة باستمرار.

وهناك أمرٌ يُضافُ على المراقبة وهو (المحاسبة)، أي بعد تحصيل العمل والثمرة بالمراقبة تأتي المحاسبة، بمعنى إعمال حساب لما أقدم عليه الإنسان من أعمال، فيكون الثواب والاستمرار في حسن العمل، والعقاب والجزاء في قبيح العمل.

والمحاسبة مسألة وردت في التعاليم الإسلامية فنحن نرى قوله (عليه السلام): «حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا وزِنُوهَا قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا»(15)، هذه العبارة تأمر الناس أن يحاسبوا أنفسهم في الدنيا قبل الحساب يوم القيامة، فهناك سوف يضعون كل فرد في الميزان، فمن الآن على الإنسان أن يزن أعماله ويعرف أنّها خفيفة أو ثقيلة.

 وحتى يكون الأمر كاملاً تأتي المشارطة قبل المراقبة، وذلك بأن يتعهد الإنسان بعمل شيء أو بتجنبه، فيشرع في تنفيذ ما شرطه على نفسه مقروناً بالمراقبة والمعاينة، وعليه أن يعرف مدى صدقه ومدى التزامه بما اشترطه، وهكذا تدوم المراقبة لأيام وأسابيع مثلاً، ومن ثمّ ينتقل الإنسان لمرحلة أخرى من هذه العملية.

 ويأتي دور المحاسبة، أي أن يأتي بأعماله وينظر إلى صغيرها وكبيرها ويحاسب نفسه، فإذا ما أجاد الأمر خير إجادة وأتى بكلّ ما اشترطه على نفسه بالتمام والكمال فهنا يشكر الله ويستمرّ لما هو أعلى من ذلك، وأمّا إذا كان هناك تقصيرٌ وكسلٌ فيعاتب نفسه ويحاسبها، ولكن لا سمح الله إذا خالف عمله وقوله وتعهده، بل لم يفِ بالتزامه على الإطلاق، فهنا يأتي دور المعاقبة، بأن يُنزل العقاب على نفسه، والعقاب درجات؛ فلكل تخلّفٍ وتقصيرٍ درجة معينة مثلاً وهكذا دواليك، إلى أن يستتبّ الأمر ويجد نفسه تسير باستقرار نحو الكمال صاعداً سلالم الرقي والعلا بثباتٍ وصمودٍ راسخَين.

 التفكّر الأمر الآخر الذي له جنبة تربوية أيضاً وهو واردٌ بكثرة في التعاليم الإسلامية هو (التفكّر)، والتفكّر أحد أنواع العبادة، إذا ما قلنا بأن العبادة ثلاثة أنواع، أولها العبادة البدنية مثل الصلاة والصوم، وثانيها العبادة المالية مثل الزكاة والخمس والصدقات بشكل عام، والنوع الأخير هو العبادة الفكرية -وهي العبادة الروحية- وهي أفضل العبادات «تفكّر ساعة خير من عبادة سنة أو ستين سنة أو سبعين سنة»(16)، فلهذا تظهر قيمة التفكّر وأنها أفضل من العبادات البدنية، ولا ينبغي إساءة الفهم وتوهّم أن المقصود هو ترك العبادات والالتزام بهذه العبادة -التفكّر- فقط، كلاّ، فكل واحدة منها ضرورية، ولكنّ الغرض هو بيان أهمية هذا الأمر.

ومن موارد التفكر هو عالم الخلقة، التاريخ، نفس الإنسان وغيرها، والقرآن الكريم أشاد بموارد التفكر هذه بآيات دالّة على ذلك.

والتفكّر في عالم الخلقة هو لمعرفة الله (عزّ وجلّ)، فهو في الواقع اكتشاف ما في العالم لمعرفة الله، قال الله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}(17)، ولا شك أنّ الإنسان لو تأمل بدقّة في عالم المخلوقات والنُظم الموجودة في المخلوقات وكان هدفه من التأمّل واكتشاف أسرار العالم هو الوصول إلى الحقيقة ومعرفة الله أكثر، فهذا في الواقع علمٌ وفي نفس الوقت عبادة، فهو تفكّر علمي وعبادي.

 المورد الآخر للتفكّر العبادي، هو تفكّر الشخص في نفسه، يعني أن تكون النفس موضوعاً لتفكّر الإنسان، وهو على قسمين: تارة يكون التفكّير في نفس الإنسان، وأخرى في أعماله وكيف يصمّم على بعض الأمور وكيف يعمل بشكل لا يسير مع تيار الحوادث الاجتماعية بشكل أعمى.

 والتفكّير شرط أساسي للتسلّط على النفس والمجتمع فينبغي أن لا يستسلم أمام التحدّيات التي يفرضها الواقع الاجتماعي.

وهذا التفكّر الأخلاقي نظير محاسبة النفس، يعني أن الإنسان يجب أن يجعل له في اليوم والليلة فرصة للتفكّر وينقطع عن جميع الأشياء ويهتمّ بإصلاح باطنه، فيتأمّل في أوضاعه وحالاته الشخصيّة ويقيّم أعماله والأعمال التي ينبغي أن يقوم بها.

 ومسألة التفكّر يجب أن تكون عادة، لأنّه يمثل حقيقةً عامل تربية وإصلاح، فلا بدّ وأن يعتاد على التفكير في كلّ ما يريد أن يقوم به. معاشرة الصالحين ومحبة الأولياء دلّت روايات كثيرة على تأثير المجالسة سواء في جانبها الإيجابي أو السلبي، فالمجالسة مع الصالحين لها الأثر الإيجابي الكبير، وبعكس ذلك مجالسة الطالحين التي لها ما لها من الأثر السلبي الفاسد والمُفسد للنفس والروح.

 ولا إشكال في أنَّ الأثر ليس من الضروري أن يكون جليّاً وواضحاً، بل قد يكون كدبيب النمل في الليلة الظلماء، يعني أنَّ الإنسان لا يستطيع مهما حاول أن يضبط نفسه عن الوقوع تحت تأثير الطرف الآخر، فلا بدّ أن يخلّف ولو أثراً قليلاً، يقول النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله): «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ وقَرِينِهِ»(18)، والمقصود هو أنّ الشخص إذا أراد أن يتّخذ خليلاً فيجب أن يتّخذ من يُقبل دينه. وورد في نهج البلاغة قوله (عليه السلام): «مجالسة أهل الهوى منسأة للإيمان»(19)، أي أنَّ الشخص ينسى إيمانه بمعاشرة أهل الهوى، فإذا أخذناها (منسأة) بأنّها مصدر ميمي فتكون نسيان الإيمان، وإذا أخذناها أنّها اسم مكان، فيكون التعبير هو أن المعاشرة تكون مكاناً لنسيان الإيمان، أي أنّ الإنسان ينسى إيمانه من الأساس.

 فعلى هذا لا بدّ أن يختار الإنسان رفيقه الذي يعاشره، فإن المعاشرة الأخلاقية غير معاشرة المعلّم للمتعلّم، وغير معاشرة المربّي لمن يربّيه، فالمقصود هو اتّخاذ الأنيس، فكل شخص في الدنيا له رفيق وصديق يأنس به ويعاشره.

الأمر المهم في باب المعاشرة والذي له أثرٌ كبيرٌ جداً على شخصية الإنسان هو حالة الحبّ والتعلق بالطرف الآخر، فهو من أكبر العوامل وأعظمها أثراً في تغيير الإنسان، فإذا كان الحبّ في محلّه فإنَّ ذلك سوف يصلح الإنسان بشكل عجيب، فإذا اعتقد شخصٌ بأنَّ الطرف المقابل هو إنسان كامل ثمّ أحبّه وأحبّ أخلاقه ومعنوياته فإنّه سيخضع لتأثيره بصورة كبيرة، ولذلك نجد العرفاء يهتمّون اهتماماً بالغاً بالعثور على الشيخ والمريد.

 الزواج وأحد العوامل المهمّة في التربية والتي لا يمكن الاستعاضة عنها ببديل آخر، هو (الزواج) الذي جعله الإسلام أمراً مقدّساً وعبادة، مع أنّه من مقولة اللّذة والشهوة.

 فالزواج يُعتبر أوّل قدم يضعها الإنسان خارج الأنا الفردية والأنانيّة وحبّ الذات، فالإنسان يمرّ بمراحل، فقبل الزواج لم يكن سوى الأنا الفردية ويكون الهدف من كلّ عمل يقوم به الشخص هو لأناته وذاته فقط، وأوّل مرحلة لكسر هذا الحصار هو إيجاد أنا أخرى إلى جنب هذه الأنا الفردية والعمل لمصلحتهما معاً، وهو الزواج، ثمّ تتوسع الأنا الفردية السابقة في زاوية النسيان.

 فهناك مرتبة روحية ودرجة في التربية لا ينالها الإنسان إلا من باب الزواج وتكوين الأسرة، حتّى لو كان الشخص عارفاً، فيلسوفاً، حكيماً، قسيساً أو كاردينالاً فإنَّه يبقى هناك نقصٌ مفقودٌ ألا وهو الإحساس الذي يشعر به من له زوجة وأولاد ومسؤوليات منزلية.

الجهاد الجهاد أحد العوامل التي لا يقبل أن يقوم غيره مقامه، يعني لا يمكن أن يتساوى المؤمن المجاهد في روحيّته ومعنوياته مع المؤمن الذي لم ير ميدان القتال، الإنسان الذي تنتابه حالات بحيث إذا أصبح الموت أمام عينيه فإنه ولأجل ثبات إيمانه وقوّة عقيدته سوف يُلقي بنفسه على الموت من أجل دينه، والأثر الذي يخلِّفه هذا العامل في تربية النفس لا يمكن أن يُجبر بعاملٍ آخر.

 العمل لقد رفض الإسلام البطالة بشدّة، واعتبر العمل أمراً مقدّساً، وعندما يريد الدين أن يمنح قداسة خاصّة للشيء يذكره بهذه الصورة: إنّ الله يحبّ ذلك العمل، فمثلا ورد في الحديث الشريف: «إنّ الله يحبّ المؤمن المحترف»(20).

لا يقتصر النظر للعمل على أنّه فقط حاجة للمادّة والمال، بل العمل ضروري لجسم الإنسان على أساس أنّه كائن حيّ، وكذلك العمل لازم لقوة الخيال والعقل لدى الإنسان، بل للفكر والقلب والإحساسات والعواطف الموجودة في نفس الإنسان.

وفي الحديث عن العمل وتمركز قوّة الخيال نقول أنّ الخيال في الإنسان قوة، أي يفكّر ويعمل بخياله وذهنه، وتمركز الخيال هذا له الأثر الإيجابي على صرف الذهن عن الفساد وضبط النفس عن المنزلقات، يعني أنَّ الإنسان يحتاج إلى تمركز قوّة الخيال، لأن قوة الخيال في الإنسان إذا تحرّرت ولم تنضبط بضابطة، فسوف تفسد أخلاقه.

إنّ العمل مضافاً إلى أنه يُعتبر مانعاً من الفساد والوقوع في الذنب والخطيئة يكون أيضاً مانعاً من بروز الوساوس والخيالات الشيطانية، ولهذا يقال أنّه لا بدّ أن ينتخب الشخص العمل الذي له القابلية على القيام به، ويكون له علاقة وارتباط نفسي بذلك العمل، فلو لم يكن العمل متطابقاً للقابليّة ولم تكن هناك علاقة عاطفية مع العمل بأن يقوم الإنسان بذلك العمل من أجل تحصيل المال فقط، فلا يكون لهذا العمل أثرٌ تربويّ، ولعلّه يفسد الروح أيضاً.

 بعبارة أخرى وحتى لا يكون عمل العامل هباءً منثوراً، عليه أن ينتخب العمل الأكثر انسجاماً مع قابليّاته وشوقه وذوقه وجاذبيته وعشقه ليحصل الإنتاج والإبداع والابتكار نتيجة تلاقي الرغبة مع المرغوب ووقوع العشق في محلّه، ومعروفٌ أنَّ الإنسان أسير ما يحبّه ويعشقه ويجد نفسه فيه.

والأكثر من هذا أنَّ انتخاب العمل المنسجم امتحانٌ للذات، لأنّ أحد الأمور التي ينبغي للإنسان القيام بها قبل كل شيء هي أن يجرّب نفسه، فإنّه لا يعلم قبل التجربة ما هي قابليّاته وملكاته، فيكتشفها بالتجربة.

 إذن فالإنسان يكتشف نفسه بالعمل وهذا أفضل أنواع الاكتشافات، فعندما يكتشف العمل الذي يوافق سليقته وذوقه وقابليّاته فذلك يحدث في نفسه ذوق وعشق عجيب، فهنا يبتكر الإنسان وتحصل لديه حالة من النبوغ، فإنه يمكن إيجاد العمل بالمال ولكن لا يمكن إيجاد الفنّ والعظمة والابتكار بالمال.

 والأمر الآخر أنّ العمل يرشد إلى التفكير المنطقي، أي أنَّ الإنسان إذا ما كان رزقه وثروته يحصل عليهما بالراحة والبطالة والصدفة فإنَّ تفكيره لن يكون منطقياً، بخلاف من يكون غارقاً في عمله وداخلاً في ميدان العمل يكون فكره منطقياً، لأنَّ فكره مرتبط بالأمور الخارجية الطبيعية، أي توجد رابطة العلّة والمعلولية، ولمّا ارتبط الفكر بعالم الطبيعة وبالواقع الموجود أي تعلّق بحساب المنطق والقانون فالنتيجة أنّ الفكر يكون منطقياً بالنسبة للعامل.

 أمّا تأثير العمل على عواطف الإنسان، فالعمل داخلٌ في التأثير على إحساس الإنسان وعواطفه وهو المذكور في القرآن بعبارة (القلب) وهذا الأثر هو الرقّة والخشوع والنور في مقابل القسوة والظلمة.

 فمن جملة آثار العمل أنّه يزيد خضوع قلب الإنسان وخشوعه أو يمنع من قسوة القلب، وأمّا البطالة تزيد من قسوة القلب. وعلى أية حال فالعمل يؤدي إلى تربية الخيال وتربية العقل والفكر والقلب، وبشكل عام يؤدي إلى تربية الإنسان.

ونقطة أخيرة في باب العمل، ألا وهي علاقة العمل والإحساس بالشخصيّة، حيث أنَّ من فوائد العمل هو حفظ الشخصيّة والحيثيّة والاستقلال، لأنَّ الإنسان يتألّم حينما تتعرّض شخصيّته لضربة وإهانة وإراقة ماء وجه، فالعمل -وخصوصاً المصحوب بالابتكار- يؤدّي بالفرد إلى الشعور بعدم الحاجة إلى الآخرين، ومن ثمَّ الإحساس بالشخصية، يعني أنّه لا يحسّ بالحقارة في مقابل الآخرين.

 محـصّـلـة الـبـحـث بعد هذا السرد المُبيِّن للعقل وحيثيّاته، والتربية وعواملها، نقول: إنَّ العقل يرشد إلى كل فضيلة وبصيرة إذا ما تعاملنا معه على أنّه المرشد والموجّه بحيث يفكّر به الإنسان تفكيراً سليماً، ويختار طريقه عن وعي، ويتبّع الحقّ.

 وأيضاً نقول: إنَّ التربية الصحيحة تربّي العلم على السموّ الروحي والمعنوي ليكون الهدف منه هو طلب الحقيقة ذاتها، بل تأخذ بنفس الإنسان نحو الصفاء والإخلاص في طلب العلم.

 الـخـاتـمـة العلم لوحده نور وبصيرة للمجهولات والحقائق الغائبة، فهو يُحدث في النفس انتقالاً من جهلٍ بحقيقة إلى معرفتها، وبهذا يكون العلم دليلاً وسراجَ ظلمةٍ في عالم المجهولات.

 ويبقى العلم لو ترك لوحده -أي لم يؤخذ إلا العلم فقط، من دون عقل وتربية وتهذيب لما يُكتسب- مؤدياً لحصول الخلل في شخصية الإنسان الساعية لطلبه واكتسابه ونيله.

 والعقل والتربية لا بدّ أن تقارن وتصاحب العلم المراد منه السمو والرقي نحو الحق والحقيقة والبصيرة الواعية، لأنَّ تحصيل المعارف والعلوم لا تمرّ دون منافذ ومعابر عقلية وتربوية ليترشح ما هو محض الحق والواقع وهو المطلوب من العلم.

فإذا سلّمنا بلزوم العقل والتربية، جاء النظر فيما يتعلّق بالعقل من ترشيد وترجيح لما هو صحيح، وجاء النظر فيما يرتبط بالتربية من تهذيب وتشذيب للأخلاق والسلوك ليصدر ما هو متوافق ومتلائم مع طلب المعارف والعلوم.

 تم الكلام ببركة الصلاة على خير الأنام محمد وآل محمد، والحمد لله ربّ العالمين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المصادر والهوامش

  • (1) ميزان الحكمة، ص2732.
  • (2) المجادلة 11.
  • (3) ميزان الحكمة، ص2491.
  • (4) ميزان الحكمة، ص 2733.
  • (5) الكافي: ج1، ص5.
  • (6) الزمر 17-18.
  • (7) بحار الأنوار، 2/96.
  • (8) الكافي، ج8، ص150.
  • (9) سورة البقرة 170.
  • (10) سورة الأنعام  116.
  • (11) نهج البلاغة، خطبة 201.
  • (12) نهج البلاغة، قسم قصار الحكم، الحديث237، ص702.
  • (13) سورة البقرة 179.
  • (14) سورة الحشر 18.
  • (15) وسائل الشيعة، ج16، ص99.
  • (16) البحار، ج66، ص293.
  • (17) سورة آل عمران 90-91.
  • (18) الكافي، ج2، ص375.
  • (19) ميزان الحكمة، ج1، ص403.
  • (20) الكافي، ج5، ص113
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى