إشعاعات دماء الشهداء وثورات الصحوة الإسلامية

يمكن لأي ملاحظ للحركات التحررية والمطالبة بكرامة الإنسان والتخلص من الحكم الطاغوتي المتغطرس، لا سيما الثورات في المنطقة الإسلامية مؤخراً، أن يستنتج من خلال ملاحظته أنّ الثورات مرهونة بحدّ كبير إلى رصيد دماء الشهداء، وليس المقصود هنا كثرة الشهداء بل إنّ شهيداً واحداً له الأثر البالغ في زيادة بريق هذه الثورة وبلورة أهداف تلك الثورة وتعديل مسارها وانتصار أغلب الثورات وتحقيق أهدافها.

 فدم الشهيد الزكي له القدرة -التي في الواقع يتعجب منها الإنسان- والأثر الكبير في تغيير المسارات وحشد الجماهير، ولعلّ الكثير لا يتصور أنّ كلّ ذلك معلولٌ لسقوط ذلك الشهيد على وجه الأرض.

 وها هو حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يشير لنا معنى ذلك فقد جاء في الحديث عن رسول الله: «فوق كل ذي برٍّ برّ، حتى يقتل الرجل في سبيل الله فليس فوق ذلك بر»(1).

 وفي الحقيقة يمكن لنا الإدعاء بأنّ الشهداء ودماءهم وقودُ الانتصار لثورات المستضعفين، وآلـــةٌ لها الأثر المعنوي الكبير في إعداد الإنسان روحيا، وسحق المادية لديه وغلبة الشيطان في أغلب المجتمعات.

 وقبل الخوض في قلب الحديث لا بد من الإطلاع على مفردات البحث. المفردات الرئيسية للبحث الشهداء: الشَهِيْدُ هو من يُقتل في سيبل الله تعالى، وسُمي شهيداً لأنّه يكون يوم القيامة شاهداً على كلّ من ظلمه وعلى المنحرفين، وقد عبّر سماحة السيد القائد (أدام الله بركاته) بأنّ الشهيد “هو ذلك الإنسان الذي يقتل في سبيل الأهداف المعنوية، ويبذل روحه من أجل الهدف والمقصد الإلهي”(2). وقال العلامة الطريحي (رحمه الله): “قيل سمي بذلك لأنّ ملائكة الرحمة تشهده، فهو شهيد بمعنى مشهود.

 وقيل لأنّ الله وملائكته شهود له في الجنة، وقيل لأنّه ممن استشهد يوم القيامة مع النبي (صلّى الله عليه وآله) على الأمم الخالية، وقيل لأنّه لم يمت كأنّه شاهدٌ أي حاضر، أو لقيامه بشهادة الحقّ في الله حتى قتل، أو لأنّه يشهد ما أعدّ الله له من الكرامة، وغيره لا يشهدها إلى يوم القيامة، فهو فعيل بمعنى فاعل”(3).

 الثورات: الثورة كمصطلح سياسي هي الخروج عن الوضع الراهن وتغييره -سواء إلى وضع أفضل أو أسوأ- باندفاع يحركه عدمُ الرضا أو حتى الغضب إلى التطلع إلى الأفضل.

 وللثورة تعريفات معجمية تتلخص بتعريفين: التعريف التقليدي القديم: وهو قيام الشعب بقيادة نخب وطلائع من مثقفيه لتغيير نظام الحكم بالقوة.

 أما التعريف أو الفهم المعاصر: فهو التغيير الذي يحدثه الشعب من خلال أدواته “كالقوات المسلحة”، أو من خلال شخصيات تاريخية لتحقيق طموحاته لتغيير نظام الحكم العاجز عن تلبية هذه الطموحات ولتنفيذ برنامج من المنجزات الثورية غير الاعتيادية(4). ولكن لو أردنا الوقوف على مفهوم مناسب للفكر الإسلامي وواقعنا المعاصر: أنّ الثورة هي تلك الحركة الشعبية الهادفة لتغير النظام السياسي في سبيل حفظ كرامتها وإعلاء كلمة الحق تعالى ورفضا للظلم والاستبداد.

 الصحوة الإسلامية: أما الصحوة فتعني: [صحو]: والصحو: ذهاب الغيم، وقد صحا يومنا صحوا فهو صاح. وفي المصباح: قال السجستاني: العامة تظن أن الصحو ذهاب الغيم لا يكون إلا كذلك، وإنما الصحو تفرق الغيم مع ذهاب البرد. وأيضا: ذهاب السكر؛ وقد صحا من سكره صحوا، كعلو، فهو صاح.وأيضا: ترك الصبا والباطل؛ وهو مجاز؛ ومنه قول الشاعر: صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله وصحي السكران، كرضي، صحا وأصحى؛ لغة عن ابن القطاع؛ أفاق من غشيته؛ وكذا المشتاق(5).

 الصحوة،جمع: صَحَوَاتٌ. [ص ح و] (اِسْمُ الْمَرَّةِ مِنَ الصَّحْوِ).

 1.”صَحْوَةُ النَّائِمِ”: يَقَظَتُهُ.

2.”الصَّحْوَةُ الإِسْلاَمِيَّةُ”: الوَثْبَةُ، اليَقَظَةُ(6). فما أطلق أخيرا على الحركات الشعبية التي كانت تطالب بكرامتها في الوسط الإسلامي بأنّها حركات الصحوة الإسلامية كانت تشير إلى معنى زوال وذهاب كل مانع عن يقظة الأمة الإسلامية عن مرتكزاتها ومبادئها، فيقظة المسلمين ما يمثلونه اليوم في القيام الجماهيري ضدّ كلّ عناصر الفساد والظلم والاضطهاد المنظم وأحياء للقيم والمبادئ الإنسانية والإسلامية الناصعة. والذي تمثل في الشعار الغالب في وسطهم “الشعب يريد إسقاط النظام”.

 وبعد بيان هذه المصطلحات التي سيتناولها البحث، نشير إلى إشعاعات الشهيد التي يسطع بها بعد استشهاده، فالشهادة نور له البريق الأخاذ على الصعيد الروحي والتربوي للمجتمع، والذي يساهم على مدى زماني طويل وبشكل يعتبر رئيسي في تأسيس الانتصار لأي ثورة وأي حركة تغيرية واسعة في نطاق الوسط الإسلامي بالذات.

 شعاع الشهيد وبث الحياة لا ريب أنّ هناك أثراً كبيرا لسقوط الشهداء مضرجين تحت أقدام ظلم الحكام الجائرين، وهذا الأثر إنما يأتي موافقاً لسياق نداء القرآن الكريم {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا}(7)، فهو إعلان عملي على ذبح الناس جميعا، واستهزاء بقيمة الإنسان بقتل أخيه الإنسان، فالآية “تتحدث عن حقيقة اجتماعية تربوية، لأنّه: أوّلا: إن من يقتل إنسانا بريئا ويلطخ يده بدم بري‏ء يكون -في الحقيقة- مستعدا لقتل أناس آخرين يساوونه في الإنسانية والبراءة، فهو -في الحقيقة- إنسان قاتل، وضحيته إنسان آخر بري‏ء، ومعلوم أنّه لا فرق بين الأبرياء من الناس من هذه الزاوية.

 كما أنّ أي إنسان يقوم -بدافع حبّ النوع الإنساني- بإنقاذ إنسان آخر من الموت، يكون مستعدا للقيام بعملية الإنقاذ الإنسانية هذه بشأن أيّ إنسان آخر، فهذا الإنسان المنقذ يحبّ إنقاذ الناس الأبرياء، لذلك لا فرق لديه بين إنسان بري‏ء وآخر مثله… و ثانيا: إنّ المجتمع يشكل في الحقيقة كيانا واحدا، وأعضاؤه أشبه بأعضاء الجسد الواحد، وأنّ أي ضرر يصيب أحد أعضائه يكون أثره واضحا -بصورة أو بأخرى- في سائر الأعضاء، ولأنّ المجتمع البشري يتشكل من الأفراد، لذلك فإنّ فقدان أيّ فرد منهم يعتبر خسارة للجميع الإنساني الكبير، لأنّ هذا الفقدان يترك أثرا بمقدار ما كان لصاحبه من أثر في المجتمع، لذلك يشمل الضرر جميع أفراد المجتمع.

ومن جانب آخر فإنّ إحياء فرد من أفراد المجتمع، يكون -لنفس السبب الذي ذكرناه- بمثابة إحياء وإنقاذ جميع أفراد المجتمع(8). فلا مجال أن يحيد الإنسان عن خطّ الفطرة التي فطر عليها، وهي حبّه للبقاء، وميوله للكرامة والحرية والعزة.

 فيهب الإنسان للدفاع عن كل ما يملك في سبيل إعلاء خلافته في الأرض، وهذا ما نعبر عنه شعاع الحياة الذي أطلقه الشهيد وهو نور من ذلك الشعاع، فهو وإن عبّرت الآية الكريمة: {أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}، وعبر عنها بعض المفسرين أنها الحياة البرزخية(9)، إلا أنّ الأثر الكبير في الهزة العميقة التي يقوم بها الشهيد بسقوطه مظلوماً، فيهزّ أعماق الناس ويوقظهم، وكأنما تتجدد أرواحهم من جديد وتبث فيهم الحياة والوعي في ذواتهم، وما أجلى معنى الحياة حينها وقد أخذت من حياة الشهيد الخالدة، لذا عبر السيد الإمام روح الله الخميني: “اقتلونا فإن شعبنا سيعي أكثر…”.

 فإنّ كلّ شهادة تسبب حالة نورانية في المجتمع، وشبهنا ذلك الأمر بالحالة النورانية التي تحصل في قلب الأفراد من خلال بعض أعمال الخير أو أعمال التضحية والإيثار التي يقومون بها.

 والقلب الذي يدخل إليه الصفاء، وتحصل له عملية الجلاء، ومن ثم الهداية، فإنّ الظلمات ستزول عنه، والطريق سيتضح أمامه، ويصبح جلياً.

 وهذا موضوع جوهري، ورفيع المستوى في باب أبحاث قيمة الشهيد والشهادة، لاسيما من زاوية دراسة أثار النهضة الحسينية في عالم الإسلام(10).

 ولعل الحديث الوارد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يصبّ في هذا المصب حيث قال: «ما من قطرة أحبّ إلى الله من قطرة دم في سبيل الله»(11)، فجميل من شبّه المجتمع بالمريض الذي يفتقر للدم لكي يعيش، فيأتي دم الشهيد ويأتيه بالدم الكافي ويمد له في حياته، فقطرة دم الشهيد لها الأثر البالغ في شفاء المجتمع الذي فقد صحته من انتشار الأسقام الكثيرة والعلل المتفشية فيه من حالة اللاوعي ووضعه الفاسد، ومن الباطل المتلبس بالحق في أجواءه، ومن الظلم الفاحش في طبقاته، فلا مجال لهذا المريض إلا دم الشهادة الذي يعطيه جرعات من الحياة ليواصل مسيرته في الخلافة الإنسانية لهذه الأرض.

 شعاع الشهيد وهدم المادة فبعد استرخاص هذا الشهيد حياته وهو متقدم للموت، باذلاً أغلى ما عند بني البشر، يرى الناس إثر ذلك مدى حقارة رغباتهم وحقارة الدنيا، بل تسقط قيمة المادة لديهم حتى تصبح حقيرة في أعينهم؛ فيهزّ دم الشهيد كيان الإنسان حتى يقف متفكرا في حال هذا الشهيد وأهدافه السامية من عزة وكرامة، وغاياته الجليلة من جنة ونعيم وخلود في الجنان، فتصغر غايات الإنسان الأخرى وبالخصوص ما كان متعلقاً بالمادة، فيقلب الدم ببريقه الأخّاذ كل الموازين، وأكبر ما يدل على ذلك أنّه كلما سقط شهيد أجابه شهيد أخر وبعنفوان أكبر وإقدام أسرع وشجاعة أكبر وأكبر.

 فمع أن الموت يخيف أغلب الناس، إلا أنه عبر وسيلة الشهادة محرك كبير لدينامكية المجتمعات الدينية، وعودة الروح لها بهدم المادة التي تغلغلت في أهداف أفراده ومعاملاتهم وكلامهم، فالشهيد حقيقة باستشهاده وسيلان دمه العطر على الأرض إنما يعبر عن مفردات أخلاقية كبرى منها (الإيثار) بعطاءه روحه وهي أغلى ما عنده في سبيل حياة المستضعفين وفي طريق الله، وهذا إنما يرجع للعفة في نفس الشهيد حاملا معه كلّ معاني الكرم والسخاء والنبل والسماحة،كما يعبر دم ذلك الشهيد بأسمى معاني (الشجاعة) التي تحمل في طياتها الشهامة والحلم والصبر وعظم الهمة والثبات(12).

 فكل المعاني التي ذكرت وغيرها لها القوة في تكسير عروش المادية التي خلقها الفراعنة في أجواء المجتمعات، ولا يبقى ما يقف حاجزا عن إرادتهم في الحياة والعدل والعبودية لله وحده، فلا معنى حينها لكل العساكر والآليات التي تقف مع الحكام الظالمين، فتهتف الأمم لتكسر كلّ القيود، وكأنّما اتّضحت القوة الحقيقة لدى المجتمعات بالتوكل على الله وابتغاء النصر من عنده تعالى.

شعاع الشهيد وانتصار الشعوب بالعودة إلى الله (جلّ شأنه) وكأنما كان المقتضي هو شعاع الحياة وعدم المانع هو شعاع هدم المادة، حتى وصلنا إلى النتيجة وهي بلورة الانتصار لأي ثورة، وذلك من خلال اليقظة وإحساس الناس بالمبادئ الأصيلة، وعودتهم إلى خالقهم بالاستعانة العملية بالله والتوكل عليه والتسليم لأوامره عز شأنه وجلت عظمته، كلّ ذلك نتيجة لصرخة الشهيد الذي أطلقها، باسترخاصه لنفسه وتشخيصه لحقه واستصغاره للقوة الوهمية عند المستكبرين، وذلك في الواقع لا يتأتى إلا في المجتمع الذي يقترب من الدين، وللدين نصيب لديه في أحوال حياته، وهو ما نعبر عنه ضرورة سلامة الفطرة لتكون هي الأرضية التي يمكن للشهيد بروحه أن يزرع عليها زهور الحياة ورياحين السلام، وهذا ما عبر عنه السيد القائد (دامت بركاته) في إحدى خطبه “أنّ الشهادة تعدّ أحد المفاهيم التي لا معنى لها بمعزل عن الأديان فعلى الرغم من أنّ جميع الشعوب والبلدان يطلقون على كلّ شخص يقتل في سبيل الأهداف القومية شهيد إلا أنّ حقيقة وصف الشهيد ومعناه لا يصدق إلا حيثما كان الدين موجوداً”(13).

 ويتضح ذلك أيضا من كلمات الشهيد مرتضى مطهري “أنّ حركة الشهيد تمتاز بثلاث ميزات: فهو أولا يقتل في سبيل تحقيق هدف مقدس، وثانيا يكسب حالة الخلود، وثالثاً أنه يخلق جواً من الصفاء والطهر في المجتمع”(14).

 فلا عجب إن عاد الناس إلى الله بإعلاء كلمته واحترام حدوده، والسير على صراطه؛ فإنّ كلّ ذلك ببركة ذلك الدم الطاهر الذي سال ممن صغرت الدنيا في عينه، وأخلص عمله لله، وخرج عن حبّ الذات حتى نسيها؛ فقام مستنكرا الظلم وكل مظاهر الاستكبار ضد المبادئ الإلهية، فأشاع الصفاء وزالت ببركة دمائه الأكدار من قلوب الناس، وانتشرت كلمة الخير والصلاح بعمله المبارك، كيف لا وقد حسبه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنه خير الناس حيث ورد عنه  (صلّى الله عليه وآله): «خير الناس، رجل حبس نفسه في سبيل اللَّه، يجاهد أعداءه، يلتمس الموت أو القتل في مصافه»(15).

 فمن أكبر مصاديق خيريته أنّه يدقّ جرس العبودية لدى العباد، ويحدث تلك الصرخة في أعماق الناس، حتى تتحقق تلك الصحوة واليقظة المباركة، ويزول كلّ مانع أمام إنسانية الإنسان، وكرامته وعبوديته لله، ويتخلص المجتمع في الحقيقة من “الإنسان الممسوخ” الذي أدّى الطغيان الفاحش فيه من إبعاد مفهوم الإنسان السوي عنه، إذ أن الظالم وبحركته الفرعونية أدّى لخلق مجتمعات تدعوا له ليل نهار بالربوبية والجلالة، وقلب كل الموازين التي يحملها الإنسان السوي، فخلق موازين مشوشة بأفكار تتناسب وسلطته، فأصبح بعيدا على الفرد أن يفكر أنه يوما ما يستطيع أن يحصل على حقه في المجال الفلاني، هذا إذا وصل ذهنه إلى أن هذا حقه، فالموازين لم تجعل له ضابطة سليمة. حتى وصل الحد إلى قتل الثقة في الشعوب.

 ولكن ببركة وخير ذلك الشهيد يهتزّ ذات الإنسان ليخلق منه الإنسان السوي، وذلك بعودته لفطرته السليمة في رفض الظلم وإحقاق الحق.

 شعاع الشهيد وكرامة الأمة نعم هذا الشعاع الذي تتركه بصمات الشهيد على وجه الأمة ويبقى يبث فيها رمزية العزة والكرامة، وتبقى ذاكرة الأمة تتناقل مآثر الشهداء وتضحياتهم ومظلمويتهم مختلطة بحزن الفراق وعزة الإباء، فيبقى هذا الدم ولا يتقادم، فما إن تحل واقعة أو أمر ترجع الأذهان وتستذكر تلك المواقف المشرفة للشهداء.

 فذكرى الشهيد في الحقيقة ليس بذكر اسمه ومراجعة مواقفه وتضحياته في سبيل العدل والحرية فقط، بل ذكرى الشهيد لها القابلية على بثّ دروس التضحية وبناء الروح والعودة إلى الله، فصدقت تلك الكلمة التي صدرت من أحد الأعلام “أمة لا تحيي ذكرى شهدائها أمة لا تستحق التقدير”، باعتبار أن رجوع الأمة ليوم الشهيد شيء لابد منه، وأقل شيء مقابل ما قدمته دماء الشهيد المخلصة.

ثورة كربلاء “النموذج الأكمل” لأشعة الشهادة “يوم كربلاء يوم الحسين (عليه السلام) لتنتهيَ قيادات السوء من وجود الأمة، وفي كلّ العالم، ويختفيَ جميع الأقزام من موقع القيادة، ولا يُهانَ الإنسان وتُسحق كرامته، ويُستلبَ وعيُه، ويُضلَّلَ عن هدفه.

 حتى لا تتحوَّل الحياةُ الكريمة المسئولة للإنسان إلى مأساة وملهاة، بعيداً عن بناء الذّات، والسّير على طريق الغاية الرّفيعة التي ارتضاها الله سبحانه لعباده، وأهّلهم لبلوغها، ومَنَحَ لهم نور هداها، وفتح واعيتهم عليها، ودلّهم على طريق السلوك إليها.

 يوم كربلاء يوم الحسين (عليه السلام) لحرمان الطّامعين من أهل الهوى والقامات الإنسانية القصيرة، والمستويات المعنوية الحقيرة من التحكُّم في مصير هذه الأمّة وأيِّ أمّة، والعبث بثروات الأرض وكنوزها، وبعثرتها كما يشاء الهوى، ويشاء الظلم، ويشاء السَّفَه، وتحبُّ الشهوات.

 وحتى لا يُظلم الإنسان، ويُذلَّ وتُسلبَ إرادتُه، ويُخوّف، ويقلق وتُقيّد يداه بما أنتجته من أسباب قوّة سيطر عليها الظالم، ومال تصبّب من أجله عرقه، وأعطى قوّتَه وشبابه، وَسَرَقَتْه أيدي الظالمين.

 يوم كربلاء يوم الحسين (عليه السلام) من أجل ألا يكسر طغيانُ الظلم، وشدةُ البطش الذي تمارسه القِوى الحاكمة الظالمة إرادةَ الشعوب والأمم، وتنهار نفسيّتها فتقعَ في الذُّلّ الدائم، والهوان المقيم، وتُصاغ كما يشاء لها هوى الظالمين”(16).

 نعم إن يوم كربلاء الحسين “سلام الله عليه” قدوة الأحرار وأنموذج الشهادة الناصعة المشعة بأشعتها على جميع الأصعدة، والتي تتجلى في كلام سيد الشهداء (عليه السلام): «فكونوا أحراراً في دنياكم»؛ فالثورة التي لا زال صداها يدوي لهذا اليوم من عبق شهيد كربلاء وأصحابه”عليهم سلام الله”، كل ذلك دليل قداسة هدف الثورة وهادفية القائم عليها، فشهادة الإمام الحسين (عليه السلام) وما مثله من إعلاء للقيم التي عبث فيها أمثال طاغية عصره يزيد (لعنه الله)، ورفضا لكافة أنواع الظلم والفساد، ودعوة صريحة للعزة والإباء.

وكان أكبر هذه الأشعة من ثورة الحسين (عليه السلام) الحياة لهذا الدين القويم، بعد أن كان مهدداً بالزوال والتحريف، فضَخَّ سيدُ الشهداء وأهلُ بيته (عليهم السلام) دمَهم الزاكيَ في عروق هذا الدين وشرايينه، فلم يرَ أبطالُ كربلاء إلا اللهَ في أعينهم، فتجلت المحبة الإلهية فلم يعيروا للموت خوفاً ولا للدنيا أملاً.. إلى جانب ذلك زال كلّ ما كان مشوباً بالمادة في ذلك اليوم، فحطّم بذلك كلّ القيم المادية، وأظهر مدى وهن قواها، وكأنّ خلافة يزيد لم تكن.

والحديث الوارد عن سيد الأنبياء والمرسلين رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة»(17) يوحي بأنّ شعاع دم الشهادة الذي سفك ظلما بأرض نينوى هو النور الذي بواسطته يسير المهتدون، ويركبون سفينة النجاة.

 فشعلة الإمام الحسين (عليه السلام) براقة في نفوس الناس بما تحمله من رفض للظلم، ورفع مبدأ الحرية وعدم الاستعباد بأي شكل كان عدا العبودية الخالصة لله تعالى، كما تحيي مبادئ الإنسان الأصيلة من الرحمة والعطف الذي تجلى في عاشوراء حيث وقف سيد الشهداء (عليه السلام) باكياً على تلك الجموع قائلا: أنهم سيدخلون جهنم بسببي.

 وبذلك الحسين (عليه السلام) سفينة النجاة، محركاً للضمائر والقلوب التي ساهمت الأيادي الآثمة والتربية المعوجة للأنظمة في اسودادها وقساوتها، فإلى اليوم ترى الأثر في كثير من المستبصرين لطريق الحق كانت النكتة الجوهرية في استبصارهم والمحرك الذي هزّ كيانهم هو يوم الشهيد السبط في ميدان الطفوف، وكلماته التي تعبر الأزمان، وتدخل في قلوب الناس حتى قلوب الأعداء؛ فتستنهض الإنسان وتصيره إنساناً حقيقياً.

 نعم فالحسين (عليه السلام) أصبح مناراً للأحرار في هذه الدنيا، ولكل طالب حق، وأنموذجاً صارخاً لأي صوت يطالب بالعدالة ونشر السلام، وبذلك يُعلم أن ثورة الحسين (عليه السلام) بدأت في يوم العاشر من شهر محرم الحرام 61هـ وتستمر بتحقيق أهدافها وتطبيق مبادئها وتبقى هذه الأشعة الكربلائية في قلوب المصلحين وطالبي العدالة حتى يظهر القائم (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) ويملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلماً وجورا.

 اللهم ارزقنا القتل في سبيلك، والثبات على صراطك، والهداية إلى مرضاتك.

المصادر والهوامش

  • (1) بحار الأنوار، ج74، ص61، ميزان الحكمة، ج5، ح رقم9749.
  • (2) حديث ولايت، ج2، ص 65-66.
  • (3) مجمع البحرين: 3 / 81.
  • (4) ويكيبيديا، الموسوعة الحرة على شبكة الانترنت.
  • (5) تاج العروس الزبيدي،ج19،ص593،549.
  • (6) معجم الغني/ مكتبة أهل البيت (عليهم السلام) الكمبيوترية.
  • (7) المائدة: 32.
  • (8) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج‏3، ص: 679.
  • (9) الميزان ج1ص 343.
  • (10) الملحمة الحسينية، الاستاذ مرتضى مطهري، ج3، ص26.
  • (11) الكافي، الكليني، ج5، ص53، باب فضل الشهادة.
  • (12) راجع شجرة الأخلاق في: ج1، ص370 من تفسير الميزان.
  • (13) حديث ولايت، ج2، ص 65-66.
  • (14) الملحمة الحسينية، الاستاذ مرتضى مطهري، ج3، ص28.
  • (15) مستدرك الوسائل، ميرزا حسين نوري الطبرسي، ج‏2، ص‏244.
  • (16) خطبة الجمعة لسماحة آية الله الشيخ عيسى قاسم (480) 6 محرم 1433هـ – 2 ديسمبر 2011م.
  • (17) مدينة المعاجز، ج4، ص52.
المصدر
مجلة رسالة القلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى