الشعائر الحسينية بين النص والمحذور

يقصد بالشعائر الحسينية مجموعة الممارسات والفعاليات الحسينية التي حثّ عليها أهل البيت^ بالنص الخاص أو النص العام, والتي أراد من ورائها أهل البيت ^ توظيف المظلومية الحسينية[1], ومأساة كربلاء لبناء وصيانة الدين المحمدي الأصيل وتنقيته من الشوائب التي لحقت به.

 فلا يخفى أنّ الشعائر المنسوبة إلى الإمام الحسين السبط الشهيد عليه أفضل الصلاة والسلام هي تلك الذكرى لنهضة الإمام الحسين (ع) ، النهضة التي كانت الضمان لبقاء الدين، ولحفظ الشريعة السماوية,‏ وكانت جنبة الإعلام والتبليغ لنهضة الحسين وبيان الأهداف منها[2].

ويقيم أتبـاع أهل الـبيت ومحبّوهم هذه الـشعائر قديماً قِدَمَ واقعة الطف الخالدة, فهي متأصّلة في النفوس أصالة المبادئ التي ثار الإمام من أجلها, وقد مرّت هذه الـشعائر بأطوار مختلفة جعلتها تخفّ تارة وتعلو أخرى، إلا إنّها بقيت برونقها التي اكتسبته من دماء سيّد الشهداء وأهل بيته وأصحابه عليهم صلوات الله.

 فبملاحظة الأهداف العظيمة التی خرج من أجلها الإمام الحسين في سبيل إحياء هذا الدين القويم, وتأسيس أركان الإصلاح في أمّة جده|, تجد أنّ لهذه الشعائر شموخاً ونقاءً وعطاء بلا حدود, فنحن بقدر ما يهمنا أمر هذا الدين وبقدر ما نمتلك من الغيرة عليه تهمّنا مسألة الشعائر الحسينية وصيانتها, لأنّها لم تنشأ إلا من الغيرة الحسينية على الإسلام الأصيل، فممّا يدعونا إلى التركيز على الشعائر الحسينية كونها محطّاً لأيادي الطغاة على مدى القرون السالفة؛ لأنّهم “انتبهوا إلى أهمية دور الشعائر الحسينية في حياة المسلمين، ولذلك نجد أنّ الشعائر الحسينية في كلّ الأدوار التاريخية كانت معرضاً للعدوان، ولو كانت الشعائر الحسينية لا تحمل مضموناً ثقافياً وسياسياً لما تعرضت إلى هذا المقدار من العدوان، ولتُرِكت كما تركت الصوفية التي تقيم شعائر معينة، فهم يجلسون في مكان ما ويؤدون طقوسهم المعينة”[3].

 ولكن أسلوب المواجهة في هذا العصر تغيرت لتغير الظروف وموازين القوى في العالم فمواجهة الشعائر الحسينية اليوم تتم عبر أسلوبين: الأول: محاولة إفراغ الشعائر من داخلها، وجعلها مجرّد ممارسات شكلية.

 والثاني: محاولة ضرب هذه الشعائر عبر التشويش في القيم والمفاهيم الإسلامية البديهية من خلال الإعلام المأجور. من هنا ستقف أخي العزيز على ثلاثة عناوين في هذه المقالة.

 أولاً ما المراد من الشعائر الحسينية، ثم مشروعية هذه الشعائر المباركة، وثالثاً في طروّ العنوان الثانوي في المقام. أولاً: المراد من الشعائر الحسينية لفظ الشعائر ورد في كتاب الله العزيز بقوله تعالى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ}[4], والمتأمل في كل الآيات الأربع في القرآن الكريم التي تناولت هذا اللفظ سيجدها آيات مختصّة بفريضة حج بيت الله الحرام, كقوله تعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْر}[5]، {إِنَّ الصَّفَا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَر} [6]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَ لاَ الْهَدْيَ وَ لاَ الْقَلاَئِدَ وَ لاَ آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ}[7].

 لذلك أوضح أحد المحققين وهو في صدد التعرض إلى الآية: “أنّ الظاهر ممّا ذكره أهل اللغة والتفسير أنّ الشعائر محتملة لمعانٍ أربعة، أحدها: أن يراد علامات دين الله وطاعته عموماً، فيشمل سائر المحترمات، وهذا على كونه جمع الشعار وهو العلامة والإضافة إلى الله يكتفى فيه بأدنى مناسبة.

 وثانيها: أن يراد به البدن خاصة.

 وثالثها: أن يراد مناسك الحج وأعماله جميعاً.

 ورابعها: أن يراد به مواضع مناسكه ومعالمه”[8].

 ولهذا نشأ الاختلاف في المراد من الشعائر في الآية المباركة, فهل الشعائر مختصة بشعائر ومناسك الحج أم لا؟ ولعلَّ سائلاً يسأل: ما الثمرة من هذا الاختلاف؟ فيجاب عليه أنّ الكثير من العلماء عادةً ما يستدلّون بآية التعظيم للشعائر بوجوب التعظيم أو استحبابه في موارد عديدة في الفقه[9].

 وهذا الاختلاف ألقى بظلاله على الشعائر الحسينية في المفهوم والمصاديق تبعاً لاختلافهم في المراد من لفظ الشعائر في الآيات المباركة.

 لذلك سنتعرض لما يفهمه جمع من الأعلام من الشعائر الحسينية وحدود تطبيقها في المحاور الآتية.

 علاقة الشعائر الحسينية بشعائر الله تعالى هناك قولان لدى العلماء في إطلاق الشعائر الحسينية: الأول: إنّ الشعائر الحسينية من شعائر الله، ولم تسمَّ بالحسينية إلا لأنّها مرتبطة بالإمام الحسين بن علي (ع) ، فهي كغيرها من الشعائر الإلهية المتمثلة في فروع الدين ومقدساته, فتجري عليها شروط العبادات أيضاً.

 وهذا في الحقيقة تابع لما سبق من أنّ لفظ الشعائر له (حقيقة شرعية)[10]؛ بمعنى أنّ لفظ الشعائر لما ورد في نصوص الشريعة فالشارع المقدس هو المرجع في تعيين المعنى المقصود من شعائر دينه؛ لأنّه قد أضيف لفظ الشعائر لله تعالى في القرآن الكريم فخرج عن معناه اللّغوي، وعليه فلا يستفاد شيء لم تصرح به الشريعة, نعم من خلال العرف واللغة يستفاد من (الشعائر) معنى, ولكن هذا من دون إضافته إلى الله تعالى كما لو استفدنا معنى (الحكم) دون قولنا (حكم الله)[11].

 الثاني: إنّ الشعائر الحسينية أطلق عليها ذلك؛ لأنّها مصاديق وعناوين لتعظيم شعيرة الله (الإمام الحسين (ع) ) فهي مصاديق لتعظيم الشعائر لا مصاديق للشعائر، وهذا ما نقصد به أنّ معنى الشعيرة راجع إلى معناها اللغوي العام -وليس له حقيقة شرعية- بمعنى العلائم والأمارة والمعالم والعلامة على دين الله والمظهر لشريعته والدليل والمعرِّف بدينه, فكلّ شيء كان علامة على دين الله فهو من شعائر الله, وبذلك يثبت هذا المعنى الواسع من لفظ شعائر الله[12], الذي من مصاديقه الشعائر الحسينية[13]، وفي الواقع لكلِّ واحد من القولين أدلّة ومناقشات تناولها العلماء في محالهّا, لم نتعرّض إليها تركيزاً على مطلوبنا.

وثمرة الخلاف هذا: تتجلّى الثمرة من هذا الاختلاف بشكل كبير في سعة الشعائر الحسينية ومحدوديتها، فهل ما ورد من نصوص للشعائر الحسينية كالروايات التي تثبت استحباب البكاء على سيّد الشهداء وإقامة المجالس وزيارة الإمام الحسين كانت بصدد حصرٍ لمصاديق محدّدة تمثّل الشعائر الحسينية؟ وعليه لا يمكن استحداث أيّ شعيرة غير واردة بالنصوص.

 أم كانت بصدد التمثيل فقط لمصاديق تعظيم الشعائر؟ فتتسع الشعائر لكلّ ما يصدق عليه أنّه تعظيمٌ للإمام الحسين (ع) .

 وبعبارة أدق: هل ما ورد من الشعائر كان على نحو الموضوعية أو مجرّد التمثيل بمصاديق في الروايات والنصوص الشرعية؟ أي بما هي طريق إلى تحقيق الشعائر, وبالتالي تتسع دائرة الشعائر لتشمل حتى الأمور التي طرأت علينا في العصور المتأخرة (كضرب السلاسل الحديدية (الزنجيل)، والمراسم الحسينية، أو التمثيلات لمقاتل يوم عاشوراء ونحوها) !! هذا بالضرورة سينعكس على مشروعية الشعائر الحسينية, وبالخصوص التي لم يرد فيها نصٌّ بعينها, لذلك صارت الحاجة ماسّة للسؤال عن مشروعية الشعائر الحسينية نظراً إلى مصاديقها، وإلا ففي أصل الشعائر الحسينية لا شك في كونها امتثالاً لسنّة رسول الله|, كشعيرة البكاء التي أقامها| وأهل بيته^، بل قد بكت الأنبياء^ والملائكة على مصيبة الحسين عليه صلوات الله وسلامه عليه.

 ثانياً: مشروعية الشعائر الحسينية: لا شبهة في كون الشعائر الحسينية من الأمور العبادية التي ثبت استحبابها شرعاً, لذلك أشار بعض الفقهاء إلى حرمة الرياء فيها باعتبار أنّ الرياء “حرام في العبادات ومبطل لها، سواء كانت العبادة واجبة أو مستحبّة، كإقامة عزاء سيّد الشهداء عليه السّلام”[14][15].

بل الشعائر الحسينية وإن كانت مستحبة في نفسها، إلاّ أنّها من جهة إقامة الحق ونشر الهداية واجبة بالوجوب الكفائي، وقد تتعدّد الحيثيات إلى أكثر من ذلك فإنّ الضرب بالسلاسل -مثلاً- على تقدير عدم ورود النص فيه بالخصوص إلاّ أنّه من حيثية إظهار الجزع مستحب، ومن حيثية إقامة ذكر أهل البيت^ وحقّانيتهم ومظلوميتهم واجب كفائي[16].

إذا اتّضح هذا فلا غبار على عبادية هذه الشعائر المباركة, فلا بد من أن نشير إلى وجود قاعدة في الفقه الإسلامي مفادها أنّه لا يمكن أن يتقّرب العبد لله بأمر مرجوح في العباديات, بل لدى بعض الفقهاء حتى بالمباح إذا لم يكن راجحاً لا مجال لأن يكون عبادة محبوبة لله تعالى, وهذا ما اختاره السيد الشهيد الصدر حيث استقرب “الجزم بأنَّ عبادية العبادة متقوّمة بركنين: الأول ثبوت الداعي الرحماني، والثاني عدم ثبوت الداعي الشيطاني…”[17].

 نتيجة لما سبق لدينا عدّة أراء نسميها بما أخذته من نظرة تجاه المعيار الذي يمكن أن يطلق على هذا الأمر أنّه من الشعائر أو أنّه خارج عن الشعائر الحسينية, وبعبارة أخرى المناط في تحديد مصاديق الشعائر الحسينية.

 فلدينا ثلاثة مذاهب في هذا الصدد, ومنشأ تولّد هذا الاختلاف لديهم في ذلك, هو نتيجة قول الكثير من العلماء أنّ لفظ الشعائر له حقيقة شرعية, حيث تتفرّع بناءً على ما سبق مسألة وقاعدة في الفقه الإسلامي يطلق عليها (توقيفية العبادات) وتعني أنّ الأحكام الشرعية تعبدية لا تُصاب بالقياس والاستحسان وحكم العقل, بأن تكون متلقاة من الشارع أي متوقفة على صدور النص فيها من الشريعة المقدسة, فلا ينقص ولا يزاد في العبادات, وإلا صار من أهل البدعة والتشريع في الدين, فالشيء الذي تكون فيه قربة إلى الله © ونتعبد به هو ما دلّ عليه الدليل الشرعي، أمّا ما عداها فلا يمكن التعبّد به إلى الله؛ لأنّه لم يرد فيه شيء من الشرع، وبالتالي إذا جاء به الإنسان بعنوان العبادة فيكون بدعة وكلّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 ومن هنا اختلفوا في مصطلح الشعائر الحسينية ومصاديقه هل هي توقيفية نعتمد فيها على ما ورد من الشارع أم تتسع الدائرة للكثير من الأمور لتدخل كمصاديق لعنوان الشعائر الحسينية, باعتبار أنّه لا حقيقة شرعية لهذا العنوان؟ فهنا نتعرض إلى ثلاثة من الآراء التي استُلّت من كتب العلماء والمحققين: الرأي الأول: الشعائر الحسينية منصوصة: يبتني هذا القول على أنّ الشعائر الحسينية متعيّنة بما عيَّنه النصّ الشرعي من المعصومين^, لذلك صنّف أحد العلماء وهو سماحة السيد محمد الترحيني صاحب الزبدة الفقهية[18] مُصنَّفاً وعدَّ فيه الشعائر الحسينية وحصرها في ثلاثة عشرة شعيرة, وهي: (البكاء، والتباكي، والندب، والجزع، وجعل العشرة الأولى أيام حزن وعزاء, وجعل يوم العاشر يوم مصيبة وبكاء, ولعن قتلة الحسين بعد شرب الماء, ولعن قتلة الحسين مطلقاً, والدعاء عند ذكر الحسين (ع) , وزيارة الحسين (ع) ، وزيارة حرم سيّد الشهداء والتبرك به والاستشفاء بتراب حرمه, وإنشاد الشّعر فيه (ع) , وذكر بعد ذلك الأخبار الكثيرة عن أهل بيت العصمة^ الدالّة على هذه الشعائر بخصوصها).

 ولعلّه بناءً على هذا الحصر للشعائر في هذه الأمور عقّبها بتنبيه في آخر كتابه القيّم, وذكر فيه أنّه: “يشترط في ترتّب ثواب هذه الشعائر أن يكون العامل بها مخلصاً، بمعنى صدورها منه بداعي التقرب إلى الله تعالى، قال تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ}[19]، بالإضافة إلى أنّ البكاء على الإمام الحسين بداعي السّمعة من مصاديق الرياء”[20].

الرأي الثاني: الشعائر الحسينية منصوصة وغير منصوصة: ويفترق هذا الرأي عن السابق, بحيث يرى أنّ الشعائر الحسينية لا تقتصر على ما هو منصوص, بل ممكن أن تتسع دائرة الشعائر الحسينية من خلال الحدود والأطر الموافقة لنهج ورسالة الشعائر الحسينية، وذلك اعتماداً على الآية الشريفة: {وَمَنْ يُعَظّمْ شَعائِرَ اللهِ فإنّها مِنْ تَقْوى القُلوب}[21] فهي تشير إلى كون الحسين الشهيد ثار الله وابن ثاره وهو شعيرة من شعائر الله تعالى، وتعظيمه تعظيم لشعائر الله تعالى، كما أنّه وردت نصوص عامة تدعو إلى إظهار الحزن على الحسين والتَّظلُّم له في أيام عاشوراء.

 ومن أبرز من أخذ بهذا المسلك شهيد المحراب آية الله السيد محمد باقر الحكيم حيث قسَّم الشعائر الحسينية إلى شعائر منصوصة وشعائر مبتكرة، فالأولى تتصف بالثبات والأصالة، والثانية: تحتاج لأطر وحدود؛ فلذلك نصَّ شهيد المحراب+ عليها.

 قال السيد : “القسم الأول: الشعائر الحسينية المنصوصة، وهي التي ورد فيها نصّ ثابت وصريح عن أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام)، وبذلك فهي تتَّصف بالثبات بحسب الأداء”[22] وقد حصرها سماحة السيد في ثلاث شعائر رئيسية وهي (البكاء على سيّد الشهداء، وزيارته (ع) ، وعقد المجالس الحسينية).

 أمّا “القسم الثاني: وهي الشعائر الحسينيّة التي لم يرد نصّ فيها عن أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) لا على مستوى القول أو الفعل أو الإقرار بل تمّ ابتكارها واختراعها من قبل أتباعهم، مثل…شعائر تشبيه وتمثيل مشاهد المأساة التي جرت على الحسين  (ع) ، أو المسيرات الشعبية، وغيرها من الشعائر التي يمارسها المسلمون من أتباع أهل البيت ^ في الأدوار المختلفة، أو التي يمكن أن يتمّ اختراعها في المستقبل”[23] فهذا النوع يمكن أن يتغير حسب مقتضيات الظروف والأوضاع والأهداف التي يراد منها خدمة شعائر أهل البيت^ فقد نجد في منطقة ما أُسلوباً يؤثّر فيها، وفي منطقة أُخرى نجد أُسلوباً آخر أكثر تأثيراً.

 ولأنّ هذا القسم -أي الشعائر المبتكرة- لم يرد فيه نصّ من الشارع, فأورد سماحة السيد بعض الأُطُر والحدود التي من شأنها أن تكون هذه الشعائر المبتكرة تصبّ في أهداف النهضة الحسينية في الشكل والمضمون ولا تبتعد عن الوجهة التي أراد الإمام الحسين تحقيقها من خلال نهضته المباركة، فهناك نقطتان تحددان الإطار العام للحفاظ على سير الشعائر وفق القاعدة القرآنية والأطر السماوية: “الأولى: المبرّرات الشرعية لأداء مثل هذه الشعائر، ولعلّ أفضل المبرّرات لذلك هو أنّ أيّ ممارسة أو أداء يمكن أن يكون تعبيراً عرفياً عن تعظيم الحسين أو إظهار الحزن عليه، خصوصاً إذا كان الأسلوب والممارسة متداولاً في زمن الأئمة (عليهم الصلاة والسلام)، أو كان تذكيراً عرفياً للمسلمين بمصابه وأهدافه فهو أمر مشروع تصدق عليه القاعدة القرآنية في الشعائر.

 الثانية: الحدود والأُطر التي لا بدّ [من] أن تمارس فيه هذه الشعائر بحيث تكون مصداقاً للقاعدة القرآنية التي أشرنا إليها.

 فهذا النوع من الشعائر يختلف عن النوع الأول، فالنوع الأول نمارسه بعنوان أنّ شكله الخاص له نصٌّ، وبالتالي فهو يمثل عبادة يتعبّد فيها الإنسان لله، وهو خط ثابت لا يتغير.

 لكنّ مثل هذه الأُمور لا بدّ [من] أن يتم فيها الاجتهاد تحت نظر الفقهاء والعلماء، والذين يعرفون أهداف الحسين (عليه الصلاة والسلام) ومضمون ثورته؛ ليكون هذا العمل مقرّباً إلى الله .

أمّا أن يخترع شيئاً وربما يكون مبعّداً عن نهج الإمام لما فيه انعكاسات منفّرة للناس عن الحسين (عليه الصلاة والسلام) وفيه مضرّة على حركة الحسين (عليه الصلاة والسلام) فهذا يدخل تحت عنوان البدعة، ويترتب عليه إثم كبير بدل الاستحباب”[24] والعياذ بالله.

الرأي الثالث: الشعائر الحسينية ليست توقيفية على النص مطلقاً: ويفترق هذا المسلك عن المسلكين السابقين, أما الأول فواضح, وأما الثاني فلأنّ هذا الرأي يذهب إلى أنّ الشعائر الحسينية دائرتها واسعة, باعتبار أنّ الشعائر الدينية ليست لها حقيقة شرعية حيث لم تكن الأدلة تامّة على ذلك, فكل الشعائر الدينية المستحدثة والمستجدة داخلة في الإطلاقات, وبالتالي فهي تابعة (للضوابط الشرعية)؛ وذلك لأنّ الشعائر الدينية لم تكن محدّدة بمصداق معيّن بحيث تنطبق على غيره، نعم هناك بعض العبادات محدّدة كالصلاة، حيث حدّد الشارع بدايتها بالتكبير، ونهايتها بالتسليم، وثلثها الركوع، وثلثها السجود، ولها كيفية معينة: أمّا إذا لم يحدّد الشارع كيفية معيّنة، فيستساغ إحياء الشعيرة بشرط كونها مباحة أو راجحة[25] وهذه التقسيمات للشعائر الحسينية تشمل-كذلك- صور ونواحي الإعلام في الشعائر الحسينيّة مثل لُبس السواد، وهو الزيّ الخاص المعبّر عن الحداد والحزن، واستخدام الرايات والأعلام في الحسينيّات والمواكب والشوارع العامة.

 إذاً، أقسام الشعائر تتّسع إلى كلّ ما هو مرسوم أو متّخذ، وما يُستحدث وما يستجدّ من صور وأشكال لإبراز الحُزن والتفجّع، وإظهار التأسّف والتأسّي والمواساة لأهل البيت^, فالتقسيم غير محصور طبقاً لعموم قاعدة الشعائر الدينيّة الشاملة للمصاديق المستجدّة، لاسيّما في دلالة نفس الأدلّة الخاصّة, فلا تنحصر بمصاديق معينة كي يطالب الباحث بدليل خاص حول هذا النوع الخاصّ من الشعيرة أو تلك الشعيرة التي لم تكن في زمن الأئمّة^، وهذا ما ذكرناه في البحث عن الجهات العامّة في قاعدة الشعائر الدينيّة[26].

 ومن يرى هذا المسلك سماحة آية الله الشيخ محمد سند البحراني وآية الله السيفي المازندرانيà حيث اتّضحت نظريتهما بأنّ الشعائر ليست توقيفية ويمكن استحداث الجديد إذا كان مباحاً أو راجحاً أو كان له علامية على القضية الحسينية أو تعظيمها.

 ولكن لا بدّ من التنبيه: أنّه في عمومات الشعائر والألسنة الأخرى عرفنا إيكال المصداق إلى العرف، وهذا لا يتقاطع مع قاعدة التوقيف، لأنّ العناوين المأخوذة في الأدلة ذات حقائق عرفية لا حقائق شرعية، وفي مثلها يقتصر في التوقيف على حكم العنوان دون المصداق.

 فلا يعترض على أصحاب هذا الرأي بأنّ الشعائر الحسينية من الأمور العبادية أكان مستحباً أم واجباً على بعض الوجوه يتعارض مع ما اختاره صاحب هذا المسلك بأنّ مصاديق الشعائر عرفية وغير محصورة بالمنصوص، إذ لا يقصد من سلك هذا الرأي أنّه يجيز التديّن بشيء إذا لم يكن على أساس أنّه شرعي[27] لأنّ العباديّ لا يؤدّى إلا على أساس أنّه من الشارع، وإلا فالجميع عموماً توقيفي ‏من جهة الحكم والمحمول.

 هذا بالإضافة إلى أنّ العبادات ذات حقائق شرعية، وفي مثلها لا بد من إعمال التوقيفية حتى على صعيد المصداق، بخلاف العناوين ذات الحقائق اللغوية كعنوان صلة الرحم وبرّ الوالدين فإنّ توقيفيتها تقتصر على الحكم وقيدية العنوان ‏له دون ماهية العنوان‏، فما نحن فيه توقيفي لكن على حكم العنوان لا نفس المصداق.

 وعليه فجميع هذه المسالك تصبّ في معنى عبادية هذه الشعائر وإن اختلف النهج في توسعة مصاديق الشعائر الحسينية وتضيُّقها.

 ثالثاً: طروّ العنوان الثانوي والشعائر الحسينية ينبغي التعرُّض إلى هذا الموضوع ونحن في صدد الحديث عن الشعائر الحسينية؛ لأنّه يحدِّد لنا الدائرة التي يمكن من خلالها تفعيل الشعائر الحسينية في المجتمع تبعاً لكل زمن، بما فيه من الأعراف والأساليب والمناهج المستحدثة، وعليه ستقف أيها القارئ على مقامين الأول دور العنوان الثانوي في الفقه, والثاني يختصّ بالموانع الطارئة على قاعدة الشعائر الحسينية.

 المقام الأول: دور العنوان الثانوي في الفقه: قبل الولوج فيما يتعلق بحاجة البحث, من المناسب تقديم مقدمة للوقوف على حقيقة العنوان الثانوي وطبيعته في الفقه، فيقصد من العنوان الثانوي هو “الحكم الشرعي الواقعي الذي يثبت لموضوعه بسبب طروء بعض العوارض التي لو لم تعرض لكان الموضوع مقتضياً للحكم الأولي”[28]، وعلى هذا فالحكم الثانوي في قبال الحكم الأولي, كما يمثل عادة بجواز أكل لحم الميتة فيما لو صار مضطراً للحفاظ على بقاء نفسه في الصحراء مثلاً، فواضح أنّ الحكم الأولي للميتة حرام ولا شكّ في حرمته, لكنّ طروّ عنوان (الاضطرار) تَسبَّب في تغير الحكم للحلِّية.

 وبهذا التقسيم للحكم الواقعي تتجلّى المرونة في الشريعة الإسلامية وفق الضوابط والمعالجات الشرعية وليس وفق الأهواء والرؤى الضيِّقة، وهنا لا بدّ من التنبيه بأنّ “الحكم الثانوي لا يلزم أن يكون بنحو الرخصة والإباحة دائماً فقد يقتضي الوجوب أو الحرمة. إذًا فالحكم الثانوي لا يساوق الحكم الاضطراري”[29].

فالسؤال الذي يوجه الآن: ما هي العوارض والموانع التي تعرض على موضوع الحكم الشرعي المرتبط بالشعائر الحسينية, بحيث تكون حاجبة للحكم الأولي؟ هذا ما سيُجاب عليه في المقام الثاني بإذن الله.

 المقام الثاني: الموانع الطارئة على قاعدة الشعائر الحسينية: إنّ هناك عدّة عناوين ينبغي ملاحظتها في تعيين أمرٍ ما أو ظاهرةٍ معينة في كونها من الشعائر أم لا, فإذا تحقّقت هذه العوارض والعناوين كانت مقتضياً لتبدّل الحكم الأوّلي في مقامنا, فمنها: الأول: يجب أنّ لا يكون العمل المطلوب وسمَه بعنوان الشعيرة حراماً؛ لأنّه لا يمكن التقرُّب إلى الله تعالى بما هو محرَّم، فلا يمكن أن تكون هذه الأمور من الشعائر، كالكذب، والغناء، واستعمال الآلات المحرَّمة، نعم، يكفي أن تكون مباحة بالعنوان الأخص عند بعضهم, ولكن عند بعض الأعلام حتى المباح لا يمكن أن يكون مقرباً للمولى كما سيتضح.

 الثاني: لزوم الضرر والإضرار.

إنّ هذا العنوان قد وقع محلاًّ للنقاش بين العلماء على مستوى المقدار من الإضرار بالنفس، وهل هو مطلق الضّرر أو الضّرر المعتد به؟ بعد الاتّفاق على حرمة مطلق الإضرار بالنفس فلا شكّ في أنّه إذا انطبق عنوان الضرر والإضرار -تبعاً لكلٍّ من الرأيين- في أمرٍ ما لا يمكن الحكم بشعيريّته حينئذٍ.

 الثالث: لزوم عنوان الهتك والتوهين والاستهزاء بالمسلمين، أو بالمذهب، أو بعظمة الإمام الحسين وثورته، وعليه فهذا العنوان يعود أمره إلى العرف؛ ولذا قد يختلف من زمان لآخر، ومن مجتمع لآخر، ومع انطباق هذا العنوان لا مجال للحكم بكون الموضوع المنطبق عليه من الشعائر[30]. و”الهتك على صعيد اللغة يعني: كشف المستور.

 وعرفاً: عندما يقال هتك المؤمن أو هتك المجتمع الديني مثلاً يُقصد منه كشف نقاط الضعف فيه أو إذلاله وإهانته، والهوان مسبّب عن الهتك يتّصف به المهتوك إذا هُتك، أو أحدهما مسبّب عن الآخر، وبديهي أنّ ممارسةً توجب الهتك للمجتمع الديني لا تلتقي مع أغراض الشارع”[31]. الرابع: كون الأمر خلاف المصلحة الإسلامية.

 “في بعض الحالات قد يرتأي الفقيه طبق الميزان الشرعيّ أن تُمانع تلك الشعيرة أو الشعائر، لا لأجل إنّها ممانعة في واقع الأمر، ولكن لأجل أنّ مثل هذا الجوّ الحاليّ قد يُضعِّف نفوس المؤمنين، وإن كان هذا التضعيف ليس في محلّه، ولكن لأجل فترة وقتيّة لشعيرة مستجدّة أو مُستحدَثة قد يرى من الصالح لأجل عدم إحداث الضعف والوهن في نفوس المسلمين والمؤمنين، قد يكون من الصحيح الممانعة، لا الممانعة من جهة الهتك أو الاستهزاء، بل في الواقع ممانعة بسبب ضعف المسلمين نفسيّاً تجاه هذه الشعيرة، فربّما عَدم ممارسة هذه الشعيرة يكون أثره أفضل في النفوس، وتحديد ذلك يكون بيد الفقهاء الأمناء على الدين والعقيدة”[32].

وتبعاً لكل ما ذُكر فالشعيرة المقصودة هي الأمور المنصوص عليها, والتي جاء تحديدها في الروايات، كالبكاء، والزيارة، وذكر فضائلهم، ومناقبهم، أو غيرها من الممارسات المتجددة مع ضرورة كون الشعيرة المستحدثة ممّا ينطبق عليها عنوان إحياء أمرهم^، مع عدم تعنونها بمانع من الموانع التي ذكرت.

 فهل هذه الممارسة والسلوك المستحدث في ميدان إحياء الشعائر الحسينية تعتبر مصداقاً للهتك والتوهين للمذهب ولشعائر الإمام الحسين أم لا؟! وهكذا بالنسبة إلى بقية المحذورات المزبورة.

هذا السؤال لا بدّ من أن يبقى في أذهاننا نحن القائمون والمشرفون والدعاة الحسينيون صيانة لهذه الشعائر العظيمة.

 السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين, اللّهمّ ارزقني شفاعة الحسين يوم الورود وثبّت لي قدم صدق عندك مع الحسين وأصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين (ع) .

المصادر والهوامش

  • [1] مجلة الإصلاح الحسيني العدد8، ص89.
  • [2] الشعائر الحسينية بين الأصالة والتجديد؛ السند، ص193.
  • [3] الشعائر الحسينية؛ محمد باقر الحكيم، ص22.
  • [4] سورة الحج: 32.
  • [5] سورة الحج:36.
  • [6] سورة البقرة:158.
  • [7] سورة المائدة:2.
  • [8] العناوين الفقهية، المراغي، ج‌1، ص: 559‌.
  • [9] راجع المقنع: ص 272, والهداية للصدوق+: ص 214, المقنعة للمفيد+: ص 418, حيث استدلوا على وجوب الهدي في الحج بذلك, واستفاد غيرهم وجوب تعظيم الشعائر مطلقاً كالمقدس الأردبيلي& في زبدة البيان: ص286، والميرزا القمي& في غنائم الأيام: ج 1، ص436، والمحقق النراقي& في عوائد الأيام: ص 8.
  • [10] الحقيقة الشرعية هي اللفظة الذي استفيد من الشرع وضعه للمعنى، سواء كان المعنى واللفظ مجهولين عند أهل اللغة، أو كانا معلومين.
  • [11] دليل الهدى في فقه العزاء، السيفي المازندراني، ص71 (بتصرف).
  • [12] نفس المصدر، ص71 (بتصرف)، ص75 و76 (بتصرف).
  • [13] استفدت هذا التقسيم بشكل أولي من مقالة على شبكة الإنترنت للأستاذ رشيد السراي بعنوان (الشعائر الحسينية بين النص والتطبيق).
  • [http://www.alnoor.se/article.asp?id=258823 [14] صراط النجاة (المحشى للخوئي)، ج‌2، ص559.
  • [15] وقع الكلام بين الأعلام في حرمة الرياء حتى في التوصليات. راجع (مجموع الرسائل الفقهية: كتاب رسالة القلم الأول؛ الشيخ علي فاضل الصددي، ص531).
  • [16] الشهادة الثالثة؛ الشيخ سند, ص359.
  • [17] المصدر السابق، ص115 (خلاصة ما اختاره من براهين في المسألة).
  • [18] الشعائر الحسينية المنصوصة, الترحيني العاملي (نسخة إلكترونية).
  • [19] سورة يوسف:106.
  • [20] الشعائر الحسينية المنصوصة، الترحيني العاملي، ص188.
  • [21] سورة الحج: 32.
  • [22] كراسة الشعائر الحسينية، مؤسسة شهيد المحراب للسيد الحكيم¤.
  • [23] المصدر السابق.
  • [24] المصدر السابق.
  • [25] بحوث معاصرة في الساحة الدولية للشيخ محمد السند ص83.
  • [26] الشعائر الحسينية بين الأصالة والتجديد ص219.
  • [27] الشعائر الدينية نقد و تقييم، الشيخ السند،ص:40.(بتصرف)
  • [28] المعجم الأصولي، الشيخ صنقور، ج2, ص46.
  • [29] المصدر السابق.
  • [30] مجلة الاجتهاد والتجديد, العدد22, ص284 (بتصرف وتغيير).
  • [31] الشعائر الدينية، الشيخ سند, ص55.
  • [32] الشعائر الحسينية بين الأصالة والتجديد، الشيخ سند, ص185.
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى